اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تشير الأبحاث إلى أن التفاوت الاقتصادي يهدد الصحة الجسدية والنفسية لجميع المواطنين ويُفقد المجتمع كفاءته. ويُبيّن فحص العلاقة بين التفاوت والأزمات الاجتماعية ضرورة إعادة تعريف العدالة التوزيعية في الفلسفة السياسية.

المصدر: مشق نو
البلدان الصناعية غنية بما فيه الكفاية، وقد بلغ النمو الاقتصادي فيها حداً يمكنه من تحسين الظروف المادية لعموم الناس. وعلى الرغم من ذلك، لا يعاني المحرومون من ظروف معيشية سيئة للغاية فحسب، بل إن صحتهم معرضة لخطر الدمار. ثمة أدلة تجريبية وفيرة على أن اللامساواة تخلف آثاراً بالغة الخطورة على صحة أجساد وأرواح أولئك الذين ينالون حظاً ضئيلاً من المال والمتاع. تؤدي اللامساواة إلى حياة غير صحية وتعيسة وقصيرة العمر. وتتسبب في العنف والإدمان وما إلى ذلك. وتدمر العلاقات بين الناس الذين ولدوا في مجتمع واحد ولكن في طبقات اجتماعية-اقتصادية مختلفة، وتقضي على الثقة الاجتماعية. وتؤجج النزعة الاستهلاكية المفرطة التي ستلتهم في نهاية المطاف موارد هذا الكوكب.
بشكل عام، تتأثر جودة الحياة (quality of life) لجميع المواطنين تأثراً عميقاً باللامساوات الاقتصادية. يظهر قسط من الأبحاث أن نمو اللامساوات الاجتماعية-الاقتصادية في العقود الثلاثة الأخيرة هو أهم مصدر ومنشأ لكثير من الأمراض والأزمات الاجتماعية في العالم الراهن.١ في أحد أهم الأبحاث المذكورة، وهو كتاب The Spirit Level: Why More Equal Societies Almost Always Do Better، يبين ريتشارد ويلكنسون (Richard Wilkinson) -الذي أمضى أربعين عاماً في البحث في مجال السياسات الصحية- وكيت بيكت (Kate Pickett) المتخصصة في علم الأوبئة، من خلال فحص وتحليل بيانات ومعلومات وفيرة من مصادر الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي ومركز الإحصاء الأمريكي وغيرها، أن الأدلة ضد اللامساواة هائلة وواسعة النطاق لدرجة لا يمكن إنكارها.
تكشف بياناتهم ومعلوماتهم عن نطاق واسع من المشاكل والاضطرابات الاجتماعية، لا سيما في مجال الصحة والسلامة، الناجمة عن اللامساوات الاقتصادية. إنهم، من خلال فحص مؤشر تقييم جودة الحياة أو الرفاه أو الحرمان بناءً على البيانات المذكورة، يظهرون أن هناك علاقة قوية بين مستوى اللامساوات الاقتصادية ونتائجها الاجتماعية. يظهر هذا البحث أنه في اليابان والدول الاسكندنافية (الدنمارك والسويد والنرويج) يكون منحنى هذه النسبة منخفضاً بشكل ملحوظ، ولكن في أمريكا وإنجلترا والبرتغال يكون هذا المنحنى مرتفعاً بشكل غير مرغوب فيه. أما كندا وأستراليا وأوروبا القارية ففي وضع متوسط.
لا تشكل الثروة الوطنية أو دخل الفرد أهمية تذكر في المؤشر المذكور. فعلى سبيل المثال، أمريكا هي واحدة من أغنى البلدان وفيها أعداد كبيرة من الأفراد ذوي الدخل الفردي المرتفع جداً، ومع ذلك لديها أدنى مستوى لمتوسط العمر بين البلدان المتقدمة. معدل العنف وخصوصاً القتل العمد كارثي للغاية. الجرائم المصحوبة بالعنف هي الأكثر ارتباطاً بمستوى اللامساواة. خصوصاً بين الشباب الذين يفتقرون إلى التعليم والموارد الاقتصادية الضرورية للوصول إلى مكانة اجتماعية مرغوبة ونيل المواطنة الكاملة، فإن تجربة الحياة اليومية في الطبقات الدنيا من المجتمع تؤجج غضبهم وكراهيتهم المتزايدة.
يظهر هذا البحث أن الفقراء ليسوا وحدهم، بل جميع أفراد المجتمع يتأثرون باللامساواة. ووفقاً لهذا البحث، فإن العلاقة بين اللامساواة من جهة وفقر الصحة الجسدية والنفسية والأزمات الاجتماعية من جهة أخرى عميقة لدرجة لا يمكن وصفها بأنها أمر عارض. يعاني أفراد كثيرون في أمريكا وإنجلترا -حيث توجد لامساوات اقتصادية عميقة وواسعة- من مشاكل ذهنية ونفسية ويكابدون بشدة من اعتلال الصحة النفسية.
