اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الظواهر الاجتماعية ذات سلوك غير خطي ولا يمكن تحليلها بنظرة هندسية أو محاسبية جامدة. يُبيِّن سرزعيم أن تجاهل آليات التغذية الراجعة والسلوك البشري في رسم السياسات يؤدي إلى فشل الخطط.

ما
لعل أحد أكثر المقالات تأثيرًا التي قرأتها في حياتي هو مقال كتبه جون فورستر قبل عدة عقود في عام 1971 بعنوان «السلوكيات المخالفة للحدس في النظم الاجتماعية». يوضح الكاتب في هذا المقال أن الظواهر الاجتماعية تسلك سلوكيات لا يمكن فهمها أو التنبؤ بها بالحدس العادي، لأن فهمنا التقليدي للأمور هو فهم خطي وميكانيكي للظواهر، بينما توجد في معظم النظم الاجتماعية آليات تغذية راجعة، وهذا ما يجعل النظام غير خطي. ولهذا السبب تحديدًا، فإن فهم الظواهر الاجتماعية وتحليلها والتنبؤ بها أمر يحتاج إلى تدريب وممارسة، ولا يمكن الاعتماد فيه على الحدس الفردي. ربما يمكن وصف سمة النظرة الهندسية، وخصوصًا المحاسبية، بأنها رؤية وتحليل للمسائل بشكل سكوني، بينما سمة النظرة في العلوم الاجتماعية والاقتصاد هي التحليل الحركي والديناميكي. في العلوم الاجتماعية، وخصوصًا الاقتصاد، يتعلم الأفراد تحليل المسائل، لا بوصفها مسألة استمثال خطي، بل بوصفها اختيار استراتيجية داخل لعبة متعددة الأطراف، حيث يستتبع كل تحرك ردود أفعال الآخرين، ومن تراكم السلوكيات والإجراءات تتحدد الحصيلة النهائية. لتوضيح هذه الدعوى أكثر، سأقدم بعض الأمثلة.
في مجال الصحة، واجه بلدنا سابقًا مشكلات كثيرة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت تكاليف العلاج، لكن شركات التأمين كانت تدفع جزءًا يسيرًا من هذه التكاليف، مما اضطر المرضى لدفع الفارق، الذي يُصطلح عليه «الدفع من الجيب»، من مالهم الخاص. يؤدي هذا الأمر إلى انزلاق الأسر ذات الدخل أو المدخرات المحدودة بسرعة إلى هاوية الفقر عند مواجهتها مرضًا مكلفًا. حسنًا، في مثل هذه الحالة، تولى المسؤولية أطباء تصوروا أنهم أمام مسألة بسيطة لا تحتاج إلى معرفة متخصصة في اقتصاديات الصحة. من وجهة نظرهم، كانت المسألة واضحة، إذ تصوروا أنه يكفي أن تتحمل الحكومة الجزء الأكبر من الفارق الذي كان يدفعه الناس. وبهذا يبقى الميزان مستقرًا، ويقل الضغط على الشرائح الضعيفة. هذه النظرة اختزلت المسألة إلى معادلة محاسبية بسيطة، تقف التكاليف في أحد طرفيها، وفي الطرف الآخر الموارد التي ينبغي أن تدفعها. قاد هذا التحليل التبسيطي إلى إطلاق خطة التحول الصحي، وتصور أنه يمكن حل مسألة العلاج ببساطة وترك إرث طيب.
الحقيقة هي أن هذه المتغيرات ليست متغيرات ميكانيكية لا تبالي بتركيبة مصادر التمويل، بل هي حصيلة سلوكيات بشرية، وسلوك البشر يتأثر تمامًا بالسياسات الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، عندما يُفترض أن يُدفع الجزء الأكبر من تكاليف العلاج من جيب المريض، فإن الطبيب إذا أراد أن يوصي بعلاج أغلى بدلًا من علاج أرخص، سيواجه وخز ضمير، أما عندما يُفترض أن تُدفع التكلفة من جيب الحكومة، فإن وخز الضمير هذا لن يكون موجودًا. وبطبيعة الحال، ولأن المريض أيضًا يتصور على الأرجح أن العلاج الأغلى أكثر فعالية لصحته، فإنه يصر على هذا العلاج الأغلى ويساعد الطبيب على التغلب على وخز ضميره.
