اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بحث فيبر في «الأخلاق البروتستانتية» دور الأفكار في نشوء الرأسمالية، دون أن يقصد مجابهة أحادية للتفسير المادي عند ماركس. التسجيلات الصوتية لقراءة هذين الكتابين بصوت حسام سلامت متاحة.

عادةً ما يُفهم «الأخلاق البروتستانتية» بوصفه أحد أكثر المساعي النظرية جديةً لتفسير الرأسمالية تفسيراً غير ماركسي. فإذا كان ماركس قد سعى إلى تقديم تفسير مادي للتاريخ وشرح تقدمه بالاستناد إلى الدينامية الداخلية للقوى المادية، وتحدث عن مدى تجذر الأفكار في السياق التاريخي، وبكلمة واحدة، أن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي، فإن فيبر في «الأخلاق البروتستانتية» حاول عكس هذه العملية وتحدث عن حتمية الأفكار والدور التكويني الذي يؤديه نوع خاص من النظرة إلى العالم والممارسات الملازمة لها في نشوء تشكيلة اجتماعية – أو على الأقل في تهيئة شروط إمكانها. وكما قال فيبر نفسه في «الأخلاق البروتستانتية»، فإن الكتاب هو في الواقع «إسهام في فهم الكيفية التي تتحول بها الأفكار إلى قوى مؤثرة في التاريخ». ومع ذلك، فإن تقديم رواية كهذه تضع فيبر في تقابل جوهري مع ماركس وتختزل عملهما في مواجهة بين تفسير مثالي للرأسمالية وموقف مادي منها، يفضي في نهاية المطاف إلى طريق مسدود. لقد صرح فيبر نفسه مراراً وبوضوح أنه لا ينوي، في مقابل المقاربة المادية للتاريخ التي تركز فقط أو بشكل رئيسي على دور البنية التحتية الاقتصادية والقوى المادية، أن يحول النظر إلى جانب تكوينية الأفكار ويقدم رواية أحادية الجانب وحتمية ومثالية بنفس القدر عن نشوء الرأسمالية. لقد كان يعتقد، بحكم إرثه الكانطي الجديد، أن كل نموذج نظري يرتبط بالمقاربة الذاتية للباحث والقيم التي يلتزم بها، وبهذا الاعتبار، فإن كل باحث في تفسير الموضوع الذي ينظره يعمل وفقاً لهذا «التناسب القيمي». ومن هذه الناحية، فإن النموذج المادي الماركسي في تفسير الرأسمالية هو مشروع «من الناحية العلمية» بالقدر نفسه الذي يكون فيه الإطار النظري المثالي لفيبر مشروعاً. المسألة تتعلق فقط بالاختلاف في إبراز الجوانب ومواضع التأكيد. ففي شرح نشوء الرأسمالية، يؤكد التقليد الماركسي على القوى المادية والبنية التحتية الاقتصادية، ويبرز التقليد الفيبري أهمية النظرة إلى العالم والأخلاق. هاتان المقاربتان، خلال حوارهما النقدي المتواصل، تظهران باستمرار أوجه قصورهما وعدم كفايتهما إحداهما للأخرى، دون أن تتمكن أي منهما من «دحض» الأخرى «من الناحية العلمية» إلى الأبد.
.
.
.
.
.
بين كلاسيكيي علم الاجتماع، كان ماكس فيبر أكثرهم جدية في تناول «فلسفة» هذا العلم الناشئ. ينبغي فهم تدخلاته في فلسفة العلوم الاجتماعية في سياقها التاريخي ضمن الجدالات التي اندلعت منذ مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر بين كارل منغر (زعيم المدرسة النمساوية في الاقتصاد) وغوستاف شمولر (أهم ممثلي المدرسة التاريخية الألمانية في الاقتصاد والقانون)، والتي أُطلق عليها، نظرًا لأهميتها الحاسمة، اسم «معركة المناهج». تمحورت الإشكالية الجوهرية في «معركة المناهج» حول مسألة كونية علم الاجتماع ذاته أو نسبيته التاريخية. كان منغر يفكر في علم كوني، بينما فكر شمولر في علم ألماني. وبالتزامن تقريبًا مع هذه النقاشات، وفي صلب التقليد الكانطي الجديد الذي كان قد بدأ ينتعش آنذاك، كانت ثمة نقاشات جادة أيضًا حول شروط إمكانية تأسيس «علم الروح» أو ما يُعرف بالعلوم الإنسانية والاجتماعية. من هرمان كوهن، وبول ناتورب، وإرنست كاسيرر في مدرسة ماربورغ، إلى فيلهلم فيندلباند وهاينريش ريكرت في مدرسة هايدلبرغ، كان النقاش يدور حول كيفية التفكير، عبر «العودة إلى كانط»، في منطق العلوم الإنسانية بوصفها علومًا مستقلة عن العلوم الطبيعية. إن مباحث ماكس فيبر في كتاب «فلسفة العلوم الاجتماعية» (الذي يضم مقالات كتبها في العقدين الأولين من القرن العشرين) هي بمثابة مشاركته الخلاقة في الجدالات التي كانت قد نشبت سلفًا، سواء استنادًا إلى «معركة المناهج» أو بوساطة الكانطية الجديدة. لقد سعى فيبر، من خلال حوار نقدي مع هذه التقاليد الفكرية، إلى سلوك طريق جديد لتثبيت العلوم الاجتماعية. في الملفات التي سأنشرها تباعًا هنا، كنت قد ناقشتُ بالتفصيل أهم مواقف فيبر في «فلسفة العلوم الاجتماعية».
.
.
.
.
.
.
.
العلوم السياسية
علم الاجتماع
العلوم الاقتصادية
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.