يصف ويلكنسون وبيكيت المجتمعات غير المتكافئة بأنها مختلة وظيفيًا (dysfunctional). ومن النتائج المؤسفة التي تشير إليها هذه الدراسة أنه في بلدان مثل أمريكا وإنجلترا، أصبح التفاوت الاقتصادي والاجتماعي متجذرًا لدرجة أن ربع سكانها يعانون من أمراض نفسية وعقلية. هذا النوع من النمو والتطور الاقتصادي غير متوازن للغاية، وإذا أردنا أن نستعير لغة الطب، يمكن القول إن هذا النمط من النمو الاقتصادي ليس سوى النوع الخبيث منه. في هذا الكتاب، يتعرض نهج بعض علماء النفس الذين يعتقدون أن تدهور الصحة النفسية لكثير من الأفراد يمكن علاجه بسهولة عبر العلاج السلوكي المعرفي (cognitive behavioral therapy) لانتقاد جاد. يقول مؤلفا هذا الكتاب إن النزعة الاستهلاكية، والاغتراب عن الذات، والقلق، والعزلة أو النبذ، والشعور بالغربة والوحدة هي من عواقب التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي، لا يمكن معالجتها بالاستعانة بحلول فردية. بعبارة أخرى، هذه القضايا ليست لها حلول فردية بحتة. الأزمات الاجتماعية متجذرة في البنية الأساسية للمجتمع. أهم درس يعلمه هذا الكتاب هو أن المجتمعات التي تتمتع بقدر أكبر من المساواة تؤدي دائمًا أداءً أفضل، أي أنها أكثر كفاءة. النقاط المذكورة تدعونا إلى التأمل في نظرية العدالة الاجتماعية أو العدالة التوزيعية.
ما هي العدالة الاجتماعية؟
غالبًا ما يعتقد عامة الناس أنهم يعرفون ما هي العدالة وما الذي ينبغي فعله لتحقيقها. إنهم (ربما بما يتناسب مع معارفهم وتخصصاتهم) إما مدافعون بحزم عن العدالة الاجتماعية أو معارضون لها. على الرغم من أن فهمهم للعدالة شديد الإيجاز والبدائية. بصرف النظر عن عامة الناس، فإن النشطاء السياسيين أيضًا، بحكم انخراطهم في المنافسات الحزبية أو ثقتهم في صندوق الاقتراع، لا يملكون في الأساس وقتًا أو دافعًا للتفكير في العدالة. لذلك، يكتفي معظم الأفراد، عند تناولهم للقضايا السياسية والاجتماعية، بفهمهم البدائي والبسيط ويعتمدون عليه. حين يواجه الناس الفقر المدقع أو التهميش، أو حين يشاهدون فيلمًا أو صورة عن الحياة البائسة للفقراء، فإنهم يفكرون في العدالة الاجتماعية. قد يقولون بتأثر أو غضب إن الفقراء وعائلاتهم يجب أن يحصلوا، مثل الآخرين، على الطعام والكساء والمأوى، وقد يعترضون على حلقة الفقر هذه، أي استمرارها جيلاً بعد جيل. لكنهم يفتقرون إلى نظرية عن العدالة الاجتماعية تُظهر أن معاناة المحرومين والفقراء ومآسيهم هي نتاج شرور متعددة ومتشابكة، وتشرح كيف يمكن العمل على علاجها بفعالية؟
إذا درس شخص ما هذه المسائل بشكل أكثر تخصصًا (مثل أن يكون قد تلقى تعليمًا في مجال الفلسفة السياسية)، فقد يأخذ عندئذٍ مسألة العدالة الاجتماعية أو العدالة التوزيعية على محمل الجد. تُطرح مسألة العدالة بشكل ذي معنى عندما يؤمن الأفراد بقيم مثل: المساواة الأخلاقية لجميع البشر، حاجة كل الآدميين إلى سلسلة من الحريات الأساسية، ارتباط هذه الحريات ببعض الأشياء المادية (مثل الثروة والدخل)، وأنه ينبغي على الدولة تأمين توزيعها وضمانه بين أعضاء المجتمع. القيم والمعتقدات المذكورة تشرح ضرورة العدالة التوزيعية وأسسها لدى الليبراليين المساواتيين. تُظهر هذه المعتقدات أن نظرية العدالة التوزيعية مرتبطة بأسئلة جوهرية حول الفرد والمجتمع والدولة.
