اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لطالما اعتُبرت العقلانية جوهر أعمال ماكس فيبر، غير أن شرّاحه ضيّقوا من طابعها المتعدد الأشكال. تُحدد هنا أربعة أنواع من العقلانية — العملية والنظرية والجوهرية والصورية — وتُقارن، لتُظهر أن عمليات العقلنة متجذرة في القيم لا في المصالح.

لقد اعتُبرت العقلانية (rationality) الموضوعَ الرئيسي تقريباً في أعمال ماكس فيبر. إنّ الشرّاح الذين تناولوا هذا الموضوع قد حدّوا، عموماً، من طابعه المتعدد الأشكال. تقدم هذه المقالة قائمة بالمعاني التي قصدها فيبر من «العقلانية» و«العقلنة» (rationalization) في «الاقتصاد والمجتمع» ومجموعة مقالات «سوسيولوجيا الدين». يتم تحديد أربعة أنواع من العقلانية ومقارنتها مع بعضها البعض...
لقد اعتُبرت العقلانية (rationality) الموضوعَ الرئيسي تقريباً في أعمال ماكس فيبر. إنّ الشرّاح الذين تناولوا هذا الموضوع قد حدّوا، عموماً، من طابعه المتعدد الأشكال. تقدم هذه المقالة قائمة بالمعاني التي قصدها فيبر من «العقلانية» و«العقلنة» (rationalization) في «الاقتصاد والمجتمع» ومجموعة مقالات «سوسيولوجيا الدين». يتم تحديد أربعة أنواع من العقلانية ومقارنتها مع بعضها البعض:
العملية، والنظرية، والجوهرية، والصورية. فقط «العقلانية الجوهرية الأخلاقية» هي التي تُنتج أنماط حياة منهجية. تتجلى جميع الأنواع الأربعة [للعقلانية [في عمليات العقلنة المتعددة؛ وتتسق هذه العمليات على جميع مستويات العملية المجتمعية والحضارية. يرى [فيبر [أن عمليات العقلنة طويلة الأمد متجذرة في القيم لا في المصالح. إن سيطرة تحقق العقلانية العملية والنظرية والصورية في المجتمعات الغربية الحديثة، تستتبع عواقب وخيمة لذلك النمط من الأشخاص القابلين للعيش في هذه المجتمعات.
على الرغم من أن «العقلانية» وتجلياتها المتنوعة في عمليات العقلنة التاريخية قد اعتُبرت عموماً موضوعاً رئيسياً، وربما الموضوع الرئيسي الوحيد في مجموعة أعمال ماكس فيبر، فإن قلة من الشرّاح قد فحصوا هذا الموضوع بجدية أو ربطوا أنواع العقلانية المختلفة ببعضها البعض. تعاني محاولات شلوختر (2)[Schluchter] وفايس (3)[Weiss] من نقص مشترك. فكلاهما يذكر «معاني» و«أبعاداً» للعقلانية لا يمكن تتبعها بشكل متماسك في المباحث العديدة حول «العقلانية» وعمليات العقلنة في «الاقتصاد والمجتمع» ومجموعة مقالات «سوسيولوجيا الدين». بالإضافة إلى ذلك، فإن تعريفاتهما لا تتوافق مع التحليلات التاريخية السوسيولوجية المتنوعة التي يقدمها فيبر حول مسارات عمليات العقلنة في الحضارات المختلفة. إن نقاش دونالد ليفين [Donald Levin] الأخير (1979) حول تصور فيبر لـ«العقلانية» قد سلم من هذه المشاكل لأنه ظل وفياً إلى حد كبير لـ(استعمال) المصطلحات عند فيبر؛ ومع ذلك، فهو لا يقدم نقاشاً شاملاً لهذا المفهوم، كما أنه لا يذكر كيف أن أنواع العقلانية في التاريخ، بوصفها عمليات عقلنة منفصلة، [تتحد معاً [أو تسعى للتغلب على بعضها البعض. علاوة على ذلك، فإن التمييز الذي أقامه ليفين بين أنواع الفعل الاجتماعي وأنواع العقلانية عند فيبر، مثل توضيحات أولريكه فوغل [Olrike Vogel](1979) وآن سويدلر [Ann Swidler](1974)، ليس متمايزاً بالقدر الكافي.
لقد فشلت العديد من الاستقصاءات حول فهم فيبر لـ«العقلانية» في التأكيد على مظاهرها متعددة الأوجه. إن أوضح تقرير لهذا المقاربة هو أن عمليات العقلنة في أعمال فيبر لا تعني شيئاً سوى «إزالة السحر عن العالم»[Disenchantment of the world]، أو التحول إلى البيروقراطية، أو الفقدان المتزايد للحرية. لقد ناقش شرّاح آخرون العقلانية فقط بصفتها مرادفاً للانتشار المتزايد للفعل الاجتماعي من النوع [القائم على حساب [الوسيلة-الهدف.(4) ومع ذلك، فقد حصر مؤلفون آخرون فحوصاتهم حول تصور فيبر لـ«العقلانية» وتجلياتها في عمليات العقلنة التاريخية، في مجالات محددة من الحياة مثل مجال الدين.(5)
إلى حد كبير، يتحمل فيبر نفسه مسؤولية الغموض الذي يكتنف تحليله لـ«العقلانية» والتفاعل المتبادل لعمليات العقلنة متعددة الأوجه في التاريخ. فمناقشاته المتفرقة والمجزأة حول هذا الموضوع، على الأرجح، تثير الحيرة بدلاً من أن توضح.(6) وعلى الرغم من مركزية هذا الموضوع، فإنه لا يقدم في أي مكان عرضاً موجزاً له. كما أن أسلوبه الكتابي المضطرب، وحالات عدم الدقة الكثيرة لديه، تجعل كل المحاولات لإعداد قائمة بالمعاني الرئيسية التي يقصدها من «العقلانية» و«عمليات العقلنة» تواجه صعوبة: فحيث أن صفة مناسبة لوصفها لا تسبق [كلمة [«عقلاني» في أعماله، فإن من يبحث في فيبر يضطر عادة إلى الاختيار؛ بين أن يستنتج أن استعماله سار في مسار واحد، وبين أن يضطلع بالمهمة غير السارة المتمثلة في الفحص المنهجي لمئات العبارات التي ورد فيها هذا المصطلح. ونظراً لأن الطبعات العديدة لأعمال فيبر باللغة الإنجليزية قد تضمنت ترجمات مختلفة لـ
(7)Rationalisierung,Rationalität,Rationalismus
تتناول هذه المقالة المعنى الذي قصده فيبر من «العقلانية» و«العقلنة» بشكل شامل وبطريقة مسحية [Survey]، وتنظر إلى هذه المصطلحات كما وردت في أعماله التطبيقية التاريخية والاجتماعية الكبرى التي كتبها بعد عام 1904 (الاقتصاد والمجتمع ومجموعة مقالات في علم اجتماع الدين(8)). وقد تم اختيار هذه الكتابات بدلاً من المقالات المنهجية أو السياسية، بسبب هدف آخر لهذه المقالة: إعادة بناء تصور فيبر على المستوى المفهومي المحض لتعدد عمليات العقلنة؛ العمليات التي تتصارع أو تندمج مع بعضها البعض بطرق شتى على المستويين المجتمعي والحضاري.(9) وبما أن الأنواع المنفصلة للعقلانية هي أسس عمليات العقلنة هذه، فإن قائمة بخصائصها وعلاقاتها المتبادلة كما توجد في علم الاجتماع المقارن عند فيبر، هي شرط ضروري لإعادة بناء كهذه.(10) ولكن قبل التدقيق في أنواع العقلانية، ولكي لا نقع في خلط في الموضوع دون داع، ينبغي أن نتناول بعض المسائل على سبيل المقدمة.
1. الخصائص العامة لأنواع العقلانية والعقلنة عند فيبر:
في هذا القسم، يتم شرح المكانة المفهومية لأنواع فيبر الأربعة للعقلانية وعلاقتها بأنواع الفعل الاجتماعي الأربعة التي يطرحها، وكذلك خاصيتان عامتان لأنواع العقلانية وعمليات العقلنة [وهما [كونيتها [universality] وخصوصيتها [specificity] فيما يتعلق بـ«مجال الحياة».
يشير تصنيف فيبر الرباعي للفعل الاجتماعي: الفعل الوجداني، والتقليدي، والعقلاني الموجه نحو قيمة، والعقلاني الموجه نحو غاية، إلى القدرات العامة للإنسان المفكر. إن وجود هذه الأنواع من الفعل الاجتماعي لا يرتبط بالتشكيلات المجتمعية والثقافية والتاريخية، [بل] يقع «وراء التاريخ» بوصفه خصائص أنثروبولوجية للإنسان.
لقد جادل فيبر، في مواجهة الأنثروبولوجيا الفرنسية في القرن التاسع عشر، بأن الإنسان لم يكتسب «عقلانيته» مع حركة التنوير، وأن الأفراد لم يكونوا في أي عصر من العصور السابقة عاجزين عن الفعل العقلاني. بل على العكس، حتى الأفعال اليومية للإنسان «البدائي» كان من الممكن أن تكون عقلانية موجهة نحو غاية من الناحية الذاتية، كما هو الحال مثلاً عندما كانت تؤدى طقوس دينية خاصة بهدف استدرار عناية الإله. من وجهة نظر فيبر، فإن هذا الارتباط القائم على المقايضة المحضة، كما كان موجوداً في القربان والدعاء(11)، يتطابق في الشكل مع الحساب الذي يجريه التاجر الحديث بخصوص أنسب وسيلة لتحقيق الربح. وبالمثل، فإن حقيقة أن قيم مجتمعات ما قبل الحداثة تبتعد مسافة شاسعة عن القيم الحديثة، لا تضع، في نظر فيبر، موضع تساؤل القدرة الأساسية للإنسان على توجيه أفعاله توجيهاً عقلانياً بناءً على القيم. ومن ناحية أخرى، فإن الفعل التقليدي والوجداني لا يقتلع ولا يزول بقدر ما تتقدم حركات التحديث.
