اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سعى هايك من خلال «سراب العدالة الاجتماعية» و«أطافيزم العدالة الاجتماعية» إلى تجريد المثل الأعلى للعدالة من معناه. وفي نقدٍ لليبرالية الجديدة وترجمة أعماله، يصف موسى أكرمي هذه التصورات بأنها خاطئة ومضللة.

1_ فيلسوف مهم ومؤثر في مجالات الفكر الاقتصادي والفكر السياسي، وضرورة نقده
لقد سعى فريدريش فون هايك، في خوفه الشديد من تدخل الدولة بشكل عام، وخوفه من دور الدولة التوتاليتارية بشكل خاص، في حياته الفكرية التي انصبت أساساً على الفلسفة السياسية والقانون والاقتصاد السياسي، فضلاً عن مباحثها الفلسفية في مجالي الإبستمولوجيا والمنهجية، إلى توجيه انتقادات للمطالبة بالعدالة في نطاق المجتمع بشكل عام ولفكرة الاشتراكية بشكل خاص.
إنه بفلسفته الاجتماعية وفلسفة التاريخ وفلسفة الاقتصاد الليبرالية الخاصة به، وفي قراءة خاصة لتاريخ التحولات والتشكلات الاجتماعية-الاقتصادية
أولاً: يقدم روايات عن التاريخ والرأسمالية والاشتراكية تخصه هو إلى حد كبير ويمكن توجيه انتقادات جدية إليها؛
ثانياً: فيما يتصل بوصف وتحليل وتبيين مذاهب أو مثل «العدالة الاجتماعية» (التي يضعها هايك دوماً بين مزدوجين ليبين خلوها من المعنى وعدم إيمانه بها) والاشتراكية، استفاد من عبارات خاصة في عناوين بعض كتاباته (محاضرة أو كتاب أو مقالة) تعكس فلسفته وتدفع أنصاره في شتى البلدان، ومنها إيران، إلى التصفيق والرقص حولها وكأنها، بصفتها صيغاً بليغة معبرة، تفي بالغرض بشأن بطلان مثُل العدالة الاجتماعية والاشتراكية؛
ثالثاً: ثمة عدد من المثقفين (بالمعنى العام للمثقف الذي يشمل كل من ينظّر ويبث آراءه فيما يتصل بمباحث الفضاء العام للمجتمع)، من بين أطياف المثقفين العضويين والتقليديين والداخلين في الحكم والخارجين عنه أو المؤيدين للحكم والناقدين له، ذوي النزعات المتنوعة المناهضة لليسار، قد جعلوا من أفكار هايك إلى جانب أفكار مناهضي اليسار الآخرين راية في سوق الأفكار، ويصرخون بزوال النزعات الاشتراكية ويرقصون لذلك، ويخطّون حول أفكار هايك وصحتها، ويدافعون عن أسسه الفكرية وتحليلاته السياسية والاقتصادية ومواقفه شبه الإيديولوجية أو حتى الإيديولوجية؛
رابعاً: إن وصفاته، ووصفات عدد من أقرانه (لا سيما في مدرسة شيكاغو، مثل ميلتون فريدمان شخصياً) في توجه الحكومات نحو السياسة الاقتصادية النيوليبرالية، بما لها من عواقب واسعة في السياسة الداخلية والخارجية، قد خلقت كوارث في البلدان وللبشرية تستدعي، إلى جانب ضرورة دعوة الجميع إلى مراجعة جدية لهذه السياسة الاقتصادية، أن توضع على جدول الأعمال إعادة قراءة أسسه الفلسفية في التحليلات والتبيينات من جهة، وروايته للواقع التاريخي والواقع الاجتماعي-السياسي-الاقتصادي للبلدان من جهة أخرى.
في نقد آراء هايك، كما في نقد آراء أي مفكر ومنظّر آخر، يمكن اتخاذ موقفين: موقف خارج-خطابي وموقف داخل-خطابي. في الموقف الأول، لا يقبل الناقد الأسس الخطابية لهايك، ويكون نقده في الأساس موجهاً إلى تلك الأسس أو عواقبها. أنا شخصياً، وعلى الرغم من أنني أشارك هايك كثيراً من مخاوفه إزاء تجليات الشمولية وتدخل الحكومة الجامح في الحياة الفردية والاستعباد الحديث للأفراد ضد مصالحهم الحقيقية، إلا أنني لا أقبل الكثير من تعاليمه في نظرية المعرفة، والمنهجية، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع التاريخي، وفلسفة القانون، وفلسفة الاقتصاد، والفلسفة السياسية، وكذلك روايته للأحداث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في سياق التاريخ. ومن هنا، فبينما أُجلّ جهوده في تمثيل بعض خفايا الاقتصاد والسياسة في الماضي والحاضر، فإنني من نقاده، سواء في الأسس الفكرية، أو في المنجزات البحثية، أو في العواقب التجويزية لكليّة ليبراليته الخاصة، وأعتبر نفسي من نقاده الخارج-خطابيين.
بصرف النظر عن البحث في مكانة هايك الحقيقية في تاريخ الفكر بشكل عام وفي القرن العشرين بشكل خاص، لا يمكن تجاهل تراثه الفكري ومدى تأثيره، ذلك التراث الفكري والتأثير الذي ربما
1) لم يُسبر وزن كل منهما بدقة،
2) ولم يكونا متناسبين مع بعضهما، و
3) حصلت مبالغات بخصوص كليهما.
في مخطط بروس كالدويل لمجموعة أعمال هايك، تقع هذه المجموعة في عشرين مجلداً، وهي، بصرف النظر عن أي موقف نتخذه تجاه هايك، تنطوي على مباحث وتحليلات جذابة في مجال الاقتصاد، وفلسفة الاقتصاد، والاقتصاد السياسي، وتاريخ العلاقات الاقتصادية، والرأسمالية، والفلسفة السياسية (لا سيما تأييد الليبرالية وتوسيعها، وكذلك نقد الاشتراكية والنازية)، ونظرية المعرفة، وفلسفة العلم. نثر هايك في المجمل شديد الوضوح، وأسلوبه في رواية المسائل وتحليلها يضعه إلى حد كبير في تقليد الفلاسفة التحليليين في حقل الاقتصاد والسياسة.
كان هايك نفسه، مثل كارل بوبر، ذا نزعات اشتراكية في سنوات شبابه الأولى، ثم ابتعد عن الاشتراكية ومُثُلها العليا دون أن يبقى، مثل بوبر، مادحاً لتلك المُثُل ومادحاً لماركس. لقد تأثر بفيلسوف مثل كانط الذي هو الأب الفلسفي لكامل رقعة الإمبراطورية النمساوية، واتجه نحو الليبراليين من التقليد الأنغلوساكسوني، وإلى جانب تأثره بعظماء الليبرالية السياسية والاقتصادية الكلاسيكية مثل جون لوك وآدم سميث وآدم فيرغسون، فهو متأثر بهيوم أكثر من أي شخص آخر، وفي فضاء كان شديد التأثر بشخصية قديرة مثل لودفيغ فون ميزس، اتجه نحو التجريبية في التقليد الأنغلوساكسوني وتنظّر في الفلسفة والسياسة والاقتصاد.
لا مجال في هذه الكتابة لنقد الأسس الفكرية لهايك. لذا سألقي هنا نظرة على صراع هايك مع فكرة العدالة الاجتماعية وأذكر بعض النقاط في نقدها.
في نظرة هايك إلى أفكار الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، تبرز ثلاث عبارات بشكل خاص:
1) «The Atavism of Social Justice»، وهو عنوان محاضرة هايك في جامعة سيدني بأستراليا، بتاريخ السادس من أكتوبر 1976؛ Hayek, F. A. (1976)
2) «سراب العدالة الاجتماعية» (The Mirage of Social Justice) وهو العنوان الفرعي للمجلد الثاني من كتابه ذي الأجزاء الثلاثة «Law, Legislation and Liberty» (Hayek, F. A. [1973, 1976, 1979] (2013))؛
3) «طريق العبودية» (The Road to Serfdom)، وهو عنوان كتاب شهير له (صدر عام 1944)؛
لقد تُرجم الكتابان أعلاه إلى الفارسية (هايك، 1392 الف، 1392 ب، 139). إضافة إلى هذين الكتابين، قام الأستاذ عزت الله فولادوند باختيار فصول ومحاضرات من عدة كتب لهايك وترجمها ونشرها بعنوان «في خندق الحرية». (هايك (1389)
نظر به این که، شوربختانه، دو اصطلاح «آتاویسم عدالت اجتماعی» و «سراب عدالت اجتماعی» اندیشههای نادرست و گمراه کنندۀ هایک را بازتاب میدهند، و بسا کسان در اندیشۀ سیاسی و اجتماعی و اقتصادی آنها را چونان برگهائی برنده علیه سوسیالیسم و عدالت اجتماعی مطرح کرده و چونان چماقی یا پتکی بر سر کسانی که به گمان آنان خوی دیرین نیاکانی دلبستگی به عدالت اجتماعی پس از سدهها در آنان بازگشت کرده و فریفتۀ «سرابی» به نام «عدالت اجتماعی» شدهاند، من میکوشم با نگاهی به دانش تاریخی و مبانی فکری هایک نادرستی برداشت او از مفهوم «عدالت اجتماعی» و نادرستی گزارشهای او و پیامدهای این برداشت برای اندیشۀ سیاسی و اندیشۀ اقتصادی را به کوتاهی نشان دهم.
در این نوشته تنها به جلد دوم «قانون، قانونگذاری و آزادی» (یعنی سراب عدالت اجتماعی) و دو سخنرانی هایک که در (Hayek 1978) منتشر شدهاند (و از قضا در مجموعۀ برگزیدۀ استاد فولادوند راه یافتهاند) توجه میکنم و به کتاب راه بردگی نمی پردازم هر چند مباحثی در آن مطرح شدهاند که میتوانستند در بررسی گستردۀ جستار این نوشته به کار آیند.
ناگزیرم در اینجا با حفظ احترام برای مترجمان ارجمند دو کتاب «قانون، قانونگذاری و آزادی» و «راه بردگی»، خدمتشان عرض کنم که با همۀ کوششی که داشتهاند، نادرستیهای گذشتناپذیری در این کتاها راه یافتهاند. ازاینرو فروتنانه از محضرشان درخواست میکنم که بازنگری و ویرایش دوبارۀ حاصل کار را در دستور کار خود برای چاپ بعدی کتابها قرار دهند. (در پیوست این مقاله نمونههائی از نادرستیهای ترجمۀ جلد دوم کتاب «قانون، قانونگذاری و آزادی» را نشان خواهم داد).
آقای دکتر غنی نژاد در میان آثاری که برای شناساندن هایک و اندیشههای هایک منتشر کردهاند، نوشتهئی را به مفهوم «سراب عدالت اجتماعی» (با همین فرنام) اختصاص دادهاند که نخست در مجلۀ نامۀ فرهنگ (غنی نژاد 1372) و سپس در کتاب «در بارۀ هایک» (غنینژاد 1381) منتشر شده است.
2_ بازپیدایی گرایش به عدالت اجتماعی چونان صفتی نیاکانی
هایک در فرنام سخنرانی 1976 خود از اصطلاح atavism بهره گرفته است که شوربختانه هر دو مترجم پارسی سخنرانی به معنای دقیق آن توجه نداشتهاند: یکی آن را «مرده ریگ» دانسته (هایک 1389) و دیگری آن را «ارث آباء و اجدادی» ترجمه کرده است (هایک 1394) معیری-غنینژاد در جلد دوم «قانون، قانونگذاری و آزادی» آن را به «نیاکانگرایی» برگرداندهاند.
واژۀ atavism در اصل یک اصطلاح زیستشناختی است (که ممکن است روانشناسان نیز از آن بهره گیرند). معنای آن بازپیدایی یک ویژگی ارثی نیاکانی یک موجود زیستشناختی (مانند یک رفتار یا یک صفت خاص) پس از نهان شدن یا از میان رفتن ظاهری آن در چندین نسل است. میتوان آن را تباروارگی، تبارگونگی یا بهتباررفتگی دانست به شرط آن که توجه شود که ویژگی نیاکانی مورد نظر نه به فرزندان و نوادگانی که فاصلۀ اندکی تا نیا یا نیاکان دارند، بلکه به پسینیانی با فاصلۀ چندین نسل از آن نیا یا نیاکان برمیگردند. از آنجا که هایک با زیستشناسی و روانشناسی آشنا بوده است، میتوان گفت که او این واژه را با توجه به معنای زیستشناختی/روانشناختی آن به کار برده است. ازاینرو شاید بتوان atavism را به «بازپیدایی صفت نیاکانی» برگرداند و برگرداندن «the atavism of social justice» به «بازپیدایی صفت [دلبستگی] نیاکانی به عدالت اجتماعی» را پذیرفت.
هایک این واژه را سه بار در کتاب «مطالعات جدید در فلسفه، سیاست، اقتصاد، و تاریخ اندیشه» به کار برده است: یک بار در فرنام سخنرانی دانشگاه سیدنی (Hayek1978, pp. 57-68)، و دو بار در سخنرانی دیگری با فرنام Adam Smith's Message in Today's Language (پیام ادم اسمیت به زبان امروز) (در Hayek1978, pp. 267-268)
هایک در متن سخنرانی دانشگاه سیدنی هیچ بهرهگیری مستقیمی از این اصلاح ندارد، ولی میتوان به دریافتی از آنچه تلویحاً در نظر دارد دست یافت. من در چارچوب اقتضای این نوشته میکوشم بهرهگیریهای تلویحی و مصرح هایک از اصطلاح «آتاویسم » را در آن دو سخنرانی، و همچنین در «قانون، قانونگذاری و آزادی» را نشان دهم.
أ. في محاضرة بعنوان «رسالة آدم سميث بلغة اليوم»
1) بعد أن يعارض هايك رأي أولئك الذين يعتبرون آدم سميث داعية «للأنانية»، ويشير إلى رأيه بخصوص ضرورة الدفع للأفراد وفقاً لقيمة خدماتهم، يعتبر تعاليمه في مواجهة هذه «الغريزة العميقة الجذور» الموروثة من العشيرة أو القبيلة، أي «المجتمع الأقدم وجهاً لوجه» الذي «نشأت فيه على مدى مئات آلاف السنين عواطف لا تزال تسيطر على الإنسان بعد أن وطئت قدماه المجتمع المفتوح.» (Hayek 1978, p. 268)
والآن يبدو أن الأرضية ممهدة لكي يستخدم هايك مصطلح الأتافيزم: «وهكذا فإن مطلب ’العدالة الاجتماعية‘، أي مطلب تخصيص حصص من الثروة المادية لمختلف الناس والجماعات وفقاً لاحتياجاتهم أو استحقاقاتهم، والذي تقوم عليه الاشتراكية برمتها، هو أتافيزم، مطلب لا يمكن التوفيق بينه وبين المجتمع المفتوح حيث يستطيع الفرد أن يستخدم معرفته لأغراضه الخاصة.» (Hayek 1978, pp. 268-269)
2) يستشهد هايك في محاضرته بقول لآدم سميث يتحدث فيه ذلك الاقتصادي الليبرالي الكلاسيكي الكبير عن إنسان ذي نظرة «نسقية» أو «ذات إيمان بالنظام» يرى المجتمع كرقعة شطرنج والبشر كقطع شطرنج يجب أن تتحرك عليها دون أن ينتبه ذلك الإنسان المؤمن بالسلوك النسقي إلى أن قطع الشطرنج ليس لها أي مبدأ حركة سوى اليد التي تحركها. يقول سميث: «على رقعة الشطرنج الكبرى للمجتمع الإنساني، لكل قطعة مبدأ حركة خاص بها، يختلف كلياً في الغالب عما قد تفرضه السلطة التشريعية عليها.» (Hayek 1978, p. 269
يعبر سميث فوراً عن رأيه في كيفية سلامة اللعب على رقعة شطرنج المجتمع: «إذا تطابق هذان المبدآن وسارا في اتجاه واحد، فإن لعبة المجتمع الإنساني ستسير بسهولة وانسجام، وستكون على الأرجح سعيدة وناجحة. أما إذا كانا متضادين أو مختلفين، فستسير اللعبة بتعاسة، وسيكون المجتمع دوماً في أعلى درجات الفوضى.» (ibid)
وبعد أن ينهي هايك الاقتباس، ودون أن يلتفت إلى توصيتي ذلك الاقتصادي الكبير، يشرع في توظيفه لهذا الاقتباس: «الجملة الأخيرة ليست وصفاً سيئاً لمجتمعنا الحالي. وإذا لم نتخل عن هذا الأتافيزم (= عودة ظهور الصفة [التعلق] السلفية) وواصلنا، باتباع الغرائز الموروثة من القبيلة، الإصرار على فرض مبادئ على المجتمع الكبير تفترض معرفة رئيس تلك القبيلة بجميع الظروف والأحوال الخاصة، فسنعود إلى المجتمع القبلي.» (ibid).
