اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سعى جون رولز، بوصفه ذروة الليبرالية، إلى إدخال كعب أخيل هذه المدرسة، أي العدالة، في صميمها. حوار مع موسى أكرمي بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده، يُقيّم إرث رولز في المصالحة بين الليبرالية والعدالة الاجتماعية.

موسى أكرمي: كل من الفلاسفة الأربعة الذين ذكرتموهم قد أسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تأسيس الليبرالية والنهوض بها في العصر الحديث للفلسفة السياسية الغربية. بالطبع، ننتبه إلى أننا إذا ما حكمنا بناءً على عنوان الليبرالية وموضوعها المحوري أي «الحرية» وأهم عناصرها أي الفردية والإيمان بالحق في الحياة والحق في الملكية والحريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية المتنوعة، فإننا لا نستطيع ولا ينبغي لنا أن نعتبر هوبز، بنظريته الخاصة والمهمة حول الدولة، ليبرالياً، رغم أن لديه تحليلاً وتبييناً بالغي الأهمية حول «المواطنة»، وأن الأطروحات التأسيسية لبناء الليبرالية، أي «الحالة الطبيعية» و«العقد الاجتماعي»، تضرب بجذورها في فلسفته السياسية. يؤمن هوبز من جهة بواقع الحقوق الطبيعية في الحالة الطبيعية لجميع البشر، لكنه من جهة أخرى يعتبر مثل هذه الحالة «حرب الكل ضد الكل» حيث «الإنسان ذئب لأخيه الإنسان». إنه ينطلق من هذه الحالة الطبيعية الأساسية الشاملة نحو أطروحة «العقد الاجتماعي» ليبين، بالاستناد إليها، كيف أوجد البشر قانوناً مدنياً أتاح التوافق والاتحاد بين الأفراد عبر تشكيل دولة مقتدرة.
إذا تجاوزنا هوبز، فإن بداية ما نسميه تحديداً الليبرالية كنسق واسع في الفلسفة السياسية ذي انسجام نسبي، ينبغي أن نجدها في فلسفة جون لوك. دون أن أرغب في الخوض في تفاصيل تعاليم الليبرالية واختلاف مؤسسيها والنهوضين بها، سأكتفي بذكر أبرز الليبراليين في تاريخ الفكر السياسي: جون لوك، واسبينوزا، ومونتسكيو، وجان جاك روسو، وقادة الثورة الأمريكية (من جورج واشنطن وبنجامين فرانكلين وتوماس جفرسون وجيمس ماديسون إلى توماس بين)، وكثير من قادة الثورة الفرنسية، وآدم سميث، وإيمانويل كانط، والنفعيين أمثال جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل، وألكسي دو توكفيل، وتوماس هيل جرين، وأيضاً شخصيات مؤثرة في القرن العشرين مثل جون مينارد كينز، وفريدريش فون هايك، وإزايا برلين وكثيرين غيرهم، حتى نصل أخيراً إلى جون رولز بوصفه ذروة الليبرالية النظرية، حيث أن جميع منتقديه الليبراليين، من التحرريين أمثال نوزيك إلى الجماعيين أمثال ساندل، مع إقرارهم بعظمته وفي سبيل إزالة أوجه القصور من ليبراليته (صواباً كان ذلك أم خطأً)، شرعوا في التفكير والتنظير، كما أن خصومه غير الليبراليين لم يستطيعوا تجاهل بروزه في الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق.
نعلم أن التعاليم الليبرالية تختلف في كمها وكيفها لدى عظماء الليبرالية، بحيث يمكن الحديث، بالارتباط مع الأركان التالية، عن طيف أو أطياف واسعة في الليبرالية:
١) عناصر الليبرالية،
٢) مقدار الوزن المعطى لتلك العناصر،
٣) مقدار الوزن المعطى لدور الدولة في توسيع الليبرالية وتعميقها،
٤) مقدار الاهتمام بتعاليم المساواة ونطاقاتها، و
٥) مقدار الاهتمام بتعاليم العدالة وكمها وكيفها وصلتها بالحرية والأبعاد الأخرى للمساواة وكيفية تحقيقها.
والآن، اسمحوا لي أن أقول إننا بأي موقف نظرنا إلى منجزات الليبرالية، لوجدناها حقاً إرثاً عظيماً من الفكر السياسي. الليبرالية النظرية، في استمرار لتقليد يربو على ثلاثمئة عام ظهر كمدرسة فكرية مع أفكار جون لوك، اعترفت مع جون رولز في القرن العشرين بأوجه قصورها الجادة، كما سعت لإيجاد سبيل لإزالة القصور والارتقاء. رولز، بوصفه فيلسوفاً سياسياً وأيضاً فيلسوف أخلاق أكاديمياً ومنظراً نهض من التقليد الليبرالي وعاش عموماً داخل ذلك التقليد نفسه، هو أكثر من أي شخص في القرن العشرين تأثراً بكل إرث الليبرالية في طيفها المتنوع.
دون الدخول في نقاش تفصيلي حول العدالة، أكتفي بالتأكيد على أن كعب أخيل الرئيسي لليبرالية بشكل عام هو مسألة «العدالة». فالعدالة، التي كانت دائمًا إحدى الموضوعات الجوهرية في تاريخ الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق برمته، وضالة كل البشر تقريبًا في كل زمان ومكان، تتقدم على الحرية في تاريخ الفلسفة السياسية. يرى أفلاطون وأرسطو، بوصفهما فيلسوفين عظيمين يخيمان تقريبًا على الفلسفة الغربية بأسرها، أن ذروة الفلسفة وأسمى أجزائها وتاجها هي السياسة، وتكاد «العدالة» في فلسفتيهما معًا أن تكون محور السياسة، ومهمة الحكومة والفرد إنما هي إقامة العدالة في المجتمع والأسرة والعلاقات الفردية، تمامًا كما أن العامل الأساسي لتحقيق السعادة الفردية والاجتماعية هو إقامة العدل عمليًا، ذلك العدل المرتبط بمعرفة جميع شؤون حياة الإنسان.
