اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تحوّلت حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية إلى معيارٍ لشرعية الدول، غير أن تطبيقاتها تظل موضع خلاف. واستناداً إلى آراء جون رولز، يمكن صياغة قراءةٍ وسطية لحقوق الإنسان تتجاوز مجرد الأمن الجسدي وتقلّ عن الحقوق الليبرالية الديمقراطية.

حسين هوشمند
حقوق الإنسان بوصفها شرعية سياسية*
تُظهر الحوارات والنقاشات الجادة والواسعة النطاق التي أفضت إلى صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، أن الهدف الأولي لهذا الإعلان - الذي حظي في نهاية المطاف بموافقة جميع الأعضاء - كان طرح وتأمين تدابير لمنع تكرار وقوع الإبادة الجماعية والمذابح التي حدثت أثناء الحرب العالمية الثانية ۱. وكما يكتب جاك ماريتان (Jacques Maritain) في مقدمة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»: «(لم تكن النقطة الأساسية التي وضعها الأعضاء المشاركون في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 نصب أعينهم) هي تأسيس [حقوق الإنسان] على أفكار نظرية مشتركة؛ بل كان هدفهم بلوغ أرضيات مشتركة للعمل العملي (لمنع الإبادة الجماعية/الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان). لم يسعَ الأعضاء إلى بلوغ تصور واحد لحقيقة العالم والإنسان والمعرفة؛ بل سعوا إلى الاتفاق على مجموعة من الضوابط والمعايير بوصفها مبادئ توجيهية للعمل (action).»
قبل إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، كانت الحكومات تتعامل مع مواطنيها بالقوة القسرية المحضة؛ ولكن بعد إقرار الإعلان المذكور، أصبح تأمين الحقوق الأساسية للمواطنين يُعتبر أحد الأسس الضرورية لشرعية الأنظمة السياسية. والآن، صار كل نظام سياسي مكلفاً بتأمين الحقوق الأساسية لجميع مواطنيه - بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو العرقية أو الإثنية أو الدينية. هذه الشرعية الأخلاقية والسياسية للدولة، لا تُسلب منها إلا عبر الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان. وفي إطار المعايير الحاكمة للعلاقات الدولية، حين يفقد نظام سياسي شرعيته، فلن تكون له حصانة أيضاً. ومن هنا، فإن الحكومات المتمتعة بالشرعية السياسية، وبتقدير من الأمم المتحدة، ستجد الإمكانية للقيام، بغية استعادة الحقوق المفقودة، بالتدخل (عبر الحظر الدبلوماسي والاقتصادي أو التدخل العسكري) بشكل مشروط ومحدود في الشؤون الداخلية لذلك النظام (وهو موضوع التدخلات الإنسانية المثير للجدل، وهو موضوع مستقل يتطلب بحثه مجالاً آخر) ۲.
وهكذا، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تحولت حقوق الإنسان إلى أكثر المبادئ جوهرية في الأخلاق والعلاقات الدولية. وقد أطلق بعض أصحاب الرأي على هذا التحول اسم «ثورة حقوق الإنسان». إن ثورة حقوق الإنسان، على الرغم من تأثيرها المتزايد والذي لا يمكن إنكاره في العالم الجديد، لم تسلم من سوء الفهم والتفسيرات غير الصحيحة. لقد حظي كون كل فرد إنساني يمتلك مجموعة من الحقوق الأساسية بموافقة عالمية الآن؛ ولكن بشأن ماهية هذه الحقوق أو طبيعتها، وعلى أي أسس نظرية ومعرفية تستند لتكون قابلة للتسويغ، تجري نقاشات واسعة النطاق وغير قابلة للحسم.
1- مقاربتان رائجتان بشأن حقوق الإنسان: القصوى والدنيا
لتبيين هذه النقاشات والغموضات في فهم مضامين حقوق الإنسان وأسسها، لنلق نظرة على مقاربتين متميزتين ورائجتين في الفلسفة السياسية المعاصرة في هذا المجال:
1- مقاربة المساواتية الكونية (cosmopolitan egalitarianism)؛ 2- مقاربة الإنسانية أو النزعة الإنسانية (humanitarianism).
تؤمن مقاربة المساواتية الكونية بأن حقوق الإنسان تطابق جميع الحقوق التي ينطوي عليها مفهوم العدالة (بمعناها الليبرالي). ووفقاً لهذه الرؤية - بوصفها نظرية أخلاقية أحادية (monistic) - فإن مجموعة واحدة من المعايير المؤسسة على العدالة قابلة للتطبيق على عموم البشر في كل الظروف وفي كل زمان ومكان. وهذا الأمر يقتضي أن تُطبَّق مبادئ المساواتية في جميع أنحاء العالم بشكل متساوٍ. فالأفراد المنتمون إلى أي مجتمع - بصرف النظر عن الظروف والسياق التاريخي والاجتماعي (context) - يجب أن يمتلكوا الحقوق نفسها التي يتمتع بها المواطنون في المجتمعات الليبرالية الديمقراطية. ومن هنا، يُعتقد أن ضمان حقوق الإنسان وتأمينها يستلزم نظاماً ليبرالياً ديمقراطياً. هذه المقاربة - التي تُعد أيضاً نظرية رائجة في فضائنا الفكري - يمكن تسميتها بالتفسير القصوي (maximalism) لحقوق الإنسان.