مهما تكن الأنماط الأربعة للفعل الاجتماعي عامة، فقد قصر فيبر تطبيق هذا التصنيف على أفعال محددة ومعينة. ومع ذلك، فهو بوصفه عالم اجتماع تاريخي مقارن لم يكن يرضى بدراسة توجّهات الفعل بمعزل عن بعضها؛ بل كانت الانتظامات وأنماط الفعل هي ما يثير اهتمامه بدرجة أكبر بكثير. قد توجد الأنماط على مستويات متعددة من العمليات الاجتماعية التاريخية؛ بدءاً من تلك العمليات التي تتجلى في المسارات الرئيسية لحركة الحضارات بأسرها، وصولاً إلى تلك التي تخص التحولات التاريخية طويلة الأمد أو الحركات القصيرة الأمد للمجتمع. كما تظهر انتظامات الفعل داخل المؤسسات والمنظمات والشرائح والطبقات والجماعات في جميع المجتمعات. إن تصنيف أنواع العقلانية، وهو تصنيف ينبغي استخلاصه من كتابات فيبر، هو أحد المخططات المفاهيمية العديدة التي يستخدمها لتحليل هذه الانتظامات والأنماط. وتتألف هذه التصنيفية من العقلانية «العملية» و«النظرية» و«الصورية» و«الجوهرية». إن انتظامات الفعل الواعية التي تخلقها جميع أنواع العقلانية هذه، تؤدي إلى إحاطة بالوقائع المنفصلة وغير المترابطة.
بما أن مقر أنواع العقلانية هذه يكمن في الفعل العقلاني الموجه نحو الغاية والفعل العقلاني الموجه نحو القيمة،(12) فإن الأنماط المميزة للعمليات الحضارية والمجتمعية تستلزم فحسب [وجود] انتظامات واعية في توجيه الأفراد لأفعالهم(13) وفي بعض الحالات [تستلزم] «أساليب حياة».(14) إن أساليب الحياة أو «المواقف» المتماسكة التي تتغلغل في كامل تنظيم الحياة، شأنها شأن العمليات الاجتماعية التاريخية، تتباعد كثيراً فيما بينها من حيث مدى تضمنها للفعل المنهجي.(15) وبرأي فيبر، فإن النطاق الواسع للتنوع يعتمد في التحليل النهائي على كثرة من الأفكار والقيم والموارد والعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتاريخية التي تتفاعل مع بعضها البعض. إن عمليات العقلنة التي تكتسب أهمية تاريخية في المجتمعات وفي الحضارات بأسرها، تكون قد بدأت حينما تبلور مجموعة من العوامل أساليب الحياة تلك المشجعة منهجياً وعقلانياً. وكما سيُذكر أدناه، يصرح فيبر بأن أساليب الحياة هذه تحديداً تستند إلى القيم لا إلى المصالح.
كثيراً ما يناقش فيبر أنواع العقلانية وعمليات العقلنة المتنوعة بالنظر إلى المسار المتميز للتحديث في الحضارة الغربية. وهذا التوجه الغالب يتجلى بأقصى صورة في «مقدمة المؤلف» لمجموعة مقالات في علم اجتماع الدين. ففي هذه المقالة، وكذلك في كامل مجموعة مقالات علم اجتماع الدين، يرمي فيبر بشكل خاص إلى معالجة مسألة لماذا لم تسلك الحضارات الصينية والهندية وحضارة الشرق الأدنى القديم ذلك النوع من عمليات العقلنة الخاص بالحضارة الأوروبية الأمريكية. ومع أن فيبر كان يوجه هذه الدراسات نحو سؤال لماذا نشأت «المجتمعات المعقلنة» في الغرب فقط، فإن تشكل أنواع العقلانية وعمليات العقلنة يتمتع بقدر من العمومية. وتقدم «مقدمة المؤلف» نفسها أوضح الأدلة على هذه العمومية. ففيها، وبالإشارة إلى أنواع معينة من العقلانية وعمليات العقلنة التي ظهرت في الحضارة الغربية، يصرح فيبر ضمناً بأن العقلنة تتحقق أيضاً في الحضارات غير الغربية، وإن كان ذلك غالباً بشكل مختلف.(16) فعلى سبيل المثال، يُظهر فيبر في مواضع كثيرة جداً «النزعة العقلية» في اليهودية القديمة(17) والكونفوشيوسية(18) وعقلنة التأمل الصوفي.(19)
(20)
(21)
لا يستخدم فيبر مفهومي «العقلانية» و«العقلنة» بطريقة كلية لمجرد الإشارة إلى النشأة العامة للحضارات. بل إن عمليات العقلنة، بصفاتها المختلفة التي [كل منها] تسير قدماً بسرعتها الخاصة الكامنة، تتحقق على مستويات اجتماعية ثقافية متنوعة وفي مجالات حياتية مختلفة، سواء في مجالات الحياة تلك المتعلقة بـ«تنظيم العالم»، كميادين القانون والسياسة والاقتصاد والهيمنة والمعرفة، أو في المجالات «الباطنية» [أي] الدين والأخلاق، كما يمكن العثور على عمليات العقلنة في مجالي الجماليات والشهوانيات.(22)
(23)
إن الغرض من هذه الملاحظات التمهيدية حول الخصائص العامة لأنواع العقلانية وعمليات العقلنة عند فيبر، هو فقط تقديم إطار ميسّر لتعريف هذه المفاهيم وفحص علاقاتها المتبادلة. وكان فيبر نفسه، وخاصة في كتاباته اللاحقة، ينبه قراءه مراراً إلى الانتباه لتعدد أوجه معنى «العقلانية» و«العقلنة» عنده.(24)
في معرض الفحص الاستقصائي لأنواع العقلانية، يتمثل الهدف في هذا القسم، على نحو خاص، في إظهار الخاصية متعددة الأشكال لـ«العقلانية» في أعمال فيبر. وسنؤكد مراراً على هذه المسلّمة الفيبرية القائلة إن أنماطاً متباينة جداً من الفعل وأساليب الحياة قد تكون «عقلانية».
يُطلق فيبر على أي نمط حياة ينظر إلى النشاط الدنيوي ويُقيّمه من منظور المصالح الفردية في وجهه البراغماتي الأناني المحض، اسم العقلانية العملية.(25) إن نمط الحياة القائم على العقلانية العملية لا يتضمن أنماط فعل تسعى، نيابة عن نسق قيمي مطلق، إلى السيطرة الفاعلة على بعض شؤون الحياة اليومية مثلاً، بل يُذعن لبعض الوقائع ويبحث عن أكثر الوسائل جدوى للتغلب على المشكلات التي تطرحها تلك الوقائع. الفعل البراغماتي، بحسب المصالح اليومية، يتجه صعوداً، ولبلوغ أهداف عملية معينة ينبغي تقصّي أنسب الوسائل بحذر والنظر فيها بدقة متزايدة.(26) لذا فإن هذا النوع من العقلانية هو تجلٍ لقدرة الإنسان على الفعل العقلاني الغائي-الوسائلي.
حيثما تنقطع قيود السحر البدائي، سواء في عصور طبعت فيها الأديان القائمة على الخلاص الأخلاقي دورها بقوة أو في أزمنة علمانية تماماً، تظهر «قابلية الأشخاص وميلهم» لأنماط الفعل القائمة على العقلانية العملية.(27) يرى فيبر أن التنوع في انتظامات الفعل القائم على العقلانية العملية ناشئ عن أمرين: اختلاف الوسائل المتاحة لتدبير المسائل اليومية، من حيث الدقة النسبية(28)، و[الأمر الآخر] مدى قيام التعاليم الأخلاقية للدين بتعزيز أنماط الفعل القائمة على العقلانية العملية عبر وضع «توكيدات سيكولوجية» عليها.(29) جميع الشرائح «المدنية»، لا سيما التجار والصناع وأصحاب الحرف، تُظهر، نتيجة لأنشطتهم الاعتيادية، ميلاً واضحاً إلى تنظيم نمط حياتهم على أساس المصالح الشخصية والعقلانية العملية.(30) نمط الحياة هذا هو، على وجه الخصوص، خاصية الفعل اليومي لأناس الـ Liberum arbitrium مثل الإيطاليين والفرنسيين.(31)
يتضمن هذا النوع من العقلانية السيطرة الواعية على الواقع، لا من خلال الفعل بل عبر بناء مفاهيم مجردة ذات دقة متزايدة. ولأن المواجهة المعرفية للشخص مع تجربته، مثل عمليات فكرية كالقياس والاستقراء المنطقيين، تحدث هنا بكثرة، فإن إسناد العلية وخلق «المعاني» الرمزية يُعدان من الأمور الاعتيادية. وبشكل أعم، فإن جميع العمليات التجريدية المتعلقة بالمعرفة، في جميع صورها الشاملة والفاعلة، هي علامات على العقلانية النظرية.(32)
المفكرون النسقيون هم غالباً علماء [Scientists] كرسوا أنفسهم، بعد وفاة فيبر، في العقود الخالية من الآمال الثورية أو الحماسة الدينية، لإضفاء العقلانية النظرية على رؤية العالم العلمية. التفكير النظري، بما أنه يسعى دوماً وراء العلاقات المتبادلة وبناء تفسيرات جامعة و«كلية»، يتخذ موقفاً عدائياً على نحو خاص من خاصية التمزق السحري.