إن أفلاطون وأرسطو وغيرهما من الفلاسفة الذين تحدثوا عن العدالة قبل العصر الحديث، لا يتحدثون تقريبًا وعمليًا عن الحرية. في العصر الحديث، وعلى خلفية عصر النهضة والثورة العلمية والصناعية وتيار التنوير والنظرة الجديدة للإنسان، اكتسبت الفردية والنزعة إلى الحرية أهميتهما، لتشكلا، إلى جانب النزعة الصريحة أو الضمنية إلى العدالة، القوة الدافعة الفكرية للحركات الثورية في أماكن مثل إنجلترا وأمريكا وفرنسا.
على الرغم من أن الليبرالية لطالما اعتبرت «المساواة» عنصرًا مهمًا من تعاليمها، إلا أن هذه المساواة لم تستطع الارتقاء إلى مستوى النزعة إلى العدالة. اسمحوا لي الآن أن أستفيد من هذه النزعة إلى العدالة كعنصر يدفع وجوده أو غيابه الليبرالية نحو يسار أو يمين الطيف الليبرالي الواسع. كان روسو وكانط أكثر من الليبراليين الكلاسيكيين الآخرين انتباهًا لغياب النزعة إلى العدالة في الليبرالية. وقد انتبه كانط تحديدًا إلى أنه لا يمكن بلوغ العدالة بنظرية العقد الاجتماعي القائمة على نظرية الحالة الطبيعية.
نحن ندرك أنه في القرن التاسع عشر تشكلت تيارات مناصرة للعدالة، يمكن اعتبار طيف الاشتراكية الواسع تيارًا مناصرًا للعدالة في مقابل تيار الليبرالية المناصر للحرية. هذا الطيف، بجعله العدالة محورًا، اقترح سبلًا لبلوغها بدا في أكثر تجلياته راديكالية وكأنه لا يولي الحرية اهتمامًا، أو لا يعتبرها أولويته الأولى، أو يرى أن تحقيق الحرية الحقة رهن بتحقيق العدالة. أما الماركسية، بصرف النظر عن رأي ماركس الشخصي في الحرية، فقد اشتهرت كتيار يمتاز بتأكيد بالغ الراديكالية على تحقيق العدالة، بأي كيفية كانت، مقبولة أو غير مقبولة.
مع الإحساس بنقص عنصر العدالة في الليبرالية من جهة، وعلى خلفية النضالات الماركسية من جهة أخرى، سعى ليبراليون بارزون مثل جون ستيوارت مل وتوماس هيل غرين إلى إدخال العدالة بشكل ما في صلب التعاليم الليبرالية. بطبيعة الحال، لم يحرزوا نجاحًا كبيرًا على الصعيد النظري. على خلفية هذا الإرث والوعي به وهاجس العدالة لدى رولز، خطا هو إلى مثل هذا الميدان من التنظير، وأبدع آثارًا خالدة في هذا المجال، وبلغ في الليبرالية النظرية من جهة، وفي السعي للتوليف بين الليبرالية والنزعة إلى العدالة من جهة أخرى، مقامًا تجاوز به حتى جون ستيوارت مل وتوماس هيل غرين. لا بأس هنا من أن أذكر هذه النقطة، وهي أنني كلما تذكرت توماس هيل غرين، أشعر بأسف شديد لأنه توفي عن خمسة وأربعين عامًا. أعتقد أنه لو عاش بقدر ما عاش رولز، لاستطاع في التوليف بين النزعة إلى العدالة والليبرالية، وقبل رولز بكثير، أن يبلغ مقام رولز نفسه، بل ومقامًا أسمى من مقام رولز.
في خلاصة ردي على سؤالكم أقول إن رولز استعار بشكل رئيسي من توماس هوبز مذهبي الحالة الطبيعية والعقد الاجتماعي، ومن جون لوك المبادئ الأساسية لليبرالية، ومن روسو الإيمان بالخير الفطري للإنسان وتعاون البشر في الحالة الطبيعية (في مقابل أطروحة «حرب الكل ضد الكل» لهوبز)، ومن كانط مذاهب مهمة مثل استقلالية الإنسان، والقاعدة الذهبية للأخلاق، وكون الإنسان غاية في ذاته، وضرورة تجنب أي استخدام أداتي للبشر (القاعدتان الأخلاقيتان أو الأمران المطلقان أو التنجيزيان)، وعجز ليبرالية جون لوك عن التوفيق مع المطالبة بالعدالة. وبعد تعرفه على أعمال جيرمي بنثام وإدراكه نقاط ضعف مذهبه النفعي، أدرك من خلال أعمال جون ستيوارت مل ذات الصلة، أكثر من ذي قبل، أوجه قصور الليبرالية في صلتها بعنصر العدالة. وفضلاً عن استفادته من تراث هؤلاء الفلاسفة، ينبغي القول إن رولز، من خلال استفادته من إنجازات قادة الثورة الأمريكية (كما انعكست في أعمالهم هم أنفسهم وفي إعلان الاستقلال والدستور الأمريكي)، وتراث الثورة الفرنسية (كما انعكس في «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» والدستور الفرنسي)، و«فلسفة الحق» لهيغل، وأفكار ماركس، والبراغماتية الأمريكية، وتجارب النظر والممارسة في مجالي الاقتصاد والسياسة بعد الحرب العالمية الثانية، سعى إلى إزالة أوجه قصور الليبرالية وأن يبني منها فلسفة سياسية على شكل ليبراليته المطالِبة بالعدالة الخاصة به، تكون قادرة على الإجابة عن مسألة العدالة.