لقد استخدم الأستاذ فولادوند في مجموعة «في خندق الحرية» في كلا الموضعين من ترجمة محاضرة «رسالة آدم سميث بلغة اليوم» مقابل «الإرث السلفي».
ب. في كتاب «القانون والتشريع والحرية»
ورد مصطلح atavism في هذا الكتاب أيضاً مرتين (الصفحتان 304 و 497 من النص الإنجليزي: Hayek 2013) وسأنقل هنا ترجمة بضع جمل تتضمن هذا المصطلح، في كلتا الحالتين:
3) بعد أن يشير هايك إلى فشل أول محاولة للإنسان للانتقال من المجتمع القبلي إلى المجتمع المفتوح، ويعزو سببه إلى عدم استعداد الإنسان للتخلي عن المواقف الأخلاقية التي نشأت من أجل المجتمع القبلي، يستشهد بقول لخوسيه أورتيغا إي غاسيت [من The Revolt of the Masses (London, 1932), p. 83] يضعه في صدارة الفصل الحادي عشر من الكتاب (في الجزء الثاني). كتب أورتيغا إي غاسيت هناك:
«خوب است امروز یادآوری شود که لیبرالیسم برترین شکل بخشندگی [/سخاوت] است؛ حقی است که اکثریت به اقلیتها واگذار میکند و ازاینرو ارجمندترین فریادی است که تا کنون بر این سیاره پژواک داشته است. عزم همزیستی با دشمن، [حتی] بیش از آن، همزیستی با دشمن ضعیف، را اعلام میدارد. باورنکردنی بود که نوع انسان به ایستاری چنین ارجمند، چنین ناسازنما، چنین پالوده، چنین طبیعیستیزانه دست یافته باشد. از این رو نباید در شگفت شد که همین انسان بهزودی آرزومند رها شدن از آن بنماید. این انضباطی بس دشوارتر و پیچیدهتر از آن است که بر کرۀ زمین ریشهئی استوار یابد.» (Hayek 2013, p. 291)
هايك بعد از أن يستذكر الاقتباس أعلاه من أورتيغا إي غاسيت، يكتب فوراً: «في زمنٍ تنخرط فيه الأغلبية العظمى في العمل ضمن منظمات وتكون فرصتهم ضئيلة لتعلم أخلاقيات السوق، من المحتمل جداً أن تدمر رغبتهم الحدسية في أخلاقيات أكثر إنسانية [/أكثر محبة] وشخصية تتوافق مع غرائزهم الموروثة ‹المجتمع الكبير›. (Hayek 2013, p. 304)
هنا يتذكر هايك مُثُل الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ويعتبرها نفس الأتافيزم:
«مع ذلك يجب أن ندرك أن مُثُل الاشتراكية (أو [مُثُل] ‹العدالة الاجتماعية›) التي تبدو جذابة جداً في هكذا وضع، لا تقدم في الحقيقة أخلاقاً جديدة، بل تتشبث فحسب بغرائز موروثة من مجتمع أقدم. إنها نوع من الأتافيزم (= عودة ظهور صفة [تعلق] الأسلاف)، محاولة عقيمة لفرض أخلاقيات المجتمع القبلي على المجتمع المفتوح، والتي، إن طغت، لن تدمر ‹المجتمع الكبير› فحسب، بل ستهدد أيضاً بقاء الأعداد الكبيرة [من البشر] التي مكن نظام السوق الإنسانَ طوال ثلاثمئة عام من بلوغها.» (p. 304)
4) هايك في قسم بعنوان «عودة الظهور المفاجئ للغرائز البدئية المكبوتة»، في الخاتمة المفصلة للفصل الثامن عشر من الكتاب (الفصل الأخير من الكتاب كله ومجلده الثالث)، والذي يتناول فيه «المصادر الثلاثة للقيم الإنسانية»، يكتب:
«لكن في الوقت الحاضر ينخرط قسم متزايد دوماً من سكان ‹العالم الغربي› في منظمات كبيرة ويصبحون بالتالي غرباء عن قواعد السوق التي جعلت المجتمع المفتوح الكبير ممكناً. اقتصاد السوق عصي على الفهم إلى حد كبير بالنسبة لهم؛ لم يطبقوا أبداً القواعد التي يقوم عليها هذا الاقتصاد، ونتائجه تبدو لهم غير عقلانية وغير أخلاقية. غالباً ما لا يرون فيه سوى بنية اعتباطية تحافظ عليها قوة خبيثة.» (Hayek 2013, p. 497)
هنا يستخدم هايك مرة أخرى مصطلح الأتافيزم:
«نتيجة لذلك، عادت الغرائز الفطرية الكامنة منذ زمن بعيد إلى الظهور مجدداً. وهكذا فإن مطلبهم بتوزيع عادل تُستخدم فيه قوة منظمة لإعطاء كل شخص ما يستحقه، هو أتافيزم (= عودة ظهور صفة [تعلق] الأسلاف) قائم على العواطف البدئية [الإنسانية]. وهذه المشاعر هي المهيمنة جداً لدرجة أن الأنبياء وفلاسفة الأخلاق والبنيويين يلجأون إليها ببرنامجهم لخلق فكرة نوع جديد من المجتمع.» (p. 497)
هايك في محاضرة جامعة سيدني يتحدث عن الأتافيزم بشكل أكثر تحديداً دون أن ينطق بهذا المصطلح. بعد أن يبين أن البشر قبل «العشرة آلاف سنة الأخيرة التي أوجد فيها الإنسان الزراعة والمدن وأخيراً ‹المجتمع الكبير›، أمضوا على الأقل مئة ضعف هذه المدة في جماعات صيد تتقاسم الطعام مؤلفة من نحو خمسين شخصاً، مع نظام صارم من الهيمنة في منطقة مشاع محمية» (Hayek 1978, p. 59)
هايك، مشيراً إلى دور «احتياجات هذا النوع البدائي القديم من المجتمع» في تحديد «العديد من المشاعر الأخلاقية التي لا تزال تسيطر علينا ونستحسن وجودها في الآخرين»، يقول: «من شبه المؤكد أن العديد من المشاعر الأخلاقية المكتسبة في ذلك الزمن لم تنتقل فقط بشكل ثقافي عبر التعليم أو التقليد، بل أصبحت فطرية أو محددة جينياً.» (المصدر نفسه، الموضع نفسه)
يضيف هايك فوراً:
«ولكن ليس الأمر بحيث أن كل ما هو طبيعي لنا بهذا المعنى يكون بالضرورة خيراً ونافعاً لنمو النوع [البشري] في ظروف مختلفة. لقد تمتعت الجماعة الصغيرة في شكلها البدائي حقاً بشيء ما زال جذاباً للغاية لكثير من الناس: غاية واحدة، أو سلسلة مراتب مشتركة من الأهداف، وشراكة مدروسة في الوسائل وفقاً لرأي مشترك حول الاستحقاقات الفردية. غير أن أسس تماسك هذا الشكل من المجتمع كانت تفرض قيوداً على نموه الممكن. فالأحداث التي كان بوسع الجماعة أن تتكيف معها، والفرص التي كان بوسعها أن تستفيد منها، كانت فقط تلك التي كان أعضاء الجماعة على وعي مباشر بها. بل والأسوأ من ذلك، لم يكن بوسع الفرد أن يفعل إلا جزءاً يسيراً مما لا يستحسنه الآخرون. إن اعتبار الفرد حراً في المجتمع البدائي وهمٌ. لم تكن هناك حرية طبيعية لحيوان اجتماعي، في حين أن الحرية هي إحدى مصنوعات [artifact] الحضارة. لم يكن للفرد داخل الجماعة أي مجال مقبول للفاعلية المستقلة؛ حتى رئيس الجماعة لم يكن بوسعه أن يتوقع الطاعة والدعم وفهم إشاراته إلا في إطار الأنشطة المرعية والمتعارف عليها. وما دام كل فرد مضطراً لخدمة ذلك النظام الهرمي لجميع الحاجات، الذي يحلم به اشتراكيو اليوم، فلا يمكن أن توجد أية تجربة حرة للأفراد.» (المصدر نفسه، الموضع نفسه.)
والآن صار بالإمكان فهم كلام هايك على نحو أفضل، قبل أن يقدم هذا التقرير/النظرة التاريخية مع استنتاجه الخاص:
«السبب في أن معظم الناس لا يزالون متمسكين بإيمانهم ﺑ ’العدالة الاجتماعية‘، حتى بعد أن اكتشفوا أنهم لا يعرفون حقاً معنى هذه العبارة، هو أنهم يعتقدون أنه ما دام كل شخص آخر تقريباً يؤمن بها، فلا بد أن يكون هناك شيء ما فيها. أساس هذا القبول شبه العالمي لاعتقاد لا يدرك الناس أهميته، هو أننا جميعاً ورثنا من المجتمع المختلف الأقدم، المجتمع الذي عاش فيه الإنسان أطول بكثير مما عاش في المجتمع الحالي، غرائز عميقة الجذور لا تنطبق على حضارتنا الراهنة.» (Hayek 1978, pp. 58-59)
وجدير بالذكر أن هايك لم يستخدم كلمة atavism في كتابيه المهمين The Road to Serfdom و The Constitution of Liberty.
3_ «العدالة الاجتماعية» كمصطلح لا معنى له
يستهل هايك محاضرته في جامعة سيدني، المعنونة «أطافيزم العدالة الاجتماعية»، على النحو التالي:
«لقد كان اكتشاف معنى ما يسمى ’العدالة الاجتماعية‘ إحدى مشاغلي الفكرية الرئيسية لأكثر من عشر سنوات. لقد فشلت في هذا المسعى – أو، بالأحرى، توصلت إلى نتيجة مفادها أنه، بالنظر إلى مجتمع من البشر الأحرار، لا معنى لهذه العبارة على الإطلاق. لكن البحث عن السبب في أن هذه العبارة، رغم ذلك، هيمنت على الخطاب السياسي طوال قرن من الزمان تقريباً، واستُخدمت بنجاح في كل مكان لطرح مطالبات جماعات معينة بحصة أكبر من خيرات الحياة، لا يزال بحثاً جديراً بالاهتمام.» (Hayek 1978, p. 57).
ويشير هايك إلى النشر الوشيك للمجلد الثاني من كتاب «القانون والتشريع والحرية» ويقول إنه وسمه بعنوان «سراب العدالة الاجتماعية»: «ينبغي أولاً أن أشرح بإيجاز [...] لماذا انتهيت إلى أن ’العدالة الاجتماعية‘ ليست أكثر من صيغة جوفاء تُستخدم عادة للتعبير عن تبرير مطالبة معينة دون تقديم أي دليل. [...] مفهوم ’العدالة الاجتماعية‘ [...] يفتقر إلى المصداقية العقلية.» (ibid)
ويشير هايك إلى تناول بعض المثقفين العشوائي وغير الدقيق لهذه النقطة، ويتحدث عن هذه «النتيجة المؤسفة» المتمثلة في أنه بما أن «العدالة ’الاجتماعية‘» هي النوع الوحيد من العدالة الذي فكروا فيه، كما يدعي هايك، فقد استنتجوا بالتالي أن أياً من استعمالات كلمة العدالة لا يحمل مضموناً ذا معنى.
ويقول هايك بعد ذلك: «ولهذا فقد اضطررت في الكتاب نفسه [أي المجلد الثاني من القانون والتشريع والحرية] أن أبيّن أن قواعد السلوك الفردي العادل لا تقل حتميةً عن المحاولات المبذولة لإدراك تناقض العدالة ’الاجتماعية‘ معها من أجل الحفاظ على مجتمع سلمي من البشر الأحرار.» (المرجع نفسه)
بعد ذلك، يستحضر هايك ’العدالة التوزيعية‘ ليعبّر عن فهمه لـ ’العدالة الاجتماعية‘ ويبيّن خلوّها من المعنى:
«يُستخدم مصطلح ’العدالة الاجتماعية‘ اليوم عموماً كمرادف لما كان يُطلق عليه سابقاً ’العدالة التوزيعية‘. ولعل المصطلح الثاني يعطي تصوراً أفضل عما يمكن أن يُقصد به، ويُظهر في الوقت نفسه لماذا لا يمكن تطبيقه على نتائج اقتصاد السوق: حيث لا يوجد مَن يوزّع، لا توجد عدالة توزيعية. لا تكون للعدالة معنى إلا كقاعدة للسلوك الإنساني، ولا توجد أي قاعدة يمكن تصورها لسلوك الأفراد الذين يعرضون السلع والخدمات على بعضهم البعض في اقتصاد قائم على السوق من شأنها أن تُنتج توزيعاً يمكن وصفه بشكل ذي معنى بأنه عادل أو غير عادل. قد يتصرف الأفراد أنفسهم بعدالة قدر الإمكان، ولكن بما أن النتائج المترتبة على الأفراد فرادى ليست مقصودة من قبل الآخرين ولا قابلة للتنبؤ بها، فإن الوضع الناتج لا يمكن وصفه بالعادل ولا بالظالم.» (Hayek 1978, p. 58).
يقدم هايك دليلاً آخر لتأكيد فراغ مصطلح ’العدالة الاجتماعية‘:
«يتجلى الفراغ التام لعبارة ’العدالة الاجتماعية‘ في أنه لا يوجد اتفاق حول ما تقتضيه العدالة الاجتماعية في حالات معينة؛ وكذلك في أنه لا يوجد أي اختبار معروف يمكن في حال اختلاف الناس أن يُحدد مَن هو على حق، وفي أنه لا يمكن تصميم أي نمط مُفترض مسبقاً للتوزيع بشكل فعال في مجتمع أفراده أحرار، بمعنى أنه يُسمح لهم باستخدام معرفتهم لأغراضهم الخاصة. في الواقع، إن المسؤولية الأخلاقية الفردية عن أفعال الفرد لا تتوافق مع تحقيق مثل هذا النمط الكلي المرغوب للتوزيع.» (المرجع نفسه)
علاوة على أن هايك يساوي بين ’العدالة الاجتماعية‘ و’العدالة التوزيعية‘ وينفي وجود شيء للتوزيع ليصل إلى هذه النتيجة الضمنية بأن العدالة الاجتماعية سراب، فإنه
4_ فهم هايك لـ ’العدالة الاجتماعية‘
يعتبر هايك في كتاب الطريق إلى العبودية (1944)، أن المعنى المحتمل للاشتراكية هو «مُثُل العدالة الاجتماعية، والمزيد من المساواة، والأمن»، باعتبارها غاياتها النهائية. (Hayek [1944] 2007, p. 108) وهو، بعد أن يشير إلى الطريقة الخاصة التي يأمل معظم الاشتراكيين في تحقيق هذه الأهداف من خلالها (مثل «إلغاء المشروع الاقتصادي الخاص والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وإنشاء نظام ’اقتصاد مخطط‘ تحل فيه هيئة تخطيط مركزية محل صاحب العمل الذي يعمل من أجل الربح» (المرجع نفسه))، يشير إلى النشاط الاقتصادي المركزي لخلق تطابق بين توزيع الدخل و«المُثُل السائدة للعدالة الاجتماعية» (ص. 109). وبقدر ما دققت، لم يستخدم هايك عبارة ’العدالة الاجتماعية‘ مرة أخرى في كتاب الطريق إلى العبودية.