أما المقاربة الثانية، أي مذهب الإنسانية أو النوعانية، فترى حقوق الإنسان مقتصرة على الحقوق ما قبل المؤسسية (pre-institutional)؛ أي الحقوق التي يمتلكها البشر حتى في عالم خالٍ من المؤسسات الاجتماعية والسياسية. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن تلك الحقوق التي تفترض مؤسسات معينة، أي الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية مثل حق المشاركة السياسية، والحق في التعليم والتربية والصحة العامة، هي في الواقع تعبير عن مصالح (interests) الأفراد لا عن حقوقهم الطبيعية. ومن هذا المنظور، تنحصر حقوق الإنسان في الحقوق السلبية (negative rights). وبهذا الاعتبار، يحصر منظّرو النوعانية حقوق الإنسان في الحق في الأمن الجسدي. وفي مقابل المقاربة السابقة، يمكن تسمية هذه النظرية الأخيرة بالمقاربة الدنياوية (minimalism). وتكمن مشكلة هذه القراءة لحقوق الإنسان في أننا إذا قبلناها، فعلينا حينئذٍ أن نعتبر كثيراً من الحوارات والإعلانات العالمية التي صدرت بعد الإعلان العالمي لعام 1948، حول ماهية حقوق الإنسان ومضمونها، مضلّلة وعبثية. وذلك لأن هذه الإعلانات تشتمل عموماً على مقادير معتدّ بها من الحقوق (مثل حق المشاركة السياسية، والحق في التعليم والتربية والصحة العامة) القائمة على المؤسسات.
وبعد هذه الإشارة المقتضبة إلى نظريتين رائجتين حول حقوق الإنسان، سنتناول في تتمة هذه الكتابة قراءةً ومقاربةً بديلةً معقولةً يكون نطاق حقوق الإنسان فيها، وفقاً لها، أضيق من الحقوق التي تدّعيها القراءة القصواوية وأوسع من الحقوق التي تقبلها المقاربة الدنياوية. وهذا التفسير المختلف مستلّ من كتاب قانون الشعوب لجون رولز. ۳ وسندرس في هذه المقالة فكرة رولز حول حقوق الإنسان وأسس تبريرها.
يوسّع رولز في كتاب قانون الشعوب - الذي هو جزء من نظريته في الليبرالية السياسية - تأملاته حول العدالة في الأفق العالمي المكوّن من شعوب تمتلك تقاليد وقيم وتصورات متمايزة عن العدالة. ولأسباب سنقوم بدراستها، يفترض مضموناً (content) أضيق نطاقاً للعدالة في الأفق العالمي (العدالة بين الأمم). وهو يطلق على هذا التصور المحدود للعدالة الذي يشمل الحقوق الحتمية والضرورية والأساسية والكونية اسم "المجموعة الفرعية المحضة لحقوق الإنسان" (proper subset of human rights). ومن هذا المنظور، لا يتم تبرير كونية حقوق الإنسان استناداً إلى أن كل فرد يمتلك بحكم إنسانيته سلسلة من الحقوق، بل تستند إلى افتراض أن كل نظام أخلاقي علماني أو ديني معقول (reasonable)، منسجم مع تلك الحقوق ومؤيد لها.
تتألف حقوق الإنسان المحضة من سلسلة حقوق تشمل:
الحق في الحياة (ويشمل إمكانيات المعيشة والأمن)؛ الحق في الحرية (ويشمل التحرر من العبودية ومن أي نظام قائم على نظام الأرباب والعبيد، والحصانة من الاستيلاء القسري، والحق في التمتع بحرية الوجدان بالقدر الذي يتضمن الحرية الفكرية والدينية)؛ الحق في الملكية الخاصة والحق في التمتع بالمساواة الشكلية (formal equality)، كما ورد في قواعد العدالة الطبيعية (إصدار أحكام متماثلة في الحالات المتماثلة). (قانون الشعوب، ص 66)
تؤدي الحقوق المذكورة دورين حيويين في الأخلاق والعلاقات الدولية: 1. تحدد هذه الحقوق مبادئ وضوابط الحروب (الدخول في الحرب مسموح أخلاقياً فقط دفاعاً عن النفس أو لمنع انتهاك منهجي لحقوق الإنسان - مثل الإبادة الجماعية)؛ 2. أن الاستقلال الذاتي (internal autonomy) للأنظمة السياسية مقيد ومشروط بمراعاة حقوق الإنسان. وبتعبير آخر، فإن مضمون حقوق الإنسان هو مقياس ومعيار مشروعية الأنظمة السياسية؛ فهذه الفئة من الحقوق تحدد الحد الأدنى من المعايير الضرورية (وليس الكافية) لوجاهة أو مقبولية (decency) الأنظمة القضائية والسياسية. ولا يعتبر رولز هذه الحقوق حقوق إنسان جامعة، بل يعدها مجموعة فرعية محضة من الحقوق الكامنة في العدالة (بمفهومها الليبرالي). وبتعبير آخر، فإن حقوق الإنسان متميزة عن الحقوق التي تضمنها وتؤمنها دولة ليبرالية ديمقراطية.