ويرى فيبر أنه على النقيض من الفعل العقلاني الموجه نحو الوسيلة-الغاية الذي يوفر أساس العقلانية العملية المتكيفة فحسب، فإن عمليات تحقق العقلانية النظرية تتعزز وتشتد بفعل «حاجة ميتافيزيقية» نابعة من طبيعة المفكرين والمنسقين و«رغبتهم الجامحة»؛ [أي أنهم يريدون] تجاوز مجرد الأمور العادية وتهيئة «معنى» موحد للأحداث العشوائية للحياة اليومية.(33) الدافع الأقصى لهؤلاء الأشخاص هو البحث عن إجابة للسؤال الذي شكل أساس الميتافيزيقا برمتها: «إذا كان ينبغي أن يكون للعالم في مجموعه وللحياة بشكل خاص معنى، فما هو ذلك المعنى، وكيف ينبغي أن يكون العالم ليتطابق مع ذلك المعنى؟».(34) وبحسب اعتقاد فيبر، فإن هذا اللغز، سواء تم بحثه في صوره الدينية أو الفلسفية، قد لعب دورًا بالغ الأهمية في مساعي المفكرين لتجاوز الوقائع اليومية وفهم العالم بوصفه عالمًا «ذا معنى». في عمليات تحقق العقلانية النظرية في القرن العشرين، كان هذا السؤال قابلاً للملاحظة فقط في أضيق صوره. يعتقد فيبر أن المواجهة النظرية مع الواقع قد تؤثر على فعل ذلك المفكر وتخلق انتظامات جديدة في الفعل، وإن كان هذا لا يحدث دائمًا. فعلى سبيل المثال، نادرًا ما يحدث أن يؤثر التغيير الذي يجريه عالم جديد في معادلة رياضية على فعله اليومي. ومن ناحية أخرى، فإن الاستنتاج العقلي للساحر من التجربة المشتركة، ومفاده أن قوى شيطانية ميتافيزيقية تسكن داخل الأشجار والصخور وسائر الأشياء الطبيعية أو تتربص خلفها، يستلزم بالنسبة له هو شخصيًا، وفي حال [وجود] ترتيب من العوامل السوسيولوجية المحضة التي تسهل انتشار تفكير ذلك الساحر بالنسبة لمجتمعه بأكمله، نمطًا جديدًا من التفاعل مع هذا المجال المتعالي.(35) فعلى سبيل المثال، بعد أن وُجدت فكرة الروح، كان الغرض من طقوس الدفن هو توفير وسائل الراحة للموتى في قبورهم.(36) وعندما طُرحت الآلهة القوية بوصفها كائنات ذات أدوار تخصصية وبإمكانها حفظ البشر من البلايا لكنها لم تفلح في ذلك، دخل التفكير المنطقي مجددًا في مواجهة هذا الارتباك: خلص التفكير التجريدي إلى أن هذه الآلهة كائنات أنانية ولا يمكن استرضاء غضبها إلا بالتضرع والابتهال.(37) وكانت هذه الاستنتاجات «العقلانية» المحضة بذاتها تؤثر على الفعل الاجتماعي بعدة طرق. لعل أهمها أن ضرورة استرضاء الآلهة وفرت القوة [اللازمة] لتبلور طبقة جديدة من المتخصصين الدينيين [أي] رجال الدين، بغرض تنفيذ المراسم العبادية. وقام رجال الدين بدورهم بإضفاء مزيد من العقلانية النظرية على المفاهيم المتعلقة بالمجال الميتافيزيقي. وفي هذه العملية، انتظمت طرق التضرع والابتهال المتنوعة في صور شتى من العبادة المنظمة، بما في ذلك الدعاء والتسابيح والتوبة والإمساك. كما عرّف رجال الدين «السلوك الحسن» بأنه السلوك المقبول لدى الآلهة، وتعلم المتعبدون كيف يجتذبون نظر اللطف الإلهي إليهم من خلال العمل وفق توقعات الآلهة. وكانت أنماط التفاعل هذه مع هذا المجال الطفيلي، بشرط [وجود] مجموعة من القوى السوسيولوجية المسهلة، تشيع في أرجاء المجتمع.(38)
(39)
(40)
تشبه العقلانية الجوهرية العقلانية العملية من حيث إنها توجه الفعل مباشرة نحو أنماط، وإن كانت لا تشبه العقلانية النظرية. غير أن هذا [التوجيه] لا يتم على أساس فحص سبل حل المشكلات اليومية عبر الحساب المحض للوسيلة والغاية، بل بالارتباط بـ«مبدأ قيمي» قائم في الماضي، أو الحاضر، أو ممكن الوجود.(41) لا يدل المبدأ القيمي على قيمة مفردة فحسب، كالتقييم الإيجابي للثروة أو أداء الواجب، بل على نسق متكامل من القيم تتفاوت من حيث الشمولية والاتساق الداخلي والمحتوى. وعليه، فإن هذا النوع من العقلانية يُعد علامة على القابلية الجوهرية للإنسان للفعل القيمي العقلاني.
قد تكون العقلانية الجوهرية محدودة، [بمعنى] أنها تنظم نطاقاً محدوداً من الحياة وتترك سائر النطاقات دون مساس. فعلى سبيل المثال، حيثما تنطوي الصداقة على الالتزام بقيم كالوفاء والتعاطف والتعاون، فإنها تشكل عقلانية جوهرية. وكذلك الشيوعية، والإقطاعية، واللذة، والمساواتية، والكالفينية، والاشتراكية، والبوذية، والهندوسية، والنظرة النهضوية إلى الحياة، مهما تفاوتت قابليتها لتنظيم الفعل ومحتواها القيمي، فإنها، شأنها شأن جميع المعتقدات الجمالية حول «الأمور الجميلة»، تُعد أمثلة على العقلانيات الجوهرية.(42)
(43)
تشير لامحدودية المبادئ القيمية الممكنة إلى وجه مهم من تصور فيبر للعقلانية الذاتية: إنه مفهوم شديد المنظورية [perspectivism]. فمن وجهة نظره، تعود العقلانية الذاتية وعمليات العقلنة القائمة عليها، دوماً إلى وجهات نظر أو "توجهات" نهائية:(44) كل وجهة نظر تنطوي على تركيب محدد من القيم؛ وهذا التركيب هو الذي يحدد اتجاه عملية العقلنة التي من المحتمل أن تحدث في المستقبل. ومن ثم، لا توجد مجموعة منطقية من القيم "العقلانية" تُعتبر مجموعة "معايير" دائمة "للأمور العقلانية" ولعمليات العقلنة. وبدلاً من ذلك، تسود منظورية حادة؛ ففي هذه المنظورية، يتوقف وجود عملية العقلنة على أن يُفضّل الفرد، بصورة ضمنية أو صريحة، وبوعي أو بغير وعي، بعض القيم النهائية وأن يُنظّم فعله ليتوافق مع هذه القيم. إن "عقلانية" هذه القيم هي نتاج مكانتها كمبادئ قيمية متجسدة. وهكذا، فإن الأمور "اللاعقلانية" ليست ثابتة و"لاعقلانية" بذاتها، بل تنشأ عن المثال الأعلى لعدم توافق مجموعة نهائية من القيم مع مجموعة أخرى: لا شيء "لاعقلاني" بذاته، بل يُوصف بهذه الصفة عندما يُفحص من موضع "عقلاني" معين. فكل شخص متدين هو "غير عاقل" من وجهة نظر الشخص غير المتدين، وبالمثل، يعتبر كل لذّي أي أسلوب حياة زاهد "لاعقلانياً"، حتى لو تحققت "العقلنة" وفقاً لقيمه النهائية [أي قيم الزهد]. يسعى هذا المقال، إذا ما استطاع أن يكون ذا أثر، إلى إظهار الطبيعة متعددة الأبعاد لمفهوم [مفهوم] "العقلاني" الذي يبدو بسيطاً في الظاهر فقط.(45) (ترجمة المترجم والتأكيد من النص الأصلي.)(46)
(47)
(48)
(49)
(50)
(51)
(52)
لقد أغفل مفسّرو أنواع العقلانية، بشكل شبه تام، هذا الجانب المهم [من فكر فيبر]؛ ويعود ذلك إلى حد كبير إلى أن الأعمال الثانوية كانت تنظر عموماً إلى كتاب الأخلاق البروتستانتية وليس إلى العمل المتأخر «أنماط الزهد في الأديان» حيث تتجلى منظورية فيبر القيمية الحادة بأوضح ما يكون.(53) كما أن هذا الإغفال ناتج، من جهة، عن الميل السائد إلى اختزال الطابع متعدد الأبعاد لعمليات العقلنة إلى بُعد واحد (كالبيرقرطة مثلاً)، ومن جهة أخرى، عن العجز، على غرار فيبر، عن تمييز القيم الشخصية للباحث عن سعيه إلى تعريف الأسس التاريخية، والشروط المسبقة السوسيولوجية، والنتائج المهمة للظاهرة الاجتماعية تعريفاً علمياً. فعلى سبيل المثال، يجادل هربرت ماركوزه،(54) بشكل خاص، بأن فيبر كان يساوي بين العقلانية الصورية للرأسمالية والعقلانية بالمعنى الدقيق للكلمة، وكان يقرّ في أعماله العلمية هذا النظام الاقتصادي بوصفه نظاماً يتطابق مع القيمة المطلقة للعقل بمعناه الهيغلي. وعلى العكس من ذلك، فإن بحث فيبر حول العقلانية وعمليات العقلنة لا يعني البتة ميله الشخصي إلى تأييد توسعها أو تقييدها.
إن منظورية فيبر الحادة، [أي] تصوره للعقلانية الذاتية وسوسيولوجياه التفهمية (Verstehende) ككل، تدور جميعها حول محور الاعتقاد بأن القيم لا يمكن إثباتها بالطرق العلمية،(55) ولكنها ستكون في العصر الحاضر المجال الوحيد الذي يواجه فيه الفرد المختار «شياطينه». إن كون تحقيق العقلانية حتى بأدق صورة و«أصح وجه تقني»، في مجال الاقتصاد مثلاً، لا يمكن اعتباره «تقدماً» على مستوى القيم، مشروعاً و«معتبراً»، هو افتراض ثابت في جميع تحليلات فيبر السوسيولوجية. كذلك لا يستطيع العلم، من جهة أخرى، أن يثبت أن قيم الراهب البوذي أو القيم المتعلقة بتعاليم ومواعظ المسيح عليه السلام هي «أسمى» من أي تركيب قيمي آخر.(56)
على النقيض من الطابع العابر للحضارات والعصور لأنواع العقلانية العملية والنظرية والذاتية، فإن العقلانية الصورية ترتبط بشكل عام(57) بمجالات الحياة (لا سيما مجالات الاقتصاد والقانون والعلم) وبنية الهيمنة (خصوصاً الشكل البيروقراطي للهيمنة) التي لم تتحدد حدودها بدقة إلا مع التصنيع. ففي حين تشير العقلانية العملية دوماً إلى نزعة غامضة نحو حساب وحل مشكلات الحياة اليومية عبر أنماط فعل قائمة على عقلانية الوسيلة-الهدف ومع مراعاة المصالح الشخصية في مقام العمل، فإن العقلانية الصورية تضفي المشروعية، في نهاية المطاف، على ذلك الحساب نفسه القائم على عقلانية الوسيلة-الهدف بالإحالة إلى قواعد أو قوانين أو لوائح ذات تطبيق عام.
وبقدر ما يسود الحساب المحض وفقاً للقواعد المجردة [على عمليات اتخاذ القرار]، تُتخذ القرارات «دون اعتبار للأشخاص». إن تطبيق الفعل مع القواعد الرسمية والقوانين هو بمثابة نفي لأي تعسف: فالنزعة الموضوعية والحساب وفقاً للوائح الموضوعة يقفان هنا في تقابل تام مع اتخاذ القرار وفقاً للخصائص الشخصية للأفراد المعنيين. فالشخصيات المتميزة، وحتى الشخصيات الكاريزمية، مثلها مثل الفروق القائمة على المكانة، تخضع لأحكام اللوائح ذات العقلانية الصورية. فعلى سبيل المثال، الرأفة أو الطلب الشخصي الذي يتقدم به السيد الإقطاعي هو أمر غريب تماماً عن «روح» البيروقراطية.(58)
(59)(60)
(61)
(62)
(63)
ينبغي أن تكون مقارنة أنواع العقلانية الصورية والجوهرية والنظرية والعملية ومقابلتها موجهة نحو الحاضر. وهذا العمل ممكن، قبل كل شيء، من خلال دراسة الجوانب المشتركة بين أنواع العقلانية الأربعة، والعلاقة بين أنواع الفعل الاجتماعي الأربعة وأنواع العقلانية، وكيف تخلق أنواع العقلانية المختلفة انتظامات وأنماطاً للفعل، وفي بعض الحالات، أساليب للحياة. وبطرح هذه الموضوعات، تكون جميع الخطوات الأولية قد اتخذت من أجل نقاش تحليلي حول عمليات العقلنة المتعددة التي طرح فيبر تصميمها.
