اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
وصف هايك العدالة الاجتماعية بأنها سراب وخرافة، لكنه في الوقت نفسه زعم أنه على اتفاق مع جون رولز. الأسس الفلسفية لهايك لا تثبت بالضرورة أن العدالة التوزيعية خلو من المعنى، ويمكن اعتباره فيلسوفاً رولزياً.

المصدر: مشق نو
قبل أكثر من أربعين عاماً، أعلن فريدريش هايك اعتقاده بأن نظرية العدالة الاجتماعية هي «سراب».[1] ولكي يزيل هايك أي غموض حول وجهة نظره، وصف العدالة الاجتماعية بتعبيرات مثل «صيغة جوفاء»، و«خاوية تماماً، منطقياً وكلياً، وبلا معنى»؛ و«اعتقاد شبه ديني لا مضمون له ولا محتوى»، وضرب من الخرافة أو «الوهم» كالإيمان بالسحر أو الكيمياء. ويضيف هايك أن العدالة الاجتماعية نوع من الخرافة الخطيرة؛ إنها مثل «كابوس يتسبب اليوم، بإثارة المشاعر الرقيقة، في تدمير جميع قيم حضارة حرة»، كما تؤدي إلى «تخريب الأرضية التي تنبثق فيها القيم الأخلاقية، مثل الحرية الفردية، وتنمو». وفي ظن هايك، فإن تعبير العدالة الاجتماعية منشأ «تفكير مشوش، بل وخيانة فكرية». [2]
بعد ثمانينيات القرن الماضي، كان لوجهة نظر هايك هذه تأثير ونفوذ ملحوظان على بعض الاقتصاديين والمستشارين الاقتصاديين للحكومات وصانعي السياسات الاجتماعية في بعض البلدان (منها إيران). لكن آراء هايك حول العدالة الاجتماعية قوبلت غالباً بالإهمال من جانب الفلاسفة السياسيين. ففي الفلسفة السياسية المعاصرة، وتحت تأثير أعمال وأفكار جون رولز، أصبحت العدالة الاجتماعية محورية. ومن ثم، لا نجد في أدبيات هذه الفئة من الفلاسفة إشارة إلى وجهة نظر هايك حول العدالة الاجتماعية. حتى روبرت نوزيك الذي تتوافق نتائج فلسفته السياسية مع هايك لم يعتمد كثيراً على المقدمات الفكرية الهايكية. لا مجال هنا لتقييم شامل لدعاوى هايك، لكننا سنبين، من خلال التحليل النقدي لدعاواه الأساسية، أنه خلافاً لما يبدو من ظاهر كلام هايك، فإن الأسس الفلسفية لآرائه لا تتضمن اللامعنى لنظرية العدالة الاجتماعية أو العدالة التوزيعية.
على الرغم من تعبيرات هايك المثيرة للجدل حول العدالة الاجتماعية، فمن المدهش حقاً أنه يقول في الكتاب نفسه إن الاختلافات بين وجهة نظره ونظرية العدالة عند جون رولز «لفظية أكثر منها معنوية ومفهومية»[3]، وأنه يتفق مع رولز على هذه «النقطة الأساسية» القائلة بأن مبادئ العدالة تنطبق على القواعد الحاكمة للمؤسسات والعمليات الاجتماعية، وليس على توزيع سلع معينة بين الأفراد.[4] ويعتقد هايك أن كثيراً من قراء رولز لم يفهموا مقصده على الوجه الصحيح، ومن ثم فقد أغفلوا نظريته القائلة بأن التوزيع الناشئ عن المؤسسات -بغض النظر عن طبيعته- هو توزيع عادل وقائم على الحق. لكن لا شك في أن العدالة الحاكمة للمؤسسات في نظرية رولز تُفسر بمفهوم العدالة التوزيعية: «إن مبادئ العدالة التوزيعية تحدد استحقاق المزايا وكذلك واجب التفاعل الاجتماعي»[5]. علاوة على ذلك، يعتبر رولز العدالة أهم ميزة للمؤسسات الاجتماعية. وعليه، يُطرح هذا السؤال: ما التفسير الوجيه الذي يمكن تقديمه لادعاء هايك باتفاقه مع رولز؟
يعتقد بعض أهل الرأي أن التبرير الأكثر معقولية للتقارب الذي ادعاه هايك هو القول إنه لم يقرأ عمل رولز مطلقاً.[6] لكن بعض الكتاب المنتمين إلى التيار اليساري يقولون إنه إذا كان هايك يدعي الاتفاق مع رولز، فلا بد من وجود خطأ في جهاز رولز الفكري.[7] وخلافاً للاتجاهين السابقين، يُدعى هنا أنه على المستوى النظري ومن الناحية المعيارية، يمكن اعتبار هايك فيلسوفاً سياسياً رولزياً. ولتحقيق هذه الغاية، ندرس الأفكار التالية بإيجاز:
أهمية «العدالة الإجرائية (procedural) المحضة»، وعدم صلة الاستحقاق (merit) بنظرية العدالة، ونظرية حجاب الجهل، والمبدأ الذي يقتضي أن التفاوتات ينبغي أن تكون في صالح الجميع.
