اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لا يبحث ماكس فيبر عن العلاقة بين الأخلاق والسياسة في «التبرير بعد الوقوع»، بل في «التبرير قبل الوقوع»؛ ويقدم أبو القاسم فنائي صياغة أكثر دقة لدعوى فيبر: «السياسة في إطار الأخلاق» أم «الأخلاق في إطار السياسة»؟

يمكن تحميل الملف الكامل للمقالة في النهاية.
ملخص: ماكس فيبر (1846-1920)، عالم الاجتماع والاقتصاد السياسي الألماني الشهير، في مقالته الكلاسيكية "السياسة بوصفها مهنة"،[1] تناول دراسة العلاقة بين الأخلاق والسياسة من منظور سوسيولوجي. وبحسب رأي الكاتب، فبينما جوهر دعوى فيبر في هذا الشأن مقبول، فإن صياغة هذه الدعوى في قالب مصطلحات غامضة وغير مناسبة من قبله قد هيأت أرضية خصبة لسوء الفهم. أسعى في هذه المقالة، قدر الإمكان، إلى مراجعة الصياغات المتنوعة التي استخدمها فيبر لتقرير دعواه، وتقديم صياغة دقيقة وقابلة للدفاع عنها لدعواه.
مقالة فيبر، التي كانت في الأصل نص محاضرته، طويلة وتغطي موضوعات متنوعة، منها "تعريف السياسة"، و"تعريف المجتمع السياسي"، و"التمييز بين أنواع السياسيين والممارسين للسياسة"، و"مصادر الشرعية السياسية" و"أنواع الدولة". السؤال الأخير الذي يطرحه فيبر في الجزء الختامي من مقالته ويسعى للإجابة عنه هو سؤال علاقة الأخلاق بالسياسة (ص 136).[2] يقول فيبر في بداية بحثه إن إجابات النظرات الكونية المختلفة على هذا السؤال غير متوافقة مع بعضها البعض، ونحن مضطرون للاختيار بين هذه الإجابات، لكن قبل كل شيء ينبغي لنا إزالة الغموض عن الموضوع قيد البحث (المصدر نفسه). عندما نتحدث عن الأخلاقيات، فإن مقصودنا ليس "اختلاق الذرائع"/ "اختلاق المشروعية"/ "التبرير اللاحق للوقوع"[3]، بل "التبرير السابق للوقوع"[4]. التبرير اللاحق للوقوع هو ذريعة تبدو أخلاقية يقدمها فاعل بعد القيام بعمل خاطئ أخلاقياً لكي يبدو ذلك العمل مبرراً لنفسه و/أو للآخرين ويدافع عن نفسه في مواجهة نقد الآخرين، دون أن يكون سلوكه نابعاً من تلك الذريعة.[5] مثل هذا الفعل هو في الواقع نوع من خداع الذات و/أو خداع الآخرين. أما التبرير السابق للوقوع، فهو الدليل الذي يشكل أساس قرار وسلوك الفاعل؛ مثل هذا الدليل يبرر ذلك السلوك للشخص ويكون في الوقت نفسه محفزه للقيام بذلك السلوك.
وعليه، فإن موضوع بحث فيبر هو "صلة ونسبة التبرير السابق للوقوع بالسياسة". عندما نسأل عن صلة الأخلاق بالسياسة، فإن مقصودنا هو هل (1) "القرار والسلوك السياسي، قبل وقوعه، معرض للحكم القيمي الأخلاقي أم لا؟"، أي "هل توجد اعتبارات أخلاقية يكون الفاعل السياسي، في مقام القرار والعمل، مكلفاً بأخذها بعين الاعتبار واتباعها أم لا؟"، وإذا كان الجواب نعم، (2) "ما هو نوع الأخلاق المناسب لمجال السياسة؟" جواب فيبر على السؤال الأول إيجابي. فهو، على عكس أنصار "السياسة الواقعية"،[6] لا ينفي بالكلية إمكانية ووجود "السياسة الأخلاقية"، وصلة الأخلاق بالسياسة، بل إن دعواه هي ببساطة أنه من بين التصورات المختلفة للأخلاق، فإن تصوراً واحداً/ بعض هذه التصورات فقط هو الذي يتناسب مع مجال السياسة.
بعبارة أخرى، السؤال هو "أي القيم والمعايير يجب على الفاعلين السياسيين اتباعها في مقام القرار والسلوك السياسي؟"، أي "هل القيم والمعايير التي يجب اتباعها في مجال السياسة هي قيم ومعايير أخلاقية، أم أنها من طبيعة أخرى ونوع آخر؟". إذا كانت هذه القيم والمعايير أخلاقية، فإن السياسة التي ستتشكل بناءً على هذا التصور ستكون "سياسة في إطار الأخلاق" (= سياسة أخلاقية)، أما إذا كانت هذه القيم والمعايير من طبيعة أخرى، ففي هذه الحالة، إذا بقي شيء من الأخلاق في مجال السياسة أصلاً، فستكون "أخلاقاً في إطار السياسة" (= أخلاقاً سياسية)[7]. في التصور من النوع الأول، تُهزم الاعتبارات غير الأخلاقية لصالح الاعتبارات الأخلاقية، بينما في التصور من النوع الثاني، تُهزم الاعتبارات الأخلاقية لصالح الاعتبارات غير الأخلاقية.
الافتراض المسبق المهم والمشترك الموجود هنا هو أن هناك قيمًا ومعايير يجب على الفاعلين السياسيين اتباعها. حتى أنصار «السياسة الواقعية»، الذين ينكرون أي صلة بين الأخلاق والسياسة، يقبلون هذا الافتراض المسبق بأن حقل السياسة ليس «منطقة حرة» قيمية ومعيارية.[8] وإذا كان هناك خلاف، فهو حول نوع وصنف القيم والمعايير التي ينبغي اتباعها في حقل السياسة، لا حول أصل وجود هذه القيم والمعايير ولا حول ضرورة اتباعها.
.
.
[1]. Weber, M. (2008) “Politics as Vocation” Max Weber’s Complete Writings on Academic and Political Vocations, ed. John Dreijmanis (Gordon C. Wells, NY: Algora Publishing), pp. 155-207.
[2]. الإحالات داخل النص إلى الترجمة الفارسية لمقالة فيبر في الكتاب التالي: فيبر، ماكس (1389) الدين، السلطة والمجتمع، ترجمة أحمد تدين (طهران: نشر هرمس)، ص 91-149.
[3]. rationalisation
[4]. justification
[5]. من وجهة نظر فيبر، هذا العمل قبيح أخلاقيًا وخاطئ. يكتب: "إذا كان هناك عمل «قبيح»، فهو هذا بالضبط، أي استخدام الأخلاق كوسيلة «لإثبات الشرعية»" (ص 138).
[6]. real politics
[7]. هنا أستخدم تعبير «الأخلاق السياسية» بالمعنى المتسامح لهذا التعبير الشائع في العرف السياسي المعاصر في إيران. المقصود بالأخلاق السياسية الأخلاق المقيَّدة بالسياسة أو الأخلاق في إطار السياسة، وهو تعبير آخر عن نفي وإنكار السياسة الأخلاقية.
[8]. الواقعية في السياسة تختلف عن العدمية الأخلاقية (moral nihilism).
.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
علم الاجتماع
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
با سلام و سپاس از زحماتی که میکشید. لطفا گزینه پی دی اف را نیز فعال کنید تا در صورت لزوم از نسخه پی دی اف استفاده شود. با سپاس مجدد