كان نشر كتاب جون رولز بعنوان «نظرية في العدالة» (Rawls 1971) حدثاً بالغ الأهمية في الفلسفة السياسية، وفلسفة الأخلاق، والليبرالية. لم يكن بمقدور أي مفكر في هذه المجالات، ومنهم هايك، أن يتجاهل نشر هذا الكتاب. إن دراسة علاقة هايك برولز تحتاج إلى مقالة منفصلة. من الواضح أن شخصاً مثل هايك كان لا بد أن يعبّر عن موقفه من المفهوم الأساسي لـ ’العدالة الاجتماعية‘، الذي كان قد استحوذ على اهتمام العديد من المفكرين، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، بشكل أكثر توسعاً. ففي 21 أكتوبر 1973، وفي محاضرة بعنوان «الحرية الاقتصادية والحكومة التمثيلية» (Hayek 1978, pp. 105-118)، في «الجمعية الملكية للفنون» بلندن، استخدم تعبير «سراب العدالة الاجتماعية»:
«في الواقع، في اقتصاد السوق حيث لا يحدد أي شخص أو مجموعة بعينها من يحصل على ماذا، وحيث تعتمد حصص الأفراد دائمًا على طوارئ عديدة لم يكن بمقدور أحد التنبؤ بها، فإن مفهوم العدالة الاجتماعية أو التوزيعية برمته يصبح فارغًا وبلا معنى؛ وبالتالي لن يكون هناك أي اتفاق على ما هو عادل بهذا المعنى. لست متأكدًا من أن لهذا المفهوم معنى محددًا حتى في اقتصاد مركزي، أو أن الناس في مثل هذا النظام سيتمتعون باتفاق على أي توزيع يكون عادلًا. لكنني متأكد من أنه لا شيء قد قضى على الحماية القانونية للحرية الفردية بقدر السعي وراء سراب العدالة الاجتماعية.» (Hayek 1978, pp. 110-111)
كان قد شرع قبل مدة في تنفيذ برنامجه المهم لتأليف ونشر كتابه الهام «القانون والتشريع والحرية» الذي صدر أخيرًا في ثلاثة مجلدات (1973، 1976، 1979). وقد أضفى على هذا الكتاب العنوان الفرعي الخاص «سراب العدالة الاجتماعية» (the Mirage of Social Justice). في مقدمة الكتاب، وبعد الإشارة إلى هدف مونتسكيو وواضعي الدستور الأمريكي في تقديم دستور مقيد واتباع الدستورية [/سيادة القانون/] الليبرالية لهذا التوجه، يعبر عن رأيه بأنه نظرًا لحصول الحكومات على صلاحيات واسعة من خلال ذلك الدستور نفسه، فإن ما كان يصبو إليه مونتسكيو وواضعو الدستور الأمريكي من فصل السلطات الثلاث لم يتحقق. يشير هايك، متطرقًا إلى تجربة الديمقراطية كنوع من الحكم لا تكون فيه إرادة الأغلبية مقيدة في أي مجال، إلى عدم أداء الدساتير لدورها في الحكومات، ومن ثم يبحث عن وظيفة للدستور جعلت حكومة ذات سلطة مطلقة ممكنة. يطرح هايك هذا السؤال: لو كان مؤسسو الدستورية الليبرالية يمتلكون التجربة التي اكتسبناها خلال هذه المدة، فماذا كانوا سيفعلون اليوم لتحقيق الأهداف التي كانوا يصبون إليها؟ هكذا، وبإيمانه بالصلاحية الدائمة لأهدافهم، يرى هايك أن أدواتهم غير كافية ويتحدث عن الحاجة إلى ابتكار مؤسسي جديد. (Hayek 2013, 1-2)
بإشارته إلى أنه حاول في كتاب آخر (يقصد The Constitution of Liberty) إعادة صياغة المذهب التقليدي للدستورية الليبرالية، يقول هايك إنه بعد إكمال هذا الكتاب أدرك بوضوح أولاً لماذا عجزت تلك المُثُل عن كسب تأييد المثاليين الذين تدين لهم جميع الحركات السياسية الكبرى، وثانيًا ما هي تلك المعتقدات السائدة في عصرنا والتي لا يمكن التوفيق بينها وبين تلك المُثُل؟ وهو يسرد الأسباب الرئيسية لهذا التحول على النحو التالي: «فقدان الإيمان بعدالة مستقلة عن المنفعة الشخصية؛ وما تبع ذلك من استخدام التشريع لإجازة ممارسة القسر، ليس فقط لمنع الفعل الجائر بل لتحقيق نتائج محددة لأشخاص أو مجموعات معينة؛ واندماج مهمة التعبير الواضح عن قواعد السلوك العادل مع مهمة إدارة الحكومة في أيدي مجالس نيابية واحدة.» (ibid)
الآن يستطيع هايك أن يتحدث عن أسبابه لتأليف كتاب آخر حول «نفس الموضوع العام للكتاب السابق» استنادًا إلى «ثلاث رؤى أساسية» ضرورية «لصيانة مجتمع من البشر الأحرار». وهو يذكر هذه الرؤى الثلاث على النحو التالي:
«الرؤية الأولى هي أن النظام التلقائي أو العفوي يختلف عن المنظمة، وأن التمييز بينهما يرتبط بنوعين مختلفين من القواعد أو القوانين التي تحكمهما. الرؤية الثانية هي أن ما يُعتبر عمومًا اليوم عدالة
وبهذا نشر هايك كتابًا مهمًا تطرق فيه إلى المسائل الأساسية لفلسفته السياسية. احتلّ خصامه الطويل مع فكرة «العدالة الاجتماعية» بوصفها «سرابًا» منتصف الكتاب، ليفتح الطريق، على أساس نقاشاته حول «القواعد والنظام» في المجلد الأول، لتصميم النظام السياسي المفضل لديه في المجلد الثالث. يعتبر هذا الكتاب بحق من الأعمال الكلاسيكية المهمة في فلسفة السياسة، وإن كان يمكنني، شأني شأن آخرين كثيرين، أن أثير انتقادات محددة عليه.
يذكر هايك جون رولز مرة واحدة فقط في جميع أجزاء الكتاب الثلاثة، رغم أنه يحيل في بعض الحواشي إلى بعض أعماله. تلك المرة الوحيدة تأتي في الفقرة الأخيرة من الفصل التاسع من الكتاب (أي الفصل الثالث من المجلد الثاني)، معارضة محافظة لكتاب رولز المهم «نظرية العدالة»:
«قبل أن أترك هذا الموضوع أود أن أؤكد مرة أخرى أن الاعتراف بأن كلمة «العدالة» في صيغ مثل العدالة «الاجتماعية» و«الاقتصادية» و«التوزيعية» أو «الجنائية» تفتقد تمامًا مضمونها لا ينبغي أن يعميَ أبصارنا عن الحقيقة. فليس فقط العدالة التي تطبقها المحاكم كأساس للقواعد القانونية والسلوك العادل بالغة الأهمية، بل إن هناك بلا ريب، فيما يتعلق بالتصميم المدروس للمؤسسات السياسية، مسألة حقيقية للعدالة، وهي المسألة التي كرس لها البروفيسور جون رولز مؤخرًا كتابًا مهمًا. ما يثير أسفي ويشعرني بالاضطراب الفكري هو أنه يستخدم في هذا السياق مصطلح «العدالة الاجتماعية». غير أنني لا أختلف مع كاتب يقبل، قبل التعامل مع تلك المسألة، بأن «مهمة اختيار النظم المحددة أو توزيع الأشياء المرغوبة كعمل عادل يجب أن تُترك باعتبارها خطأ من حيث المبدأ، وهذا بأي حال لا يملك إجابة واضحة وحاسمة. بعبارة أفضل، تحدّد مبادئ العدالة قيودًا حاسمة يجب على المؤسسات والأنشطة المشتركة أن تحترمها حتى لا يكون لدى الأفراد المشاركين فيها أي شكوى منها. كلما احترمت هذه القيود يمكن اعتبار التوزيع الناتج، مهما كان، عادلًا (أو على الأقل ليس ظالمًا).» هذا تقريبًا ما حاولت توضيحه في هذا الفصل.» (Hayek 2013, p. 261)
أخذ هايك هذا الاقتباس من رولز من مقالة «Constitutional Liberty and the Concept of Justice» التي نشرها رولز سنة 1963، قبل ثماني سنوات من نشر كتاب «نظرية العدالة»، في العدد الرابع من مجلة Nomos. بعد أن يورد هايك البيانات الببليوغرافية لهذه المقالة في قسم «الحواشي» يقول إن رولز كتب قبل هذا الاقتباس: «إن النظام من المؤسسات هو الذي يجب الحكم عليه، وهذا الحكم يجب أن يتم من وجهة نظر عامة.» ثم يقدم هايك توضيحًا يبيّن بطريقة مدهشة أنه لم يقرأ أو لم يقرأ بعناية على الأقل حتى وقت كتابة المجلد الثاني من كتاب القانون والتشريع والحرية (أي سنة 1976) الكتاب المهم «نظرية العدالة» ذا الشهرة العالمية: «لا أعرف ما إذا كان أكثر كتب البروفيسور رولز قراءة، أي نظرية العدالة (هارفارد، 1971) يوفر توضيحًا أكثر وضوحًا نسبيًا للنقطة الأساسية، الأمر الذي قد يفسر لماذا يبدو أن هذا العمل اعتُبر غالبًا، لكن في رأيي خطأ، مؤيدًا للمطالب الاشتراكية.» يستشهد هايك على سبيل المثال بمقالة «On Meritocracy and Equality» لدانيال بل في العدد الخريفي من سنة 1972 من مجلة Public Interest والتي يعتبر فيها بل نظرية رولز «أشمل محاولة في الفلسفة الحديثة لتبرير أخلاق اشتراكية». (Hayek 2013, p. 335)
يجدر الإشارة هنا إلى أنه، بحسب ما يعلم الكاتب، لم يشر رولز في أعماله إلى أي إشارة إلى هايك وأعماله.
الآن حان الوقت لننظر إلى المجلد الثاني من كتاب القانون والتشريع والحرية (أي سراب العدالة الاجتماعية).
من الواضح أننا نتوقع أن يركز هايك بشكل أساسي في هذا الكتاب على تعريف «العدالة الاجتماعية» وشرح المسائل المرتبطة بها. في الفصل الثاني من الكتاب، (أي الفصل التاسع من المجموعة المكونة من ثلاث مجلدات)، الموسوم «البحث عن العدالة»، يسعى إلى إظهار
1) العدالة هي صفة للفعل الإنساني فحسب (وإن كان يعتقد أنه يمكن الاستفادة من هذه الصفة أيضاً للمنظمات والمؤسسات الحكومية والاجتماعية. لكن تطبيقها على كلية المجتمع، باعتبارها نظاماً تلقائياً ذاتياً، أمر بلا معنى وغير صحيح.)
2) قواعد الفعل العادل عموماً هي محظورات للفعل غير العادل؛
3) قواعد الفعل العادل واختبار العدالة فيها سلبية وليست إيجابية، وهذه الطبيعة السلبية لها أهمية كبيرة؛
4) معيار عدالة أو عدم عدالة أفعال البشر يقوم على مدى عدم توافق أفعالهم مع النظام التلقائي الذاتي لـ «المجتمع الكبير» القائم على اقتصاد السوق.
بهذا الشكل، فإن ما يطرحه هايك في الفصل الثامن ليس سوى العدالة الفردية في أفعال الأفراد مقابل النظام التلقائي التلقائي لمجتمع رأسمالي قائم على علاقات العرض والطلب وفهم الأفراد لمقتضياته. من الواضح أن هايك يتجاهل كل التقليد العريق لفلسفة السياسة الغربية، خاصة منذ أفلاطون وأرسطو إلى كانط ولوك وميل وبنتام ورولز، الذين لم يهبطوا أبداً بتعريف العدالة، حتى لو كانت العدالة الفردية، إلى مستوى هكذا منخفض.
القارئ يتوقع أن يقدم هايك في الفصل التاسع من الكتاب، الموسوم بـ «العدالة "الاجتماعية" أو التوزيعية»، رؤيته للـ «عدالة اجتماعية» بطريقة دقيقة. بما أنه سيربط في النهاية «العدالة الاجتماعية» بمفاهيم غامضة حول «الاستحقاق» و«الحاجة» و«الرفاهية»، فإنه يبدأ هذا الفصل بقولين من هيوم وكانط من الضروري ترجمتهما:
1) قول هيوم (المأخوذ من David Hume, An Enquiry Concerning the Principles of Morals, sect. Ill, part II, Works IV, p. 187): «عدم التيقن من الاستحقاق كبير جداً، سواء بسبب الغموض الطبيعي له أو بسبب رؤية كل فرد لنفسه، بحيث لا يمكن استخلاص أي قاعدة محددة للسلوك منه.» (Hayek 2013, 226)
2) قول كانط (المستمد من Immanuel Kant, Der Streit der Fakultäten(1798), sect. 2, para. 6, note 2)): «لكن الرفاهية ليس لها أساس لا لمن يُعطى إياها ولا لمن يوزعها (فهم يجعلون لها أماكن غير متساوية)؛ لأنها تعتمد على محتوى مادي للإرادة التي تتعلق بالواقعيات الخاصة، وبالتالي فهي غير قابلة لقاعدة عامة.» (ibid)
يبدأ هايك بعد هذين القولين الجزء الأول من هذا الفصل. هو، الذي اختار لهذا الجزء عنوان «مفهوم العدالة الاجتماعية»، في البداية مباشرة وبالإشارة إلى رؤيته لمفهوم العدالة فيما يتعلق بالفعل الفردي، باعتباره «أساساً وحداً لا محيد عنه لكل قانون»، يعتقد أنه يجب الوقوف ضد الاستخدام الخاطئ لكلمة العدالة، استخدام خاطئ يشكل تهديداً لفهمه للقانون الذي جعله حامياً للحرية الفردية. هذا الاستخدام الخاطئ يتمثل في تطبيق فهمه للعدالة المتعلق بأفعال الأفراد تجاه بعضهم على آثار الأفعال المشتركة لعدد كبير من الناس، حتى عندما تكون هذه الآثار غير متوقعة أو غير مرغوبة. (Hayek 2013, p. 226)
يعبر هايك، بهذا النوع من التحذير، عن فهمه للعدالة "الاجتماعية" أو الفهم الذي يجده شائعاً:
«اعتُبرت العدالة "الاجتماعية" (أو أحياناً العدالة "الاقتصادية") بوصفها صفة يجب أن تتمتع بها "تصرفات المجتمع أو سلوك المجتمع تجاه الأفراد والجماعات". وتماماً كما يميل الفكر البدائي عادة إلى التصرف عند أول انتباه للعمليات المنتظمة، فقد تم تفسير نتائج النظام الذاتي التلقائي للسوق كما لو أن كائناً مفكراً ما يوجهها بطريقة متأنية، أو كما لو أن المنافع الخاصة أو الأضرار التي تصيب الأشخاص المختلفين هي نتيجة قرارات إرادية متأنية، وبالتالي يمكن توجيهها بقواعد أخلاقية. وبهذه الطريقة فإن هذا الفهم للعدالة الاجتماعية هو نتيجة مباشرة لتلك الأنسنة أو إضفاء الشخصية التي يسعى الفكر الخام والساذج إلى تفسير جميع العمليات ذاتية التنظيم من خلالها. هذا يشير إلى عدم نضج عقولنا، إذ لم نتجاوز بعد هذه المفاهيم البدائية، وإننا نريد من عملية غير شخصية توفي الرغبات الإنسانية أكثر من أي تنظيم إنساني متأن أن تتوافق مع الأحكام الأخلاقية التي وضعها الإنسان لتوجيه أفعاله الفردية.» (Hayek 2013, p. 227)
أولاً أنه لا يمكن استخدام "العدالة" إلا في وصف تصرفات فردية (والمنظمات التي تتمتع بنظام مبني من قبل الإنسان) وليس في وصف ما يتمتع به نظام تلقائي ذاتي ولا ينتج عن تخطيط واعٍ؛
ثانياً يعتبر استخدام عبارة "العدالة الاجتماعية" نتيجة للأنسنة والنظر إلى المجتمع كموجود شخصي، وإسقاط الخصائص الفردية الإنسانية على هذا الموجود الشخصي المتصور؛
ثالثاً يختزل العدالة الاجتماعية إلى العدالة الاقتصادية ثم يحتج ضدها.
بهذا الفهم للمفهوم الشائع "للعدالة الاجتماعية" كتب هايك:
«استخدام مصطلح "العدالة الاجتماعية" بهذا المعنى حديث نسبياً وظاهراً أنه لا يتجاوز مائة سنة. وقبل ذلك كانت تُستخدم هذه العبارة أحياناً لوصف المحاولات المنظمة لتطبيق قواعد السلوك الفردي العادل، واليوم تُستخدم أحياناً في النقاش العلمي لتقييم آثار مؤسسات المجتمع القائمة. لكن المعنى الذي يُعتبر عموماً لها الآن والذي يتمسك به الجدل العام باستمرار، والذي سيُبحث في هذا الفصل بهذا المعنى، هو في الأساس نفس المعنى الذي استُخدم منذ وقت طويل لعبارة العدالة التوزيعية.»