وعلى هذا الأساس، يرى رولز أن المواد من 3 إلى 18 من مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الثلاثين (1948) تندرج ضمن تعريف حقوق الإنسان بالمعنى الأخص. وهو لا يعتبر قسماً من الحقوق المقترحة في هذا الإعلان متناسبة مع دعواه الكونية. فمثلاً، المادة الأولى من حقوق الإنسان التي تنص على مساواة جميع البشر، تعكس المثال الأعلى والطموح الليبرالي (وبالتالي قد لا تكون مقبولة في المجتمعات القائمة على المذهب الكونفوشيوسي أو الهندوسية ذات البنية الاجتماعية الهرمية). أو أن المادة 24 من حقوق الإنسان التي تنص على وجوب دفع أجور العاملين في أيام العطل، أو المادتين 26 و27 اللتين تؤكدان على الحق في التمتع بتعليم كامل من أجل النمو الكامل لشخصية الأفراد، بما في ذلك التعليم العلمي والفني، تستلزم مؤسسات اجتماعية واقتصادية معينة ربما لم تتشكل في العديد من المجتمعات غير الديمقراطية. كما يعتبر رولز المادة 19 التي تعبر عن الحق في حرية التعبير بمفهومها الليبرالي (بمعنى حرية الوجدان "liberty of conscience" التي تستلزم فصل الدين عن الدولة) والمادة 21 التي تتحدث عن المشاركة السياسية القائمة على الديمقراطية، خارج نطاق حقوق الإنسان. لا يعتبر رولز الحقوق المذكورة من قبيل حقوق الإنسان بالمعنى الأخص (human rights proper)؛ لأنه ينظر إلى حقوق الإنسان كجزء من لوازم ومقتضيات العدالة الواسعة التي يمكن، من حيث المبدأ، أن توفرها أنظمة سياسية كثيرة وليس فقط الدول الرأسمالية الليبرالية.
من وجهة نظر رولز، فإن "حقوق الإنسان بالمعنى الأخص" هي لازم لا ينفك عن أي تصور (conception) للعدالة قائم على المصالح العامة أو الخير العام (common good conception of justice). ومن ثم، فإن حقوق الإنسان ليست حكراً على الليبرالية ولا خاصة بثقافة الغرب وتقاليده الفكرية. ووفقاً لنظرية رولز، فإن مفهوم العدالة أعم من مفهوم حقوق الإنسان. إن تحقيق العدالة – بمعناها الليبرالي – يعتمد على نظام ديمقراطي؛ لكن توفير حقوق الإنسان ليس خاصاً بالديمقراطية الليبرالية، بل يجب على أي نظام سياسي مشروع وموجَّه أن يتكفل بها ويتضمنها. بعبارة أخرى، الديمقراطية ليست من مصاديق حقوق الإنسان. هذا هو التمييز الأساسي الذي غالباً ما يتم تجاهله في النظريات الشائعة والمهيمنة حول حقوق الإنسان.
۲- أسس تفسير وتبرير حقوق الإنسان من وجهة نظر رولز
لكن من أين تنشأ هذه الحقوق، أو بعبارة أخرى، ما هي أسس تبريرها؟ في نظرية العدالة بوصفها إنصافاً (justice as fairness)، يستمد رولز مضمون العدالة من مفهوم المواطن الديمقراطي (بوصفهم أفراداً أحراراً ومتساوين)، لكنه هنا يستمد حقوق الإنسان من مفهوم العضوية (membership) في مجتمع سياسي منظم (organized political society). في مثل هذا المجتمع، سواء أكان ديمقراطياً أم غير ديمقراطي، يكون أعضاؤه حائزين على حقوق الإنسان الأساسية بمجرد عضويتهم فيه. إن العضوية في مجتمع سياسي منظم تقتضي أن تؤمن مؤسساته وتضمن المصالح والمنافع الأساسية لأعضائه؛ العضوية الاجتماعية تقتضي أن تُدرج مصالح الشخص ومنافعه في مسار المجتمع وفي متن برامج وقرارات قادته ووكلائه، وهذا الأمر يستلزم أن يكون القادة السياسيون مسؤولين أمام أعضاء المجتمع. يقول رولز إن حقوق الإنسان هي الشروط المسبقة الدنيا ولكن الضرورية للتفاعل الاجتماعي القائم على الاحترام المتبادل بين أعضاء المجتمع. إن إنكار هذه الحقوق هو بمثابة إقرار لمجتمع قائم على القوة والعبودية؛ أي مجتمع يسود فيه الإكراه والتحكم والقوة المحضة بدلاً من التعاون والتضامن الاجتماعي.
من وجهة نظر رولز، فإن توفير حقوق الإنسان هو معيار ضروري – لكنه غير كافٍ – لحسن انتظام (well-ordered) نظام سياسي-اجتماعي. هذه النقطة تعني أن هناك شرطين آخرين على الأقل ضروريان لكي يُوصف نظام ما بأنه حسن الانتظام. هذان الشرطان هما: أولاً، أن تكون علاقة الحكومة بالشعب والتفاعل السياسي بين الناس قائماً على أساس المبادئ الأخلاقية – أي الواجبات المتبادلة التي تقتضيها العدالة القائمة على المصالح العامة – وثانياً، أن يتمتع جميع أعضاء المجتمع بدور ذي معنى في صنع القرار السياسي.