قبل أن نشرع في بحث موجز حول النقاط المذكورة، يلزم أن نلقي نظرة أكثر تدقيقًا على انتقادات هايك للعدالة الاجتماعية؛ انتقادات يبدو أنها صيغت أساسًا بناءً على جملة من الدعاوى التجريبية القابلة للنقاش، لكنها، من الناحية النظرية والمفاهيمية، غير مبررة وتفتقر إلى الأهمية. ولعل هذا هو السبب في أن انتقادات هايك لنظرية العدالة التوزيعية – على خلاف النظريات النقدية لروبرت نوزيك – لم تؤخذ على محمل الجد بين الفلاسفة السياسيين المعاصرين.
نقطة انطلاق استدلال هايك هي أن «سلوك البشر وحده هو ما يمكن وصفه بالعادل أو غير العادل»، وعندما نُطلق هذا المفهوم على حدث (أي على واقع الأمر)، فإنه يكون ذا معنى بشرط أن نُسلّم بأن فردًا ما مسؤول عن إحداث ذلك الواقعة أو أنه هيّأ المجال لها.[8] لذلك يرى هايك أن حدثًا مثل توزيع (الموارد)، يمكن أن يكون عادلًا أو غير عادل، إذا ما تأكدنا من وجود عامل إنساني مشارك في إحداثه واستمراره. لكن من وجهة نظر هايك، فإن المجتمعات البشرية قد تشكلت وفقًا لنظام وترتيب قاعدي كان في البداية نتاجًا للتطور لا تصميمًا ذكيًا. في العملية التطورية، تشق المجتمعات البشرية طريقها التكاملي بنبذ القواعد التي تضعف الحياة الاجتماعية وباختيار القواعد المقوّمة للحياة الجمعية. يفترض هايك أن العدالة الاجتماعية أو العدالة التوزيعية أمر مستحيل في صميم نظام تلقائي (أو عفوي) في المجتمعات الكبيرة والحرة، أي المجتمع القائم على السوق.