يبدو لهايك أن هذا المعنى بدأ يساري للمصطلح "العدالة الاجتماعية" عندما استخدم جون ستيوارت ميل كلا المصطلحين بطريقة معادلة، وهذا ربما كان إلى حد ما سبباً لهذا الرواج. ويذكر نص جون ستيوارت ميل:
«يجب أن تعامل المجتمع بالتساوي أولئك الذين يستحقون الخير بالتساوي، أي أولئك الذين يستحقون الخير بشكل مطلق بالتساوي. هذا هو أعلى معيار مجرد للعدالة الاجتماعية والتوزيعية، وينبغي أن يكون بحيث تميل جميع المؤسسات وجهود جميع المواطنين الفاضلين نحوه إلى أقصى حد.» (Hayek 2013, p. 227)
ثم يورد هايك مقولة أخرى لجون ستيوارت ميل:
«يعتبر عادلاً عموماً أن يحصل كل شخص على ما يستحقه (سواء كان خيراً أو شراً)؛ ويُعتبر ظالماً عندما يحصل على خير لا يستحقه أو يُفرض عليه شر لا يستحقه. ربما يكون هذا أوضح وأكثر تأكيداً لشكل تصور العدالة في العقل العام. حيث يثور السؤال عما يتكون منه الاستحقاق.» (Hayek 2013, pp. 227-228)
يوضح هايك في السياق التالي أن أول خطاب يرد في بيان أحد المعاني الخمسة للعدالة التي يميز بينها جون ستيوارت مل. أربعة معانٍ تحيل إلى قواعد السلوك الفردي العادل، وهذا المعنى، وهو المعنى الخامس، يحيل إلى وضع واقعي فعلي يمكن أن ينشأ بقرار إنساني مقصود لكنه ليس ضروريًا. في رأي هايك يبدو أن جون ستيوارت مل لم يكن واعيًا بأن هذا المعنى الخامس يحيل إلى حالات مختلفة تماما عن الحالات التي تنطبق عليها المعاني الأربعة الأخرى. أي أن مل لم يكن يعلم أبدًا «بأن هذا الفهم من "العدالة الاجتماعية" يقود مباشرة إلى الاشتراكية الكاملة.» (Hayek 2013, p. 228)
هايك يصل الآن إلى نتائجه الخاصة:
«إن هذه الأقوال التي تربط بوضوح "العدالة الاجتماعية والتوزيعية" بـ "تصرف" المجتمع تجاه الأفراد وفقًا لـ "استحقاقهم" تكشف بأوضح طريقة عن الفرق بينها [أي العدالة الاجتماعية والتوزيعية] وبين العدالة البسيطة، وفي الوقت ذاته تجعل جدب مضمونها ظاهرًا: إن مطلب العدالة الاجتماعية لا يتعلق بالفرد بل بالمجتمع - ومع ذلك المجتمع، بالمعنى الدقيق الذي يجب تمييزه عن جهاز الدولة، غير قادر على العمل من أجل غاية محددة، وبالتالي ينقلب المطلب من "العدالة الاجتماعية" إلى مطلب يتعين على أعضاء المجتمع أن ينظموا أنفسهم بطريقة تجعل من الممكن توزيع حصص معينة من إنتاج المجتمع على أفراد أو مجموعات مختلفة. في هذه الحالة يصبح السؤال الأساسي هو ما إذا كان هناك التزام أخلاقي لقبول قوة يمكنها أن تنسق جهود أعضاء المجتمع بهدف تحقيق نمط معين من التوزيع يعتبر عادلاً؟» (ibid)
تمهد الأرضية لهايك كي يخطو خطوته النهائية في رفض قبول مثل هذه القوة:
«إذا تم افتراض وجود قوة كهذه كمسلمة، فإن السؤال عن كيفية المشاركة في الأدوات الموجودة لتلبية الاحتياجات يصبح فعلاً سؤالاً عن العدالة – وإن لم يكن السؤال الذي تجيب عليه الأخلاقيات السائدة. في هذه الحالة، حتى الفرضية التي ينطلق منها معظم نظريي العدالة الاجتماعية المعاصرين، أي أن [العدالة الاجتماعية] تستتبع حصصًا متساوية للجميع بقدر ما لا تقتضي اعتبارات خاصة انحرافًا عن هذا المبدأ، تبدو فرضية مبررة. لكن السؤال السابق على ذلك السؤال هو ما إذا كان من الأخلاقي أن يخضع البشر لقوى موجهة يجب أن تمارس لكي يمكن وصف الفوائد المحققة من جانب الأفراد بأنها عادلة أو ظالمة بطريقة ذات معنى.»
5_ نظرة سريعة على الصلة الفكرية بين هايك وبوبر
تحدث هايك وبعض أتباعه عن تشابه منهجيته بمنهجية بوبر. بطبيعة الحال كان لهايك ارتباطات وثيقة مع بوبر وقد دعاه بوبر للقاء محاضرته الشهيرة في كلية لندن للاقتصاديات سنة 1936، وبذل جهودًا كبيرة لتعزيز مكانة بوبر. استشهد بوبر في كتاب «فقر التاريخانية» (Popper 1957) عدة مرات بهايك وأهدى كتاب «التخمينات والتفنيدات» (Popper 1962) إلى هايك وظل ممتنًا له طوال حياته. لكن تأثر كل منهما بالآخر ليس بهذا القدر من الجدية الذي يستحق عناية مؤرخ الأفكار. بوبر لم يستشهد بأعمال هايك بعد فقر التاريخانية. لكن هايك يرجع إلى أعمال بوبر هنا وهناك.
وضع ناشر أو محرر كتاب «القانون والتشريع والحرية» هذا القول من بوبر في الصفحة الأولى من الكتاب: «أعتبر عمل هايك بمثابة بداية جديدة للنقاش الأساسي الأعمق في مجال فلسفة السياسة.»
رأينا أن هايك قد اعتبر في مقدمة هذا الكتاب «المجتمع الكبير» لآدم سميث نفس «المجتمع المفتوح» عند بوبر. وفي الصفحة الخمسين من الكتاب، في نفس مقدمة الكتاب، يعتبر العقلانية التطورية (evolutionary rationalism) التي ينظر إليها عنده نفس العقلانية النقدية عند بوبر، والعقلانية البنائية (constructivist rationalism) التي ينظر إليها عنده نفس العقلانية الساذجة (naive) عند بوبر، بحيث أنه إذا كان بوبر يضع العقلانية النقدية في مقابل العقلانية الساذجة ويقبلها، فإن هايك أيضًا يعتبر العقلانية التطورية النقطة المقابلة للعقلانية البنائية ويصرح بصحتها. (Hayek 2013, p. 5).
قام هايك سابقاً بتوضيح منظوره الخاص من العقلانية البنائية إلى حدّ ما: «في الفصل الأول من هذا الكتاب أسعى إلى الإشارة بأنّ بعض الآراء المقبولة جداً في العلم وكذلك في الشؤون السياسية تتوقف على فهم معيّن لكيفية تكوّن المؤسسات الاجتماعية، فهمٌ سأطلق عليه العقلانية البنائية – فهمٌ يقرّ بأنّ جميع المؤسسات الاجتماعية هي ثمرة تصميم متدارك وأنّ عليها أن تكون كذلك.» (Hayek 2013, p. 5) وهايك يعارض هذا المنظور بشدة: «يمكن الإشارة بأنّ هذا التقليد الفكري باطل في نتائجه الموصولة بالواقع وفي نتائجه المعيارية على السواء، لأنّ المؤسسات الموجودة ليست كلها ثمرة تصميم؛ وكذلك لا يمكن أن نجعل النظام الاجتماعي معتمداً على التصميم بالكامل دون أن نحدّ من استخدام المعرفة المتاحة بدرجة كبيرة.» (ibid)
وبعدها يقول هايك إنّه توصّل بنفسه إلى الاعتقاد بأنّ الفروق ليست علمية فقط بل إنّ أهم الفروق السياسية (أو الأيديولوجية) في عصرنا تستند في النهاية إلى فروق فلسفية أساسية معينة بين مدرستين فكريتين يمكن الإشارة بأنّ إحداهما على خطأ.» وهاتان المدرستان هما «العقلانية البنائية» و«العقلانية التطورية» حيث هايك يعارض الأولى وينصّر الثانية.
أدنى إلمام بأفكار بوبر يظهر أنّ عقلانيته الناقدة مزيج من كلا العقلانيتين اللتين يضعهما هايك في مقابلة بعضهما ببعض، ينفي الأولى ويقبل الثانية. وفي الوقت نفسه قدّم بوبر مذهباً إبستمولوجياً تطورياً تشترك العقلانية التطورية عند هايك معه في أمور مشتركة. (لفهم نسبياً كافٍ للعقلانية الناقدة عند بوبر انظر Popper 1945، Popper 1962،1982 Quintanilla، Miller 1994، و Ormerod 2009).
من بين أهم مذاهب بوبر في العلوم الاجتماعية وفلسفة السياسة «الهندسة الاجتماعية» التي من جهة تعارض مذاهب هايك حول النظام العفوي ورفض تدخل الحكومة في المجتمع كمجموع، ومن جهة أخرى تستند على عقلانية بوبر البنائية-الناقدة التي يناقض جزء منها موقف هايك ضد العقلانية البنائية، بتعريفه الخاص لها.
هايك لا يعير اهتماماً كبيراً لعمالقة الفكر السياسي الغربي ولذلك فإنّ أعماله تفتقر إلى إحالات ملحوظة على أعمال هؤلاء العمالقة. بل إنّ بوبر يظهر في أمثلة مثل «الهندسة الاجتماعية» أنّه يولي اهتماماً أكبر لمذاهب آباء الليبرالية، مثل جون لوك ومونتسكيو وآدم سميث. فحقاً ما موضع المبدأين اللذين استحضرهما آدم سميث في استعارة لعبة الشطرنج وتطبيقه لها على لعبة على رقعة الشطرنج الكبرى للمجتمع في أفكار هايك؟
بوبر، مع أنه ليبرالي، لكنه يولي اهتماماً للمثال الأعلى للعدالة الاجتماعية، كما يجلّ منزلة أفلاطون وماركس، في حين أنه يدافع بمبادئه الخاصة عن الهندسة الاجتماعية الديمقراطية (democratic social engineering) ضد الهندسة الاجتماعية اليوتوبية (utopian social engineering). (لمذهب الهندسة انظر Popper 2013 (ومنها ص 148 لتمييز النوعين من الهندسة الاجتماعية المذكورين أعلاه)، Swirski 2011). للهندسة الاجتماعية عند بوبر مؤيدون ملحوظون في البلدان الأفريقية والأوروبية والآسيوية، وقد أسفرت نتيجة التأمل في مذهب بوبر وتطبيقه على مستوى المؤسسات وحتى الدول عن نتائج أقيم وأدافع عنها بآلاف المرات أكثر من تطبيق أفكار هايك في منع تدخل الحكومة في اقتصاد السوق وتسليم اللعبة إلى أيدي اللاعبين الفاسدين في عالم الرأسمالية، خاصة رأسمالية التجارة والرأسمالية المالية-المصرفية.
كما يمكن الإشارة بأنّ خلافاً لما يود هايك، فإنّ «المجتمع الكبير» الذي يقصده، أو «مجتمع آدم سميث» أو جراهام والاس ليس هو «المجتمع المفتوح» عند بوبر مع أنّ بينهما أوجه شبه. لقد استخدم الفلاسفة السياسيون والساسة مصطلحات في وصف المجتمع الذي يرغبونه بحيث لم يجز في موازنتها تجاهل خصائص كل واحد منها، وكذلك الشروط التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية لطرح كل واحد، بحيث واجهنا عبر مسار تاريخ الفكر السياسي مصطلحات أخرى بالإضافة إلى هذين المصطلحين: «المجتمع الجميل» أو «المدينة الحسنة»، «المدينة الفاضلة»، «الناكجآباد»، «المجتمع العادل»، «المجتمع المتمدن»، «المدينة الفاضلة»، «مدينة النموذج». (لموازنة بين مفهومي «المجتمع الكبير» و«المجتمع المفتوح» انظر Vernon 1976، Moldofsky 1985)
6_ نظرة على الحجم الهائل من حالات الانتقاد للمنظور الهايكي في تاريخ الفكر
في مواجهة مع التنظير الهايكي، يمكن الرجوع إلى الحجم الهائل من الآثار المكتوبة في الفلسفة السياسية. لأصحاب الاهتمام بـ «تاريخ العدالة» في التقليد الغربي يمكن الحديث عن أساطير اليونان و«ديكة» أو إلهة العدالة، ابنة زيوس وتيميس (Themis، حارسة النظام الدائم للعالم)، وكيف تحولت ديكة إلى المفهوم اليوناني للعدالة (dikaiosyne) وموقعها عند قدماء ما قبل سقراط مثل أناكسيماندروس وبارمنيدس وهيراقليطس.
لكن لتجنب الاتهام بالعودة إلى أساطير الآباء والأجداد الأولى، يمكن البدء من أفلاطون والكتابين المهمين الجمهورية [Politeia] والقوانين [Nómoi] وإظهار كيف أن أفلاطون يسعى إلى العدالة، وخاصة العدالة الاجتماعية (بفهمه الخاص). لكن لتجنب هجمات أولئك الذين ينظرون إلى أفلاطون كأسير لأحلام الآباء والأجداد و/أو كمنظر للحكومة الاستبدادية، يمكن الالتفات إلى أرسطو وطلب منهم قراءة الكتاب الخامس من الأخلاق النيقوماخية والكتاب السياسة [Politiká] وحتى أصول الدستور الأثيني [Constitution of the Athenians / Athenian Constitution / Athenaion Politeia] بطريقة جادة ودقيقة حتى يتعرفوا على اهتمامات ذلك الفيلسوف الكبير الأخلاقية والسياسية بالعدالة على المستويين الفردي والاجتماعي وترابطهما.
في نقد النظر الهايكي إلى النشوء الطبيعي لنظام الرأسمالية والاقتصاد السوقي ونظر هذا النظام على أنه نظام تلقائي الحركة، أحيل المهتمين إلى الكتاب الكلاسيكي للمتخصص من الدرجة الأولى المجري النمساوي في الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع الاقتصادي وعلم الاجتماع التاريخي والمؤرخ الاقتصادي، أي كارل [/كارولي] بولاني: الكتاب المهم التحول الكبير، الذي نُشر في نفس سنة نشر الطريق إلى العبودية (1944) والذي يبدو أن هايك لم ينتبه إليه كما ينبغي ولم يتعلم منه أن نظام الرأسمالية التي يبلغ عمرها ثلاثمائة سنة لم يكن نتيجة حركة أو تطور تلقائي وطبيعي للمجتمع. بطبيعة الحال، لا يمكن المسايرة مع تحليل وتفسير بولاني في جميع الحالات حول التطورات الاقتصادية والسياسية، لكن بلا شك أن تحليل وتفسير بولاني لنشوء السوق والنظام الخاص للرأسمالية هو بكثير أكثر دلالة واقترابا من الواقع التاريخي من تحليل وتفسير هايك. (Polanyi [1944] (2001))
نظراً لأنني أكتب هذا المقال لقارئ ناطق بالفارسية، وحيث أن بعض أنصار هايك في إيران ينظرون إلى مفهوم العدالة الاجتماعية على أنه مفهوم مستورد ويسخرون من هذا السلعة المستوردة ويدينونها (كما لو أن الليبرالية وأسوأ من ذلك الليبرالية الجديدة ليست سلعاً مستوردة)، أرى أنه من الضروري تذكير بأمثلة على البحث عن العدالة في الماضي البعيد التي كانت تجسيداً للمطالبة بالعدالة الاجتماعية، وإن كان معنى هذا المفهوم متفاوتاً بين الأمم والحكومات والثقافات والعالمات المختلفة، وليس لدي أي ادعاء بأن المعنى المقصود كان موحداً عبر الحقبة التاريخية أو أنه كان له تشابه كبير مع الأمثلة النظرية والعملية في القرنين الماضيين.
1) قانون حمورابي
هذا القانون الذي يعود على الأرجح إلى الفترة الزمنية من القرن الثالث والعشرين إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد يمثل في ديباجته وفي مواده الـ 282 وفي خاتمته تجلياً ملحوظاً للبحث عن العدالة ونشر العدالة في الحوضة الحضارية البابلية. في الترجمتين المشهورتين لهاربر (1904) وكينج (1910) استُخدمت كلمات «العدالة» و«العادل» بشكل واضح.