كذلك، عندما يُفترض أن تُدفع تكاليف العلاج من جيب الفرد نفسه، فإن دافعيته لمراجعة الطبيب الأخصائي بدلًا من الطبيب العام، وللإيواء في المستشفى بدلًا من العلاج في العيادات الخارجية، ولاختيار العلاج الغالي بدلًا من الرخيص، ستكون ضعيفة. أما عندما يُفترض أن تدفع شركة التأمين أو الحكومة الجزء الأكبر من التكلفة، فإن الدافعية المذكورة ستزداد، وسيذهب الأفراد إلى الطبيب الأخصائي لأتفه الأسباب، وستقع التكلفة على عاتق الحكومة أو شركات التأمين.
مجموع هذين السلوكين، من جانب الطبيب ومن جانب المريض، أدى إلى زيادة تكاليف العلاج بشدة، حتى بلغت حدًا لم تعد معه الحكومة وشركات التأمين قادرة على تغطية دفع الفارق، فعاد المبلغ الذي يجب أن يُدفع من جيب المريض ليرتفع مجددًا، وعادت المشكلات الناجمة عن تكاليف العلاج الباهظة لتطل برأسها وتظهر عواقبها غير السارة.
لو لم يعتمد المسؤولون في قطاع الصحة على تصورهم الحدسي وأولوا المعرفة بسياسات الصحة قيمتها لقرأوا هذه النقطة البسيطة: حيثما تدفع الحكومة أو شركات التأمين التكاليف، تبرز مشكلة الخطر الأخلاقي، وإذا لم تُطبَّق آلية لضبط التكاليف فستتفلت النفقات إلى عنان السماء. لسنا أول بلد يرتكب هذا الخطأ، بل إن بلداناً أخرى ارتكبته من قبلنا وتم توثيق أخطائها في الكتب، لكننا مع الأسف لم نعر قيمة لمراجعة تجارب الآخرين، فأعدنا تجربتها من جديد وأهدرنا موارد البلد بهذه الصورة.
مثال آخر من الصناعات البتروكيماوية. قبل سنوات طُرح شعار: لماذا نبيع النفط الخام ونستورد مقابله منتجات بتروكيماوية باهظة الثمن؟ أليس من الأفضل أن نوقف بيع المواد الخام وننتج بدلاً منها منتجات ذات قيمة مضافة أعلى؟ يبدو أن الفكرة صحيحة. وينبغي لتحليلات تقييم المشاريع أن تؤيد هذه الفكرة ظاهرياً، لأنه عندما يكون سعر منتج ما مرتفعاً فإنه يبرر عادة تكاليف إنشاء المصنع، وهذا الأمر كان صحيحاً في الصناعات البتروكيماوية. هذه النظرة هي أيضاً نظرة خطية وستاتيكية لا تأخذ في الاعتبار ديناميكية المسألة وطبيعة اللعبة متعددة الأطراف للمسائل.
النقطة الأساسية هي أنه إذا كانت هذه الفكرة قد خطرت ببالنا نحن الإيرانيين، فمن البديهي أنها خطرت ببال منتجي النفط الآخرين أيضاً، لأنها ليست فكرة عبقرية وبديعة بحيث لا تخطر ببال أحد. والآن، إذا رغب الآخرون في الوقت نفسه في إنشاء صناعات بتروكيماوية، فإن حجم المعروض من المنتجات البتروكيماوية في السوق العالمية سيزداد، وعندما يزداد المعروض من شيء ما دون أن يزداد الطلب العالمي، فإن سعر ذلك المنتج سينخفض. وعندما تنخفض أسعار المنتجات البتروكيماوية، تختل جميع التحليلات المتعلقة بالجدوى الاقتصادية لإنشاء مصنع بتروكيماوي، وقد يفقد المشروع مبرره الاقتصادي لأن الافتراض الأساسي لذلك المشروع كان أن المنتجات ستُباع بأسعار مرتفعة! مرة أخرى، تؤدي التحليلات الخطية المستمدة من النظرة الهندسية إلى إجابة خاطئة!