من البديهي أن نظرية النظام الاجتماعي القائمة على التطور لا تؤدي بالضرورة إلى نفي العدالة الاجتماعية. وإن كان لا يمكن إقامة دليل على أن النظرية التطورية موجهة نحو العدالة. لذا، من الضروري بحث أي تصور للعدالة يتعارض مع ما يسميه هايك بالنظام التلقائي (النظام القائم على التطور). إن نقد هايك للعدالة الاجتماعية أو العدالة التوزيعية يسعى إلى هدف محدود للغاية. فادعاؤه هو أنه في نظام اجتماعي تلقائي قائم على السوق، يكون التوزيع وفقًا للنمط الفرداني القائم على الاستحقاق أمرًا مستحيلًا. إن نظرية العدالة القائمة على الاستحقاق -التي تعكس الأخلاق النفعية- تحدد معيار حرمان الأفراد أو تمتعهم بناءً على سلوكياتهم النافعة أو الضارة تجاه المجتمع فحسب. بعبارة أخرى، وفقًا لهذه النظرية، تتوقف الحقوق الأساسية للأفراد على مدى استحقاقهم أو جدارتهم، لكن هايك يقول إن المكافأة التي يحصل عليها الأفراد في اقتصاد السوق لا تتوافق مع استحقاقهم أو موهبتهم الطبيعية. فالسوق هو ساحة لعب المهارة والحظ (أو البخت)، ومهارة الأفراد في حد ذاتها جزء من حظهم التكويني (أو الوراثي). لكن النقطة المهمة هي أن هايك يقر بأنه «لا يوجد سبب يمنع الحكومة في مجتمع حر من حماية الناس من الحرمان الشديد عبر ضمان حد أدنى من الدخل». ويؤكد أن مثل هذا المخطط والتدبير «ينبغي اعتباره واجبًا أخلاقيًا صريحًا لمساعدة المحتاجين (أي أولئك غير القادرين على كسب الدخل اللازم في السوق)».[9] وليس مجرد نوع من نظام احترازي للضمان الاجتماعي. يقول هايك إنه ما دام هذا الواجب الأدنى يتم خارج نطاق السوق ودون تدخل في آلية التسعير، فإنه لا يشكل أي تهديد للحرية أو لسيادة القانون. من وجهة نظر هايك، تنشأ المشكلة عندما تحدد السيادة مقدار مكافأة الأفراد مقابل الخدمات المتنوعة، وليس السوق.[10] لذلك، يبدو أنه لا يوجد سبب (وبالطبع لا يقدم هايك سببًا) يمنع من اعتبار المساعدات المالية (المأخوذة من الموارد العامة) للتعليم من مقتضيات العدالة الاجتماعية -أي ضمان تكافؤ الفرص لجميع الناس-. وبهذا، فإن دعوى هايك ضد العدالة الاجتماعية ليست دعوى مفاهيمية-نظرية، بل هو يؤكد فحسب على استحالة العدالة في نظام اجتماعي قائم على السوق. علاوة على ذلك، فإن تدقيقات هايك ونقوده هي أساسًا ضد نظريات العدالة التي تسعى إلى توزيع الدخل وفقًا للاستحقاق الفردي -والتي تتعارض وتتصادم، بحسب وجهة نظر هايك، مع نظام تحديد الأسعار القائم على السوق-، لكن هذه الانتقادات لا تنطبق على تصورات العدالة التي لا تستند إلى الاستحقاق (مثل نظرية العدالة لجون رولز). [11]
يمكننا الآن الإشارة إلى مواضع اتفاق هايك مع رولز:
كما رأينا، فإن نقد هايك للعدالة الاجتماعية يتعلق بمفهوم التوزيع القائم على الاستحقاق الفردي. ومن جهة أخرى، نعلم أن افتراض هايك الأساسي هو أن المجتمع نظام قائم على التفاعل الاجتماعي، يؤمّن في إطار قوانين خاصة نطاقاً واسعاً من الحريات الفردية. وبالنظر إلى نظرية رولز حول العدالة الإجرائية المحضة، وكذلك إنكاره للاستحقاق كمبدأ أساسي للعدالة، يمكن إدراك أسباب اتفاق هايك مع رولز في هذا المجال. يقول رولز إن مبادئ العدالة تُطبَّق على القواعد الحاكمة للمؤسسات، لا على التوزيع مباشرة. فالبنية التحتية للمجتمع تتألف من نظام القوانين