بشكل خاص في قسم الخاتمة من ترجمة هاربر نقرأ:
Hammurabi, the king of righteousness, whom Shamash has endowed with justice, am I.
«أنا حمورابي، ملك العدل، الذي وهبه شمش العدالة.»
هذا النص في ترجمة كينج كالآتي:
Hammurabi, the king of righteousness, on whom Shamash has conferred right (or law) am I.
«أنا حمورابي، ملك العدل، من وهبني شمش الحق (أو القانون).»
نلاحظ أن شمش في أساطير بلاد ما بين النهرين، في الحضارات السومرية والآشورية والأكدية والبابلية، كان إله الشمس والقانون والعدالة. وكما يوضح كينج، كان يتمتع بألقاب «إله الحكم» و«قاضي السماوات والأرض».
وأيضاً في جزء من المقدمة (في ترجمة هاربر) نقرأ من لسان حمورابي: «عندما أرسلني مردوك [/مردوخ] لأحكم الشعوب وأساعد البلاد، أرسيت القانون والعدالة في الأرض ورفعت رفاهية الشعب.» (Hammurabi 1904)
مردوك أو مردوخ إله الخصوبة والخلق في حضارة بابل، خليفة آنو، إله الآلهة، خالق الإنسان وحامي بابل. هذا الإله، مع توسع القوة السياسية لبابل، اكتسب صفات عدد كبير من آلهة بلاد ما بين النهرين. وهذا هو الإله ذاته الذي ذكره كورش في نص أسطوانته الشهيرة.
2) أسطوانة كورش
توجد ترجمات إنجليزية وفارسية كثيرة لنص أسطوانة كورش. فيما يلي أورد السطرين 12 و14 من النص، من ترجمة عبد المجيد أرفعي:
12 . (مردوك) بحث وفتش في جميع البلاد الأخرى ، باحثاً عن ملك عادل يطلبه (= مردوك) ، ملك تناول بيده يد مردوك بيده.
13 . (بينما) كان هو (= كورش) يرعاهم برهم والعدل باستمرار ، نظر الإله العظيم ، حامي شعبه ، بسرور إلى أعماله الطيبة وقلبه (المليء) بالعدل (= كورش). (أرفعي، 1366)
يجب الانتباه إلى دور مردوك/مردوخ، أي الإله العظيم وحامي شعب بابل. من الواضح أن العدل والقضاء لا يشيران إلى فعل فردي لكورش، بل إلى فعله الاجتماعي-السياسي تجاه الشعب. (النقاش حول تفاصيل حكم كورش الفعلي يمكن أن يبقى في مكانه.)
3) نقوش داريوش الثالث
يقول الملك داريوش في الفقرة الثالثة عشرة من العمود الرابع، السطور 61-67 من نقش بيستون:
«أهورامزدا والآلهة الأخرى التي توجد ساعدوني لأنني لم أكن غادراً (خائناً؟). لم أكن كاذباً. لم أكن ظالماً (متجبراً؟). لا أنا ولا عائلتي. تصرفت بعدل. لم أستخدم العنف ضد العاجزين أو الأقوياء. الرجل الذي عاونني (حقاً /شعبي؟) عاملته بإحسان، ومن ألحق الضرر، عاقبته بقسوة. (مقتبس من موقع الدراسات الإيرانية/نقش داريوش)
أولمستد، بينما يعتبر داريوش الكبير مشرعاً اهتم بالتشريع والحكم العادل، عقد مقارنة مثيرة للاهتمام بين أقوال داريوش وأقوال حمورابي. (Olmstead 1948, pp. 119-134).
في عصرنا الحاضر، قلما يوجد من يعرّف بتاريخ إيران والفلسفة والتأمل الفلسفي في تاريخ إيران، ولم يسمع شيئاً من كلام هيغل، في كتاب العقل في التاريخ، عن إيران. فيما يلي نقرأ مقطعاً من كتابات هيغل:
«في العالم الإيراني، نجد وحدة نقية وسامية تترك الكائنات الخاصة التي تشكل جوهرها حرة في حالتها؛ كما أن النور يبين فقط ما تكونه الأجسام بذاتها. هذه الوحدة فقط تأمر الأفراد لأنها تحثهم على أن يصبحوا أنفسهم قويين ويسيروا في طريق التطور ويعززوا فرديتهم. (شرح حميد عناية مترجماً: «إشارة إلى الأخمينية خاصة في زمن كورش، حيث كان للشعوب التابعة للإيرانيين الحرية في الحفاظ على دينهم وتقاليدهم وكثير من خصائصهم.»)
«النور لا يترك أي فرق [بين الكائنات]: يضيء على التقي والخاطئ والعالي والمنخفض بالتساوي ويمنح الجميع، بمقدار واحد، البركة والازدهار. النور لا يحي إلا عندما يرتبط بشيء منفصل عن نفسه ويؤثر عليه وينميه. النور هو نقيض الظلام وهذا التضاد يكشف لنا مبدأ الجهد والحياة.» (هيغل، 302)
4) رسالة تنسر
هذه «الرسالة» رسالة منسوبة إلى تنسر، كاهن الحكمة الأعظم في عهد أردشير بابكان، في ردّ على كشنسب، ملك الحدود في طبرستان وجيلان ودماوند. يرى البعض أنها تنتمي إلى عهد خسرو أنوشروان أو إلى عهد يزدجرد الثالث. كانت لغتها في الأصل على الأرجح الفهلوية، وقام ابن المقفع بترجمتها إلى العربية، وابن اسفندیار بترجمتها إلى الفارسية الحديثة.
سواء نسبنا كتابة «رسالة تنسر» إلى عهد أردشير بابكان أم إلى عهد خسرو أنوشروان الساساني أم إلى عهد يزدجرد، وسواء اعتبرناها تعبيراً صادقاً أم خادعاً، فإنها بكل حال تنتمي إلى ما قبل الإسلام وتعكس رؤية جديرة بالاهتمام في فن الحكم. ولهذا ليس من غير المناسب أن نقرأ بعضاً منها، من الفقرات الثالثة والثالثة عشرة:
من الفقرة الثالثة: «ما كتبت «لملك الملوك ليعلم أن حق الأولين يقتضي، فلا يقال إنه يتنازل عن السنة، وإن كان العدل في الدنيا فلن يكون في الدين». اعلم أن السنة اثنتان: سنة الأولين وسنة الآخرين. سنة الأولين هي العدل. طريق العدل يُدَرّس بحيث أنه إذا دعوت أحداً في هذا العصر بالعدل، اعتبروا جهله بمثابة الدهشة والاستصعاب، وسنة الآخرين هي الظلم. استراح الناس مع الظلم بحيث أنهم أدارو وجوه الضرر من الظلم وفوائد العدل، حتى إذا أحدث الآخرون عدلاً قالوا «هذا لا يناسب هذا العصر». ولهذا لم يبقَ من ذكر وآثار العدل شيء، وإذا أراد ملك الملوك أن يصحح من ظلم السابقين ما لا يناسب صلاح هذا العصر والزمان، قالوا «هذا هو الرسم القديم وقاعدة الأولين». يجب أن تدرك الحقيقة: أنه يجب السعي لتغيير آثار ظلم الأولين والآخرين، والاعتبار يكون في أن الظلم في أي عصر كان أو يكون مذموم، سواء كان من الأولين أم من الآخرين، وملك الملوك له السلطة عليه، والدين إلى جانبه، وفي تغيير وحذف أسباب الظلم، نراه بصفات محمودة أكثر من الأولين، وسنته أفضل من السنن الماضية؛ [...]» (رسالة تنسر، ص 55-56)
من الفقرة الثالثة عشرة: «أمر آخر «استرجع أموال الأغنياء والتجار». إن كان قد سمى الأغنياء وألغى الأغنياء، فإن من طبيعة الغنى أنه ينالوه بالكره والمشقة، وبغير إجبار، بل برغبة وخدمة ظاهرة. إذا شاء أن لا يسميهم أغنياء بل آثمين وخاطئين، لأنهم نالوه بالرياء والخيانة والدناءة، لا من وجه شرعي، فهذا المعنى أن يستعين ملك العصر باستشارة أهل الحكمة من سائر الخلق، أساس في الدين وطريق واضح في الرأي.» (المصدر نفسه، ص 72-73).
يجب الانتباه إلى أن أردشير بابكان وخسرو أنوشروان كليهما أولى اهتماماً خاصاً للفلسفة اليونانية. لهذا يمكن أن نتوقع أنهما أولى قيمة خاصة لتحليلات وتوصيات الفلاسفة اليونانيين في أسلوب الحكم. اهتم خسرو أنوشروان اهتماماً خاصاً بالعلم والأدب والفلسفة. تم الإبلاغ عن إلمامه بفلسفة أفلاطون وأرسطو إلى جانب سمعته بالحكمة والعدالة في العديد من المصادر. بغض النظر عن الانتقادات المحددة لحكمه، استفاد كثير من الخاصة والعامة من لقب «العادل»، وحتى تم تذكره كملك فيلسوف على غرار أفلاطون. (للتعريف الإجمالي بشخصيته انظر جليليان، ص 398-405)
وفي الختام، جدير بالذكر أن ليندا دارلينغ في كتابها «تاريخ العدالة الاجتماعية والقوة السياسية في الشرق الأوسط: دائرة العدالة من بين الرافدين إلى العولمة» (Darling 2013) اختارت الشعار «أفضل الأعمال عند الله هما الإنصاف والعدالة» لعنوان الفصل الثالث من الكتاب، الذي يختص بإيران قبل الإسلام (من الأخمينيين إلى الساسانيين). استقت هذا الشعار من نص منسوب إلى خسرو أنوشروان.
5) شاهنامة الفردوسي
أقل معرفة بـشاهنامة تظهر أن العدالة كانت من اهتمامات الفردوسي الأساسية في حكم كل واحد من الملوك. يقول في بيان سبب تأليف شاهنامة إنه في البحث عن علل انقراض الأمم وتبيين الوضع الحالي:
يكن واحد فارساً من نسل الفلاح
شجاع وعظيم وحكيم وراجح
باحثاً عن زمان الأول
عاد وفتش كل الأقوال الأول
من كل قطر موبد ساعي السنينأحضر كاين الرسالة فتذكّر
فسأل عن كيان العالم
وعن أولئك الأعلام الميامين
حين كانوا في بدء العالم
وتركوا لنا إرثاً عظيماً
كيف جاءت نهايتهم ميمونة الطالع
عليهم كل يوم مشقة (الشاهنامة، طبعة موسكو، ج. 1، ص. 21)
من وجهة نظر فردوسي فإن العدل والظلم لهما من الأهمية ما يؤثران حتى على الطبيعة ذاتها:
إذ يشدو في وصف عودة كاووس إلى إيران:
قطع بالسيف عنق الحزن
ولم يرد الموت إلى القلب ذكر
الأرض امتلأت بالنبات والماء والرطوبة
وصارت الدنيا كجنة الإرم
ازدهرت من العدل والأمن
وقيدت يد الشر والظلم
[...]
العالم صار كجنة مزينة
مليء بالعدل ومكتظ بالخير (ج. 2، ص. 126)
وكذلك في وصف حكم خسرو نقرأ:
حين وضع التاج الكبير على رأسه
فرح به التاج وفرح هو أيضاً
أعمّر كل موضع خراب
وحرّر قلوب الحزينين من الغم
من سحاب الربيع هطل الندى
ومحا الحزن عن وجه الأرض
الدنيا امتلأت بالنبات والأنهار
ورقد الحزينون في السلام
الأرض صارت كجنة مزينة
من العدل والعطف ممتلئة بالخير (ج.4 ص. 9)
فردوسي في بيان تأثير الظلم، بعد سرد قصة بهرام جور مع امرأة باليزبان، نظم:
قالت امرأة: يا من تنال كل عز
ما هذا القول من عبث لديّ
إذا صار مالك الملك ظالماً
لم تستطع السماء أن تبقيه ملكاً
يجفّ اللبن في الثديين
ولا يفوح المسك من السرّ
الزنا والربا يظهران
والقلب الرقيق يصير كالحجر الصلب
الذئاب تأكل الناس في البرية
والعاقل يفرّ من الأحمق
تهلك الفراخ تحت أجنحة الطير
كلما صار المالك ظالماً (ج. 7، ص. 383)
6) الفارابي إلى خواجة نصير الدين الطوسي
الفارابي وابن مسكويه وخواجة نصير الدين الطوسي لهم آثار تعكس بتنوعها الخاص اهتمام هؤلاء الأعلام في مجال الأخلاق والسياسة الفردية والسياسة والأخلاق الجماعية. نظراً لشهرة نظرهم وتأثرهم بأرسطو فإنني لن أتناول أفكارهم هنا.
7_ ابن خلدون
ابن خلدون في إطار تأسيس علم العمران، الذي يرتبط بالسياسة العقلية التي ينظر إليها (في مقابل السياسة الشرعية قصيرة الأمد في عصر النبي)، قدّم مفهوماً جديداً للعدالة. سياسته العقلية، تماماً كالسياسة في إيران القديمة، تركز على مصالح الحياة الدنيوية في مقابل اهتمام السياسة الشرعية بالمصالح الأخروية (طباطبائي، 167-172) من وجهة نظره فإن الحكم صورة والعمران مادة وللصورة بلا مادة لا قيمة لها. (ص. 175) يعتبر السياسة العقلية اختصاصاً بالإيرانيين. (نفسه، ص. 174) نظره إلى العمران ونتائجه في مصر يبين الاهتمام بدور العمران في الرفاه والرخاء للجميع. (ص. 175)
ابن خلدون بعد أن ذكر حكاية من «أخبار الإيرانيين» برواية المسعودي، يمضي إلى بيان نتيجة الحكاية: «قال الموبذان (كذا في الأصل): يا ملوك، لا تنال الممالك العزيزة إلا بالدين [...] ولا تنال الملوك العزيزة إلا بالرجال، ولا يقوى الرجال إلا بالمال، ولا يُصاب المال إلا بالعمارة، ولا تُدرك العمارة إلا بالعدل.» (نقلاً عن طباطبائي، 181). يرى طباطبائي هذا النظر خلق ربط بين فكر الدولة الإيرانية والتحليل الاجتماعي والاقتصادي من قبل ابن خلدون على أساس نوع من «الفلسفة السياسية والاجتماعية». (المصدر ذاته)
حاول دارلينج في الكتاب المذكور آنفاً (Darling 2013) تتبع ما يسميه بنفسه «العدالة الاجتماعية» من عصور ازدهار حضارة بلاد الرافدين إلى إيران ما قبل الإسلام والعصر الإسلامي (من الأمويين والعباسيين وآل بويه والفاطميين والسلاجقة والمغول إلى الصفويين وسليمان القانوني والعصر الحديث والعصر الحالي، أي سنة 2000 الميلادية).
8_ نظرة عابرة إلى عدة أخطاء في فهرس الترجمة الفارسية للمجلد الثاني القانون والتشريع والحرية
ما دفعني بخاصة أكثر لكتابة هذه السطور القليلة هو اسم الأستاذ الكريم ملكيان بصفته محرراً للكتاب. كتب المترجمان في بداية الكتاب: يرى المترجمان من واجبهم أن يشكروا بصدق الأستاذ العالم الفاضل السيد مصطفى ملكيان على المقابلة والتحرير الدقيق والصبور من قبله لترجمة المجلد الثاني [...] وفي ظل تصحيحاته أضحى نص الترجمة منقحاً وأكثر دقة. غير أنه نظراً لأنه في عدد قليل من الحالات لم تُراعَ ملاحظات الأستاذ، لأسباب معينة، يرى المترجمان أنفسهم ملزمين بتحمل مسؤولية جميع الأخطاء المحتملة الموجودة في الترجمة حصراً.»
نظري العابر إلى فهرس الكتاب وتذكري ببضع نقاط إنما هو فقط لإظهار ضرورة الوفاء لمبادئ الترجمة الدنيا. إن كنت أشير إلى تقصير أو إهمال من جانب المترجمين، فإن الاحترام الذي أكنه لهما لا ينقص شيئاً.
اعتقادي هو أنه بجانب ضرورة توافر شروط ثلاثة معروفة للمترجم 1) الإلمام بموضوع الكتاب و2 و3) الإلمام باللغات المصدر والهدف، يجب على المترجم في ترجمة كتاب، خاصة كتاب فلسفي تقني،
أولاً أن يفهم جيداً معنى المصطلحات التقنية،
ثانياً أن يختار لتلك المصطلحات معادلات ملائمة،
ثالثاً أن يستخدم المعادل المختار من البداية إلى النهاية في الكتاب مع تعريف القارئ به، و
رابعاً أن يطلع القارئ في أول موضع يغير فيه المعادل المختار على ذلك التغيير وعلته.