تفسیر رالز از حقوق بشر بر معیار موجّه بودن decency)) و کنکاش در مبانی نظام سلسلهمراتبی مشورتی موجّه decent hierarchical consultation regime)) مبتنی است. از دیدگاه وی، معیارهای موجّه بودن نظام سیاسی و قضایی یک جامعه، از شرطهای ضروری برای تحقّق عدالت اجتماعی هستند؛ بنابراین، هر جامعهای ـ لیبرال یا غیرلیبرال ـ که مطابق با عدالت مبتنی بر منافع عمومی سامانیافته باشد، حقوق بشر را تضمین و تأمین خواهد کرد.
دو معیار کلی و اساسی برای موجّه بودن/مقبولیت یک نظام سیاسی عبارتاند از: اجتناب از تجاوز نظامی به كشورهای دیگر و تضمین حقوق بشر عموم اعضای جامعه. رالز دو ضابطۀ مذکور را اینگونه تشریح میکند:
1- یک نظام یا جامعۀ موجّه/مقبول (decent) اهداف تجاوزطلبی، ملیگرایانه یا ایدئولوژیک را دنبال نمیکند، و به دنبال آن است که خواستههای مشروعش را از طریق دیپلماسی، بازرگانی و دیگر راههای صلحآمیز کسب کند. چنین جامعهای، نظام سیاسی و اجتماعی جوامع دیگر را به رسمیت میشناسد.
2- ضابطه دوم سه جزء دارد: الف) جزء اول عبارت است از اینکه نظام حقوقی یک جامعه سلسله مراتبی موجّه/مقبول باید آنچه که حقوق بشر - بنابر قرائت رالز - خوانده میشود (یعنی مطابق با نظریۀ عدالت مبتنی بر منافع عمومی) را تأمین کند.
ب) نظام قضایی یک جامعه موجّه/مقبول باید تکالیف و مسئولیتهای معتبری (علاوه بر حقوق بشر) را بر عموم افراد یک ملّت الزامآور نماید.
ج) اینکه قضات و دیگر کارگزاران و عوامل نظام قضایی باید از سر صدق و حسننیت (bona fide) بر این باور باشند که نظام حقوقی جامعه باید بر پایۀ نظریۀ عدالت مبتنی بر منافع عمومی تنظیم شود (قانون ملل، صص ۶۴-۶۷).
مدلی از یک نظام سلسلهمراتبی مشورتی موجّه
رالز با ابداع یک مدل فرضی از یک جامعه سلسلهمراتبی مشورتی موجّه/مقبول به نام کزانستان Kazanistan))، معیار موجّه بودن را بیشتر تبیین میکند (قانون ملل، ص ۶۵). کزانستان یک جامعۀ مسلمان است و تفکیکی بین دین و دولت وجود ندارد (البته لزومی ندارد که یک جامعه موجّه، ضرورتاً دینی باشد). در کزانستان، بالاترین موقعیت سیاسی و قضایی تنها در اختیار مسلمانان است. این جامعه دارای یک دین دولتی است که سیاست داخلی را کنترل میکند؛ بنابراین، پیروان دین حاکم ممکن است از امتیازاتی که دیگران از آنها محروماند برخوردار شوند، اگرچه پیروان هیچ دینی مورد آزار و اذیت قرار نمیگیرند. با دیگر ادیان نهتنها مدارا میشود، بلکه از حق پیروان آنها برای زندگی کامیاب مطابق دین و آیینشان حمایت میشود و مشارکت آنها در فرهنگ مدنی جامعه ترغیب میگردد.
بنابراین، این مدل از یک جامعه موجّه اسلامی، رویکردی روشنگرانه و همراه با تفاهم درمواجهه با ادیان دیگر دارد: در فرهنگ سیاسی این جامعه، باور بر این است که تفاوتهای بین ادیان به خواست و اراده الهی است و اینکه جزای عقیدۀ باطل و ناصواب تنها بر عهدۀ اوست. چنین باورهایی، مبنای یک نظریه درباره مدارای دینی را فراهم میآورد و تبیین میکند که جوامع دینی متفاوت میتوانند رویکردی مبتنی بر احترام متقابل در پیش بگیرند (کارنامه مقبول مدارای دینی در اندلس و دورۀ اسپانیای اسلامی و مقطعی از خلافت عثمانی و همچنین فتاوی پارهای از فقیهان معاصر دربارۀ آزادی دینی، بهخصوص فتوای آیتاللّه منتظری مبنی بر حق آب و خاک داشتن بهائیان مؤید این امر است). علاوهبر این، به دلیل اینکه حاکمان کزانستان تفسیری اخلاقی از مفهوم جهاد دارند و صرفاً در دفاع از ملت خود تن به جنگ می دهند، از اهداف سلطه جویانه نسبت به سرزمین های همجوار اجتناب میورزند. حکمرانی در کزانستان بر یک ساختار «سلسله مراتب مشورتی موجّه» مبتنی است:«ساختار اساسی این جامعه، باید شامل مجموعهای از نهادهای نمایندگی باشد كه نقش آنها در نظام سلسله مراتبی این است كه در یک فرآیند مشورتی مشاركت كنند و از آنچه كه در ایدۀ عدالت ناظر بر منافع عمومی بهعنوان منافع اساسی همۀ اعضای جامعه در نظر گرفته شده است، مراقبت نمایند.»