فكرة العدالة الاجتماعية أو العدالة التوزيعية مفهوم مثير للجدل كان محوريًا في النقاشات السياسية على مدى القرنين الماضيين، وقد ظهرت أربعة تيارات فكرية مهيمنة في الفضاء الأكاديمي والتنويري الغربي ترفض مفهوم العدالة التوزيعية أو تختزله لأسباب مختلفة. هذه التيارات هي:
١_ الرجعيون (reactionaries): من أمثال ماندفيل Mandeville، ومالتوس Malthus، وبورك Burke، وتاونسند Townsend وصولاً إلى الداروینيين الاجتماعيين والنيوليبراليين. إنهم يعارضون أي نوع من الدعم الحكومي للفقراء ويعتقدون أن مفهوم التوزيع ليس متضمناً في العدالة. وهم يرون أن الجوع مفيد وفعّال في تحفيز الفقراء، ويطالبون بإلغاء قانون إعانة الفقراء. كان تاونسند يقول: «الفقراء ليسوا كسائر الناس، إنهم كائنات استثنائية، وقحون بطبعهم، أشرار وذوو طينة خبيثة، لا يصلحون إلا للأعمال الوضيعة والحقيرة.» وترد الفكرة ذاتها لدى هربرت سبنسر. والواقع أن مضمون هذه الحجة يُعاد بناؤه بين الحين والآخر بأشكال شتى ويُستخدم ضد سياسات الرفاه التي تنتهجها الحكومات.
٢_ الوضعيون: إنهم يسعون إلى إقصاء اللغة الأخلاقية من جميع العلوم الاجتماعية، ويريدون تحليل القضايا الاجتماعية من منظور علمي بحت لا من وجهة نظر أخلاقية. فعلى سبيل المثال، كان آي. جي. آير يقول: إن مفاهيم مثل العقد الاجتماعي والإرادة العامة لا تصمد ولو لدقيقة واحدة أمام التحليل المنطقي، وهو لا يعرف بديلاً لها. والوضعيون إما أن يردوا مسائل الفلسفة السياسية إلى خلافات حول الواقع -ينبغي أن تُحسم في العلوم الاجتماعية- أو يختزلوها إلى تعبير ذاتي عن العواطف -وهي غير عقلانية من حيث المبدأ. وهكذا لا يبقى سوى التحليل المنطقي للمفاهيم. ومن ثم، فهم غير قادرين على تقديم أي نظرية حول العدالة الاجتماعية.
٣_ الماركسيون: هم أيضاً يطالبون بإقصاء اللغة الأخلاقية وخصوصاً العدالة (الحقوق وما إلى ذلك)، وإن لم يكن ذلك لأسباب علمية. يعتقد كثير من الماركسيين أن العدالة ليست فقط أهم فضيلة للمؤسسات الاجتماعية، بل إن المجتمع الصالح لا يحتاج إليها أساساً. فالعدالة تصبح ضرورية عندما تتوفر ظروف العدالة (Circumstances of Justice) -أي الشروط التي تولد نوعاً من تضارب المصالح- وعندئذٍ تُعتبر مبادئ العدالة حلاً لهذا التضارب. وهذه الظروف على نوعين:
أ) الأهداف المتعارضة ب) الموارد المادية المحدودة. إذا اختلف الناس في أهدافهم أو وقعوا في أسر موارد محدودة، فعندئذٍ ينشأ لا محالة تضارب وتعارض في المصالح (أو ادعاء الحقوق). ويدّعي الماركسيون أننا إذا استطعنا إزالة أي من هذين العاملين المولّدين للتضارب -أي الأهداف المتضادة والموارد المحدودة- فلن نكون بحاجة نتيجة لذلك إلى نظرية في المساواة القانونية (أو العدالة)، بل إن غيابها خير من وجودها. وبرأي ماركس، على الرغم من أن العدالة تساعد في حل التضاربات، إلا أنها تؤدي إلى خلق تضاربات أخرى أو تتسبب في انحطاط الحس الطبيعي بالاجتماعية لدى الأفراد. يقول ماركس إنه بالنظر إلى ظروف العالم الرأسمالي، فإن العدالة ضرورة مؤسفة، لكنها في المجتمع المنشود (أي المجتمع الشيوعي) مع وفرة الموارد، تُشكل عائقاً.