موسى أكرمي: كما أشرت في إجابتي عن السؤال السابق، فإن الليبرالية، بصرف النظر عن وجود عروق لبعض تعاليمها في الحقبة ما قبل الحديثة، هي بشكل رئيسي فلسفة إنجليزية امتدت إلى ذلك البلد أيضاً على يد قادة الثورة والاستقلال الأمريكيين، وتبلورت خطوطها العامة في إعلان الاستقلال والدستور الأمريكي ونمط العيش الاقتصادي-الاجتماعي-السياسي-الثقافي الأمريكي، بحيث أن الديمقراطية الأمريكية هي ضرب من تجلياتها، ونرى تقريراً جيداً عنها في كتاب ألكسي دو توكفيل المهم، المسمى «الديمقراطية في أمريكا». ومع أن جون لوك قد التفت أيضاً إلى حركات مثل الإصلاح الديني اللوثري والبروتستانتية وأفكار إيراسموس، إلا أنه صاغ الليبرالية متأثراً بنظرة ونقد أشخاص مثل توماس مور والحركات الثورية في إنجلترا وأطروحة العقد الاجتماعي في تحليل توماس هوبز المسهب للدولة، وكذلك بنظرية المعرفة والمنهجية التجريبيتين (اللتين كان هو نفسه من مثبتيهما).
مؤسسو التنوير الاسكتلندي، مثل فرانسيس هاتشسون وديفيد هيوم وآدم سميث وتوماس ريد وآدم فيرغسون، كانوا أيضاً متأثرين بجون لوك، وسعى كل منهم بطريقته إلى تثبيت الليبرالية والنهوض بها. تيار النفعية، وخصوصاً في شخص جون ستيوارت مل، وكذلك أشخاص مثل توماس هيل غرين الذين كانوا من كبار الليبراليين ومن الذين التفتوا إلى أوجه قصورها، وكثيرون غيرهم، انتموا إلى التقليد الأنغلوساكسوني لليبرالية. ومن هنا لن يكون كلاماً جزافاً إذا قيل إن مهد نشأة الليبرالية وتربيتها ونموها هو إنجلترا بالدرجة الأولى. حتى مونتسكيو وأثره المهم مثل «روح القوانين» متأثران بالليبرالية الإنجليزية والحكومة الملكية الدستورية في إنجلترا، كما أن تأثير الليبرالية الإنجليزية-الاسكتلندية على كانط واضح أيضاً.
إن رواد تيار الليبرالية اللاحقين هم أيضاً إنجليز في الغالب، فشخصيات مثل جون مينارد كينز وصولاً إلى آيزايا برلين وهربرت هارت (أستاذ القانون في جامعة أكسفورد) هم حملة اللواء الإنجليز الكبار لليبرالية في الاقتصاد والسياسة والقانون في القرن العشرين. وعليه، فبطبيعة الحال وقاعدةً، أي باحث ومفكر ليبرالي إنجليزي أو أمريكي يكون مديناً في المقام الأول لهذا التقليد العظيم لليبرالية الإنجليزية. بالطبع، قد يعتبر شخص أو تيار في أمريكا نفسه، من موقع اليمين أو اليسار، بعيداً عن الليبرالية أو بعيداً عن التيار الغالب لليبرالية. على أية حال، رولز ليس استثناءً من قاعدة دَين المفكرين والأكاديميين الليبراليين الأمريكيين لليبرالية الإنجليزية.
لكن بخصوص البراغماتية الأمريكية، ينبغي أن أقول إن هذه النزعة تبدو وكأنها تسري في دم كل أمريكي، فالكل يسلم بأن هذه المدرسة هي أولاً وبالذات مدرسة أمريكية، وينبغي اعتبار أن كل أمريكي وُلد بعد أوائل القرن التاسع عشر قد وُلد براغماتياً تقريباً، ما لم يثبت العكس! أي يمكن القول إن هذه البراغماتية كانت موجودة، قبل تدوينها على يد عظماء مثل تشارلز ساندرز بيرس وويليام جيمس وجون ديوي، بشكل أو بآخر في نمط حياة ونظرة المواطنين الأمريكيين. لذلك ينبغي القول إن رولز، بصفته أمريكياً، قد وُلد وترعرع عملياً كبراغماتي. لكن بخصوص رولز بوصفه أستاذاً جامعياً وباحثاً ومفكراً، تجدر الإشارة إلى تعلقه الخاص بجون ديوي. لقد درّس فلسفة جون ديوي مراراً في جامعة هارفارد، واقترب منه أكثر فأكثر مع مرور الزمن.
في المرحلة الأولى من تفكيره، والتي استمرت حتى بضع سنوات بعد نشر «نظرية في العدالة»، كان رولز ينأى بنفسه في وعيه عن البراغماتية، رغم أنه أظهر نزعته البراغماتية في مقالته «العدالة بوصفها إنصافاً»، التي نشرها عام 1958، سواء في العنوان أو في المضمون. لكنه، على أية حال، في تلك السنوات، سواء في فلسفة الأخلاق أو في الفلسفة السياسية، كان يسعى، من أجل المثل الأعلى لإنقاذ الليبرالية وبلوغ نظام اجتماعي مقبول للأفراد الأحرار والمتساويين وذوي المذاهب الشاملة المتنوعة، إلى البحث عن أسس فلسفية واسعة وعميقة وكونية، وعن مذهب شامل، ومفاهيم فوق تاريخية ذات اعتبار مطلق، وأسس ميتافيزيقية لم تكن تُرى في البراغماتية.
لقد وجد رولز تلك الأسس، إلى حد ما، في المثالية الترانسندنتالية (المتعالية) عند كانط، وحتى في عناصر من فلسفة هيغل. كانت عقلانية عصر التنوير قد تحدثت عن العدالة والحرية بوصفهما قيماً مطلقة، بينما لم يكن لمثل هذه النظرة مكان في البراغماتية. يعلم الجميع أن البراغماتية لم تقبل أبداً الميتافيزيقا ونظرية الصدق المطابقي. فالميتافيزيقا لم تكن تحمل بالنسبة لها أية حقيقة، ولم تكن مطابقة لواقع العالم والحياة. وفي دلالات البراغماتية، ينبغي القول أيضاً إن نظرية الصدق لم تكن قائمة على نوع من المطابقة بين القضية والأمر الواقع، بل على منفعة النظرية. ما كان يحظى بالاهتمام في النظرة البراغماتية هو الدوران الأمثل لأمور المجتمع ومنفعة القضية والنظرية لمثل هذا الهدف. لم يكن فيها أي أثر لـ«عقل كوني» وأي مذهب شامل أخلاقي أو فلسفي أو ديني.