مهما اختلفت أنواع العقلانية في المحتوى، فإن العمليات الذهنية للسيطرة الواعية على الواقع مشتركة فيما بينها جميعاً. بصرف النظر عما إذا كانت سمتها هي الحساب المحض للوسيلة-الهدف، أو إخضاع الوقائع المتفرقة للقيم، أو عمليات التفكير المجرد، وأيضاً بصرف النظر عما إذا كانت تحدث وفقاً للمصالح أو القواعد الرسمية والقوانين أو القيم أو المسائل النظرية البحتة، فإن جميع هذه العمليات، من وجهة نظر فيبر، تواجه بشكل منهجي تياراً لا نهاية له من الأحداث الملموسة، والوقائع غير المترابطة، والحوادث المنفصلة عن بعضها. هدفها المشترك، بوصفها سيطرة على الواقع، هو نبذ الإدراكات المتعلقة بالتفاصيل، وذلك بوضعها في أنظمة شاملة و«ذات معنى».(64)
من وجهة نظر فيبر، تحدد مجموعات من العوامل التاريخية والسوسيولوجية ما إذا كان نوع معين من العقلانية سيتجلى عمليًا فقط في شكل عمليات ذهنية، أو بالإضافة إلى ذلك في شكل انتظامات للفعل بوصفها عمليات اجتماعية ثقافية متبلورة، [كما تحدد ما إذا كان هذا التجلي] على مستوى الجماعات أو المنظمات أو المجتمعات أو كليات الحضارات. هذه القدرة المشتركة لأنواع العقلانية على ترويض الواقع هي حجر الزاوية القائم بوعي في تحليل فيبر لتحقق عمليات العقلنة المتنوعة في الحضارات المختلفة.
بما أن انتظامات الفعل الواعية الساعية إلى ترويض الواقع، فإن أنواع العقلانية العملية والصورية تقوم عادة على قدرة الإنسان على الفعل العقلاني الموجه نحو الغاية؛ أما العقلانية الجوهرية فتنشأ عادة عن الفعل القيمي العقلاني. ومن جهة أخرى، حتى وإن كانت العقلانية النظرية لا تتجذر في الفعل بل في العمليات المعرفية التجريدية، فإن الفعل العقلاني وحتى أنماط الفعل العقلاني قد تتبع التفكير النظري العقلاني بشكل غير مباشر (انظر الجدول 2).
أنواع العقلانية الجوهرية والصورية والنظرية، في مخطط فيبر، لا تبقى مجرد انتظامات اجتماعية ثقافية غير متبلورة للفعل، بل بافتراض وجود تركيبات من العوامل المسهلة السوسيولوجية والتاريخية، فإنها تصبح مؤسسية في شكل انتظامات معيارية للفعل داخل «النظم الشرعية»:(65)] أي داخل[ المنظمات،(66) وأشكال الهيمنة التقليدية (الأبوية، الموروثة، الإقطاعية) والعقلانية القانونية (البيروقراطية)، وأنواع البنى الاقتصادية، والشرائع الأخلاقية، والطبقات والشرائح. إن خاصية التشتت وحل المشكلات التي تتسم بها العقلانية العملية عادة ما تقصرها على نطاق المشكلات العادية واليومية والعملية.
توجد «قرابات اختيارية» واضحة بين بعض النظم الشرعية وأنواع معينة من الفعل. فعندما تتحول العقلانيات الجوهرية على أيدي الأنبياء ورجال الدين وعلماء اللاهوت إلى شرائع للخلاص الأخلاقي وتصبح مؤسسية في منظمة سواء أكانت كنيسة أم طائفة أم هرمية، فإن المؤمنين عادة [بالاستناد] إلى أدلة قيمة عقلانية، يشعرون بأنهم ملزمون بمراعاة هذه «العقلانية الجوهرية الأخلاقية». لكن هذا لا يحدث بالضرورة. فعلى سبيل المثال، لا يتمتع كثير من الأشخاص، من وجهة نظر فيبر، بـ«الشروط الدينية اللازمة» لكي تصاغ أفعالهم نيابة عن مجموعة من القيم بشكل منسجم. وبالتالي، فإن اعتقادهم بهذه القيم لا يكون كمبادئ أخلاقية مطلقة، بل مجرد توجيهات للفعل يمكن مراعاتها أو تركها بحسب الحاجات المؤقتة. وفي هذه الحالة، تكتسب مراعاة العقلانية الجوهرية الأخلاقية غالبًا سمة العقلانية الموجهة نحو الغاية فحسب. وقد ينظر أشخاص آخرون - وإن لم يكونوا بالتأكيد ممثلين أو أعضاء في الطائفة أو الكنيسة - إلى العقلانية الجوهرية الأخلاقية المؤسسية من منطلق مصالحهم لا أكثر. وتوضح الدوافع العقلانية الموجهة نحو الغاية لدى التجار هذا الاحتمال؛ فهم لم ينضموا إلى الطائفة الكالفينية إلا لكي يعرفوا بالأمانة التامة، ومن ثم يضمنوا زبائن الطائفة وسائر أعضاء الجماعة [community].(67) وفي هذه الحالة، لا يكون الاعتقاد بأنماط الفعل القائمة على العقلانية الجوهرية قيميًا عقلانيًا، بل تكون هذه الأنماط مجرد وسيلة ذات عقلانية موجهة نحو الغاية مفيدة لإدارة عمل تجاري مزدهر.(68)
(69)
(70)
(71)
(72)
(73)
(74)
(75)
(76)
على الرغم من القابلية المشتركة لأنواع العقلانية في السيطرة الواعية على الواقع، فإن أنواع العقلانية تتعامل مع وقائع متباينة بطرق مختلفة بوضوح، وتخلق أنماطًا موحدة للفعل بدرجات متفاوتة من التأثير. إن أنماط الحياة لا تخلقها إلا العقلانيتان العملية والجوهرية. وتتباعد أنماط الحياة هذه في المنهجية والاستمرارية تباعدًا كبيرًا: فمن وجهة نظر فيبر، القيم وحدها، وبخاصة تركيبة متكاملة من القيم، هي القادرة على خلق أنماط حياة منهجية وعقلانية.(77)
إن العمليات المعرفية المتنوعة الخاصة بالعقلانية النظرية تواجه بعض الوقائع بنشاط وتسعى إلى التصرف فيها بشكل تجريدي، وذلك من خلال البحث عن العلاقات المتبادلة بين مجالات منفصلة تبدو غير مترابطة. ومع ذلك، فإن قدرتها على خلق نمط حياة أو منع العقلانية العملية محدودة بالتأكيد. إن صياغة العالم الحديث من الفرضيات تحدد عمليًا، في حالات عديدة، توجهات فعله داخل المختبر أو خارجه، كما أن استدلالات السحرة، أو الكهنة، أو الرهبان، أو علماء اللاهوت حول منابع الشر والمعاناة، لا تؤثر على فعلهم اليومي إلا عندما تُزال صفة 'اللا روح' عن العمليات النظرية، عبر اقتران هذه العمليات بالقيم.
إن نجاح العقلانية الصورية في التغلب على أنماط الحياة القائمة على العقلانية العملية، لا يزيد إلا قليلًا عن نجاح العقلانية النظرية. فطالما أن الموظف الحكومي، والمحامي، والتاجر، والعالم يؤدون المهام الاعتيادية المتعلقة بمهنتهم، فإن تكيفهم مع قواعد مجردة معينة يبعدهم عن التيار غير المنتظم للأحداث المتفرقة وعن مواجهة المسائل اليومية على أساس العقلانية العملية. لكن هذه الأنماط القائمة على العقلانية الصورية، عاجزة عمومًا عن وصف فعل الأشخاص في العلاقات الشخصية، أو في موقع الأب أو الأم، أو في أوقات الفراغ، أو في اختيار هواياتهم. لذا، فإن تأثير العقلانية الصورية محدود، ومن الممكن تمامًا، على سبيل المثال، أن يتصرف الشخص البيروقراطي، بمجرد أن يغادر مكتبه، على أساس العقلانية العملية أو أي نمط آخر. ولا يمكن هنا العثور على أي موقف منسجم يقدم وصفًا شاملًا للفعل ويخلق نمط الحياة.
الفعل المتوافق مع العقلانية الجوهرية وحده هو القادر على خلق أنماط حياة منهجية؛ أنماط تُخضع لها نمط الحياة القائم على العقلانية العملية والمصالح، والتكيف مع القواعد القائم على العقلانية الصورية، والتيار المضطرب لأحداث الواقع. وسيحدث هذا بأكثر الوجوه فعالية بعد أن تكون القيم المرتبطة بعقلانية جوهرية معينة، وذات درجة محددة من الأهمية، قد عُقلنت، عبر عمليات تحقيق العقلانية النظرية، لتصبح نسقًا قيميًا منسجمًا، بحيث تتناول جميع جوانب الحياة بشكل شامل وتنظمها. إن المحتوى القيمي لهذه العقلانيات الجوهرية، الذي يحدد اتجاه عمليات العقلنة هذه،(78) يختلف بين طرفي طيف واسع، دنيوي وديني. وأهم نقطة لدى فيبر بخصوص خلق أنماط الحياة المنهجية والعقلانية، هي حقيقة أن العقلانيات الجوهرية وحدها هي التي تجعل الفعل الأخلاقي في هذا العالم مؤكدًا 'بتأكيدات سيكولوجية'.