تتيح آلية البنية التشاورية أو الحوارية (delibrative) الفرصة والإمكانية للاستماع إلى الأصوات المختلفة، ولا سيما الأصوات المعارضة. وإن كان هذا يختلف عن الآلية الموجودة في الديمقراطيات (مثل تكافؤ الفرص للمشاركة في الانتخابات)؛ إلا أن هذه الآلية تسمح للناس بالتعبير عن آرائهم. كزانستان هو مجتمع يلتزم بتبادل الآراء المتبادل (بين الحكام وممثلي الشعب). أما المجتمع الاستبدادي فليس كذلك؛ ففي هذه المجتمعات لا يوجد حوار وتبادل للأسباب المتبادلة، والقوانين هي مجرد أوامر تُفرض بالقوة.
وهكذا، في الحكم الهرمي التشاوري المُسوَّغ، تكون السلطة الحاكمة مسؤولة أمام مواطنيها. يُستشار ممثلو الشعب في إدارة شؤون المجتمع. وهم يعبرون بحرية عن معارضتهم أو يطرحون انتقاداتهم لبرامج الحكومة وأهدافها وأساليبها، ويتوقعون ويتلقون ردوداً معقولة ومدعومة بالأدلة من الحكومة. تؤمن الهيئة الحاكمة والقضاة إيماناً صادقاً بحقوق الإنسان الأساسية لأعضاء المجتمع ويحكمون بمقتضاها. يتمتع أعضاء المجتمع بحق المعارضة والاحتجاج السلمي على القوانين غير العادلة؛ فعلى سبيل المثال، إذا تجاهلت القوانين القائمة الحقوق الأساسية للمرأة، فيجب أن يتمتعن بحق الاحتجاج. يمكن أن يؤدي التعبير عن الاحتجاجات والمعارضات إلى الإصلاح والتحسين التدريجي للأخطاء والمظالم، وفي النهاية إلى توسيع وتعميق حقوق الإنسان.
معيار المشروعية أضيق من معيار العدالة
دعونا نفحص حجة رولز لتبرير «حقوق الإنسان بالمعنى الأخص» والدفاع عنها بمزيد من التفصيل: الحجة هي أن مقتضيات الواجب السياسي أضيق من مقتضيات العدالة بوصفها إنصافاً. يقول رولز إن شرط كون المجتمع سليماً (أن تستوفي مؤسساته الأساسية شروطاً) هو أن يكون الأفراد ملزمين أخلاقياً بطاعة قوانينه. أما إذا لم يوفر البناء القانوني والسياسي للمجتمع هذه الشروط، فإن هذا الواجب يسقط عن الأفراد. يقول رولز في مناقشته لما يسميه «الفكرة الأساسية للمجتمع»، إن النظام القانوني للمجتمع يجب أن يكون قابلاً للتطبيق/ناجحاً (viable)، ولكي يكون النظام القانوني قابلاً للتطبيق، يجب أن يكون له «محتوى معين».
في تفسير رولز لفكرة المجتمع، لكل مجتمع تصور لمفهوم الحق والخير «يتضمن فهماً للعدالة يمكن اعتباره تعزيزاً للصالح العام (common good): عندما يتبع مجتمع ما هذا الفهم للعدالة، فإنه يأخذ في الاعتبار مصالح جميع أعضائه (المجتمع ككل لا مصالح أفراد وجماعات معينة)». وعندما لا يتحقق هذا الشرط، فبدلاً من «مجتمع ذي نظام قانوني يفرض واجبات حقيقية بحق»، توجد حكومة «تجبر شعبها ببساطة - العاجزين عن الاحتجاج - (تلجأ إلى القوة)». (الليبرالية السياسية ص ١٠٩).
لذلك، يجب أن يسترشد النظام السياسي والقانوني للمجتمع بتصور للعدالة شرطه أن يراعي مصالح جميع أعضاء ذلك المجتمع ككل. وهنا يوجه رولز الانتباه إلى نظرية الواجب السياسي لفيليب سوبر في كتاب بعنوان «نظرية في القانون». ٤
لدى فيليب سوبر مقاربة أخلاقية للنظرية القانونية، وهو يبحث في مسألة «كيف ينبغي أن يكون القانون إذا أراد أن يكون ملزماً؟» أو ما هو شرط الطاعة الإلزامية للقانون؟ يقول سوبر في بداية الكتاب إنه في قلب نظريته القانونية تقع الصيغة المعدلة والموسعة لتعريف الأكويني للقانون بوصفه «أمراً من أوامر العقل من أجل الخير العام، يصدره من يتولى رعاية المجتمع» (نقلاً عن TL, 55).
يكتب سوبر: «تتميز الأنظمة القانونية أساسًا بالإيمان بالقيمة؛ أي ادعاء الحكام بحسن نية (bona fide) بأنهم يخطون في اتجاه مصالح جميع أعضاء المجتمع. إن هذا الادعاء أو المطالبة بالعدالة هو ما يرتبط مفهوميًا بفكرة القانون؛ وبالتالي، يمكن إظهار الفروق بين القانون والأخلاق والإكراه من خلال متغيري القوة والإيمان بالقيمة. القانون هو عبارة عن جزاءات/عقوبات (sanctions) منظمة مقرونة بمطالبة صادقة بالعدالة من قبل أولئك الذين يطبقون هذه الجزاءات. والأخلاق تطرح الادعاء نفسه؛ لكنها تفتقر إلى الإلزام. أما الأنظمة القسرية القائمة على القوة فتعتمد فقط على الجزاءات/العقوبات، دون أي اكتراث بالعدالة» (TL, 55). وهكذا، يجادل سوبر بأن الادعاء الرسمي بالعدالة، في العلاقات بين الحكام والشعب، هو الذي يخلق الشرط الضروري للواجب السياسي، أي: «سعي المسؤولين بحسن نية إلى الحكم لصالح المجتمع بأسره، بما في ذلك الفرد المعارض.» هذا الشرط هو أحد شرطين يخلقان الواجب السياسي. أما الشرط الثاني فينص على أن «مؤسسة/نظام القانون بشكل عام - رغم ما قد يعتريه من عيوب - أفضل من انعدام القانون» (TL, 80).