لكن البحث عن مذهب شامل أو تبيين مبادئ غير براغماتية كان صعباً على رولز الذي نشأ في مهد فكري ومعيشي ليبرالي وبراغماتي، وقد تراجع في مواجهة انتقادات كانت في معظمها ليبرالية، وتحول صراحةً نحو البراغماتية، لا سيما أن البراغماتية كانت قد اكتسبت حياة جديدة وقبولاً متزايداً في الفلسفة الأمريكية والأوروبية بفضل الجهود الفكرية لفيلسوف مثل ريتشارد رورتي.
في عام 1985، نشر رولز في مقالته «العدالة بوصفها إنصافاً: سياسية لا ميتافيزيقية» تبيينه البراغماتي الصريح لـ«العدالة بوصفها إنصافاً»، ليجتهد أخيراً في كتابه «الليبرالية السياسية» في تقديم تصور سياسي للعدالة يقوم على فهم براغماتي للقيم السياسية والأخلاقية. علاوة على ذلك، سلك رولز الطريق البراغماتي ليس فقط في الدلالات، بل في المنهجية أيضاً، تماماً كما كان ديوي يعتبر حل المشكلة أهم هدف في التفكير.
لذلك، توجّه رولز في أعماله المتأخرة بشكل واضح نحو الإبستمولوجيا والدلالات والمنهجية البراغماتية. وبالطبع، أود أن أضيف أن رولز لم يتخلَّ كلياً عن البراغماتية في مرحلته المبكرة، كما أنه لم يترك الميتافيزيقا وأنواعاً من المذهب الشامل في مرحلته المتأخرة. وفيما يتعلق بالجزء الأخير من سؤالكم، يجب أن أقول إن روايات رولز لليبرالية، في كلتا المرحلتين المبكرة والمتأخرة، تستفيد من النظرة الفلسفية الشاملة نسبياً ومن النظرة السياسية القائمة على البراغماتية. غير أن النظرة الأولى هي السائدة في المرحلة الأولى، والثانية في المرحلة الثانية.
في تغلّب النظرة البراغماتية على المرحلة الثانية من تفكير رولز، إضافة إلى دور الليبراليين في نقد حضور العناصر الميتافيزيقية في كتاب «نظرية في العدالة» وإحساس رولز بأنه لم يكن قادراً حقاً على تقديم أسس فلسفية عقلانية لمطلبه بالعدالة، أود أن أذكر ثلاثة أسباب أو علل أخرى لهذا التوجه الرولزي نحو البراغماتية، مؤجلاً بيان الأدلة اللازمة لها إلى فرصة أخرى:
١) هيمنة النيوليبرالية في أمريكا وبريطانيا في عهدي ريغان وتاتشر تحت تأثير أفكار هايك النيوليبرالية، التي كانت تفتقر، في تحليلها التاريخي وتفسيرها الاجتماعي، إلى أساس مبدئي في إطار سردية كبرى؛
٢) الأزمة المتصاعدة في سردية كبرى كالماركسية برواية ما يسمى بالدول الاشتراكية المختلفة، والتي أدت في النهاية بين عامي ١٩٨٩ و١٩٩١ إلى انهيار أنظمة أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي؛
٣) مقبولية الاتجاهات المختلفة لما بعد الحداثة والنسبوية السائدة في فلسفة أوروبا القارية.
رولز، الذي كان وفياً بقلق بالغ لعهده القديم في الدفاع عن المطالبة بالعدالة والتوفيق بين الليبرالية والمطالبة بالعدالة، ألقى السلاح النظري أخيراً وتوجه نحو البراغماتية.
في النهاية، من الضروري أن أقدم توضيحاً بخصوص تكريم الرئيس كلينتون لرولز على جهده في إحياء الإيمان بالديمقراطية في أمريكا. أولاً، كان رولز حقاً جديراً بهذا التكريم وأكثر منه. إذا تجاوزنا فلاسفة أمريكا البراغماتيين الثلاثة الكبار، فإن أمريكا منذ استقلالها وحتى الآن لم تعرف فيلسوفاً منظّراً بضخامة وشهرة وتأثير رولز. بالطبع، كان لأمريكا ولا يزال فلاسفة كبار في القرنين العشرين والحادي والعشرين، مثل ليو شتراوس، وريتشارد رورتي، وكواين، وبوتنام، وبلانتينغا، وفان فراسن، وآين راند، ونانسي كارترايت، وساندل، ونوزيك. ويمكن أيضاً تسمية فلاسفة من جنسيتين مثل ماركوزه، وإريك فروم، ورايشنباخ، وكارناب. لكن أياً منهم لم يترك إرثاً نظرياً بعظمة إرث رولز، خاصة في الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق. يمكن اعتبار رولز أعظم فيلسوف في القرن العشرين في الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق. لذا، ليس بالأمر الكبير أن يقوم رئيس مثل كلينتون، الذي ينتمي إلى تيار الوسط المائل إلى اليسار في الحزب الديمقراطي، بتكريم رولز. ناهيك عن عنوان الجهد لإحياء الإيمان بالديمقراطية في أمريكا، وهو عنوان سياسي أكثر منه فلسفي. كما يجب أن أشير إلى أن الجمهوريين الأمريكيين، وخاصة الجمهوريين المتطرفين أو اليمين، ليسوا مستعدين لتكريم رولز، رغم أنهم أيضاً ينتمون إلى الجبهة أو الطيف الليبرالي الكبير.
موسى أكرمي: قبل كل شيء، يجب أن أقول إن مجموع أعمال رولز هي تجسيد لأعظم جهد بشري في تبيين مفهوم العدالة وتقديم رواية عنه بهدف إقناع الآخرين به ضمن الإطار النظري الليبرالي حتى الوقت الحاضر، وهو جهد لا يضاهيه حتى أي من الأعمال الاشتراكية المتعلقة بالعدالة في عظمته. في التقليد الفلسفي الغربي العظيم، بدأ أفلاطون أيضاً تحفته، أي كتاب «الجمهورية» كما يُصطلح عليه، بالتساؤل عن العدالة، ومنذ ذلك الحين احتل هذا المفهوم مكانة بالغة الأهمية في الفلسفة السياسية. لكن تقليد الليبرالية الممتد لثلاثمائة عام لم يستطع أن يمنح العدالة مكانة جديرة بالاعتبار، وكانت التيارات والاتجاهات غير الليبرالية والاجتماعية في الفلسفة الغربية هي التي أولتها الاهتمام.