تعريف فيبر لمعيار 'الأخلاقي' هو: '... نوع خاص من الاعتقاد القيمي العقلاني لدى الأفراد، يُحمّل عنصرًا معياريًا، كنتيجة لهذا الاعتقاد، على فعل يُدعى أنه 'خير أخلاقيًا'؛ تمامًا كما يُقاس فعل يُدعى أنه 'جميل' بالمعايير الجمالية' (ترجمة حرة، التأكيدات من النص الأصلي).(79)
(80)
(81)
(82)
يشير تحقق العقلانية القيمية المحور لدى فيبر إلى أن العقلانيات الذاتية، سواء أكانت أخلاقية أم لا، تكتسب عقلانية نظرية: أي أن شموليتها (مدى ادعائها تنظيم جميع الأفعال) وتكاملها الداخلي يزدادان. كلما انتظمت القيم داخل عقلانية ذاتية، بأي قدر من الشمولية أو المحدودية، يصبح التكامل الداخلي عقلانيًا. ومع تقدم العقلنة، لا تجد القيم تدريجيًا ترابطًا متماسكًا فيما بينها فحسب، بل تنتظم أيضًا بشكل هرمي تحت قيمة نهائية. على سبيل المثال، في المجال الديني، يستلزم تحقق العقلانية القيمية المحور اضمحلال القيم المتفرقة المرتبطة بأعمال عبادة مهجورة، وطقوس سحرية لا رابط بينها، ومعبد الآلهة، التي يتطلب كل منها تضحيات وولاءات، و[يستلزم أيضًا] تشكيل هذه القيم المتشابكة في قالب رؤى كونية تزداد شمولية وتكاملًا باستمرار.(83) حينما تظهر هذه القيم في صورة طقوس دينية ذات عقلانية ذاتية، تقدم الرؤى الكونية المتكاملة تمامًا تفسيرات متماسكة حول كلية الظلم والمعاناة؛ تُقدم هذه التفسيرات وفقًا لمبادئ حول الصحيح [right] وغير الصحيح [wrong] يؤمن الجميع بـ«صدقها» [truth].
بقدر ما توسع عمليات تحقق العقلانية القيمية المحور من شمولية واتساق داخلي للعقلانية الذاتية في الرؤية الكونية العرفية أو الدينية كمعيار أخلاقي، وبقدر ما يكون الفعل الاجتماعي متسقًا بشكل قيمي عقلاني مع هذه المنظومة من القيم، فإن الأحداث المتفرقة للحياة اليومية، ونمط الحياة القائم على المنفعة والعقلانية العملية، وأنماط الفعل القائمة على العقلانية الصورية، كلها تفسح المجال للمطالب الأخلاقية. لذلك، من وجهة نظر فيبر، فإن احتمال أن يكتسب الفعل عقلانية ذاتية ليتطابق مع أخلاق قائمة على الخلاص أو أي نوع آخر من العقلانية الذاتية الأخلاقية، لا يتوقف فقط على قوة المصالح المعادية، بل أيضًا على دوافع المؤمنين والتحقق النسبي للعقلانية القيمية المحور في تلك الأخلاق: فكلما اقتربت الأخلاق من نقطة كمال الشمولية والتكامل الداخلي، وكلما ازداد شيوع الفعل القيمي العقلاني، ازداد التأكيد النفسي على الفعل الموجه بشكل منهجي نحو غايات أخلاقية. برأي فيبر، الفرد الذي يكيّف فعله بشكل قيمي عقلاني مع عقلانية ذاتية أخلاقية شاملة ومتكاملة، يعمل بشكل منهجي وفق أخلاق الاعتقاد، ويعقلن الفعل «من الداخل» في جميع مجالات الحياة ليتسق مع القيم الملزمة لتلك [الأخلاق الاعتقادية].(84)
(85)
(86)
(87)
(88)
(89)
(90)
(91)
(92)
(93)
كلما بلغت القيم في هذه العقلانيات الأخلاقية درجة أعلى من العقلانية النظرية، أنتجت عقلانيات أخلاقية ذات شمولية واتساق داخلي أكبر. ويحدث هذا حين يبلغ التوجه الفعلي نحو العدالة الاجتماعية بوصفها مثالاً أخلاقياً، على سبيل المثال، حداً من العقلانية القيمية تنبثق منه رؤية كونية مغلقة تقدم تفسيراً لبؤس الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل. لقد ازدهرت النماذج الأولى للحركات السياسية والاجتماعية والفلسفية العلمانية بهذه الشمولية وهذا الاتساق الداخلي الكامل في أوروبا القرن التاسع عشر. ففي الاشتراكية الماركسية، على سبيل المثال، لم تعد مُثُل الإخاء والمساواة والعدالة الاجتماعية مبادئ أخلاقية مهجورة أو أماني غامضة، بل أُدمجت في رؤية كونية تمتعت باتساق منهجي وفسرت مأساة الإنسان في الماضي والحاضر. وبشرت هذه الاشتراكية بأنه في حال التطبيق الصحيح للمبادئ المطروحة فيها، ستزول جميع المشقات المادية في المستقبل. لقد كانت الماركسية، بوصفها نسقاً اعتقادياً متكاملاً يدّعي الحقيقة المطلقة، تضفي - في حال وجود اعتقاد قيمي عقلاني بها - نظاماً أخلاقياً على جميع مجالات الحياة «من الداخل». ومن وجهة نظر فيبر، فإن قدرة هذا الأخلاق العلماني المؤمن على عقلنة الفعل الاجتماعي برمته انطلاقاً من قيمه ومن المركز، ليست بأي حال أقل من قدرة أخلاق الدين المؤمن. وما له أهمية حيوية في كلتا الحالتين هو القبول الإيماني بذلك الأخلاق والاعتقاد به بوصفه أمراً مطلقاً متعالياً على كل مساومة.(94)
من وجهة نظر فيبر، فإن النقاش التحليلي المحض، مثل ذلك الذي طُرح أعلاه للتو حول قدرة أنواع العقلانية المختلفة على خلق أساليب حياة منهجية وعقلانية، لا يرتبط كثيراً بمسألة تفعيل هذه القدرة في المجتمعات. ففي ميدان التاريخ، تصارعت المصالح ضد المصالح، وماتت القيم و«الأفكار» فجأة، بصرف النظر عن وضوح صياغتها أو صحتها الجوهرية، ما لم ترسُ في شبكات اجتماعية واقتصادية. وبالمثل، وبصرف النظر عن كون عمليات العقلنة قد استندت إلى أنواع العقلانية العملية أو النظرية أو الصورية أو الجوهرية، فإن هذه العمليات لم تنطلق بوصفها تحولات اجتماعية ثقافية كبرى إلا حين ظهرت طبقات ذات جذور اجتماعية راسخة بوصفها «حاملات» لها.

ينبع كل من غموض مضمون العقلنة في أعمال فيبر وطبيعته المنظورية، قبل كل شيء، من مفهوم العقلانية الجوهرية. وهذا النوع من العقلانية، بالاقتران مع مفهوم العقلانية الجوهرية الأخلاقية، يشكل المفاهيم الأساسية لتحليله. فالعقلانيات الأخلاقية وحدها هي القادرة على قمع انتظامات الفعل القائم على العقلانية العملية بشكل دائم، أو تعزيزها عبر تحويلها إلى فعل قائم على عقلانية عملية أخلاقية؛ وكلا الأمرين على درجة متساوية من الأهمية. علاوة على ذلك، فإن العقلانيات الأخلاقية وحدها تمتلك القوة التحليلية للتغلب الكامل على عمليات تحقق العقلانية الصورية. وأخيرًا، فإن العقلانيات الأخلاقية وحدها هي التي تزود عمليات تحقق العقلانية النظرية بمحتوى قيمي، وتدفعها في اتجاهات معينة كعمليات تحقق عقلانية قائمة على القيمة، وتخلق تركيبات قيمة ذات شمولية وتماسك داخلي
. ومع أن هذه النسق القيمية، من وجهة نظر فيبر، هي نفسها إلى حد كبير تجليات لقوى «لاعقلانية» مرتبطة بالتاريخ والاقتصاد والسياسة والهيمنة وحتى الجغرافيا،(95) إلا أنها تبني رؤى للعالم متماسكة عقلانيًا، وقد يكيف الأفراد أفعالهم معها في جميع مجالات الحياة. وحينما تكتسب هذه الرؤى للعالم الدعامة الاجتماعية والاقتصادية اللازمة للانتشار في أرجاء حضارة ما، فإنها تخلق «مسارات» أو نطاقات تحدث في داخلها، بشكل يومي، صراعات بين المصالح الاقتصادية والسياسية وغيرها.(96)
(97)
من وجهة نظر فيبر، لم يكن من الممكن للعقل الدنيوي والحس السليم النفعي الألبيرتي (98)[ALberti] أن يكونا منشئي الرأسمالية الحديثة؛ وبالمثل، لم يكن من الممكن أن يكون المحرك الأولي للحركات الاجتماعية أو الفلسفية أو الدينية التي ادعت إحداث تغيير في الوقائع المعطاة، تبلورًا للعقلانية العملية.(99) ومن المؤكد أن العقلانية الصورية لا يمكن أن تكون قد بذرت بذرة نشأتها بنفسها. يصرح فيبر بأن انتظامات الفعل العقلاني هذه، بمفردها، لم تكن قادرة قط على خلق عقلانيات جوهرية أخلاقية، أو عمليات تحقق عقلانية قائمة على القيمة، أو رؤى للعالم، أو أنماط حياة متكاملة: لا يمكن لأي فعل أخلاقي خاضع لمعيار داخلي، سواء تضمن عقلانية أخلاقية محدودة كالصداقة، أو أخلاق الاعتقاد، أن يكون نتاجًا كاملاً للفعل القائم على عقلانية الوسيلة-الهدف.
لا الفعل القائم على عقلانية الوسيلة-الهدف الذي يوفر أساس العقلانية العملية والصورية، ولا المبادئ القيمية الخالية من الجانب الأخلاقي، يمكنها تجاوز الشؤون اليومية وتنظيمها إلى الحد الذي يطلق عملية عقلنة شاملة ومستمرة للوقائع المعطاة. إن مثل هذا التطور لا يمكن أن يتشكل إلا إذا كانت عمليات تحقق العقلانية القائمة على القيمة، المتجذرة في العقلانية الأخلاقية، قد أفضت مسبقًا إلى خلق رؤية للعالم، ولو بدائية، رؤية للعالم يمكن، بصرف النظر عن محتواها القيمي الخاص، وبالاستناد إليها، تقويم مجرى الشؤون اليومية من الناحية الكيفية، واكتشاف نقائصها ورفضها. إن تصور فيبر للعقلانية الجوهرية الأخلاقية وتأكيده على أن عمليات العقلنة المتجذرة في القيم تسلك اتجاهات «متباعدة»، يبينان سبب معارضته لكل التفسيرات التي تجعل من تقدم العقلنة تجليًا للتكيف مع الوقائع المعطاة أو صراع المصالح المحضة.(100)
(101)
مرکزیتی را که عقلانیت ذاتی اخلاقی و فرایندهای عقلانی شدن مبتنی بر این نوع عقلانیت، در طرح وبر دارند باید به دیده مرکزیت تحلیلی نگریست. اهمیت مفهومی آن که از توانایی منحصر به فردش در ایجاد شیوه های زندگی روشمند عقلانی ناشی می شود، در باب نقشی که در تاریخ ایفا کرده است اطلاعی به دست نمی دهد. انواع عقلانیت برای وبر، اصلاً به خودی خودشان هدف نیستند بلکه صرفا ابزارهایی اساسی برای اکتشافند که از آن ها به منظور مداقه در فرجام تاریخی عقلانی شدن به مثابه فرایندهایی اجتماعی فرهنگی بهره می گیرد. وی برای این کار می خواهد دریابد که کدام فرایند یا فرایندهای عقلانی شدن، نوعا به عرصه های مختلف زندگی نفوذ می کند و قوت این فرایندها را با بررسی استحکام ریشه های جامعه شناختی شان برآورد کند.