فيما يتعلق بالشرط الأخير، يجادل سوبر بأنه لو كان اللاسلطويون على صواب وكانت جميع الأنظمة القانونية غير مرغوب فيها أو غير أخلاقية، لما كانت هناك حاجة إلى واجب سياسي. لكن اللاسلطويين مخطئون؛ لأن الأنظمة القانونية تخلق الأمن والاستقرار. وعلى الرغم من ذلك، إذا تدهور نظام قانوني إلى درجة لا يتيح معها حتى الحد الأدنى من الأمن للأعمال العامة (المنفعة العامة)، فلن يكون هناك إلزام بالطاعة (TL, 83). ومن ثم، فإن نظرية سوبر في الواجب السياسي تقوم على بطلان اللاسلطوية: فمسألة ما إذا كان الفرد ملزمًا من حيث المبدأ بطاعة القانون لا تتوقف على الإجابة عن سؤال أي نوع من الأنظمة القانونية هو الأفضل، بل على سؤال ما إذا كان أي نظام قانوني قابلًا للدفاع عنه أصلًا.
أشرنا إلى أن الشرط الأول للواجب السياسي - أي ما إذا كان على الفرد في البداية التزام بطاعة القانون أم لا - ينبع من الاعتقاد الصادق بالعدالة، بمعنى أن الواجب السياسي ينشأ مما إذا كان أصحاب السلطة يسعون بحسن نية إلى الحكم في اتجاه المصالح الفضلى لجميع أعضاء المجتمع؟! ولكن ما هي هذه المصالح وكيف يمكن معرفة أن الحكام يؤمنون بها بصدق.
يستخلص سوبر عددًا قليلًا من الحقوق «الطبيعية» من الشرطين المذكورين، والتي يعتبرها ضرورية وكافية لخلق واجب أولي بطاعة قوانين نظام قانوني-سياسي، وهي: حقوق الأمن، والمساواة الشكلية (العدالة القضائية)، وحق التعبير. وهو يدعي أنها الحقوق الوحيدة المؤهلة من منظور النظرية القانونية لأن تُسمى «طبيعية» (TL, 133). ويؤكد سوبر أن الأنظمة القانونية يجب أن تضمن الحد الأدنى من الحماية اللازمة لحياة الأفراد وحريتهم وممتلكاتهم. ويضيف أنه «بدون هذه الحماية، لا يمكن لأي نظام أن يفرض واجبًا» (TL, 130).
لكن كيف لنا أن نعرف أن الحكام لديهم إيمان صادق بهذه الحقوق؟ بما أن المسؤولين الحكوميين في الأنظمة الاستبدادية غالبًا ما يطلقون ادعاءات غير صادقة حول العدالة كوسيلة للسيطرة الاجتماعية؛ يجادل سوبر بأن التصريحات الصادرة بحسن نية بشأن العدالة لها أهمية جوهرية. لأنه كما يقول كانط: «الإرادة الخيرة تستحق الاحترام الأخلاقي.» ومن ثم، فإن السعي الصادق لتحقيق العدالة أو الخير العام يجب أن يكون الدافع الأساسي لإجراءات المسؤولين الحكوميين. فإذا سعوا بدلًا من ذلك إلى تحقيق مصالح شخصية أو مصالح مجموعات معينة، فلن يكون على المجموعات والأفراد المستبعدين أي واجب سياسي لطاعة القانون، وإذا كان ادعاء العدالة كذبًا متعمدًا، فلن يخلق أي واجب أيضًا.
يقول سوبر إن تحديد الحالات التي يكون فيها ادعاء العدالة غير صادق إلى درجة تقوض أساس الواجب السياسي لن يكون صعبًا من الناحية العملية؛ إذ يكتب:
حيثما يوجد شك عادي، ولو يسير، حول لا أخلاقية بعض الأفعال – كالتعذيب، والاسترقاق، والحرمان الجسيم من حقوق الإنسان لجماعات مختارة – فإنه لا يمكن الاستنتاج بأن الأنظمة التي تقع فيها هذه الأفعال تقع ضحية خداع الذات. أو حين تكون حالة الخداع بسيطة (كما عندما يُعذَّب السجناء السياسيون لكن المسؤولين ينكرون هذه الحقيقة عن وعي). لكن الحالات الأكثر تعقيدًا أخلاقيًا مما يُتصوَّر (كما عندما يُعتقَد عن وعي أن الفصل العنصري مبرَّر)، فهذه من مصاديق العمى الأخلاقي لا خداع الذات. غير أن صعوبة اكتشاف درجات الخداع وتمييز خداع الذات عن مجرد العمى الأخلاقي، تخلق ضرورة لاستنباط حق جوهري واحد على الأقل من مفهوم القانون» (TL 125).