لقد وضع رولز، هذا الفيلسوف العظيم الذي ترعرع في الفضاء الفكري والسياسي الليبرالي الأنغلوساكسوني الأمريكي والذي بدأ عمله الأكاديمي بهاجس أخلاقي، تبيين مفهوم العدالة لإدراجه في قالب الليبرالية على رأس جدول أعمال جهده الفكري مدى الحياة. لقد ألّف، بالإضافة إلى عدد كبير من المقالات، أربعة كتب مهمة في الفلسفة السياسية حول العدالة، والتي تُرجمت كلها لحسن الحظ إلى الفارسية: «نظرية في العدالة»، و«الليبرالية السياسية»، و«قانون الشعوب» (أو قانون الأمم)، و«العدالة بوصفها إنصافاً: إعادة صياغة».
إذا تجاوزنا قانون الشعوب (وهو تطبيق لنظرية العدالة عند رولز على العلاقات الدولية)، فإن الكتب الثلاثة الأخرى تدور مباشرة حول العدالة وتطبيقها في مجتمع منظم جيداً ينشأ عن التعاون الطوعي أو الإرادي لأشخاص أحرار ومتساوين وعقلاء ولديهم إدراك منصف للعدالة ولمبادئ رولز في العدالة. وكما قرأ أو سمع الكثيرون، يحاول رولز في كتابه الأول الذي نُشر عام 1971، أن يستفيد من الأسس الميتافيزيقية والمذاهب الفلسفية الشاملة لتأسيس فلسفته في العدالة. وقد تجلى نشر هذا الكتاب كحدث بالغ الأهمية في الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق، ولكن بقدر ما كان له مؤيدون من الجبهات الليبرالية وشبه غير الليبرالية أو حتى المناهضة لليبرالية، فإنه واجه معارضين داخل الجبهة الليبرالية نفسها، حتى أنه في النهاية، وكما قلتم، حاول رولز في كتابي «الليبرالية السياسية» و«العدالة بوصفها إنصافاً» أن يقدم، دون التوسل بالأسس الميتافيزيقية والمذاهب الفلسفية الشاملة، رواية أكثر سياسية وربما أكثر قبولاً لدى العقل السليم في المجتمع الرأسمالي المتقدم.
ولكنه على أية حال، وبوصفه ليبرالياً، يحافظ على أهم عناصر الليبرالية، أي الفردية ومبدأ احترام الملكية الخاصة وكُلية التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية الرأسمالية، وهو شاء أم أبى يمنح العدالة مكانة فرعية وثانوية وتابعة، ولا يستطيع عملياً أن يؤدي دوراً ولو في حدود الجناح اليميني من الطيف الاشتراكي الديمقراطي، رغم أنه بلا شك قد أثر في أفكار أنصار الحزب الديمقراطي والعناصر المعتدلة في الحزب الجمهوري.
موسى أكرمي: كما أشرت سابقاً، فإن الحالة الطبيعية التي لعب هوبز الدور الرئيسي في تقريرها وصياغتها لا تضمن بحد ذاتها أن يصل البشر بالضرورة إلى عقد اجتماعي مرغوب لتأسيس دولة تحمي مصالح الجميع. هوبز نفسه متشائم جداً بشأن الحالة الطبيعية ويرى أن البشر في هذه الحالة يفترسون بعضهم بعضاً كالذئاب. وهنا يجب القول:
أولاً، ليس واضحاً ما إذا كانت الحالة الطبيعية قد تحققت أساساً في التاريخ أم لا؟
ثانياً، ليس معلوماً ما إذا كان عدد من البشر يعيشون في مكان ما من العالم، مثلاً القبائل البدائية النائية في أفريقيا أو أمريكا اللاتينية أو أي مكان آخر، في مثل تلك الحالة الطبيعية التي يضعها هوبز في الاعتبار أم لا؟
ثالثاً، ليس من المسلم به أن البشر في الحالة الطبيعية هم ذئاب لبعضهم البعض، كما يعتقد روسو أن البشر في الحالة الطبيعية خيّرون ومتعاونون فيما بينهم.
رابعاً، بناءً على تفاوت البشر في القدرة الجسدية والذكاء، واستناداً إلى مبدأ صيانة الذات، الذي يشكل لدى هوبز أساس كل حركة وسعي لكل كائن بما في ذلك الإنسان، فليس من المسلَّم به أن يؤدي الوضع الطبيعي بالضرورة إلى عقد اجتماعي وحكومة تحفظ الحقوق المتنوعة لأفراد المجتمع بشكل متساوٍ وتخلو من جميع أنواع التمييز.
لقد آمن رولز، سواء بشكل مباشر من أفكار روسو نفسه أو عبر كانط، بالإحسان والإيثار الفطري أو الغريزي لدى البشر، لا سيما في الوضع الطبيعي، لكنه لم يستطع أن يجد الضمان اللازم بأن ينبثق عن الوضع الطبيعي الذي توجد فيه فروق جسدية ونفسية وجندرية، عقدٌ اجتماعي وحكومةٌ مرجوة على أية حال.
وبالطبع، دعوني أذكر هنا أن قصد رولز من توظيف أطروحتي الوضع الطبيعي والعقد الاجتماعي لم يكن استنتاج الحكومة أو تبيين كيفية نشوئها أو استنتاج أفضلية الحكومة الناشئة عن ذلك الوضع. في الواقع، استلهم رولز من هاتين الأطروحتين ليستنتج مبادئه في العدالة والتوافق عليها في مجتمع ينوي الجميع فيه التعاون من أجل تسيير معقول وطبيعي للأمور.