المثال الثالث يتعلق بتحليل قدمه أحد الوزراء السابقين، وهو من حملة الشهادات العليا في الهندسة بالمناسبة. لقد وضع إجمالي إيرادات الحكومة في جانب والنفقات في الجانب الآخر، ثم قسم إيرادات الحكومة إلى إيرادات نفطية وإيرادات غير نفطية، ثم في جانب النفقات، قسم النفقات إلى جارية وعمرانية. ثم قال إن النفقات الجارية يجب أن تُموَّل من الإيرادات غير النفطية (الضرائب) والنفقات العمرانية من الإيرادات النفطية. ثم، بناءً على سعر الصرف، وضع خطة لفصل الموازنة الجارية كلياً عن الإيرادات النفطية خلال السنوات القادمة وتمويلها حصراً من الإيرادات غير النفطية. هذا التحليل، الذي بدا لمقترحه تحليلاً بديعاً، هو في الواقع صورة محاسبية للموازنة ولا ينتبه إلى أنه يتعامل مع متغيرات اقتصادية تربطها علاقات معقدة. فعلى سبيل المثال، الإيرادات الضريبية ليست بلا علاقة بالإيرادات النفطية. كما أن متغير سعر الصرف يؤثر على جميع المتغيرات الموجودة في هذه العلاقة المحاسبية البسيطة. لذلك لا يمكن تصور أنه يمكن تغيير عنصر واحد ببساطة دون أن يؤثر ذلك على العناصر الأخرى. هذه العلاقة المحاسبية ليست علاقة ميكانيكية بين المتغيرات، بل هي علاقة اقتصادية بين متغيرات اقتصادية.
سعت هذه الأمثلة الثلاثة إلى أن تبين أن التحليلات الخطية الناشئة عن النظرات المحاسبية أو الهندسية للظواهر الاقتصادية والاجتماعية لا يمكنها تقديم تحليلات مناسبة للظواهر الاقتصادية والاجتماعية، ولهذا السبب فإن تنبؤاتها تؤدي عادة إلى الخطأ. إن تجهيز الذهن بالنظرة المناسبة للظواهر الاقتصادية والاجتماعية رهن بالتعليم والممارسة والتدريب، ومن الخطأ تصور أنه يمكن بلوغ هذه النظرة بالاعتماد على الإبداع الشخصي.
.
.
.
.
العلوم الاقتصادية
العلوم الاقتصادية
علم الاجتماع
علم الاجتماع
العلوم الاقتصادية
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
1 ـ توجه به بازخورد که در مکانیک مصداق دارد ( کنترل سوخت ورودی به محفظه احتراق با دور خروجی در موتورهای دیزل ) ، در مدارهای الکترونیکی به اوج رسیده است . در واقع « فیدبک » از دانش فنی به دیگر عرصه های تفکر سرایت کرده است و مصداق تسری بینش عینی ـ کمی « مهندسی » است . 2 ـ توجه به دو یا چند عامل ـ در برابر نگرش تک پایه ـ ؛ توجه به تأثیر و تأثر عوامل ـ در برابر نگرش یک سویه ـ و دیدن پدیده ها در یک روند و بازه زمانی گسترده ـ در برابر نگرش « ایستا » ـ ؛ در صورتی آموخته و رعایت می شود که در پیوند با عمل و زندگی جاری باشد و این پیش از هر چیز در رویارویی با اشیاء و به ویژه برساخته های مادی مصداق می یابد . در واقع ، نگرش مهندسی هر چند کافی نیست ، اما لازم و ضروری است به ویژه برای فهم و درونی کردن نگرش سیستمی ( دیدن عامل های مؤثر ـ متأثر در یک روند ) . بسیاری از مشکلات ما از نبود چنین نگرشی مایه می گیرد . تحقیر نگرش مهندسی ، آمار تصادف جاده ای و گاز و برق گرفتگی و مصرف ( و اتلاف ) منالع انرژی .... را افزایش می دهد .
با نشر کرگدن قرارداد دارید تابلوئه
باسلام لطفا این قدرسریع قضاوت نکنیم. اتفاقا مجله کرگدن مجله خوبی است.از وقتی نظر سردبیرمحترم مجله در مورد " جناب سعدی"تغییر کرد.نظرمن هم تغییرکرد. جناب سردبیرمحترم دریافتند:که اجتماع نقیضین محال نیست. نویسندگان بسیار خوبی در مجله مشغول هستند. موفق باشند.
جالب بود. افلاطون کسانی را که ریاضی وهندسه نمی دانستند را وارد آکادمی خود نمی کرد.بیشتر فیلسوفان جهان ابتدا ریاضیدان بودند ,بعد فیلسوف شدند.فلسفه مادر علوم, منجمله علوم انسانی است.به نظرم اگر جامعه شناس ریاضی را خوب بداند,تحلیلهایش منجسم تر خواهد بود.