هذا الإلزام هو نوع من الالتزام بكسب المعرفة اللائقة للمصطلحات ومراعاة توحيد المعادلات المختارة، وهو ما يرى الكاتب أن الأفضل أن يتم في إطار احترام التماثل الشكلي (isomorphism) في جميع الجمل والفقرات والأقسام والفصول.
الآن يُشار إلى عدة حالات من عدم الدقة من قبل المترجمين، أولاً صرفاً في اختيار المفردة، ثانياً فقط في فهرس المجلد الثاني. لدي نماذج كثيرة من النص الخوض فيها يخرج عن حدود هذه المقالة.
1) في عنوان الفصل السابع ترجموا «General Welfare» بـ «الخير العام». وفوراً في عنوان القسم الأول من نفس الفصل السابع، أي في السطر التالي مباشرة، استخدموا «الخير العام» لـ «general good». في متن الكتاب نجد تركيبات الرفاهية العامة والرفاهية الجماعية والرفاهية العمومية، حتى في صفحة واحدة، دون أن يتم استخدام منطق الطريقة والتوحيد في استخدام هذه التركيبات. قد يبدو أن هايك نفسه يستخدم هذه المصطلحات بدلاً من بعضها بحيث نجد مثلاً التعبير «the common welfare or the public good» (Hayek 2013, p. 170). لكن هايك يعطي كل واحد من المصطلحات معنى خاصاً به وإن بدت ظاهراً مترادفة أحياناً.
استخدم هايك من الكلمات «good» (بمعنى الاسمي)، و «interest» (والمصلحة)، و «welfare». قام المترجمون مراراً بخلط هذه الكلمات معاً، واستخدموا المعادلات «المنفعة» و «الخير» و «الرفاهية» بطريقة عشوائية. في خطاب كانط لبداية الفصل التاسع استخدموا «الإحسان» لمعادل «welfare»! علاوة على ذلك، لم ينتبه المترجمون إلى أن هايك استخدم الكلمات الثلاث public و general و collective بدقة، على التوالي، بمعاني «عمومي» (في مقابل private أي «خصوصي»)، و«عام» (في مقابل ما يعني «خاص»)، و«جماعي» (في مقابل individual بمعنى «فردي»). من هنا، نشهد بكل استغراب حالات خلط في استخدام تلك الكلمات. وهكذا، في الخلاصة، يجب القول إن الأزواج المتضادة من الكلمات في نص هايك هي (public-private)، و(general-particular)، و(collective-individual)، والتي يجب أن نستخدم لها في النص برمته المعادلات التالية، على التوالي: (عمومي-خصوصي)، و(عام-خاص)، و(جماعي-فردي).
2) في عنوان الفرع السابع من الفصل السابع، مثل الحالات الأخرى في الكتاب كله، تم اختيار معادل «صُنعي» لـ constructivist (ومن ثم تمت ترجمة constructivism إلى «الصنعية»). قبل ذلك، كان المترجمون قد ترجموا عنوان الفرع الأول من الفصل الأول، وهو construction and evolution إلى «الصنع والتطور». في قاموسنا ما يعادل «الصنع» هو industry. في أفغانستان قد يكون art. في الترجمات المهمة لأعمالنا الثقافية التقليدية استُخدمت كلمات مثل creation و handiwork و fashioning لـ «الصنع». اعتبر جميل صليبا في قاموسه الفلسفي construction مساوياً لـ «الإنشاء» القرآني. في ترجمة البيت «قال شيخنا الخطأ لم يزل على قلم الصنع» استُخدم عادة لـ «الصنع» معادل creation أو لـ «قلم الصنع» معادل creator's pen. لم أرَ في أي نص فارسي من استخدم كلمة من أسرة «الصنع» لترجمة construct و construction. استخدم معظم المترجمين والأساتذة والطلاب المصادر المختصرة «ساخت» و «برساخت» في إيجاد المعادلات لهذه الكلمات وأخواتها. لولا أن المترجمين الأفاضل أشاروا إلى سبب هذا الاختيار!
3) في ترجمة الفرع الثامن من الفصل السابع، وفي أي مكان آخر من هذا الكتاب، تم اختيار كلمة «السلوك» لـ conduct. أقل قدر من الألفة بعلم النفس والبيولوجيا وعلم الاجتماع يُظهر أن «السلوك» هو المعادل المناسب لـ behavior. هايك، مثل أي شخص آخر يتقيد بالمعنى الاصطلاحي المقبول للكلمات، كان بلا شك منتبهاً تماماً للفرق بين behavior و conduct و action، ولم يستخدم أياً منها بدلاً من الآخر. كان يتوقع من المترجمين أن يستخدموا على مدار الكتاب من البداية إلى النهاية المعادلات التالية لهذه الكلمات الثلاث، على التوالي: «السلوك» و«الفعل» و«الفعالية» تماماً كما تم قبول هذه المعادلات الفنية في العديد من النصوص الأكاديمية الجيدة.
4) في نفس عنوان الفرع الثامن من الفصل السابع، ترجموا كلمة improvement إلى «الإصلاح»، بينما في الفرع السادس من الفصل الحادي عشر أخذوا كلمة «الإصلاح» كمعادل لـ «to correct». في نص الكتاب ترجموا correct (بصفته صفة) إلى «الصحيح».
5) عنوان الفرع التاسع من الفصل السابع، أي 'generalization' and the test of universalizability، تمت ترجمته إلى «التعميم واختبار التعميمية». نحن هنا أمام كلمتين مختلفتين في نطاق التطبيق: general (وأخواتها) و universal (وأخواتها). هايك ينتبه للفرق بين هاتين الكلمتين، وإلا لكان قد اعتبر مثلاً في عنوان هذا الفرع 'universalization' and the test of universalizability أو 'generalization' and the test of generalizability. دون الحاجة إلى شرح أكثر، أقول إن المترجمين الأفاضل كان يجب أن يعتبروا عنوان هذا الفرع «التعميم والكليانية».
6) عنوان الفرع الثالث من الفصل الثامن هو كما يلي:
Rules of just conduct are generally prohibitions of unjust conduct
الترجمة العربية في فهرس الكتاب هي كما يلي: «قواعد السلوك العادل [الصحيح] هي عموماً منعاً للسلوك الظالم [غير الصحيح]»
وكذلك عنوان الفرع الرابع من هذا الفصل هو كما يلي:
لا القواعد فحسب للسلوك العادل، بل أيضاً اختبار عدالتها، سلبية
الترجمة الفارسية في فهرس الكتاب هي كما يلي: «لا القواعد فحسب للسلوك الصحيح [العادل] بل اختبار صحته [عدالته] أيضاً سلبي»
قام المترجمان في معظم الحالات بترجمة كامل الكتاب، الكلمات just و unjust و justice على التوالي بـ«صحيح [عادل]» و«غير صحيح [غير عادل]» و«الصحة [العدالة]».
من الممكن أن يكون المترجمان قد قاما بهذا الاختيار للمعادلات بناءً على آراء هايك حول قابلية تطبيق كلمات just و unjust و justice على أفعال الإنسان. أولاً، لا يمكن الإقدام على مثل هذا الاختيار المثير للجدل لترجمة كلمتين قديمتين جداً بحد ذاتهما وتحتسبان معادلات قديمة جداً في بعض الثقافات. ثانياً، المعادل الفارسي لكلمات «صحيح» و«غير صحيح» في الإنجليزية هو «correct» و«incorrect»، وهما الكلمتان اللتان يرفضهما هايك في أول صفحات هذا الفصل الثامن على سبيل المثال كمعادلات لـ just و unjust أو كوصف لهما:
The rules by which men try to define kinds of actions as just or unjust may be correct or incorrect; (Hayek 2013, p. 198)
ترجمة هذه الجملة هي كما يلي: «القواعد التي يحاول الرجال من خلالها تعريف أنواع الأفعال كعادلة أو غير عادلة قد تكون صحيحة أو غير صحيحة؛
قام المترجمان أنفسهم بترجمة هذه الجملة على النحو التالي: «القواعد التي يحاول الناس من خلالها وصف أنواع الأعمال بأنها عادلة أو غير عادلة يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة؛»
هذا من الحالات النادرة في الكتاب بأكمله حيث لم يستخدم المترجمان مصطلحات «صحيح [عادل]» و«غير صحيح [غير عادل]». يا ليتهما انتبها إلى هذه الجملة من هايك والمعادلات الفارسية للكلمات العربية «صحيح» و«خطأ» ولم تستخدما معادلات «صحيح [عادل]» و«غير صحيح [غير عادل]» و«الصحة [العدالة]» للكلمات just و unjust و justice طوال الكتاب. علاوة على ذلك، نتذكر أنه، كما كتبت، قام المترجمان بترجمة «to correct» بـ«إصلاح».
7) أخشى أن أتهم بالنقد الزائد عن الحد وإلا لكنت انشغلت أكثر بالمعادلات في فهرس الفصول والأقسام. مع ذلك، أندم على عدم الإشارة إلى عدة حالات معادلة غير مناسبة تماماً:
7-1) في عناوين الأقسام الثلاثة 8-10 من الفصل الثامن استُخدمت كلمة «law» والتي تُرجمت في حالة واحدة إلى «قانون» وفي حالتين إلى «تشريع»؛
7-2) في القسم الثالث من الفصل التاسع ترجموا «inapplicability of the concept of justice to …» بـ«عدم قابلية تطبيق مفهوم العدالة في ...»، في حين أن المعادلات «قابلية التطبيق» أو «قابلية الانطباق» أكثر شيوعاً وأصحاً وأكثر وضوحاً للتعبير (فأين التطبيق والانطباق من «الإجراء»؟)؛
7-3) في عنوان القسم الخامس من الفصل التاسع من الأفضل ترجمة «The alleged necessity of» ليس بـ«ادعاء الضرورة ...» بل بـ«الضرورة المدعاة ...»؛
7-4) في عنوان القسم الرابع من الفصل العاشر، المعادل الصحيح لـ foreknown هو «المعروف مقدماً» وليس «المتنبأ به مقدماً»؛
7-5) في عنوان القسم السادس من الفصل العاشر المعادل الصحيح لـ changing circumstances ليس «الظروف المتطورة» بل «الظروف المتغيرة»؛
7-6) ترُجم عنوان القسم الثامن من الفصل العاشر The correspondence of expectations is brought about by a disappointment of some expectations بصيغة «يتحقق توافق التوقعات من خلال خيبة بعضها» مما يبدو أنهما ترجما «correspondence» بـ«التحقق»!
7-7) في عنوان القسم التاسع من الفصل العاشر استخدما المعادل «فرصة» لـ chance في حين اختارا في السابق بشكل صحيح «فرصة» لـ «opportunity» (واستخدما «حظ» لـ chance في عنوان القسم الثاني عشر)
8-7) في فهرس القسم الخامس من الفصل السابع عُدّل العنوان Commands بـ «أحكام» وفي فهرس القسم العاشر من الفصل العاشر بـ «تعليمات» (بنفس علامة الجمع «ات») في حين أنهم في حالات أخرى عديدة اعتبروا «حكم» و«أحكام» معادلين لألفاظ أخرى. وفي قسم كبير من النصوص التقنية في البلاد يؤخذ «فرمان» معادلاً لـ command؛
9-7) في فهرس القسم الأول من الفصل الحادي عشر، ترجموا unattainable goals بـ «أهداف لا يستطيع أحد الوصول إليها» في حين أن «أهدافاً غير قابلة للتحقق» مثلاً أكثر سلاسة؛
7-10) في فهرس القسم الخامس من الفصل الحادي عشر، From the care of the most unfortunate to the protection of vested interests، جرى ترجمته هكذا: «كيف يؤدي القلق على أولئك الذين يعانون من أسوأ ظروف إلى الدفاع عن المجموعات ذات المصالح الراسخة».
أترك القارئ وحيداً مع هذه الترجمة، وأنهي كلامي بهذا التذكير بأن المترجمين للأسف لم يترجموا الملاحظات الختامية للفصول (أي الحواشي السفلية)، في حين أنها بالإضافة إلى أنها تتضمن البيانات الببليوغرافية لمصادر هايك ومراجعه، تحتوي أحياناً على نقاط في غاية الأهمية يجب أن يكون القارئ المتلهف والجاد على دراية بها.
9_ التقييم الشامل للأسس الفكرية والإنجازات البحثية والنظرية لهايك
هايك، بمزيج من الأسس الفكرية والآراء السياسية والاقتصادية لطيف واسع من الليبرالية، من الليبراليين الكلاسيكيين خاصة جون لوك وهيوم ومونتسكيو وآدم سميث وصائغي الدستور الأمريكي وجون ستيوارت ميل إلى كارل فون ميزس وبوبر، طور على أساس خوف عميق من دور الدولة وخاصة الدولة الاستبدادية (مع أمثلة تاريخية مهمة شهدها هايك بنفسه) تعليماً في جناح الليبرالية اليميني يتمتع ببعض الأجزاء المتسقة لكنه يعاني في بعض أجزاء أخرى من اللاتساق الداخلي. هذا التعليم، أو مزيج التعاليم، قابل للنقد في أسسه وتفتقده الاتساق الداخلي الضروري في كليته، بحيث يمكن توجيه انتقادات جادة من مواقع خارج الخطاب وداخله إلى أفكاره، رغم أنه يجب دوماً الإصرار على القيمة الخاصة لهذه الأعمال في الفلسفة السياسية والفلسفة الاقتصادية.
هايك نفسه أعطى مؤيديه هذه الملاحظة بأن يعتبروه في نظريته المعرفية متابعاً لكانط الذي لا يعترف بإمكانية معرفة الشيء في ذاته. لا مجال للخوض في هذا الموضوع هنا. يمكن فقط القول بأن هايك لم يصل أبداً إلى عمق فكر كانط. فهو في المعرفة أكثر تأثراً بالمدرسة الاسكتلندية وفي النهاية وقع فريسة الشكية الهيومية.
بهذا الشكل، هايك بمنهجيته المعرفية والمنهجية المختلطة بالشكية الهيومية وغفلته عن التقليد العظيم للفلسفة السياسية الغربية الذي انتهى بالليبرالية الكلاسيكية مع أعلام من أمثال لوك ومونتسكيو وآدم سميث وكانط إلى جون ستيوارت ميل وأخيراً رولز، وعلى أساس الخوف من الاستبدادية والتدخل الحكومي، طور في أعمال جديرة بالملاحظة رؤاه الخاصة من المفاهيم التالية: المجتمع القديم والمجتمع الكبير، النظام والقاعدة، النظام الطبيعي والنظام المصنوع، النظام الذاتي التكوين، العدل، قاعدة السلوك الفردي العادل، الحكومة ووظائفها، اقتصاد السوق، العالمية لقاعدة العرض والطلب، الصالح العام، العدالة الاجتماعية، العدالة التوزيعية، الحرية الفردية، النظام الديمقراطي، والقانون.
أخيراً، أفضت مجموعة تعاليم فون ميزس وهايك في مواجهتها مع التعاليم الاشتراكية من جهة والتعاليم الكينزية من جهة أخرى إلى نيوليبرالية أفرزت عواقب وخيمة للاقتصاد الحقيقي للدول وقسم كبير من مواطني الدول، يجب تناولها في سياق آخر. لكن بما أن الدعاة الوطنيين لأفكار هايك يعتبرون النيوليبرالية أسطورة ابتدعها معارضو الليبرالية، أوجه انتباه جميع المهتمين إلى عدد كبير من الكتب والمقالات الأكاديمية التي كُتبت عن النيوليبرالية وتحديداً عن فون ميزس وهايك وفريدمان باعتبارهم مؤسسي النيوليبرالية ومن أمثال دونالد ريغان ومارغريت تاتشر باعتبارهم منفذيها. (للأمثلة على الاعتقاد بوجود مدرسة نيوليبرالية وكذلك اعتبار هايك واحداً من مؤسسيها انظر: Hoerber (2017)، Hoerber, Thomas (2019)، Henry, John F. (2010)، Peters, Michael A. (2019)، Rodrigues, João (2018)، Cahill et al (2018). جميع فصول هذا الدليل البالغ 720 صفحة جديرة بالقراءة.)