يفترض رولز، بدلاً من الوضع الطبيعي، وضعاً يكون فيه البشر، بوصفهم أعضاءً منفتحين على التعاون في مجتمع ما، بصدد التوافق على مبادئ يعتبرها رولز مبادئ العدالة. يسمي رولز هذا الوضع بـ«الوضعية الأصلية». وقد استعار هذا المصطلح «الوضعية الأصلية» من هارساني، الاقتصادي المجري. وهذا الوضع، بتعبير رولز، هو في الأساس وضع افتراضي يسبق تشكيل المجتمع، ولم يحدث بطبيعة الحال في التاريخ. يطرح رولز هذه الوضعية بوصفها تجربة فكرية. ولتحقق هذا الوضع، يجب على البشر أن يتخلوا عن كل ما يمكن أن يلعب دوراً في توجيههم نحو سلوك غير منصف. وللقيام بذلك، يجب أن يكونوا في حالة من الجهل، أو خلف ستار وحجاب من عدم المعرفة، أو في نوع من تجاهل جميع العناصر المؤثرة في انتهاك الإنصاف، لكي يقوموا، مع إهمال متعمد أو غير متعمد لجميع الحقائق المتعلقة بهم (بما في ذلك القدرات الجسدية والنفسية الطبيعية، والقاعدة أو المكانة الطبقية، والميول النفسية تجاه الأمور المختلفة المؤثرة في الحكم أو اتخاذ القرار، وحتى تصورهم للأمر الخيِّر)، باختيار مبادئ تكون محايدة ومنصفة.
لذلك، لا ينبغي لهم فقط أن يكونوا جاهلين بأحوالهم الجسدية والنفسية وموقعهم الطبقي ومكانتهم الاجتماعية والسياسية، بل يجب ألا يكون لديهم حتى موقف من الأمر الخيِّر، لأن أي موقف في هذا المجال يستند إلى رؤية كونية، أو دعوني أقل إلى عقيدة أخلاقية أو فلسفية أو دينية شاملة، وهي غير مقبولة عادةً لدى الجميع في مجتمع يتمتع بالتعددية العقائدية، وكلما أدخل شخصٌ تصوره الخاص عن الأمر الخيِّر في الحكم واتخاذ القرار حول مبادئ التعاون والعيش الجماعي المنصفة، فلن يتشوه حكمه المحايد هو فحسب، بل قد يؤثر سلباً على حكم الآخرين أيضاً.
في هذه الوضعية الأصلية، وقبل تشكيل المجتمع العادل، يكون البشر، بينما هم خلف حجاب الجهالات الثلاث المذكورة،
۱) أحراراً، بحيث لا يلعب أي عامل سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي أو أي عامل رادع أو أي عامل قسري دوراً في اتخاذ قراراتهم؛
۲) متساوين، بحيث لا يضع أي عامل أحداً في موقع أعلى أو أدنى من الآخرين في الحكم واتخاذ القرار؛ فالوقوف خلف حجاب الجهل بكيفية وجودهم الفردي والاجتماعي هو الضامن لهذا الشرط؛
۳) متمتعين بالعقلانية الأداتية اللازمة لتمييز العلاقة بين الهدف والوسيلة؛ و
۴) نفعيين بموجب غريزتهم، بمعنى أنهم، بناءً على مبدأ صيانة الذات والنفعية الغريزية الفردية، يختارون خيارات أو أشياء تحقق لهم أكبر قدر من المنفعة.
يُظهر رولز بمثاله الشهير عن تقطيع الكعكة من قبل أحد ذوي المصلحة كيف يؤدي هذا الفعل، القائم على السعي للمنفعة، إلى مراعاة الإنصاف. على أية حال، في الوضعية الأصلية، يختار أطراف العقد أو المشاركون في عملية تشكيل المجتمع مبدأين يُعرفان بـ
كيف يمكن، في تشكيلة اجتماعية-اقتصادية يتم التلاعب بها وفقاً للنزعة الليبرالية اليمينية، الحديث عن شقيّ المبدأ الثاني للعدالة عند رولز؟ دون قبول عناصر من الاشتراكية والتحرك نحو الديمقراطية الاجتماعية، لا توجد إمكانية لتحقيق المبدأ الثاني بكلا شقيه. إننا لا نشهد تحقيقاً غير كامل نسبياً لهذا الأمر إلا في بلدان المنطقة الإسكندنافية، وتحقيقاً باهتاً له في البلدان الأوروبية وأمريكا في ظل الحزب الديمقراطي مع رئاسة أشخاص مثل ساندرز (بصرف النظر عما إذا كان شخص مثله يمكنه الوصول إلى السلطة أم لا) وعلى الأقل مثل أوباما أو بايدن.
موسى أكرمي: قبل أن أجيب على سؤالكم، أود أن أتوقف قليلاً عند الجزء الأول من كلامكم وأن أؤكد على اهتمام رولز بنوع من السردية الكبرى. الحقيقة هي أنني أنا نفسي، مع كل تعلقي بالفلسفة التحليلية، أعتبر أن جزءاً من عمل الفلسفة، الذي ينبغي أن يهتم بتفسير العالم وتغييره معاً، هو تقديم سردية كبرى، لا سيما فيما يتصل بالأبعاد الأنطولوجية والقيمية لموضوع مثل العدالة. ورولز، على الرغم من تعلقه وانتمائه للتقاليد التحليلية على أية حال، يبتعد في تناوله لمسألة العدالة عن تقليد الفلسفة التحليلية والمقاربة الوضعية، وينخرط في التنظير حول أمر معياري في مجمله ضمن إطار شمولي النظرة إلى حد ما، وإن كان يتبع المنهج التحليلي في طريقة عمله، وخاصة في "نظرية في العدالة"، حيث يمتلك إشرافاً مسؤولاً، مثل رسام المنمنمات أو صائغ المجوهرات الدقيق، على المخطط الكلي لعمله، وعلى فصوله، وعلى أقسام كل فصل، وعلى فقرات كل فصل، وعلى جمل كل فقرة، وعلى كل كلمة مفردة في كل جملة.