ذلك «الحق»، هو حق البيان (discourse). ينبع هذا الحق من الرغبة في معرفة ما إذا كان المسؤولون الحكوميون يعتقدون بصدق بعدالة النظام القانوني وإجراءاتهم أم لا. يجادل سوبر بأنهم إن كانوا يحملون هذا الاعتقاد الصادق، فسيكونون مستعدين للاستجابة للتحدي المعياري للمجتمع أو تقديم تبرير معياري لأوامرهم القسرية. وللحفاظ على مبدأ الاحترام المتبادل (بين الحاكم والمحكومين) الذي يقوم عليه القانون والواجب السياسي، ينبغي أن يكون للأفراد الحق في اختبار صدق التبريرات الرسمية عبر القول (القول هو اختبار صدق الحكام). يجب أن يتمتع أفراد المجتمع «بالحق في الإصرار على أدلة يمكن بها اختبار الصدق، مثل: التواصل، وتبادل الآراء، والحوار والنقاش» (TL134)؛ لذا، فإن حق البيان هو حق مفتاحي؛ قيمة حق البيان هي تبرير البنية السياسية الأساسية: إنه أساس قياس «مصداقية الموقف الرسمي الذي يُظهر أن المجتمع قد انفتح على التحديات – في مواجهة الآراء المقبولة – والقيم الجديدة.»
وهكذا، من وجهة نظر سوبر، فإن حقوق الأمن، والمساواة الشكلية/القضائية، والبيان، هي حقوق طبيعية. بمعنى أنها حقوق في مواجهة الدولة، إذا لم تضمنها سُلبت منها صفة القانونية والمشروعية، ويصبح النضال والمقاومة ضدها أمرًا يمكن الدفاع عنه (TL، ص 132).
لنعد الآن إلى فكرة رولز: الشرط الضروري الذي يعتبره رولز أساس تبرير مشروعية (أو المنزلة الأخلاقية) لنظام سياسي وقانوني، هو فكرة العدالة القائمة على الخير العام التي تستلزم تأمين المصالح الأساسية لجميع أفراد المجتمع. حين يُفسَّر هذا الشرط على ضوء حجج فيليب سوبر، فإنه يفضي إلى أن فكرة العدالة القائمة على الخير/المصالح العامة لجميع أفراد المجتمع تعتبرهم ذوي حقوق أساسية محددة يسميها رولز حقوق الإنسان. لكن، كما آمل أن يكون تحليلي لفكرة رولز قد أوضح، فعلى الرغم من أوجه الشبه المهمة بين نظرية سوبر في الحقوق الطبيعية وتصور رولز لحقوق الإنسان، توجد بينهما الفروق الجوهرية التالية:
أولاً، يضيف رولز إلى مفهوم سوبر للحقوق الطبيعية بُعدًا دوليًا يسميه «التصور السياسي لحقوق الإنسان»؛ ثانيًا، يعتقد رولز أن تصور (conception) العدالة في مجتمع سياسي مُبرَّر ينبغي أن يشمل، بالإضافة إلى الحقوق التي يعتبرها سوبر حقوقًا طبيعية، حقوق المشاركة السياسية أيضًا؛ ثالثًا، يريد رولز تقديم تصور سياسي أو قائم بذاته (freestanding) لحقوق الإنسان يكون متوافقًا مع الحجج المختلفة والمعقولة للإقرار بحقوق الإنسان الأساسية التي تطرحها العديد من المذاهب الشاملة، الدينية أو العلمانية (الإجماع المتداخل)؛ وأخيرًا، بينما ينشغل سوبر بتعريف القانون، يهتم رولز بالشروط اللازمة لنظام أخلاقي يمكن الدفاع عنه، بخصوص التعاون السياسي والاجتماعي.
كلمة أخيرة
يقدّم رولز في «قانون الشعوب» أسس التبرير الأخلاقي لتغييرين تاريخيين جوهريين بعد الحرب العالمية الثانية بشأن السلطة المطلقة أو الصلاحية التامة للحكومات: أولهما أن «الحرب لم تعد وسيلة مقبولة في سياسة الحكومات ولا يمكن تبريرها إلا للدفاع عن النفس، أو في الحالات الخطيرة، للتدخل من أجل حماية حقوق الإنسان»؛ وثانيهما أن «الاستقلال الداخلي للدول أصبح الآن مقيدًا» (بحقوق الإنسان) (قانون الشعوب، ص، 50). إن الهدف الأولي لرولز هو تبيين مبادئ للحد من الحرب بين الأمم إلى أدنى حد وضمان حقوق الإنسان الأساسية للأفراد عبر توسيع نطاق الحكم الانتخابي الخاضع للقانون والدفاع عنه. من هذا المنظور، يمكن الحفاظ على السلام العالمي بشكل عادل؛ شريطة أن يحظى تصور سياسي لحقوق الإنسان (تصور مستقل عن المذاهب الدينية والعلمانية لحقوق الإنسان) ينبغي تطبيقه على النظام العالمي، بتأييد جميع المجتمعات التي تتمتع بالحد الأدنى من معايير الوجاهة. وبالنظر إلى تنوع وتعدد التقاليد الدينية والأخلاقية المعقولة، فإن السبيل الوحيد للتوصل إلى اتفاق كوني في مجال حقوق الإنسان هو تقديم تصور قائم بذاته لحقوق الإنسان. فالتقاليد الأخلاقية والدينية المعقولة والمختلفة – كل منها مع امتلاكه لنصوص مقدسة مختلفة وتعدد داخلي في وجهات النظر وطرق استدلالية متمايزة – يمكنها أن تقدم أسسًا أخلاقية مشتركة للإقرار بالتصور القائم بذاته لحقوق الإنسان بعباراتها ومصطلحاتها الخاصة. ومن هنا، سعت قراءة رولز لحقوق الإنسان إلى تجنب خلق عقبات غير ضرورية للإقرار بها، عبر الامتناع عن حصر تبريرها على أساس تقليد أخلاقي أو فلسفي معين.