إن موقف ماركس السلبي من العدالة متجذر في رؤيته الكلية. كان ماركس يعتقد أن الشيوعية ستلغي الحاجة إلى معظم المفاهيم والمقولات المنتمية لليبرالية، بما في ذلك الحقوق، والتسامح، والديمقراطية الانتخابية، والأحزاب السياسية المتنافسة، وسيادة القانون، والسوق الحرة. فالمفاهيم المذكورة لها جانب علاجي للأزمات الاجتماعية والثقافية والمادية والإبستمولوجية، وسيأتي يوم يمكن فيه التخلص منها جميعاً. كان ماركس يتصور مجتمعاً خالياً من الندرة، وتضارب المصالح الاقتصادية، والانقسامات الإثنية والعرقية. ومجتمع كهذا لن يحتاج إلى المؤسسات التي أوجدتها الدولة الليبرالية لعلاج هذه المسائل وحلها. وعلاوة على ذلك، فإن الانخراط في نقاشات أخلاقية حول هذه المؤسسات ليس، في نظر ماركس، سوى ابتعاد عن المسألة الحقيقية، أي الثورة الحتمية للبروليتاريا. وكانت نتيجة موقف ماركس السلبي من الأخلاق والعدالة الاجتماعية أنه حتى سنوات قريبة -باستثناء تيار الماركسية التحليلية- لم ينشأ اهتمام جاد في التقليد الماركسي باتجاه تطوير نظرية معيارية حول العدالة.
٤. النفعيون (utilitarians): ليس لديهم مشكلة مع اللغة الأخلاقية، لكنهم يختزلون كل الأخلاقيات إلى مبدأ واحد فقط: اللذة (pleasure)، أو السعادة (happiness)، أو الرفاه (well-being). علاوة على ذلك، يعتقد النفعيون أن خير الفرد يجب أن يتغلب عليه خير المجتمع؛ يقول جيرمي بنثام: «لا يوجد حق لا يمكن إلغاؤه وإبطاله إذا كان إلغاؤه لصالح المجتمع». إذا اعتبرنا أن المسألة الأساسية للعدالة هي الدفاع عن الأفراد ضد التضحية بهم لأي خير اجتماعي شامل، فإن النفعيين لا يتركون مجالاً كبيراً لفضيلة العدالة الاجتماعية. ومن ثم، فعلى الرغم من أن بنثام وخاصة جون ستيوارت مل ومن تبعه سيدجويك أولوا اهتماماً جاداً بنوع من برامج الرفاه للحد من الفقر، فإن أسس الأخلاق النفعية غير قادرة على تقديم نظرية قابلة للدفاع عنها في العدالة التوزيعية.
نظرية «العدالة بوصفها إنصافاً»
منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى النصف الثاني من القرن العشرين، كانت الأعمال الجادة في الفلسفة السياسية تنتمي إلى أحد التيارات المذكورة، والتي افتقرت جميعها إلى نظرية معقولة حول العدالة. قام جون رولز (١٩٢١-٢٠٠٢) -أبرز فيلسوف سياسي في القرن العشرين- بنشر كتابه «نظرية في العدالة» (عام ١٩٧١)، فنظّم الإدراكات الخام والمتضاربة التي كانت موجودة على مدى القرنين الماضيين حول التوزيع العادل للمنافع والمزايا، وقدم لأول مرة شرحاً دقيقاً وواضحاً للعدالة التوزيعية.
أضفى رولز حياة جديدة على فلسفة الأخلاق -بعد هجمات الماركسيين والوضعيين عليها- وأدى إلى أن تحظى النظم الأخلاقية (أي التفكير في القيم والمعايير) بحياة وازدهار جديدين. كان يعتقد أن النظم الأخلاقية هي نتاج المجتمع البشري، وقد نشأت لحل مشكلات الحياة الجمعية. من وجهة نظر رولز، فإن النظام الأخلاقي إذا لم يستطع تقديم خطة لحل المسائل الخلافية، فهو عديم الفائدة. بعبارة أخرى، النظام الأخلاقي غير مثمر ما لم يوفر نوعاً من عملية اتخاذ القرار.
لكن رولز يحذر فلاسفة الأخلاق من أن عليهم ألا يتصوروا أنهم يستطيعون تقديم حلول لجميع المسائل الأخلاقية التي تنشأ في حياة البشر؛ يقول: «إن تسوية مسألة العدالة الاجتماعية -أي العدالة التي تنطبق على البنية الأساسية للمجتمع- ستكون أسهل من تسوية الحالات الصعبة في الحياة اليومية». ويضيف أنه إذا تمت تسوية العدالة في البنية الأساسية للمجتمع، فإن ذلك سيساعد أيضاً في تسوية المسائل والأزمات الأخلاقية اليومية (مثل العزلة والنبذ، والإدمان، وانعدام الثقة، والطلاق... إلخ) أو على الأقل ستخف حدتها وصعوباتها.