وبر در حالی که مفاهیم را به گونه انواع عالی انواع عقلانیت [و [به عنوان ابزار جهت یابی به کار می گرفت که او را به سوی نقاط عطف مهم در تاریخ رهنمون می شد، به عنوان جامعه شناس تاریخی که چند بعدی بودن عقلانی شدن یا هر موضوع دیگر را به تحقیق می گذارد، مستقیما با «عدم عقلانیت» خام در تاریخ مواجه بود. وبر، به عنوان قاعده ای کلی تاریخ را تابع معنایی متعالی، پیشروی دیالکتیکی و بی وفقه «عقل»، قوانین انقلابی یا حتی [تابع[ مرکزیت عرصه اقتصاد نمی دانست بلکه آن را عرصه ای قلمداد می کرد که ویژگی آن، برخورد همیشگی منافع «غیرعقلانی» است؛ منافعی که جهان بینی ها فقط حدود نهایی آن ها را تحت قاعده درمی آورند. حتی این جهان بینی ها را در اصل، غلبه منافع معین، قدرت، فرصت تاریخی و دیگر عوامل تصادفی تعیّن بخشیده اند. از نظر وبر تمام سؤالات راجع به پیشرفت و دگرگونی تاریخی و اینکه برخی جنبش ها و مبارزه ها برخی دیگر را درون موقعیت های هژمونیک احاطه می کنند، خواه ناخواه با حرکت و جریان صرفا «غیرعقلانی» منافع و مجموعه هایی از منافع مواجه می شوند. «عُقل گرایی، به هیچ وجه فقط مفهومی با انسجام درونی نیست بلکه مفهومی تاریخی است که دنیایی از تضادها را در درون خود دارد».(102)
لم تستطع عمليات العقلنة متعددة الجوانب أن تنتظم على طول مسار من التوسع الخطي مثل «إزالة السحر عن العالم»، بل كانت تظهر من جديد مرارًا ثم تُمحى في سياق من الإمكانات غير المستقرة والروابط المتعذِّر تغييرها. الشبكة المتعددة الألوان التي رسمها فيبر مليئة بحالات التناقض والمفارقة الساخرة. أشهر هذه الحالات هي عندما أثّر «اللاعقلانية» في أخلاق العمل الكالفينية، عند النظر إليها من منظور عقلاني [يودايموني] محض(103)، على أنماط الفعل وكامل أساليب الحياة، تلك الأساليب التي اعتُبرت تجسيدًا لأسمى قمم الحضارة، ومع ذلك كانت في طريقها في القرن العشرين لأسر الأفراد في «قفص حديدي» لا شخصي مفعم بعمليات العقلانية الصورية والنظرية والعملية.(104) يُظهر فيبر في حالات عديدة كيف أن جماعات من الأفراد، عبر أنماط عقلانية موحَّدة للفعل، تتفاعل مع الوقائع المشتتة، وبذلك تخلق مجالات للحرية. لكن هذه الجماعات نفسها، لكي تبلغ بهذه الأنماط الموحَّدة ذروتها، قد تبني شبكات كاملة من العبودية.
في نظر فيبر، بوصفه عالم اجتماع تاريخي ينظر عبر العصور، فإن جميع عمليات العقلنة تقريبًا قصيرة الأمد. فقط قلة منها، تلك التي تستند إلى عقلانيات جوهرية أخلاقية تُشكّل خطوط سير تحقُّق الحضارات، هي التي تبلغ الألفية. هذه العقلانيات و«أفكارها» المُضفية للشرعية، حالما تترسخ كرؤىً للعالم مقبولة، تُركّز التوجهات الاعتقادية والفعلية لكامل الجماعات بقوة مستقلة(105)؛(106) لكن مع ذلك، في نظر فيبر، لا يُضمن استمرار هذه العقلانيات إلا عندما تتجذَّر داخل أنظمة شرعية، ويكون حاملوها طبقات اجتماعية راسخة. الأغلبية العظمى من عمليات العقلنة متجذرة في المصالح ولا تكتسب شرعية مناسبة على مستوى القيم. وبالتالي، فكلما ظهرت مجموعة أكثر قوة من المصالح المتضادة في الأفق، يتم قمع تلك العمليات.
لقد طغت عمليات تحقيق العقلانية العملية والنظرية والصُورية بشكل كبير على عمليات تحقيق العقلانية الجوهرية في المجتمعات الغربية الحديثة. إن النظرة اليهودية-المسيحية للعالم، التي كانت مرجعاً للتجمعات الكبرى للعقلانيات الجوهرية والأخلاقية وكذلك لتحقيق العقلانية النظرية لقيمها، قد أفسحت المجال إلى حد كبير للنظرة العلمية للعالم. ومع هذا التحول المحوري، وبتعريف العلم – الذي قدمه فيبر نفسه إلى حد كبير – بوصفه نمطاً من أنماط المعرفة متميزاً تحليلياً عن القيم، فإن تعريف القيم بوصفها مضموناً للعمليات الكبرى لتحقيق العقلانية النظرية في القرن العشرين، لم يعد أمراً مبرراً. حتى وإن كانت النظرة العلمية للعالم في مجملها، هي عقلانية نظرية [فإن [هذا الأمر يظل صحيحاً. لقد اندمجت عمليات تحقيق العقلانية الصُورية في مجال العلم، وكذلك في مجال الاقتصاد والقانون وفي الشكل البيروقراطي للهيمنة، في آنٍ واحد لتُنتج شبكة من أنماط الفعل؛ وكانت هذه العمليات تتجه جميعاً نحو هدف واحد: قمع الفعل القائم على القيمة. وهكذا، افتقرت العقلانيات الأخلاقية إلى مجموعة المصالح التي تمكنها من أن تقف بفعالية في تناقض صريح مع الطابع غير الشخصي لجميع العقلانيات الصُورية، وأن تحد من نفوذها من خلال إدراجها [العقلانيات الصُورية] تحت مبدأ أخلاقي.(107)
(108)
في نظر فيبر، كان ظهور العلم بوصفه نمطاً من أنماط المعرفة والتجربة، ينطوي على عواقب مصيرية للغاية، وإن كان ذلك فقط لأن العلم كان يحذر من أنه سيطرد حتى القيم من ساحة «الاعتقاد» ويدخلها إلى ساحة الحساب: فمع ظهور النظرة العلمية للعالم، قد تصبح القيم نفسها خاضعة للملاحظة التجريبية، والقياس شديد الدقة، والاختبار.(109) وكان يشدد على أن هذا التحول، من حيث المبادئ الأخلاقية، هو في أشد درجات التناقض مع النظرات الدينية للعالم؛ تلك النظرات التي، بصفتها مبادئ أخلاقية، تُصر على «معنوية» الحياة الدنيوية وبعض الأفعال، وهذه المعنوية هي النتيجة الحتمية للتقييم الذي تقدمه الأديان بشأن طرق الخلاص الخاصة. ففي جميع الأديان، القيم هي مبادئ مطلقة «صالحة» دوماً، والعالم هو عالَم أقامت فيه الآلهة والطقوس نظاماً لا يمكن انتهاكه.(110) لقد كانت عمليات تحقيق العقلانية النظرية في العصور الماضية قد شكلت القيم المبعثرة للأديان «البدائية» في قالب تركيبات متماسكة من القيم؛ قيم كانت تقدم تفسيراً شاملاً لاستمرار المعاناة في هذا العالم؛ وهذه العمليات ذاتها أصبحت الآن متحررة من هيمنة القيم. وما إن تركزت هذه القيم بوضوح داخل حقل العلم في القرن العشرين، حتى تجلت هذه العمليات [العقلانية النظرية [رويداً رويداً بوصفها عمليات «بلا روح» للتفكير التجريدي: عمليات كانت تصف الدين بأنه المجال الذي هو «ضحية العقل الكلي» [intellect] و«اللاعقلاني».(111)
(112)
(113)
لم يجد فيبر أية شريحة اجتماعية تحتل مكانة راسخة في المجتمعات الصناعية الغربية و[في الوقت ذاته] قادرة على أن تحل محل الأديان القائمة على الخلاص الأخلاقي بوصفها الحامل المؤسسي للعقلانية الأخلاقية وعمليات العقلنة القائمة على القيم. إن ظهور مجالات الحياة الرئيسية على امتداد مسارات خاصة و«مستقلة» للعقلنة، كان يقلل أكثر فأكثر من احتمال تبلور مثل هذه الشريحة. مجالات الاقتصاد والقانون والمعرفة وكذلك البنى البيروقراطية للهيمنة، في حين كانت تفتقر إلى البُعد الشخصي، تطورت في ارتباط كامل بالقواعد والقوانين والضوابط المجردة والضرورات الخارجية. وبهذا الشكل بقيت هذه المجالات خارج نطاق شمول ورقابة الادعاءات الأخلاقية.(114) دون أن يُنمَّى في الأطفال ضمير [لديهم] في سياق التنشئة الاجتماعية العادية، كان قدرهم كبالغين أن تُهمل حاجاتهم الأخلاقية. ذلك الشخص النمطي الذي تكون الادعاءات الأخلاقية غريبة عنه، نادرًا ما يستطيع أن يسيطر بوعي على واقع [حياته] وأن يوجه الفعل [الخاص به] بشكل متماسك. بدلًا من ذلك، يصبح مثل هؤلاء الأشخاص فريسة للتيار العَرَضي أو كما يقول فيبر «اللاعقلاني» للموارد في بيئتهم. القوة الساحقة لمجالات [من الحياة [كانت مثبَّتة سوسيولوجيًّا ولا يمكنها من حيث المبدأ أن تنتج عمليات عقلنة قائمة على القيم، كانت قد حكمت على الشخصية المتكاملة بأن تظهر «على هوامش» المجتمع الحديث في تجمعات صغيرة وودية.(115) علاوة على ذلك، وبقدر ما يزيح الهجوم المتواصل لعمليات تحقُّق العقلانية الصورية والعملية والنظرية، قيم مجال السياسة مثل القيم المنصوص عليها في ميثاق حقوق المواطنين، فإن طابع الفعل الموجَّه سياسيًّا ستحدده على نحو متزايد حسابات المصلحة الشخصية القائمة على العقلانية الغائية الوسائلية. وفقًا لرأي فيبر، إذا لم يُعكس هذا المسار، فسيمتد حكم القوة الاستبدادية شاء المرء أم أبى، وسيقمع كل الحريات السياسية.