هايك بمفاهيمه المبنية الخاصة، في قالب المصطلحات الموجودة أو المصطلحات البعض منها مبني من قبله، قدّم صورة من العلاقات الاقتصادية والسياسية في التاريخ والمجتمع يمكن التعبير عن بعض خطوطها على النحو التالي:
1) وجود نظام ذاتي التحرك في الطبيعة والمجتمع، المجتمع كنظام ذاتي التحرك بين الإرادات الفردية المختلفة والكثيرة؛
2) ذاتية التحرك لنظام المجتمع الرأسمالي الحديث القائم على اقتصاد السوق في مقابل التطبع بالصنع لنظام ينشأ بتوجيه أو بأمر من خارج أو فوق المجتمع؛
3) حرية الفرد بوصفها قيمة محورية؛
4) نفي وجود أهداف كلية ممثلة في الحكومة؛
5) الحكومة بوصفها مهيئة للشروط الكفيلة بتأمين رفاهة الأفراد بيسر أكثر
6) المجتمع الكبير المعقد ذو أهداف غير معروفة من الأفراد في مقابل المجتمعات الصغيرة البسيطة القبلية ذات الأهداف المشتركة المحددة والموجهة من قبل رئيس المجتمع؛
7) إمكانية وضع القانون للعملية الجماعية التوافقية وأدواتها لا لتحقيق هدف واحد أو وضع نهائي كلي
8) ظهور السوق الحرة المستقلة الذاتية، بوصفها ذات تنظيم ذاتي ومستغنية عن عامل خارجي، وفيها التنافس يتم في إطار فهم كل شخص لمصالحه الخاصة والظروف والشروط للنشاط الاقتصادي؛
9) ضرورة أن يكون السلوك الفردي في خدمة الحفاظ على النظام ذاتي التحرك لا في خدمة هدف كلي معين؛
10) مسؤولية الحكومة في الالتزام بقواعد السلوك هذه، لا في بيان الأهداف الكلية النهائية؛
11) تلقي العادل أو غير العادل بوصفه صفة السلوك الفردي، بوصفه سلوكاً لا يتعارض مع النظام ذاتي التحرك؛
12) جواز إطلاق صفات العادل أو غير العادل على السلوك الجماعي ومنظمة أو هيئة كالحكومة؛
13) عدم جواز إطلاق صفات العادل أو غير العادل على المجتمع بوصفه كلاً (الذي له نظامه ذاتي التحرك الخاص)؛
14) هذه النتيجة: أن العادل أو غير العادل صفة السلوك لا صفة ما ينجم عن السلوك؛
15) توافق السلوك مع النظام ذاتي التحرك بوصفه المعيار المحدد لعدالته؛
16) تلقي كل وضع اجتماعي بوصفه نتيجة آلاف السنين من الاختيارات الحرة لآلاف البشر في إطار نوع من الاختيار الطبيعي والبقاء للأصلح؛
17) استقلال ظهور كل وضع اجتماعي عن إرادة الإنسان؛
18) الانتفاع بصفات الحسن والقبح لوصف الوضع الاجتماعي-الاقتصادي لا الصفات العادلة وغير العادلة
19) حسن أو قبح القانون بحسب معاونته أو عدم معاونته للسلوك العادل من الأفراد والمنظمات، على أن القانون بذاته ليس عادلاً أو غير عادل؛
20) وجود قسمين للسلوك العادل من الفرد في المجتمع: القانون الخاص والقانون الجنائي
21) تجلي العدل في ضمان السلوك الطبيعي للأفراد في النظام ذاتي التحرك للحفاظ على هذا النظام؛
22) مسؤوليات غير كثيرة للدولة وضرورة أن تكون صغيرة والحد الأدنى من حجمها وتدخلها.
23) «العدالة الاجتماعية» مصطلح خاوٍ من المحتوى؛
24) يمكن اعتبار هذا المصطلح معادلاً «للعدالة الاقتصادية» و«العدالة التوزيعية»؛
25) وجود مثل عليا عند أسلافنا في الأزمان القديمة (في الحقيقة في أزمان حياة المجتمع القبلي ما قبل الزراعي-الإقطاعي) بشأن العدل وهي لم تكن أبداً من نوع «العدالة الاجتماعية»؛
26) الحديث اليوم (في عصر سيطرة اقتصاد السوق) عن العدالة الاجتماعية، علامة على إعادة ظهور صفة كان يمتلكها الأسلاف القدماء وبعد قرون من الكمون ظهرت من جديد؛
27) بالنظر إلى معادلة «العدالة الاجتماعية» مع «العدالة التوزيعية» من جهة، وعدم وجود شيء للتوزيع من جهة أخرى، فإن الحديث عن العدالة الاجتماعية و(من باب أولى وبخاصة) «الاشتراكية»، هو الوقوع في براثن الوهم والانخداع بسراب؛
28) طبيعة الحديث عن العدالة الاجتماعية أو العدالة التوزيعية أو الاشتراكية تعني قبول ضرورة التخطيط والسعي لتحقيقها من قبل مؤسسة علیا مثل الدولة؛
29) يسعى هايك في موضعه إلى تقديم روايته الخاصة لنشوء نظام الرأسمالية القائم على الفردية والملكية الشخصية بوصفها تياراً ذاتي الحركة شبه طبيعي لم تلعب الدولة أي دور فيه، والنتيجة النهائية اقتصاد قائم على السوق الحرة، بحيث أن هذا النظام الذي استمر حوالي ثلاثمائة سنة يمثل ذروة الحضارة الإنسانية في الخروج من العلاقات القبلية ما قبل الرأسمالية وإنتاج الإنسان الحر، وأفضى إلى مجتمع هو "المجتمع الكبير" عند سميث أو "المجتمع المفتوح" عند بوبر، ويستمر في حياته وتطوره بقوانينه الطبيعية الخاصة به، ويستغني عن أي نوع من التدخل القائم على التخطيط الحكومي؛
30) أي تخطيط لكيفية التوزيع في إطار تدخل مؤسسي مثل الدولة يعتبر مخالفة للنظم ذاتي الحركة للنظام الاقتصادي السائد؛
31) عدل أو ظلم تصرفات الأفراد يحدده مقدار التزامهم بالقواعد والمقتضيات الناشئة عن علاقات العرض والطلب في النظام ذاتي الحركة المنظم ذاتياً للسوق الحرة؛
32) حرية أفراد هذا المجتمع، بوصفها أعظم إنجاز للحضارة الغربية، هي كونهم مخولين باستخدام معرفتهم سعياً لتحقيق مقاصدهم وأهدافهم؛
33) الحكومة الفضلى، وهي الدولة الدنيا، لا تملك حق التدخل في النظم الطبيعي ذاتي الحركة للسوق الحرة؛ وتقتصر مسؤوليتها على سن القوانين وتنفيذها والقضاء بقدر يضمن عدم انتهاك قواعد السلوك العادل في العلاقات الاقتصادية لسوق السلع والخدمات الحرة، استمراراً للنظم ذاتي الحركة للمجتمع الرأسمالي؛ وتستند هذه القواعد على التناسب بين العرض والطلب من جهة، وحرية الأفراد في استخدام معرفتهم للوصول إلى أهدافهم من جهة أخرى.
في نقد علمي لتراث هايك يمكن طرح خطوط عامة من المناقشات التي يستحق شرح كل واحدة منها مجالاً خاصاً:
1) قراءة سطحية لفلسفة كانط؛ ضعف في الإبستيمولوجيا عند هايك يعتقد أن العقل عاجز عن إدراك الواقع، وينظر أتباعه وبعض مفسروه إليه من هذه الناحية على أنه كانطي؛
2) الاعتماد المفرط على الحس المشترك في مدرسة أسكتلندا-إنجلترا لتمييز السلوك الاقتصادي السوقي الذي يعتبرونه ذاتي الحركة ولا يحتاج إلى تخطيط أو تدخل؛
3) الانزلاق نحو شكل من الطبيعانية السطحية وأيضاً البراغماتية السطحية؛
4) تجاهل هايك لحقوق الليبرالية الطبيعية عند الكلاسيكيين؛
5) تجاهل هايك للعقدية (من هوبز ولوك إلى روسو وكانط)؛
6) إغفال هايك للإنتروبيا في جميع الأنظمة، حتى الأنظمة الاجتماعية وحركتها التلقائية نحو الفوضى والأزمة؛
7) تجاهل حقيقة أن الإنسان حتى في الميدان البيولوجي يمكن أن يمتلك معرفة تحول دون حدوث الطفرات والأحداث غير المناسبة في عملية التطور الطبيعي. لذا يجب على هايك أن يجيب: لماذا لا يستطيع الإنسان بمعرفته أن يتدخل في عملية التطور أو التحول الاقتصادي ويمنع حدوث بعض الأحداث أو يسرع غيرها؟
8) تجاهل هايك للارتباط بين الاقتصاد والاجتماعيات والسياسيات والأخلاقيات والشروط الجغرافية والمعرفة النظرية و...
9) عدم توفير الوعي الكافي بكيفية عمل النظم ذاتي الحركة قبل نشوء السوق (النقاش التاريخي)؛
10) عدم وجود ضمان كاف يحول دون لجوء الفاعلين في حقل الاقتصاد السوقي إلى الغش والتلاعب؛ وكذلك التجاهل لإمكانية خلق الاحتكار وأنواع العمليات التي تؤدي إلى تركز الثروة بين أقلية وازدياد فقر الأكثرية؛
11) انفتاح النظام وتفاعله مع أنظمة أخرى يجعله أيضاً غير مستقر؛
12) تجاهل هايك لسؤال: أي مكان يترك فردانيته القصوى للواجب الجماعي والقيم المشتركة؟ كيف يمكن منع غلبة الأنانية والذاتية على التضامن؟
13) ماذا يشرح هايك بأن شعارات «الأخوة» و«المساواة» أضيفت إلى شعار «الحرية» في الثورات الفرنسية والأمريكية؟
14) إهمال هايك لحقيقة أن «الإنسان» هو ما يهم، سواء من الناحية الأخلاقية أو من حيث شرط استقرار المجتمع. يجب أن يكون الاقتصاد في خدمة «الإنسان».
15) ما المعنى والموقع الذي يحتله القومية الدولية في نظر هايك؟
16) إهمال المجتمع في الفردانية المتطرفة لدى هايك، بحيث انتهى الحال إلى أن عدداً قليلاً من الأفراد اعتبروا أنفسهم، وامتلك نسبة قليلة منهم جزءاً عظيماً من ثروة العالم. سار الاقتصاد نحو نمو انتحاري. أصبح سرطاناً وبدأت خلاياه في الجسد الكبير للمجتمع الإنساني في التحول إلى جزء عظيم من الخلايا العادية، ثم انطلقت في التهام بعضها البعض. هل كان بإمكان هايك أن يتخيل أن حتى دول الرفاهية ستقع فريسة لانحطاط ناجم عن بذر أفكاره، وأن المجتمع أو الإنسانية سيصبحان وسيلة عيش لأقلية فاسدة تنطلق «بشكل تلقائي وطبيعي» (بالمعنى الهايكي) لالتهام أجزاء أخرى من هذا الجسد والوصول إلى الاحتكار؟
17) إهمال هايك لحقيقة أن الفرض الأساسي وهو «لن يتمكن أي فرد أو مجموعة أو نظام من فهم المجتمع بشكل كامل، فكيف بتصميمه وتوجيهه» يقبل منذ البداية السلبية الإبستمولوجية والسلبية الفعلية، ويدفع بجزء عظيم من المواطنين كعبيد عصريين نحو مجزرة اقتصاد السوق ويسلب الأموال العامة للدولة وأموال الشعب؛
18) في النقد ضمن الخطاب الذاتي لنص هايك نفسه يمكن الحصول على أمثلة على كيفية تدخل الحكومة في سن التشريعات لتنفيذ قواعد السلوك العادل بشكل صحيح، مما يسمح بالاستفادة من القوانين المحددة للسلوك والفعل وحتى «السلوك» الاقتصادي للخروج من النظام التلقائي؛
19) رغم أن هايك يولي اهتماماً للمعرفة النظرية جنباً إلى جنب مع المعرفة العملية، يمكن السؤال هايك، الذي يؤمن بالنظام التلقائي لاقتصاد السوق: «هل للاقتصاد أيضاً مسائل نظرية يجب فهم المعرفة النظرية بها؟» إذا كانت الإجابة «نعم»، فإلى أي فائدة تؤدي هذه المعرفة النظرية إذا كان يجب الرضا فقط بالنظام التلقائي؟
20) هل ينتبه هايك إلى أن نظره إلى النظام التلقائي للسوق يقودنا في النهاية إلى نفي أي برنامج أو سياسة اقتصادية (حتى السياسة في مجال النمو الاقتصادي أو الإنتاجية)؟
21) في النظر الهايكي، النشاط الاقتصادي بالنسبة لأي نشاط آخر هو الأساس بل هو كل شيء. هذا نوع من الاقتصادوية (economism) وتعريف الإنسان بوصفه الإنسان الاقتصادي (homo economicus)؛
22) في هذا المنظور، ما موقع «الثقافة» وفي تجلياتها المختلفة؟ ما موقع التعريفات أو الصفات مثل «الإنسان السياسي»، و«الإنسان الديني»، و«الإنسان الثقافي»، وكل ما يشكل «الروحانيات» (بأي تعريف) في هذا المنظور؟
23) هل أن التفسير «الطبيعي» للعدالة يختزل كل معيار لتقييم السلوك الفردي والسلوك الجماعي/الاجتماعي بطريقة الانتقاء الطبيعي في إطار علم الاجتماع التطوري لأمثال سبنسر، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج؟
24) هايك بشاء أو بغير شاء هو مجرد «اسم» في أنطولوجيته الاجتماعية ولا يستطيع أن يعترف بأي وجود أنطولوجي للمجتمع؛ الحال كذلك بحيث ننظر من جهة إلى غياب الاعتراف بواجب الإنسان تجاه الآخرين والمجتمع، وننظر من جهة أخرى إلى النهاية التي يُختزل فيها المجتمع إلى أداة لاستغلال الأفراد المتمسكين بأي حجة بحيث يستفيدون منها كما يشاءون إلى أن يدركوا أنهم وصلوا إلى حد يهدد مصالحهم أو وجودهم؛ بالطبع أحياناً يتقدمون كثيراً بحيث لا تنفع الانسحابة بعد ذلك؛ في هذه الحالة يواجهون القيام والثورة والانقلاب.
25) افتقار السلوك الأخلاقي الموجه نحو الإيثار والتضحية إلى الأساس مع تعاليم هايك، على الرغم من أنه يسعى لفتح مكان للأخلاق في إطار مزيج من الاعتماد على الحس المشترك والبراجماتية ونظرية التطور البيولوجي في فلسفته السياسية وفلسفة اقتصاده؛
26) تجاهل حقوق أولئك الذين لا يستطيعون العمل في المجتمع إلا بوصفهم ربما كائنات خطرة ومهددة للمجتمع؛ وفي الوقت ذاته، لا يوجد أي معيار لإدانة الفقر عندما يكون وجوده طبيعياً ونتيجة للنظام التلقائي للمجتمع القائم على اقتصاد السوق؛
27) عدم قيمة الحديث عن حقوق الإنسان، وخاصة كما يوضح هايك، حيث تفتقر إلى الطبيعة القانونية؛ عدم قيمة الحديث عن كرامة الإنسان في الأنثروبولوجيا عند هايك؛ وإنكار الحقوق الإيجابية للإنسان في فلسفة هايك لأنها قائمة منذ البداية على الحرمان ولا تستطيع استنتاج الحالات الإيجابية؛
28) اللاجدوى من التحليل المرضي للكوارث الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الواقعة على الأفراد وعلى مجموع المجتمع على أساس الأنطولوجيا والأنثروبولوجيا والاقتصاد عند هايك؛
29) استحالة نقد نتائج السوق الحرة، لأنه لا يوجد معيار أو مرجع آخر غير قوانين العرض والطلب التي هي في الوقت ذاته نتيجة وضامن لاستمرارها.
30) في أخلاق هايك ننتهي في النهاية إلى نتيجة مفادها أنه لا يوجد معيار لحسن الأفعال غير التوافق مع قوانين اقتصاد السوق، وفي النهاية الجميع، حتى الفسدة والمحتالون والغشاشون في المجال الاقتصادي، يفتقرون إلى الأفعال الارادية وإلى مركز يتحملون المسؤولية أمامه تجاه مرجع شخصي أو قانوني.