قلنا إن مضمون حقوق الإنسان يقدم معايير مشروعية (المكانة الأخلاقية) لنظام سياسي؛ ولكن من وجهة نظر رولز، فإن معيار المشروعية أضيق وأهزل من معيار العدالة الديمقراطية. ووفقًا للتصور الذي يقدمه رولز في قانون الشعوب للمشروعية، فإن المشروعية السياسية للدولة مرهونة بأن تُظهر أنها تملك، بشكل عادل ومعقول، الحق في فرض القرارات السياسية على مواطنيها، لكي تتوقع بعد ذلك أن يلتزموا بواجباتهم المدنية أي طاعة هذه السياسات. وهذا التصور أضيق وأهزل من المفهوم الذي يسميه رولز المبدأ الليبرالي للمشروعية: ينص «المبدأ الليبرالي للمشروعية» على أن ممارسة السلطة السياسية على المواطنين – بوصفهم أفرادًا أحرارًا ومتساوين – تكون قابلة للتبرير عندما تكون مطابقة للدستور (مكتوبًا كان أو غير مكتوب) ويمكن أن تحظى بتأييد عموم المواطنين العقلاء والمعقولين.
على أية حال، تقدم نظرية النظام المعياري العالمي لرولز (في كتاب قانون الشعوب) مجموعة من مبادئ العدالة وحقوق الإنسان القابلة للتطبيق في القانون الدولي، والتي يمكن أن تؤدي، في حال الالتزام بها، إلى خلق عالم عادل وسلمي ومستقر. إن نظامًا عالميًا كهذا هو يوتوبيا واقعية. يمكن لعالم كهذا أن يكون أكثر عدالة وسلامًا من العالم الراهن. يقول رولز إن تحقيق مثل هذا النظام العالمي أمر ممكن بالنظر إلى الطبيعة البشرية والتعدد الثقافي في العالم: «أنا أعتقد أن هذا السيناريو واقعي؛ يمكن أن يوجد وقد يوجد. وهو أيضًا مثالي ومرغوب فيه جدًا، لأنه يقرن المعقولية بالعدالة ويمكّن الشعوب من تحقيق مصالحها الأساسية» (قانون الشعوب، ص، 7).
*هذه المقالة هي النص المحرر لمحاضرة أُلقيت عبر الإنترنت في كلية الحقوق بجامعة الشهيد بهشتي. ويتقدم الكاتب بالشكر للسيد عماد خادمي على جهوده في التحرير الشكلي لهذه المقالة.
1- للاطلاع على هذه الحوارات والمناقشات التي جرت أثناء صياغة إعلان حقوق الإنسان، انظر: Mary Ann Glendon, A World Made New: Eleanor Roosevelt and the Universal Declaration of Human Rights (New York: Random House, 2002).
۲- لدراسة أدلة الحرب ضد الأنظمة التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل ممنهج، انظر: Michael Walzer, Just and Unjust Wars: A Moral Arguments with Historical Illustrations (New York: Basic Books, 1977); Charles Beitz, Political Theory and International Relations (Princeton University Press, 1999).
۳- John Rawls, The Law of Peoples (Harvard University Press, 1999).
.۴Philip Soper, A Theory of Law (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984)
يُشار إلى هذا الكتاب بالرمز المختصر TL في متن المقال.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
پرسش: آیا آن چه United Nation's Human Rights' Charter خوانده میشود با رعایت حقوق مردم جهان نگاشته شدو یا نه این گونه نبود و ُThe Conditions of Inscription و Legitimization حاکم بر شرایط تصمیمگیری، نگارش و Enaction قانون سازی در شرایط حاکمیت نژادی و فکری که برتری نظامی و مالی داشت صورت گرفت؟ آیا سازمان ملل فقط در برابر خواست مردمان ضعیف میایستد و یا نه The Establishment جمع قدرتمند کنترل کننده روابط بین الملل و حقوق بین الملل را نظارت و مهار میکند؟ Sanctification of Human Rights و سخن گویی مسئولین فرانسوی، بیریتانیایی و آمریکایی حاکم بر مرگ و زندگی ملل از رنجهای انسانیت امروز است. جائی که بزرگترین مسئولین نسل کشی قدیم و حال حاضر تاریخ در موضع سخنگویی از حقوق قرار دارند و هیچکس امکان اثر گذاری بر این وضع را به خاطر فریبی به نام آزادی و سازمان ملل نمییابد. هنگامی که گرگ خود مسئول محافظت از جان دیگران باشد!