بدلاً من تقديم استعراض شامل لرؤية فيبر الكلية حول عمليات العقلنة التاريخية، فإن هذه المقالة لا تتخذ سوى الخطوة الأولى في هذا السبيل، وذلك من خلال مناقشة أنواع العقلانية بوصفها مفاهيم وتجلياتها في عمليات العقلنة. إن علم الاجتماع التاريخي المقارن، الذي غالباً ما يكون حاضراً بين سطور كتاب «الاقتصاد والمجتمع» و«مُطبَّقاً» في دراسات فيبر المتفرقة حول أديان الصين والهند وفترة الشرق الأدنى القديم، يضع فيبر على مستوى يتجاوز بكثير مستوى المحلل المنحصر في المفاهيم التحليلية، ويدخله إلى ساحة يفضّلها شخصياً أكثر. إنه يسعى في علم اجتماعه التاريخي المقارن إلى البحث عن أنماط نموذجية يُحتمل أن تقدّم خيوطاً؛ خيوطاً عن الظروف الكلية التي تواجه فيها الشرائح الحاملة لعمليات عقلنة خاصة، قيوداً أو انفراجات في توسيع التقاليد الراسخة وترسيخها. إن أبحاثاً كهذه لا تستفيد من المستوى المفهومي إلا كوسيلة لتحديد اللحظات التاريخية الحاسمة.
وكما يعتقد على ما يبدو العديد من شرّاح أعمال فيبر المنهجية، فإن خلق مفاهيم واضحة لم يكن هدفاً في حد ذاته، بل كان فقط الخطوة الأولى التي لا مناص منها للاضطلاع بتحليل سوسيولوجي. بالنسبة لفيبر، لم يكن المفهوم، مهما كان واضحاً بل ومُشكَّلاً بشكل جمالي، ذا أهمية من الدرجة الأولى، بل على العكس، كان السؤال المهم هو كيف كانت العمليات التاريخية تمضي قدماً، من الناحية السوسيولوجية، داخل حضارات معينة. إذا أراد المرء أن يتبع الأساليب المنهجية لفيبر، فإن مجرد قائمة بمفاهيم أنواع العقلانية المتعددة لدى فيبر وتجلياتها في عمليات العقلنة المتعددة، وهو ما اضطلعت به هذه المقالة، يمكن أن يكون بمثابة الشرط المنطقي لاكتشاف صعود وهبوط عمليات العقلنة في التاريخ على جميع مستويات العملية الاجتماعية الثقافية.
1. American Journal of Sociology, 1980, pp. 1145-1179.
سبق أن نُشرت ترجمة لهذه المقالة في سبتمبر 1977 في غوتليبن بسويسرا، في ندوة أكاديمية بعنوان
"Max Weber und die Dynamik der gesellschaftLichen Rationalisierung."
2. Roth and Schluchter 1979, pp, 14-15.
3. 1975, pp. 137-138.
4. Nelson 1973, p.85; Monch 1980.
5. Tenbruck, 1975.
6. (e.g.[1946].1958f, pp. 293-294 [266];[1930] 1958a, pp. 26 [11-12], 77-78[62]; 1968, pp.30[15],85 [44], 424[259], 809[468], 333 [195-196];1951, p. 226[512]; 1952, pp. 425-426, n.1[1-2]);
(بخصوص الأرقام الواردة بين معقوفين، انظر الهامش رقم 7.)
7 يستخدم فيبر هذا المصطلح والمصطلح السابق له بالمعنى نفسه. يُترجم هذان المصطلحان عادةً إلى «Rationality»، وإن كانا يُنقلان أحياناً إلى «Rationalism».
8 يتألف هذا العمل ذو الأجزاء الثلاثة من: الدين في الصين، الدين في الهند، اليهودية القديمة، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، بالإضافة إلى «مقدمة المؤلف».
9 لذلك، لا تبحث هذه المقالة في تمييز فيبر بين الفهم «العقلاني» و«التعاطفي» عندما يتعلق الأمر بعملية الفهم التأويلي. للاطلاع على مناقشة لهذا التمييز، راجع:
Weber 1968,pp.5-14[2-7];Levin 1979,pp.10-11; and Weiss 1975, pp. 48-50.
10 بينما تدل «العقلانية» وجميع «أنواع العقلانية» لدى فيبر وفي هذه المقالة دوماً على وضع [condition]، فإن «العقلنة» و«عملية العقلنة» تدلان على تطور [development]. إن «أنواع» (;Formen,Arten انظر على سبيل المثال [1949]1958f,p.293[266];[1930]1958a,pp.26[12],30[15])) العقلنة تستند بأكملها إلى أنواع العقلانية.
11. 1968,p.424[258 -59];[1922]1973, pp.432-438.
12 العقلانية النظرية، المتجذرة في العمليات المعرفية لا في الفعل، هي النوع الوحيد من العقلانية الذي لا يقوم على الفعل العقلاني الموجه نحو غاية أو الفعل العقلاني الموجه نحو قيمة. ومع ذلك، وكما سيتضح أدناه، يمكن لهذا النوع من العقلانية أن يؤثر تأثيرًا غير مباشر على الفعل. وستتم مناقشة العلاقة بين أنواع العقلانية وأنواع الفعل الاجتماعي بمزيد من التفصيل لاحقًا في القسم 3.
13 ينبغي أن نضع في الاعتبار طوال هذه المقالة أن الفعل الفردي، من منظور فيبر، هو "الذرة" الأساسية لكافة العمليات المجتمعية والحضارية. حتى أن فيبر كان يعتبر المفاهيم الجمعية بمثابة توجهات محددة ومشتركة لأفعال الأفراد في الجماعات (1968,pp.4[1],8[3],19[8-9];[1922]1973,pp.429,439).
14 تعقب المعنى الذي قصده فيبر من Lebensfuehrung في الترجمات غير ممكن. غالبًا ما تُرجمت هذه الكلمة، خاصة في الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، إلى «Conduct» [السلوك والأخلاق]، رغم أنها تُرجمت أيضًا إلى «style of life» أو type of attitude أو فقط «life».
15. [1946]1958f,p293[266].
16. [1930]1958a, pp.25-26 [11],30[15].
17. 1968,pp.610[367],618-619[327].
18. 1957I,pp.226-249).[512-36],164[452];1968,pp.538-539 [326- 327].
19. [1930]1958a,p.26[11].
20. 1975,pp.669,677-679.
21. Nelson 1969,p.6; 1974,p.272; Parsons pp. 567,752; 1963 ,pp. xxxii-iii; Bendix 1965,pp.11-12; Münch 1980; Levine 1979,pp.8-9.
22 استُخدمت هنا كلمات «arenas» و«realms» و«spheres» بمعنى واحد (Lebensbereiche, Lebenssphaere). غالبًا ما يستخدم علماء الاجتماع المعاصرون [مصطلح] «الأنساق المؤسسية» للإشارة إلى مجالات الحياة مثل تلك المذكورة آنفًا. [في الترجمة
18
الفارسية، استُخدم مقابل «عرصهها» للكلمات الثلاث المذكورة. المترجم.]
23. pp.74-77[60-62],25[11].
24. [1946]1958f,p.293[266]; 1968, p.998 [576]; [1930] 1958a,pp .26[11-12],77-78[62].
25. [1930]1958a,p.77[62].
26. [1946]1958f,p.293[266].
27. [1930]1958a,p. 26[12].
28. [1946]1958f,p.284[256];1968,p.30[15].
29. 1951,p.247[533]1968,p.551[334]
انظر إلى مطالب القسم 3؛
31. [1930] 1658a,p77[62].
32 يشير فيبر إلى هذا النوع من العقلانية أيضًا بعنوان «العقلانية الفكرية» [intellectual rationality].
[1946]1958f,p.293[265-266].
33. [1946]1958f,pp.279-281[251-254];1968,p.505-506[307-308].
34. 1968,p.451[275].
35. 1968,pp.399-403[245-248].
36. 1968,pp.404-405[248].
37. 1968,pp.432[264],424[258].
38. 1968,p.423[258].
39. [1946]1958f, p.286[258-59]; [1946]1958d, p.324[537];1968, p.424 [259]; Tenbruck 1975,pp. 683-685.
40 رغم أنه يتبين من الحاشية رقم 7 أنه لا يرى مقابل "نزع السحر" أو ما شابهه مناسبًا للمفهوم الذي قصده فيبر، إلا أنه لم يخطر ببال المترجم مقابل مناسب آخر. المترجم.
41. 1968,p.85-86[44-45].
42. 1968,p.44-45[85].
43. [1946]1958f,p.294[266].
44. 1958a,p.26[11-12] [1930].
45. [1930] 1958a,p.53,n.9 (35,n.1).
46 أضاف فيبر هذه الحاشية عند إعادة كتابته لكتاب «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» عام 1920.
47. [1946]1958f,p.301[275].
48. [1946]1958d,pp.348-349[561-562],331-340[544-545].
49. [1946]1958d,p.353[566];[1946]1958f,p.281[253].
50. [1946]1958d,p.338[551-552].
51. [1946]1958d,pp.352-356[565-570].
52. 1951,pp.226-249[512-536].
53 يُغرق هذا البحث القارئ في أمثلةٍ يتخذ فيها فيبر موقف «الذات» بوصفها مثالاً أعلى، ويفحص العالم من منظور تلك الذات.
54. 1972,p.133-151.
55. [1946]1958e .,pp.150-151 [607];1949,pp. 52-55[149-152],
58 [154-155] 60 [157].
56. 1949,p.38[530];[1946] 1958e,p.148[604].