الجزء الختامي من المقالة:
9_ الكلمة الأخيرة
إذا ما كنا تابعين كاملين لهايك ولم نجز تدخل الدولة أو أي مرجع آخر في السلوك الاقتصادي لكائن يسمى "الإنسان الاقتصادي"، فإن الفساد والنهب يستمران. إذا لم نواجه في الدول (من أمريكا وإنجلترا إلى تشيلي والبرازيل وحتى إيران) حرية مطلقة كاملة لفاعلي المجال الاقتصادي، فيجب أن نعزو السبب إلى تدخل الدولة والمؤسسات التي، بطريقة أو بأخرى، تسعى إلى منع ظهور الأزمات والثورة الجماعية، وإلا فإن فاعلي الاقتصاد أنفسهم، الذين يميلون في الغالب نحو مجالات أكثر ربحية (مثل اقتصاد المضاربة والتلاعب والسرقة والنهب الرسمي للأموال العامة في زي الرأسمالية التجارية والرأسمالية المصرفية والخصخصة) لا يجدون نقطة للتوقف إلا عندما يواجهون عقبات جادة من قبل الدولة أو الجماهير الفقيرة.
هذا التجلي للنيوليبرالية المستوحاة من أفكار أمثال هايك راج مؤيدوه على السوق حتى أغروا وأسروا الكثيرين، حتى في حكومة إيران؛ وهكذا أصبحت إيران، مثل أمريكا وإنجلترا وتشيلي والأرجنتين والبرازيل وربما دول أخرى كثيرة، في مسار يا ليت هايك كان حياً فرأى وأجابنا: هل كان هذا هو المقصد من رغبته في إزالة تدخل الدولة في الاقتصاد؟
والسؤال المطروح: إلى أين نحن ذاهبون مع هذا النمط من الإدارة للدول؟ في هذا السياق أتواضع فأدعو جميع أتباع هايك، وكذلك كل من يهتم بالفلسفة السياسية، إلى قراءة دقيقة للفصل المتعلق بأسباب نشوء الثورة في كتاب السياسة لأرسطو، أي الفصل الخامس من الكتاب، كما أطلب بإلحاح قراءة دقيقة للكتاب الخامس من الأخلاق النيقوماخية، الذي يتناول العدالة والإنصاف.
أنا، كما قلت سابقاً، أتعاطف مع هايك في خوفه من الحكومات الاستبدادية اليمينية واليسارية. بل يمكنني أن أصرخ بأن أملي النهائي هو الإلغاء الكامل للحكومة في المستقبل البعيد أو القريب، مع توفير الشروط المثالية للعيش لجميع الناس بجانب بعضهم البعض. لكن حتى ذلك الحين يجب الاهتمام بتحسين هيكل وأداء الحكومة. في هذا الصدد لا شك أننا يجب أن نستفيد من تحليلات وتفسيرات هايك في دراسة أمراض الحكومات. بعيداً عن الأمثلة الكلاسيكية للحكومات الاستبدادية، شهدنا في بلادنا أن عدداً من المديرين الحكوميين كانوا غير أكفاء وفاسدين جداً وألحقوا كوارث اقتصادية بالبلد، مما أعطى ذريعة لهايكيين وطنيين، على غرار الأمثلة الفاشلة للحكومات الاستبدادية الكلاسيكية والأمثلة الأصغر من الحكومات التي احتكرت السلطة السياسية للسيطرة على المؤسسات الاقتصادية والمؤسسات السياسية لصالح عصابتهم الحكومية وتحتفظ بها، ليتحدثوا ضد تدخل الحكومة والدولة ويطالبوا بتقليصها وتسليم المؤسسات الاقتصادية للإنتاج والمبادلة والسلع والخدمات إلى القطاع الخاص وحتى بيع الممتلكات العامة بثمن للريعيين من مختلف الألوان الذين تُسمع قصة أعمالهم المحزنة كل يوم. في مثل هذا الوضع، لم يقم هايك والهايكيون بدراسة علمية حقيقية لأمراض الحكومات، بل أنشأوا الشروط الذهنية والتبرير شبه الأيديولوجي لميل أكبر نحو الفساد.
لم أقدم تعريفي الخاص "للعدالة الاجتماعية" في هذا النص. لكنني أعتبرها (بأي تعريف يحافظ على الحياة الجماعية المثالية للناس) أهم موضوع في الفلسفة السياسية في جميع العصور وللمجتمعات كافة، كما نجد مظاهر متنوعة للسعي إليها عند جميع الشعوب والثقافات. مع هذا النظر الذي أكنه للماضي والحاضر والمستقبل، أود أن أسأل الهايكيين: هل يقبلون بأن جميع الناس متساوون في الخلق وفي الانتفاع من الكرة الأرضية، وتبعاً لذلك في التمتع بجميع إمكانيات البلد، وأنهم يجب أن يعبروا عن إرادتهم في الحياة الجماعية من خلال المشاركة الديمقراطية في صنع القرار ضمن إطار الحق المتساوي؟ الحل للخروج من المشاكل الحالية ليس بالاستهزاء بالديمقراطية. لم يسمع هايك من صديقه كارل بوبر أنه إذا اعتبرنا المعيار هو إمكانية استبدال الحكومة غير الكفؤة بأقل تكلفة فإن الديمقراطية هي أفضل حكومة. بلا شك في المجتمعات حيث يصنف الناس حسب الانتماءات الدينية والجنسية والعرقية والإثنية والدينية والسياسية والاقتصادية إلى طبقات وفئات مختلفة بحيث قد يؤدي الانتماء إلى فئة معينة إلى التقدم أو الرجوع، لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية. لكن يجب أن نفكر دائماً في وضع مستقبلي حيث يجب توفير الشروط المثالية للعيش للجميع بغض النظر عن أي انتماء أو اختلاف جنسي أو إثني أو ديني أو طائفي أو سياسي أو اقتصادي، وفي الوقت ذاته يجب ضمان وتأمين حقوق أولئك الذين يستحقون بأي سبب الحصول على نصيب "أكثر عدالة" من الإمكانيات.
أنا شخصياً أؤمن بالهندسة الاجتماعية برطاق وعمق أكبر من هندسة بوبر، سواء على المستوى الوطني لبلد واحد أم على المستوى العالمي، من خلال تعاون دولي مسؤول بين الدول التي تتمتع بأنظمة ديمقراطية حقيقية، وأعتبر مستقبل الحياة المثالية للإنسان على الكرة الأرضية وحتى مستقبل حياة الجنس البشري يتوقف عليها. لتحقيق ذلك تتعاون الفلسفة والعلم بمظاهرهما وأطيافهما المختلفة: تعاون العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية في مجالات مختلفة مع الفلسفة السياسية وفلسفة الاقتصاد والأنثروبولوجيا الفلسفية وفلسفة الأخلاق من أجل الفهم الأمثل
1) للوضع الراهن للإنسان من حيث طريقة عيشه،
2) الإمكانيات المتاحة له،
3) الشروط المثالية للعيش الجماعي،
4) كيفية تحقيق تلك الشروط المثالية.
عندما ينخرط الخاصة الفكريون، الذين يعنيهم سعادة الإنسان في هذا العالم، في تعاون مسؤول وينظرون بالعقل الجماعي إلى الشروط المثالية للحياة الإنسانية مع مراعاة جميع الاقتضاءات الفردية والاجتماعية، يمكن أن نتوقع أنه مع امتلاك فهم واضح للأهداف سيتم تصميم برنامج لتحقيقها وتنفيذه، وتحقيق نماذج أكثر شمولاً من الهندسة الاجتماعية تنتج مجتمعاً يكون تجسيداً للعدالة الاجتماعية التي صورتها الشعوب المختلفة في العصور المختلفة وفقاً لفهمهم وخيالهم.
لم نصل إلى نهاية التاريخ كي نسلّم نسخة نهائية وثابتة من العدالة الاجتماعية؛ لكننا نملك هذا القدر من التجربة التاريخية والاجتماعية وهذا القدر من المعرفة السياسية والاقتصادية والأخلاقية الذي يمكننا من أن نعرف كيف يمكن أن تكون أفضل شروط العيش المشترك، حيث يكون للجميع بالتساوي الحق في الحياة وحيث يكون الجميع للواحد والواحد للجميع. نحتاج إلى هذه الفلسفة السياسية وهذا الأخلاق كي نضع سياستنا وأخلاقنا في الموضع الذي كان أعظم فيلسوف للأخلاق والسياسة، ذلك المعلّم الأول، أرسطو، يعتبرهما من أسمى العلوم؛ لأنه كان يفكر في حياة الجماعة الإنسانية الفاضلة ويعتبرها السعادة المطلوبة والغاية من السياسة والأخلاق.
.
.
المصادر
جلیلیان، شهرام، (۱۳۹6)، تاريخ تطورات الأنظمة السياسية الساسانية، طهران: منشورات سمت
طباطبائي، السيد جواد (1368)، مفهوم العدالة في الفكر السياسي لابن خلدون، معارف، العددان 16 و 17، ص ص. 168-185
غنينژاد، موسى (1372)، «سراب العدالة الاجتماعية»، نامۀ فرهنگ، العدد 10 و 11.
غنينژاد، موسى (1381)، حول هايك، طهران: نگاه معاصر
فردوسي، الشاهنامة، الطبعة موسكو، ثمان مجلدات
منشور قورش الأكبر - بمراجعة عبدالمجيد أرفعي، أكاديمية الآداب والفنون في إيران، العدد 9، سنة 1366
كتيبة داريوش: ترجمة رضا مرادي غياثآبادي، مستخرجة من موقع الدراسات الإيرانية (توجد ترجمات مختلفة لهذه الكتيبة أيضًا. من بينها اختيرت هذه الترجمة.)
رسالة تنسر إلى گشنسب، بتصحيح مجتبى مينوي، جامع التعليقات لمجتبى مينوي ومحمد إسماعيل رضواني، شركة انتشارات خوارزمي المساهمة، الطبعة الثانية، 1354
هايك، ف. أ. (1389)، في معقل الحرية، [اختيار و] ترجمة ومقدمة عزت الله فولادوند، طهران: نشر ماهي
هايك، ف. أ. (1392الف)، طريق العبودية، ترجمة فريدون تفضلي وحميد پاراش، طهران: نگاه معاصر
هايك، ف. أ. (1392ب)، القانون، التشريع والحرية، تقرير جديد عن مبادئ العدالة والاقتصاد السياسي ذوي الميل التحررّي (في ثلاث مجلدات: 1. القواعد والنظام، 2. سراب العدالة الاجتماعية، 3. النظام السياسي للشعوب الحرة)، ترجمة مهشيد معيري وموسى غنينژاد، طهران: نشر عالم الاقتصاد
هايك، ف. أ. (1394)، «ميراث الآباء والأجداد من العدالة الاجتماعية»، ترجمة علي سليميان ريزي، في الليبرالية ومسألة العدالة، اختيار وتحرير محمد ملاعباسي، طهران: ترجمان العلوم الإنسانية، 1394
هيغل، ف. و، (1379) العقل في التاريخ، ترجمة حميد عنايت. طهران: منشورات شفيعي.
Cahill et al (eds) (2018), The SAGE Handbook of Neoliberalism, SAGE Publications Ltd.
Darling, Linda (2013), A History of Social Justice and Political Power in the Middle East, The Circle of Justice from Mesopotamia to Globalization, Routledge
Hammurabi (1904), The Code of Hammurabi, Translated by Harper, the University of Chicago Press, {https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/4/4e/The_code_of_Hammurabi.pdf}
Hammurabi (1904), The Code of Hammurabi, Translated by L. W. King, {http://www.general-intelligence.com/library/hr.pdf}
Hayek (1978), New Studis in Philosophy, Politics, Economics and the History of Idea, London: Routledge
Hayek, F. A. (1960), The Constitution of Liberty, London and Chicago
Hayek, F. A. (1976) 'The Avatism of Social Justice', in Hayek (1978), pp. 57-68
Hayek, F. A. [1944] (2007), The Road to Serfdom, Second Volume of Hayek's Collected Works, Edited by Bruce Caldwell, The University of Chicago Press
Hayek, F. A. [1973, 1976, 1979] (2013), Law, Legislation and Liberty, Three Volumes, London and New York: Routledge
Henry, John F. (2010), "The Historic Roots of the Neoliberal Program", Journal of Economic Issues, Volume 44, 2010 - Issue 2, pp. 543-550
Hoerber, Thomas (2017), Hayek vs Keynes: A Battle of Ideas, Reaktion Books
Hoerber, Thomas (2019), "The Roots of Neoliberalism in Friedrich von Hayek", Economic Theory and Globalization, pp 169-194
Miller, David (1994), Critical Rationalism: A Restatement and Defence, Chicago: Open Court Publishing
Moldofsky, Noami (1985), "Open Society: Hayek vs. Popper?", Economic Affairs, Vol. 5, Issue 3, April 1985, Pages 38-43H
Olmstead, A. T. (1948), History of Persian Empire, University of Chicago Press
Ormerod, R. J. (2009), "The history and ideas of critical rationalism: the philosophy of Karl Popper and its implications for OR", Journal of the Operational Research Society (2009) 60, 441 -460
Peters, Michael A. (2019), "Hayek as classical liberal public intellectual: Neoliberalism, the privatization of public discourse and the future of democracy", Educational Philosophy and Theory, {https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/00131857.2019.1696303}
Polanyi, K. [1944] (2001), The Great Transformation: The Political and Economic Origins of Our Time, 2nd ed. Foreword by Joseph E. Stiglitz; introduction by Fred Block, Boston: Beacon Press
Popper, Karl R. (1957), The Poverty of Historicism, London: Routledge & Kegan Paul
Popper, Karl R. (1962), Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge, London and New York: Basic Books
Popper, Karl R. [1945] (2013), the Open Society and Its Enemies, Princeton University Press
Quintanilla, Miguel A. (1982). "Materialist Foundations of Critical Rationalism". In Agassi, Joseph; Cohen, Robert S. (eds.). Scientific Philosophy Today: Essays in Honor of Mario Bunge. Boston Studies in the Philosophy Of Science. 67. Dordrecht; Boston:D. Reidel, pp. 225–237
Rawls, John (1963) 'Constitutional Liberty and the Concept of Justice', in John Rawls, Collected Papers, Edited by Samuel Freeman, Harvard University Press, 1999
Rawls, John (1971), A Theory of Justice, Cambridge, Massachusetts: Belknap Press of Harvard University Press
Rodrigues, João (2018), "Embedding Neoliberalism: The Theoretical Practices of Hayek and Friedman: in , pp. 129-142
Swirski, Peter (2011), American Utopia and Social Engineering in Literature, Social Thought, and Political History, New York: Routledge
Vernon, Richard (1976), "The "Great Society" and the "Open Society": Liberalism in Hayek and Popper", Canadian Journal of Political Science, Vol. 9, No. 2 (Jan., 1976), pp. 261-276
.
.
[1] مجلة السياسة (فصلية فكر السياسة الإيرانية)، السنة الرابعة، العدد 14، صيف 1399، ص 135-157
.
.
العلوم السياسية
الفلسفة
علم الاجتماع
علم الاجتماع
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
نقل قول از نویسنده محترم: " بیگمان در جوامعی که انسانها بنا بر تعلقات سنّی، جنسیتی، نژادی، قومی، دینی، سیاسی، و اقتصادی در طبقات و اقشار گوناگونی دستهبندی میشوند آن گونه که تعلق به دستۀ خاص ممکن است موجب پیشرفت یا باعث پسرفت شود نمیتوان سخن از دموکراسی راستین به میان آورد. " 1.مگر بدون این ها جامعه ای سراغ دارید؟ 2. مگر بدون این همه معیار که در انتهای متن ارائه دادهاید میشود جامعه ای در دنیای واقعیت وجود داشته باشد؟ 3. مگر آن چه شما بر اساس اش دموکراسی را باور کرده اید خود مثلا یک دین نیست؟ و یا حتی فربه تر از دین؟ مگر لیبرالیسم خود بسیار غیر محتمل تر از دین نیست؟ و یا با تعریفی از متافیزیک ، مگر فلسفه لیبرالیسم خود دینی متافیزیکی تز از ادیان موجود نیست؟ 4. وقتی مبنای معرفت شما این باشد که از سخن شما برمی اید انسان چرا نکشد؟ چرا برتری نجوید؟ چرا هیتلر چنگیز خان و ترامپ و سران غربی دنبال تسلط بر جهان با کمک فریبی به نام دموکراسی نشود؟