لكن مع أن عناصر النظرة البراغماتية موجودة في الفترة التي سبقت كتابة "نظرية في العدالة" وفي هذا الكتاب نفسه، إلا أن رولز بعد نشره يذعن للابتعاد عن الأسس الميتافيزيقية ولإقحام المزيد من العناصر البراغماتية أو المفهوم السياسي للعدالة، لكي يبلور هذه النظرة في كتاب "الليبرالية السياسية". وبالنظر إلى اهتمامي الشخصي بالسردية الكبرى في الفلسفة وإيماني بضآلة سعة النظرة الوضعية والتجريبية لحمل هكذا سردية، فإنني أفضل كتاب "نظرية في العدالة" على كتاب "الليبرالية السياسية"، على الرغم من أنني قمت بترجمة "الليبرالية السياسية" بنفسي.
لقد أشرت في مقدمتي لترجمة "الليبرالية السياسية" إلى عدة أسباب ودواع للإقدام على ترجمتها (وليس "نظرية في العدالة"). وهنا أود أن أتحدث عن سبب آخر. مع كل الاحترام الذي أكنه لرولز، وكما كتبت وقلت مراراً وأشرت في هذا الحوار أيضاً، فإنني أعتبر مساهمته في نظرية العدالة أهم مساهمة خالدة في تاريخ فلسفة العدالة حتى الآن، لكنني لا أعتبر مشروعه ككل ناجحاً جداً، وأرى أن أقصى دور له، بالإضافة إلى إشعال نقاش نظري جيد في الساحات الفكرية والأكاديمية، هو في تخطيط الأحزاب الليبرالية الوسطية واليسارية للاهتمام ببعض الحريات وبحد أدنى من الحقوق لمحرومي المجتمع، وأعتقد أنه في مجتمع قائم على تشكيلة اقتصادية-اجتماعية رأسمالية، وبتفسير رولز وتوصيته، لا يمكن أبداً بلوغ عدالة لائقة.
كان هذا الاعتقاد دافعاً لي لكي أتوجه في الترجمة إلى أثر لرولز يعتبره هو نفسه وأنصاره، من جهة، حاملاً للرواية الأخيرة لنظرية العدالة وأكثر نجاحاً من كتاب "نظرية في العدالة"، ويكون بالنسبة لي، من جهة أخرى، تجلياً أكثر بروزاً لعجز الليبرالية النظرية عن تفسير حد مقبول من العدالة، وعجز الليبرالية العملية عن تقديم ذلك الحد من العدالة.
بهذا الشرح وشروحي السابقة حول توسل رولز بالوضعية الأصلية لاستنباط مبدأي العدالة ومشكلات تقدمهما وتأخرهما وإشكالات المبدأ الثاني، أكون قد عبرت عن النواة الأساسية لنقدي لرولز، وأؤكد فقط أنه بصياغة اجتماعية-اقتصادية قائمة على الرأسمالية، التي تقوم بدورها على الليبرالية، لا يمكن بلوغ العدالة التي ينشدها رولز. وإذا أردت أن أذهب إلى أبعد قليلاً، فينبغي أن أقول إنه حتى لو أمكنت صياغة نظرية العدالة عند رولز بشكل أكثر عملية وقابلية للتطبيق بحيث يقبلها رولز وجميع مؤيديه الليبراليين الوسطيين واليساريين، فإن تلك العدالة، حتى لو نُفذت بالكامل، لن تكون كافية على الإطلاق لتلبية الاحتياجات المرتبطة بالعدالة، كما يرى جميع المراقبين أن مستوى العدالة في دول المنطقة الإسكندنافية وحتى إنجلترا (مع نفوذ حزب العمال الذي توجد فيه عناصر من اليسار المائل إلى الاشتراكية في ليبراليتها) هو أعلى بكثير جداً من مستواها في أكثر الحكومات الليبرالية الأمريكية يسارية.
موسى أكرمي: في المجال المتاح لي، أقول باختصار إن منتقدي رولز ينتمون في المقام الأول إلى معسكرين: 1) الليبرالية، و2) الاشتراكية (أو حتى الشيوعية والماركسية حسب شدة الراديكالية النقدية المستخدمة). وبعد ذلك يمكن ذكر نقديات أخرى مثل النقد النسوي.
أ. أهم المنتقدين الليبراليين لرولز:
1-1) روبرت نوزيك، زميل رولز في الجامعة، وهو أهم ناقد ليبرالي لرولز حتى الآن. إنه في الطيف الواسع لليبرالية، تحرري (ليبرتاري) ونيوليبرالي، يعارض، من موقف مناهض للدولة أو إيمان بالدولة الأدنى، إيمان رولز بتدخل الدولة في التخطيط لتحقيق مبادئ العدالة وحمايتها. كتابه المهم هو «الفوضى والدولة واليوتوبيا» وقد تُرجم إلى الفارسية.
يعتبر نوزيك كتاب «نظرية في العدالة» لرولز في فلسفة الأخلاق والفلسفة السياسية أثراً دقيقاً وعميقاً ومنهجياً ومليئاً بالأفكار المنيرة في كلية متكاملة، ويعتقد أنه لم يكن له مثيل منذ كتب جون ستيوارت مل. ثم يكتب هذه النقطة المهمة وهي أنه من الآن فصاعداً، على الفلاسفة السياسيين إما أن ينظّروا ويشرحوا في إطار نظرية رولز، أو إذا لم يفعلوا ذلك، فيجب أن تكون لديهم الأسباب اللازمة وأن يشرحوا للآخرين لماذا اختاروا إطاراً نظرياً آخر غير إطار رولز. كنت قد كتبت بنفسي قبل سنوات في مقدمة كتاب «كانط والميتافيزيقا»: «بعد طرح مسألة إمكانية الميتافيزيقا من قبل كانط، وكذلك أبحاثه لفهم الميتافيزيقا وتقديم إجابة على هذا السؤال، لا يمكن لأي باحث في مجال الميتافيزيقا أن يكون غير مبالٍ بسؤال كانط وأبحاثه، وهو مضطر إلى أن يوضح موقفه بطريقة ما من أبحاثه وإجابته على هذا السؤال». عندما قرأت كتابة نوزيك، أدركت كيف أنه فهم أن لرولز في التنظير حول العدالة مكانة تجعل كل فيلسوف عدالة إما أن يكون رولزياً أو لا رولزياً، ولكي يكون لا رولزياً عليه أن يوضح موقفه من نظرية رولز ويشرح لنفسه وللآخرين أسباب كونه لا رولزياً. نوزيك نفسه هو شخص، رغم إعلانه الإيمان بعظمة عمل رولز، يقف في مواجهة رولز. ليس لدي مجال لشرح نقده وما إذا كان قد استطاع تبرير نقديته أم لا. على أي حال، هو أهم ناقد ليبرالي لرولز حتى الآن، وهو ينفي بشدة ليس فقط الدور المهيمن للدولة والتخطيط الحكومي، بل أيضاً مساواة رولز.