العامة، كالقواعد الناظمة للعقد والملكية. ومسألة التوزيع بين الأفراد تنشأ من أن الأفراد، في إطار الحريات التي تتيحها القواعد المذكورة، يبادرون إلى خيارات مختلفة. وخيارات الأفراد تختلف باختلاف القواعد، ومن ثم ستؤدي إلى نظام توزيع مختلف. يقول رولز: إذا كانت مجموعة من القواعد العادلة تحكم المؤسسات الأساسية للمجتمع، فإن أي توزيع يتم بناءً على التفاعل الإرادي للأفراد في إطار هذه القواعد، سيكون عادلاً (بغض النظر عن ماهية ذلك التوزيع). وبهذا، تكون العدالة التوزيعية إحدى مكونات العدالة الإجرائية المحضة. والقواعد العادلة ليست أداة لبلوغ غايات ونتائج محددة. فالعدالة التوزيعية أشبه بمقامرة؛ إذا تم الاقتراع في ظروف حرة ومنصفة، فالنتيجة منصفة أياً كانت. ولا يمكن، بتحديق النظر إلى سلة السلع الموزعة بين أفراد معينين وبمعزل عن النظام المؤسسي الذي هو منشؤها، اعتبارها عادلة أو غير عادلة. [12]
على أية حال، وإن كانت نظرية رولز عن العدالة الإجرائية المحضة تقتضي أن مبادئ العدالة تنطبق أولاً وبالذات على القواعد الحاكمة للمؤسسات لا على التوزيع، إلا أنه يفسر المؤسسات العادلة أساساً بمفهوم التوزيع، أي بتكافؤ الفرص المنصف والارتقاء بمكانة الأدنى. إذن، ألا يمكن القول إن الموضوع الأساسي والأولي المطروح هنا هو أمر التوزيع؟ بالطبع هو كذلك؛ لكن ينبغي الانتباه إلى أننا هنا لم نعد نتحدث عن التوزيع بين أفراد معينين. بل المسألة الأساسية هي توزيع المواقع والمنازل الاجتماعية. فمن حيث المبدأ، يختار الأفراد الأنظمة القانونية أو المؤسسات التي بموجبها يصبح توزيع المواقع الاجتماعية ممكناً، ثم يتفاعلون مع بعضهم البعض في إطار القوانين المذكورة، وفي هذه الحال، يكون التوزيع المترتب على هذا النظام عادلاً أياً كان.
ويؤكد رولز على أن حياة كل فرد، لكونها مرهونة بالتفاعل مع الآخرين، لا ينبغي للأفراد أن يدّعوا، بفضل الحظ وسوء الطالع، نصيباً أكبر من الإنتاج الجمعي. يقول رولز: من الضروري تقييم النظام (أو المؤسسات) الاقتصادية من منظور أدنى منزلة اجتماعية. ومعنى هذه العبارة ليس أن نبادر إلى تعظيم دخل الأفراد عديمي المسؤولية والكسالى -أي الذين لا يكدّون في عمل ولا يطيعون القوانين-. بل الغرض هو أن المؤسسات الاقتصادية ينبغي أن تُقيَّم من وجهة نظر (أي بملاحظة موقع) الفرد الكادح والمطيع للقانون، لكنه وُلد بمقتضى القدر في أسرة تقع في أدنى موقع في نظام توزيع الثروة والدخل.
وهكذا، يرفض رولز رفضاً مطلقاً نظرية العدالة التوزيعية القائمة على الاستحقاق. لكن السؤال هو: أي نظرية في العدالة يمكن الاستعانة بها في تنظيم المؤسسات الاجتماعية؟ نعلم من وجهة نظر هايك أن الحديث عن تنظيم المؤسسات خطأ بشكل عام، وهو في الواقع مصداق لما يسميه "المغالطة البنائية". ويعتقد هايك أن البنائيين يظنون خطأً أن النظام الاجتماعي نتاج إرادة وتخطيط فاعل مدبر (كالحاكم مثلاً)، ويغفلون عن حقيقة أن النظام التطوري قد يكون أكثر ترابطاً وانسجاماً من الأنظمة المصطنعة بشرياً.[13] وعلى الرغم من ذلك، لم يدّعِ هايك قط أن التطور الاجتماعي التلقائي مرغوب فيه دوماً وغاية مثلى. فمن حيث المبدأ، يقرّ هايك بأن القواعد الناشئة عن التطور قد تحتاج إلى إصلاح عبر التشريع.[14] ولعل هذا هو السبب في أنه لا يعتبر نفسه محافظاً.