موضوع العدالة: البنية الأساسية للمجتمع
على عكس النظريات الأخلاقية السائدة التي تنصب على التقييم الأخلاقي لسلوك الأفراد وسماتهم (ethics)، يتناول جون رولز من خلال طرحه لنظرية «العدالة بوصفها إنصافاً» التقييم الأخلاقي للمؤسسات الأساسية في المجتمع. ينبع تركيزه وتأكيده على العدالة الاجتماعية من البصيرة بأن المعرفة الأخلاقية (ethics) عاجزة بشكل متزايد عن تفسير الجوانب المهمة في المجتمعات الحديثة. فمثل هذه المجتمعات تؤجج مسائل اجتماعية كبرى (مثل اللامساواة، والفقر، والبطالة) يمكن معالجتها عبر المؤسسات بشكل أفضل من تحليل الأخلاقيات أو السلوكيات المتبادلة بين الأفراد.
تتجلى أفضلية التحليل الأخلاقي المؤسسي (institutional) في المجال الاقتصادي، أي حيث نواجه تفاوتات وأوجه حرمان مثل الفقر والبطالة، بشكل أوضح. فالنظريات الأخلاقية السائدة، عبر حث الأفراد على التصدق، تدعو إلى رفع مثل هذه المظالم. لكن الالتزام بالواجبات الأخلاقية الإيجابية (أي الإحسان ومساعدة الآخرين) – وخصوصاً في البلدان الأنغلوفونية – نادر جداً أو شبه معدوم. ففي هذه البلدان، تقوم الأخلاق الفردية أساساً على الواجبات السلبية، أي عدم إلحاق الأذى بالآخرين. ومن ثم، فإنه في المجتمعات الراهنة، يفوق إرادة الأفراد وقدرتهم أن نتوقع منهم تنظيم علاقاتهم الاقتصادية اليومية بحيث لا تتسبب في تفاقم أوضاع الفقر والبطالة في المجتمع. وأي توجيه أخلاقي لهذا الغرض قد لا يسفر إلا عن إشعار الأفراد بالذنب، دون أن يخفف من معاناة المحرومين والفقراء.
يقول رولز إن العوامل الرئيسية للتفاوتات وأوجه الحرمان وقضايا مثل الفقر والبطالة وأزمة البيئة هي المؤسسات الأساسية للمجتمع. وتتمتع هذه المؤسسات بخاصيتين: أ) أنها تمتلك قوة قسرية (coercive)، ب) ولها تأثير شامل وعميق على حياتنا. ومن هنا، فهو يشدد على أن تفكيرنا واهتمامنا الأخلاقي يجب أن ينصب على تصميم النظام المؤسسي أو البنية الأساسية للمجتمع وتنظيمه وإصلاحه، لا على سلوكيات أفراد المجتمع وإغفالاتهم. وهذا المنظور يلقي على عاتق كل واحد منا، بوصفنا مواطنين في المجتمع الحديث، مسؤولية خاصة: مسؤولية المشاركة في وضع وتنفيذ نظام مؤسسي عادل للمجتمع. وباعتبار المجتمع – بوصفه نظام تعاون منصف بين مواطنين أحرار ومتساوين – فما هي أنسب المبادئ الحاكمة للبنية الأساسية للمجتمع؟
مبادئ «العدالة بوصفها إنصافاً»
سعى رولز إلى تقديم تصور للعدالة يحد من نطاق التفاوتات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فهو يقول إننا ما لم نتخذ خطوات أساسية نحو الحد من (أو تقليص) التفاوت الاقتصادي-الاجتماعي، أو نطهر مسار الشؤون السياسية من مثل هذه التفاوتات، فإن الشركات والأفراد الذين يتمتعون بقوة ومكانة أرفع سيبسطون سيطرتهم على حياتنا – على الرغم من المساواة الشكلية في النظام الانتخابي. ويضيف رولز أنه نظراً لأن حياة كل فرد تتوقف على التعاون مع الآخرين، فلا ينبغي للأفراد، بفضل الحظ وسوء الطالع، أن يدعوا حصة أكبر من الناتج الجمعي. ومن ثم، فإن أي نظام اقتصادي عادل يجب أن يقلص إلى أدنى حد نطاق الاختلاف في نوع ومستوى معيشة الناس الناجم عن الاختلاف في مواهبهم ونعمهم الطبيعية. ويجب أن نضع خاتمة للنظرية القائلة بأن النظام الاقتصادي هو ساحة لتنافس المواهب والمهارات الفطرية والعرقية (أو ميدان لصفقات الجينات المتفوقة) وأنه صُمم على هذا النحو ليكافئ الأفراد محظوظي الطالع والرشيقين. ذلك أن حياتنا الاقتصادية هي جزء من نظام منصف قائم على التعاون الاجتماعي ينبغي أن يؤمن ويضمن مستوى معيشة مقبولاً لجميع المواطنين. ويقول: «يجب توزيع جميع القيم الاجتماعية بالتساوي ما لم يكن التوزيع غير المتساوي في صالح الجميع». ولكن، لكي يصبح التفاوت في صالح الجميع، فلا بد أن يعود بالنفع على أولئك الذين حظوا بنصيب أقل من موارد الثروة والدخل.