1-2) نقد الجماعتيين: يسعى جماعتيون مثل ساندل (في كتاب «الليبرالية وحدود العدالة»)، ومايكل والزر (في كتاب «أفلاك العدالة: دفاع عن التعددية والمساواة») وتشارلز تيلور (في عدة كتب) من خلال التأكيد على دور الجماعة التي تربط أعضاءها علاقات عضوية ومعقدة أكثر من العلاقات داخل المجتمع (مثل المجتمعات الإثنية أو القبلية أو العقائدية ذات نمط العيش المشترك) وأهمية الفهم المشترك لأعضائها، إلى نقد ونفي كل من فردانية رولز وكونيته، بمواقف سياقية وتعددية ونسبوية متنوعة.
۱-۳) منتقدون آخرون داخل معسكر الليبرالية، من اليسار إلى الوسط واليمين في الطيف، ممن حاولوا، مع قبولهم لعموم تحليل رولز وتفسيره، إظهار أوجه القصور في فلسفته عن العدالة بل وتجاوزها: أمارتيا سن، ومارثا نوسباوم، وجيرالد دوركين، وتوماس ناغل. وأنا أُدرج هايك أيضاً ضمن هذه المجموعة، رغم أنه ينتمي من جهة إلى أقصى يمين الليبرالية (النيوليبرالية)، ويفتقر من جهة أخرى إلى الفهم والاحترام لعمل رولز المهم بالشكل الذي يكنه له نوزيك.
۲) النقد النسوي: انطلاقاً من مكانة المرأة والجندر في تاريخ وواقع المجتمعات المتنوعة، يبدأ النقد النسوي لرولز من نقد الوضع الأصلي ويمتد إلى المجتمعات الراهنة وصنوف التمييز والقمع ضد النساء وتجاهل رولز لهذا الواقع. ربما يمكن العثور على النقد النسوي الأكثر راديكالية وشمولية لدى السيدة كيمبرلي يوراكو، أستاذة القانون في جامعة نورث وسترن، التي قدمت، خصوصاً في أطروحة الدكتوراه خاصتها في جامعة ستانفورد، نقداً راديكالياً وشاملاً نسبياً لرولز.
۳) النقد من موقع الملوّنين: أحد أبرز منتقدي رولز من الملوّنين هو تشارلز ميلز، أستاذ الفلسفة البارز في جامعة مدينة نيويورك، وهو من أصل جامايكي، وقد نشرت له مطبعة جامعة أكسفورد قبل ثلاث أو أربع سنوات كتابه المهم في نقد الليبرالية العرقية.
۴) المنتقدون الاشتراكيون/ الماركسيون: إن الحديث عن موقف الأحزاب الشيوعية في البلدان المسماة اشتراكية يحتاج إلى مجال مناسب وفحص أدق للوثائق والمستندات، ولن أخوض فيه. أكتفي هنا بالإشارة إلى بضعة من المنتقدين الاشتراكيين/ الماركسيين في أمريكا نفسها أو بعض الأوروبيين.
أُشير بدايةً إلى كتاب روبرت وولف المسمى «فهم رولز: إعادة بناء ونقد لنظرية في العدالة» والذي نشرته مطبعة جامعة برينستون بعد خمس أو ست سنوات من نظرية في العدالة نفسها. يرى وولف، مع اعتباره هذا الكتاب مهماً، أنه دفاع عن الوضع القائم في بلد الرأسمالية الأمريكية، حيث يقوم السوق والعلاقات الاجتماعية على الاستغلال والظلم. نشر هابرماس عام ۱۹۹۵ مقالة بعنوان «المصالحة عبر الاستخدام العمومي للعقل: ملاحظات حول الليبرالية السياسية لجون رولز»، يُشيد فيها عموماً بتفكير رولز وفلسفته السياسية وفلسفة الأخلاق لديه، لكنه يرى قبل كل شيء أن «البنائوية السياسية» عند رولز تعاني من قصور فيما يتصل بالعقلانية وكذلك الصدق المعرفي. ومن جملة المنتقدين اليساريين الاشتراكيين/ الماركسيين الآخرين: جيرالد دوبلت، ونورمان دانيلز، وبنجامين باربر، وإليزابيث رابابورت، وهارشانيي، وجيرالد كوهين، وخصوصاً كاي نيلسن الذي لديه نقدات مهمة لرولز. وقد توفي في شهر مارس/آذار من هذا العام نفسه.
ب. أهم المدافعين عن رولز: يمكن تصنيف المدافعين عن رولز أيضاً في مجموعتين: ۱) الليبراليون و ۲) الاشتراكيون.
قد يكون لدى المدافعين الليبراليين عن رولز نقد له في بعض الحالات. على أية حال، أهم المدافعين الليبراليين عنه هم: جيرالد دوركين، وويل كيمليكا، وجيرالد غاوس، وجوناثان كونغ.
لعل أهم مدافع اشتراكي عن رولز هو ويليام إدموندسن، أستاذ القانون وأستاذ الفلسفة في جامعة ولاية جورجيا، الذي نشرت له مطبعة جامعة كامبريدج قبل ثلاث أو أربع سنوات كتاباً باسم «جون رولز: اشتراكي متكتّم»، حيث قام إدموندسن، بصفته اشتراكياً ومن أنصار «الدستورية الاشتراكية»، بتمجيد رولز وسعى إلى أن يُظهر أن رولز نفسه لا يرى في الواقع أن العدالة التي ينشدها قابلة للتحقق في المجتمع الرأسمالي، بل هو قائل بضرورة «اشتراكية ليبرالية ديمقراطية».
.
.
.
.
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.