النقطة الأهم هي هذه: إن المنهج الذي اقترحه هايك لقياس وتقييم المؤسسات الاجتماعية ينطوي بوضوح على مضمون رالزي:
علينا أن نعتبر أكثر أنواع المجتمع رغبةً هو ذلك المجتمع الذي يمكن للأفراد اختياره مع علمهم بأن مكانتهم الأولية فيه ستتحدد بمحض الصدفة. (والمثال البارز على ذلك هو أن يولد المرء في مجتمع معين). وبالنظر إلى أن درجة جاذبية مثل هذا الاختيار العشوائي لأي فرد بالغ تتوقف على مقدار مهاراته وقدراته وأذواقه الشخصية الفطرية؛ فمن الأفضل أن نقول إن أفضل مجتمع هو ذلك الذي نفضّل فيه أن تتحدد مكانة أبنائنا على أساس الصدفة فحسب. [15]
على الرغم من أن هايك لا يستخدم مصطلح المجتمع الأكثر عدالة، إلا أنه لا يوجد ما يمنع من استخدامه في هذا النص. هذه الجمل التي تتضمن عدم اليقين بشأن المكانة الاجتماعية والقدرات الموروثة، وكذلك الجهل بالأذواق والاهتمامات الخاصة للأفراد، تتوافق وتتطابق تماماً مع نظرية حجاب الجهل عند رالز. ففي حجاب الجهل، لا يكون الأفراد على دراية بمكانتهم في المجتمع: فلا يعلمون شيئاً عن موقعهم الطبقي أو مكانتهم الاجتماعية، ولا عن حظهم ونصيبهم في التمتع بالقدرات والمواهب الطبيعية كالذكاء والقوة الجسدية.
كما يقدم هايك مبدأً محدداً لتقييم المؤسسات، مفاده أن أي نظام يقبل اللامساواة القائمة على عدم الاستحقاق من أجل تحقيق النفع لعموم الأفراد هو نظام عادل، أو على الأقل ليس غير عادل. [16] تتوافق هذه العبارة تماماً مع التصور الكلي للعدالة عند رالز: "يجب توزيع جميع القيم الاجتماعية بشكل متساوٍ ما لم يكن التوزيع غير المتساوي ... في صالح الجميع". [17]
بطبيعة الحال، تنطوي نظرية رالز على أنه لكي تكون اللامساواة في صالح الجميع، فلا بد أن تعود بالنفع على أولئك الأقل حظاً. ويقر هايك ضمناً بأنه "قد يكون من المعقول أن نضبط القوانين بحيث تميل إلى تحسين فرص أولئك الذين لديهم حظوظ أقل نسبياً". وهو لا ينكر هذا الأمر من حيث المبدأ وعلى المستوى النظري، وإن كان لا يراه ممكناً في الواقع. ويؤكد هايك أن تحسين فرص أولئك الأقل حظاً "نادراً ما يمكن تحقيقه من خلال قواعد عامة." [18] لكن –وكما قلنا سابقاً- وعلى عكس ما يعتقده هايك، فإن هذا هو بالضبط ما يتم القيام به بمساعدة الدعم والإعانات العامة في نظام التعليم والتربية.
المثير للاهتمام أن هايك نفسه يقر بأنه لو أراد أن يختار مجتمعاً يعيش فيه أبناؤه، لما اختار مجتمعاً أرستقراطياً، وذلك لأنه في مثل هذا المجتمع، لن يحظى عدد كبير من الأطفال بفرصة الانضمام إلى طبقة الأرستقراطيين. وبدلاً من ذلك، كان سيسعى إلى "اختيار مجتمع صناعي بالكامل لا يخصص الثمار الحلوة كلها لعدد قليل من الأفراد، بل يوفر إمكانية وأملاً أفضل لأغلبية أفراد المجتمع". [19]
على أية حال، فإن أوجه التشابه السابقة في الأسس النظرية تقرب هايك من الليبرالية المساواتية عند رالز. ومع ذلك، يجب الإقرار بأن نظرية رالز تنطوي على خاصية مساواتية أكبر مقارنة برؤية هايك. ولإظهار هذا التفوق، يمكن الإشارة إلى سببين على الأقل: السبب الأول يتعلق بأهمية وأولوية الحرية السياسية المتساوية (أي المبدأ الأول في نظرية العدالة عند رالز).