في كتاب «نظرية في العدالة»، يسعى رولز إلى التوفيق بين قيم الليبرالية الكلاسيكية ومساواتية الاشتراكية. وقد عُبر عن اقتران الحرية والمساواة في المبدأين المزدوجين التاليين على النحو الآتي:
۱_ وفقًا للمبدأ الأول الذي ينص على «الحريات الأساسية المتساوية»، يتمتع جميع المواطنين بالحق في أقصى قدر من الحريات الفردية والسياسية المتساوية. تشمل هذه الحريات حرية الضمير والفكر (بما في ذلك الحريات الدينية)، وحق المشاركة السياسية، وحرية التجمع، والتمتع بالحق في العدالة القضائية. يقول رولز إن أي نظرية حول العدالة يجب أن تعطي الأولوية للحريات الأساسية. يعبّر مصطلح «الحريات الأساسية» عن سلسلة من الشروط الاجتماعية الضرورية لنمو القدرات العقلية والأخلاقية للأفراد وتوظيفها بشكل كامل طوال حياتهم. ومن ثم، لا يمكن انتهاك هذه الفئة من الحريات أو تقييدها بحجة الدفاع عن قيم المجتمع. يشمل المبدأ الأول أيضًا تكافؤ الفرص السياسية الذي ينفي نفوذ أرباب السلطة والثروة في المجال السياسي. ووفقًا لهذا المبدأ، لا ينبغي حرمان المواطنين الذين لديهم الدافع الكافي للنشاط السياسي من حق المشاركة السياسية بسبب الافتقار إلى الإمكانيات المالية.
۲_ يتكون المبدأ الثاني في نظرية العدالة عند رولز من جزأين. الجزء الأول هو «تكافؤ الفرص العادل» الذي يتضمن الحد من نطاق التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. يقتضي هذا المبدأ أن يكون الوصول إلى المناصب والوظائف متاحًا لعموم المواطنين على قدم المساواة. ينص مبدأ تكافؤ الفرص العادل على أن الأفراد الذين يتمتعون بنفس الدوافع والمهارات، بغض النظر عن طبقتهم الاجتماعية، يجب أن تكون لديهم فرصة وحظ متساويان للحصول على المناصب والمواقع الاجتماعية والاقتصادية. بعبارة أخرى، لا ينبغي أن يعتمد التمتع بالمقامات والمناصب الاجتماعية والاقتصادية العليا على الخلفيات والظروف التي وُلد فيها الأفراد ونشأوا.
على الرغم من أن الجزء الأول من المبدأ الثاني ينص على أنه يجب أن يتمتع جميع المواطنين بفرص متساوية في الحصول على الوظائف الاقتصادية والحكومية، إلا أنه من الممكن أن نستمر في مشاهدة تفاوتات اقتصادية في المجتمع. لأن الأفراد، حتى لو تمتعوا بفرص متساوية، فإن بعضهم، بسبب امتلاكهم مواهب ومهارات فطرية، يمكنهم الارتقاء بأنفسهم في ساحة المنافسات الاقتصادية. افترض مجموعتين من الأفراد، تتكون المجموعة الأولى من أفراد يتمتعون بمواهب فطرية استثنائية، والمجموعة الثانية تضم أفرادًا محرومين من المواهب اللامعة. يعمل الأفراد في كلا المجموعتين بجد، لكن ما يحصلون عليه ويحققونه من ثمار عملهم يختلف، وهذا الاختلاف، شئنا أم أبينا، يترك آثارًا عميقة وواسعة على نوع ومستوى حياتهم. تنشأ المشكلة من هنا، حيث إن الاختلاف في حصيلة كدح الأفراد يكمن جذره في الموهبة والإمكانيات الطبيعية الأخرى للبشر في مقامرة الحياة. يتساءل رولز: هل ينبغي لمجرد الاختلاف في الموهبة والمهارات الفطرية أن يعيش بعض الأفراد حياة أفضل من الآخرين؟
ردًا على هذه المسألة، يطرح رولز الجزء الثاني من المبدأ الثاني، وهو «مبدأ الاختلاف» الذي يتضمن تعظيم (maximize) التوقعات الاقتصادية للفئات الاجتماعية الأكثر حرمانًا. يقتضي هذا المبدأ المهم أن يقوم أي نظام اقتصادي عادل بتقليص نطاق الاختلاف في نوع ومستوى حياة الناس، الناجم عن الاختلاف في المواهب والقدرات الطبيعية، إلى أدنى حد. لا يؤدي مبدأ الاختلاف إلى مساواة راديكالية أو مساواة متجانسة، أي تساوي الدخول. على سبيل المثال، من المقبول والمفهوم أن يكون دخل الطبيب الجراح أعلى من دخل العامل البسيط، لكن نظرية العدالة تقتضي ألا تؤدي مثل هذه التفاوتات إلى تدهور وضع الأفراد الأقل حظًا أو المحرومين في المجتمع. بعبارة أخرى، يسعى رولز إلى أن يُنظّم النظام الاقتصادي بحيث تُعطى الأولوية في بنيته لحياة الأفراد الأقل حظًا أو الأكثر حرمانًا في المجتمع.