كان رولز يدرك جيداً أن التفاوتات التي يبررها مبدأ الاختلاف (في نظرية العدالة) قد تتزايد إلى حد تعريض مبدأ الحريات السياسية المتساوية للخطر.[20] يعتقد رولز أنه ما لم نتخذ خطوات نحو الحد من (أو تقليص) التفاوت الاقتصادي-الاجتماعي، أو نطهر مسار الأمور السياسية من هذا التفاوت، فإن المؤسسات والأفراد ذوي المكانة المتفوقة –وعلى الرغم من المساواة الشكلية في النظام الانتخابي– سيبسطون سيطرتهم على المجتمع. لم يكن هايك قلقاً بهذا الشأن، بل كان يخشى أن يلجأ الأفراد الذين أخفقوا في عملية السوق التنافسية (أو السوق التنافسي) إلى أدوات سلطة الدولة لتعويض إخفاقاتهم ونكساتهم، ويتدخلوا بهذه الطريقة في آلية السوق. لكن هايك لا يبدي قلقاً كبيراً إزاء الوجه الآخر لهذه الحقيقة، أي استفادة المؤسسات والأفراد الأثرياء من نفوذهم الاستثنائي في البنية السياسية-الاجتماعية لتغيير قواعد اللعبة لصالحهم.
السبب الثاني لتفوق رولز يستند إلى نظريته التي تقضي بضرورة السعي إلى تعظيم (وبتعبير أدق، بلوغ الحد الأقصى من الارتقاء) بأدنى المراتب الاجتماعية. يؤكد رولز في هذا المبدأ أنه ينبغي أن نسعى إلى تقاسم ما أنتجناه بشكل جمعي بالتساوي، ما لم يكن التقسيم غير المتساوي في صالح الجميع.
خلاصة هذه المذكرة هي أن الدعوى الأساسية لهايك ضد العدالة الاجتماعية تفتقر إلى أساس مفهومي ونظري. إن المقدمات الفلسفية لهايك لا تقتضي ولا تؤيد استنتاجاته حول تنظيم القوانين وتدبير السياسات. منشأ هذه الاستنتاجات هو مجموعة من الشواهد والدعاوى التجريبية الغامضة، لا سيما حول استحالة تطبيق مبادئ العدالة في العالم الخارجي. نقد هايك للعدالة الاجتماعية ودفاعه عن المجتمع القائم على السوق يتجهان نحو تقليل خطر الاستبداد إلى أدنى حد؛ من وجهة نظر هايك، إن منح الحكومات سلطة تنظيم المبادلات الاقتصادية يؤدي إلى تركز السلطة، وتنظيم السوق –بسبب الفساد الناشئ عن التركز– هو بمثابة الخطوات الأولى التي يسميها «طريق العبودية». كلما اتسعت يد الحكومات في التحكم بالحياة الاقتصادية، كلما أصبحت أكثر قدرة (أو أكثر رغبة) في مراقبة جميع جوانب حياة الناس. ومن هنا فإن حريات السوق الرأسمالية ضرورية للحفاظ على الحريات السياسية والمدنية. [21]
لذلك، ووفقاً لرؤية هايك –التي تقدم دفاعاً أداتياً عن الرأسمالية– فإن نظام السوق الحر هو نظام اجتماعي-اقتصادي للدفاع عن الحريات السياسية والمدنية.[22] هايك –وعلى عكس نوزيك– لا يدافع عن النظام الاقتصادي القائم على السوق الحر بناءً على الحق الذاتي للملكية الخاصة، بل يقول إن حق الملكية هو أداة في خدمة تثبيت الديمقراطية. وبالتالي، يمكن الادعاء أنه إذا اقتضى تحقيق واستقرار نظام ديمقراطي، يمكن تقييد حق الملكية الخاصة بشكل مشروع.
وهكذا، بذل هايك جهداً كبيراً لتجنب العواقب المساواتية، متوسلاً بأسباب متناقضة لإظهار استحالة وجود نظام سياسي مستقر يكون وسطاً بين الدولة الحد الأدنى ونظام شمولي –يراه ضرورياً لبلوغ المساواة الكاملة– وكذلك بعبارات غامضة وملتبسة حول المفاهيم المعيارية الأساسية.
.
.
[1] انظر:
Friedrich A. von Hayek, Law, Legislation, and Liberty: A New Statement of the Liberal Principles of Justice and Political Economy (London: Routledge and Kegan Paul, 1982).
[2] المصدر نفسه، المجلد ۲، صص۳۳-۸۰ .
[3] المصدر نفسه، ج۲، ص xiii.
[4] المصدر نفسه، ج۲، ص ۱۰۰ .
[5] John Rawls, A Theory of Justice, Revised Edition (Harvard university Press, 1999), pp. 4, 8, 179, 50, 39 .
[6] Antony Flew, Equality in Liberty and Justice (New Jersey: Transaction Publishers, 2001), pp. 172-174
[7] Lawrence J. Connin, “On Diquattro, Rawls and Left Criticism”, Political Theory, 13, no. 1 (1985): 138-41 .
[8] هايك، المرجع نفسه، ج2، 31 .
[9] هايك، المرجع نفسه، ج 2، ص 87 . لتحليل نقدي رصين لهذه الرؤية عند هايك، انظر:
Steven Lukes, “Social Justice: The Hayekian Challenge,” Critical Review of International Social and Political Philosophy 11, no. 1 (1997), 73 .
Adam James Tebble, “Hayek and Social Justice: A Critique”, Critical Review of International Social and Political Philosophy 12, no. 4 (2009), 582-90 .
[10] هايك، المرجع نفسه، ج2، ص 87 .
[11] المرجع نفسه.
[12] Steven Lukes, “Social Justice: The Hayekian Challenge,” pp. 73-74 .
Elizabeth Anderson, “So You Want to Live in a Free Society”
[13] رولز، المرجع نفسه، ص 76 .
[14] هايك، المرجع نفسه، المجلد 1، صص 8-35 .
[15] المرجع نفسه، ج1، صص 88-89 .
[16] هايك، المرجع نفسه، ج 2، ص 132 .
[17] المرجع نفسه، ج2، ص 70 .
[18] رولز، المرجع نفسه، ص 54 .
[19] هايك، المرجع نفسه، ج2، ص 131 .
[20] المرجع نفسه، ج2، 132 .
[21] رولز، المرجع نفسه، صص 197-8; 247 .
[22] يقول الفيلسوف السياسي المعاصر ويل كيمليكا: إن دفاع هايك عن الرأسمالية هو دفاع مشروط (contingent). ويضيف كيمليكا أنه في العالم الجديد، لا تُرى رابطة ضرورية بين الرأسمالية والحريات المدنية. فبعض البلدان التي كانت تُدار وفق نظام رأسمالي مطلق، كانت انتهاكات حقوق الإنسان فيها واضحة، مثل الدكتاتورية العسكرية الرأسمالية في تشيلي والأرجنتين، وكذلك حقبة مكارثي في أمريكا. وفي المقابل، فإن بلداناً مثل السويد القائمة على نظام دولة الرفاه تتمتع بسجل ممتاز في ضمان وتأمين الحقوق السياسية والمدنية.
Will Kymlicka, Contemporary Political Philosophy (Oxford University Press, 2001), p. 102-103
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
برخلاف بسیاری از نوشته های نادقیق و سطحی که امروزه در فضای رسانهای ایران دربارهی نسبت بازار آزاد و عدالت اجتماعی بیان میشوند، مطلب بالا بسیار خوب و دقیق بود. با تشکر از نویسنده و سایت صدانت.