الفهم الصحيح لمبدأ التفاوت مرهون بأن ننظر إليه في ارتباطه بالمبادئ السابقة؛ وذلك لأن المبادئ المذكورة تنطوي على نتائج توزيعية مهمة تشمل الحقوق والحريات الأساسية، فضلاً عن قيود على الثروة والدخل بغرض ضمان التكافؤ العادل للفرص. وبهذا الاعتبار، يمكن القول إن المسألة المحورية للعدالة التوزيعية هي تعيين قيود على الاستخدام الأمثل للملكية الخاصة. فبحسب منظور النيوليبرالية أو الليبرتارية، ينبغي للأفراد أن يتمتعوا بحق الملكية الشخصية بغض النظر عن مدى تأثير هذا الحق على حرية الآخرين وحياتهم بشكل عام. وفي المقابل، يؤكد رولز أن حق الملكية الشخصية لا يكون مقبولاً إلا في إطار صون كرامة الفرد واستقلاله. ومن هنا، فإن الحق المطلق في الملكية الخاصة لا يُعد من الحقوق الذاتية للأشخاص، وبالتالي لا يُعتبر شرطاً مسبقاً لنمو القابليات الأخلاقية والعقلية للمواطنين.
وهكذا، فإن مبادئ «العدالة بوصفها إنصافاً» هي مبادئ مساواتية: المبدأ الأول هو مبدأ الحريات الأساسية المتساوية، والمبدأ الثاني يشتمل على تكافؤ الفرص وتعيين عتبة المساواة (=مبدأ التفاوت). إن مبدأ التفاوت -الذي يهدف إلى تعظيم التوقعات الاقتصادية للأفراد والجماعات الاجتماعية الأكثر حرماناً- يوضح أهم مركبة في نظرية رولز للعدالة التوزيعية. يقول رولز إن التفاوت في الجدارة لا ينبغي أن يكون أساساً للتفاوت في توزيع المزايا الاجتماعية. والسبب في ذلك هو أن جدارات الأفراد هي نتاج عوامل لا يتحمل الأفراد مسؤوليتها. ففي الواقع، القسم الأعظم من قدرة الأفراد أو قابليتهم لتحقيق النجاح في المجتمع هو نتاج الخلفية الأسرية والتعليم وسائر العوامل البيئية التي يحظى بها بعض الأفراد دون غيرهم. هذه عوامل لا دور للأفراد في إيجادها. ويذهب رولز إلى أبعد من ذلك فيقول إن المواهب الفطرية (أو الطبيعية) للأفراد، التي يترتب عليها تفاوت هائل في مستوى حياتهم، لا دور لهم في نشأتها. نحن نولد بمثل هذه المواهب فحسب، ومن ثم لا ينبغي أن يصبح بخت الأفراد أو حظهم عاملاً للتمتع بمزايا اجتماعية أكثر. والخطوة النهائية في استدلال رولز هي أنه حتى الجهود والسعي المختلفين لا ينبغي أن يكونا أساساً للتفاوت في المكافآت. يقول رولز إن الدافع ومقدار الجهد الذي يبذله الأفراد هو نفسه جزء مهم من اشتغال العوامل البيئية والمواهب الطبيعية. لذلك، فحتى التفاوت في جهود الأفراد غالباً ما يكون ناشئاً عن تفاوت في الظروف والسياق الذي لا دور للأفراد فيه ولا مسؤولية لهم تجاهه.
العقد الاجتماعي
بغرض الدفاع عن مبدأي العدالة، يعمد رولز إلى إعادة التفكير في تقليد «العقد الاجتماعي» عند هوبز ولوك وروسو وكانط. وبمقتضى هذا التقليد، فإن أصح طريقة لتنظيم المجتمع هي أن يتفق أعضاؤه عليه في وضع افتراضي. وبهذا الاعتبار، يطلب منا رولز أن نتصور حالة افتراضية يسميها «الوضع الأصلي (أو الأولي)»، حيث نختار في هذا الوضع مبادئ العدالة الحاكمة على المجتمع. والفرض هو أن الأفراد في الوضع الابتدائي، بوصفهم أشخاصاً أحراراً ومتساوين، يستطيعون أن يقدموا على تفاعل اجتماعي منصف، كما يستطيعون، بوصفهم أفراداً مستقلين ذاتياً، أن يختاروا معنى حياتهم وغايتها. وفي هذا الوضع، لا يكون لأي عامل مميز بين الأشخاص، كالعرق والجنس والدين والموقع الطبقي، دور في تلقيّنا للعدالة. وذلك لأننا أساساً نعيش في «حجاب الجهل» إزاء هذه التمايزات، أي أننا نجهلها كلياً. وخلف حجاب الجهل هذا، تخلع جميع الأوصاف التي تميزنا عن بعضنا البعض، ولا تبقى سوى قابلياتنا المشتركة الذاتية بصفتنا أفراداً أحراراً ومتساوين.
يعتقد رولز أنه في "الوضع الأصلي (أو الأولي)"، سيختار الأشخاص مبادئه المزدوجة للعدالة. لنفترض أنك في مثل هذا الوضع (وفي ظل وجود حجاب الجهل)، تريد أن تختار مبادئ وقواعد لتنظيم العلاقات الاجتماعية. أنت لا تعرف أي موقع اجتماعي ستحظى به، لكنك تعتبر نفسك ملزماً أخلاقياً بأن تعيش وفقاً للمبادئ التي اخترتها. لهذا السبب، تريد أن تكون القواعد الحاكمة للمجتمع على نحو يحظى بقبول جميع الأعضاء، بغض النظر عن المقام والمنزلة الاجتماعية التي يتمتعون بها. يقول رولز إن مبدأي "العدالة بوصفها إنصافاً" يقدمان هذا الضمان تحديداً. ينص هذان المبدآن على أن القواعد واللوائح الاجتماعية المقررة يمكن أن تحظى بقبول جميع أعضاء المجتمع الأحرار والمتساوين. وذلك لأن المبادئ المذكورة تضمن الحريات الأساسية والفرص المنصفة المتساوية للجميع، وتؤمن مستوى مقبولاً من الحياة، حتى لأولئك الذين هم في موقع اجتماعي أدنى.
نظرية "العدالة بوصفها إنصافاً" هي تفسير ليبرالي للعدالة الاجتماعية، لأن هذه النظرية تعطي الأولوية للحد الأقصى من الحريات الأساسية؛ حريات تمكّن الأفراد من أن يمارسوا بحرية معتقداتهم الأخلاقية والدينية، وأن يقرروا بشأن قيمهم، وأن يختاروا نوع وأسلوب الحياة الذي يرغبون فيه. كما تؤكد هذه النظرية على السوق القائمة على المنافسة الحرة -في مقابل السوق القائمة على سيطرة الدولة-. نظرية العدالة عند رولز هي نظرية ديمقراطية لأنها تقتضي أن تضمن المؤسسات الأساسية الحاكمة للمجتمع حقوقاً أساسية متساوية -بما في ذلك حق المشاركة السياسية- لعموم المواطنين، وأن توفر لهم أيضاً فرصاً متساوية في التعليم والتوظيف. هذه النظرية مساواتية (egalitarian)، لأنها بالإضافة إلى حفظ وتأمين الحريات الأساسية المتساوية والمساواة المنصفة في الفرص، تستلزم تعظيم المزايا والمنافع لأكثر أفراد المجتمع حرماناً.
۱- Michael Marmot, Status Syndrome: How your Social Standing Directly Affects Your Health (Holt Paperbacks, 2005).
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
قرآن شده ، دان ، نازل تا اندیشد هر عاقل لایستحیی خداوند از تمثیلاتش خود هر چند نه با مکنت نه با فقر کس نبرد تنها بهر اگر باشد فرد خودخواه هردوش آرد واویلاه
امیدوارم که جوانان دانشجوی ایرانی به Grain of truthکه در چند خط مختصر ابتدا این نوشته در حد مینیمال آمده توجه کنند تا به جای پذیرش جان رالز متوجه شوند که خود به مسائل خود بیاندیشند و راه چاره ارائه بدهند همانطور که رالز این کار را کرد. اگر رالز ایران بود نظریه عدالتش را جور دیگری می نوشت. اما چه کنیم که طبق نگاه آکادمیای کشورهای غیر غربی فقط مردم چشم آبی اندیشه و سیستم مغز و اعصاب دارند و در خارج از اروپا دستگاه زیراکس!
مردم چشم آبی جرات اندیشیدن و اجازه آزادی اندیشه دارند.در کشورهایی که به جرم آزادی اندیشه,انسانها محصور شوند,,جراتی برای اندیشیدن نمی ماند.
بسیار عالی و آموزنده