57 يُذكر استثناء مهم، أدناه، في معرض الحديث عن العقلانية الصورية في مجال الدين. ويُعد القانون الروماني استثناءً أيضاً.
58. 1968,pp.979[565]244[141],225[129].
59. 1968,pp.975[562],226[130];[1946]1958f,p.295[267].
60 بطبيعة الحال، لا ينكر فيبر حقيقة أن «الأعمال الورقية» قد تُقلّص بشكل كبير من كفاءة البيروقراطية. إن نقاشه حول خصائص هذا الشكل من الهيمنة، بوصفه مثالاً أعلى، يكاد ينصبّ بالكامل على مقارنته بأشكال الهيمنة الأبوية [patriarchal]، والإقطاعية، والموروثة [patrimonial]، التي لا يمكن لأي منها أن تقترب حتى من البيروقراطية من حيث الكفاءة والاعتمادية وما إلى ذلك.
61. 1968,pp.656-57[396].
62. 1968,p.85[44-45].
63. [1946]1958f.pp.293-294[266].
64 مع أنه من البديهي أن السيطرة الواعية والمنهجية على الواقع، من وجهة نظر فيبر، ليست الوسيلة الوحيدة لنشوء الانتظامات (See1968,pp.33-38[17-20]).
65 بطبيعة الحال، لا يميل فيبر هنا إلى المجادلة بأن بعض الأنظمة شرعية بشكل مطلق وغيرها ليست كذلك، بل يميل إلى ذكر الأدلة المتعددة والمحتملة التي قد تكون لدى الأفراد لنسب الشرعية إلى نظام ما أو لضمان شرعيته (1968,p.33,n.20). من الصعب جداً إدراك مقصوده من «النظام» (Ordnung) و«النظام الشرعي» (Legitime Ordnung) في «الاقتصاد والمجتمع»، لأن هذين المصطلحين تُرجما بطرق شتى إلى «نظام» [order] و«معيار» [norm].
66 «المنظمة» (Verband) مصطلح عام استخدمه فيبر، على سبيل المثال، للمؤسسة (Betriebe) والجمعية التطوعية (Verein) وكذلك للمؤسسة السياسية والدينية الإجبارية (Anstalt) (1968,pp.48-56[26-30]). يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن هذه المنظمات، وكذلك جميع الأنظمة الشرعية، ليست من وجهة نظر فيبر سوى توجهات مشتركة للفعل نحو توجهات الأفراد في جماعات محددة.
67. [1946]1958c,pp.305-308[210-213].
68. 1968,pp.26[13],85-86[45].
69 أميّز هنا بين القيم «الشخصية» و«غير الشخصية». قد يتحقق كلا النوعين في شكل نسقين، وبالتالي يشكلان عقلانيات ذاتية...
70. [1968,pp.26[13],85-86[45].
71. [1968,p.31[16].
72. [1930] 1958a,pp.47-78[30-62].
73. 1968,pp.26[13],85-86[45].
74 يعتقد فيبر أن هذا الإيمان تحديدًا بـ«روح» الرأسمالية قد مات في زماننا هذا. لكن موته لم يؤدِّ إلى إضعاف «العقلانية الاقتصادية» في الرأسمالية: فوجودها الفعلي بوصفها «عالمًا» شاملاً يدفع الأفراد بشكل فعال إلى الإذعان لمقتضياتها.
75. 1975,p.193[133];1930,pp.70-73[54-59],55-56 [37];1968,pp.585[353], 1186 [709].
76. 1930,pp.74-78[60-62].
77 أستخدم، متبعًا فيبر، مصطلحي «أنماط الحياة المنهجية» و«أنماط الحياة المنهجية العقلانية» بمعنى واحد.
78 في هذه الحالة، بما أن القيم هي مرجع عمليات تحقيق العقلانية النظرية، يمكن استخدام «عملية العقلنة الموجهة بالقيم» كمرادف لـ«عملية تحقيق العقلانية النظرية».
79. 1968,p.36[19].
80 بما أن العقلانية الأخلاقية هي نفسها نوع، ونوع واحد فقط، من العقلانية الذاتية، فإن «العقلانية الذاتية الأخلاقية» تدل عليها جيدًا. ولكن لتجنب هذه الصياغة المتكلفة، سأستخدم في معظم الحالات المصطلح الأقصر «العقلانية الأخلاقية».
81. 1968,p.429[262],518[314],325[191].
82. 1968,pp.36[19],528[321];[1946]1958f,pp.286[258-59], 293-294[266],280[252];[1946]1958d,p.324[537-538].
83 هذا مجرد محور واحد من مسار عقلنة الدين فائق الأهمية. See,e.g.,1951,p.226[512];1952,pp.425-426,n.1[1-2])) لا يمكن هنا مناقشة عملية العقلنة هذه التي لم يتناولها شلوختر (Roth and Schlucter 1979,pp.11-64) وتنبروك (1975) إلا جزئيًا. كنت قد نقدت هذه المقالات مؤخرًا بشكل موسع في بحث (1979).
84. 1968,pp.424[259],450-451[275],578-579[349-550]; 1951,p.244[530];[1946]1958b,pp120-127[551-559].
85. [1946]1958f,p287[259].
86. [1949]1958f,p.289[261].
87. [1946],1958f,p.294[266].
88. 1968,p.551[334];1951,p.247[553-554].
89. 1930,p.26[11-12].
90. 1968,p.556[337];[1946]1958f,p.290[263].
91. [1946]1958f,p293[266].
92. 1968,p.1209[725-726].
93 في بعض الفترات وفي بعض الثقافات، كنتيجة لعوامل اقتصادية وسياسية بشكل رئيسي، قد تمتد المساواتية إلى مجالات من الفعل الاجتماعي كان التقليد يمنعها منها. مثل حقوق الأقليات والتمييزات الجنسية. ومما يؤكد تأكيد فيبر على الأثر المحتمل للعقلانيات الأخلاقية، هذه النقطة
19
أن المطالب المتعلقة بالمساواة، في جميع حركات الأقليات تقريبًا في الولايات المتحدة، من حركة إلغاء العبودية إلى حركة الحقوق المدنية، والحركة النسوية، وحركة المثليين الذكور في عقدي الستينيات والسبعينيات، تضرب بجذورها في عقلانيات أخلاقية مستمدة من حركة التنوير والليبرالية الكلاسيكية، مثل «الحقوق الطبيعية للإنسان» و«مساواة الجميع» كما وردت في الدستور الأمريكي ووثيقة الحقوق.
94 من الواضح أن فيبر كان يعتبر الماركسية نظامًا عقائديًا قائمًا على الإيمان وليس العلم (1968,pp.515-516[313-314]). لكنه كان يتحفظ عن الإشارة إلى الماركسية مباشرةً كدين. كان يفضل التأكيد على أن هذه النظرة العالمية المغلقة تُظهر بعض السمات المرتبطة عمومًا بالأديان، ومنها أن طبيعتها هي «إيمان بمعادٍ اقتصادي». ويُعبّر عن معتقدات أتباعها بأنها «شبه دين» [quasi - religion] أو «مكافئ للإيمان الديني» [equivalent to a religious faith] (لمزيد من المعلومات راجع: 1968pp.486[296],873-874[501])؛ ويعبّر غونترروث (1976,p.262) عن النقطة نفسها.
95. [1949]1958f,p.281[253].
96 ينبغي فهم عبارة فيبر التي لا تُنسى بخصوص العلاقة بين الأفكار والمصالح في هذا السياق (See[1946]1958f,p280[252]).
97 كذلك الأمر بالنسبة لعلم الاجتماع الفهمي Verstehend، فهو ذو أهمية محورية. هدف علم الاجتماع عند فيبر هو في المقام الأول توعية الأفراد بالقيم.
98 اسم عائلة ثرية كانت تعمل في التجارة والصيرفة وكانت مؤثرة في السياسة الأوروبية في النصف الثاني من القرن الرابع عشر. م.
99. [1930]1958a,pp.76-78[61-62];56,n.12[38,n.1];158, n.16[168,n.3].
100 هذا التفسير لوجهة نظر فيبر الأساسية حول التاريخ والتغير الاجتماعي، يحظى بتأييد تام من تنبروك: «مجمل أعماله يشهد على اعتقاده الراسخ بأن العقلنة الشاملة والمستمرة للواقع، لا يمكن أن تنبثق من المصالح» (1975,p.689).
101. [1930]1958a,pp.26-27[12].
102. [1930]1958a,p.78[62];[1946]1958f,p.281[253].
103. [1930]1958a,pp.78[62],70[54].
104. [1946] 1958f,p.281 [253];[1930]1958 a,pp.181- 182 [203-204] ;Loewith1970,pp.114-115.
105 للأسف، لا يمكن هنا استقصاء تصور فيبر عن Eigengesetzlichkeit الذي لم يتناول تنبروك (1976) سوى واحد من تجلياته المتعددة.
106. Tenbruck,1975.
107. [1946] 1958d,p.331 [544];1968,pp.1186[709],585[353],600 [361]; 1927,p.375 [305].
108. [1946]1958f,p.281[253].
109. [1946]1958e,p.139[594];1922,pp.473-474.
110. [1946]1958d,pp.350-353[564-566].
111. [1946]1958d, pp.351-352[564-566]; [1946] 1958f p.281 [253].
112. [1946]1958f,p.287[259].
113. 1949,p.27[517];[1930]1958a,pp.180-182[203-205].
114. 1968,p. 585[353];[1946]1958d.p331[544];1927,pp. 357-358[305].
115. [1946]1958e,p.155[612].
Bendix,Reinhard,1965, "Max Webers Sociology Today." International Social Science Journal 17 (January): 9-22.
Howe, Richard Herbert. 1978. "Max Webers Elective Affinities: Sociology within the Bounds of Pure Reason." American Journal of Sociology 84 (September): 366-85.
Kalberg, Stephen. 1979. "The Search for Thematic Orientation in a Fragmented Oeuver: The Discussion of Max Weber in Recent German Sociological Literature." Sociology 13 (January): 127-39.
Levine, Donald, 1979. "Rationality and Freedom: Weber and Beyond" Revised version of Paper Presented at the Max Weber Symposium, University of Wisconsin - Milwaukee, May 5, 1977.
Loewith Karl. 1970. "Webers Interpretations of the Bourgeois - Capitalistic World in Terms of the Guiding Principle of Rationalization. pp. 101-22 in Max Weber, edited by Dennis Wrong, Englewood Cliffs, N.J.: Prentice- Hall.
Marcuse, Herbert. 1972. "Industrialization and Capitalism." pp. 133-51 in Max Weber and Sociology Today, edited by Otto Stammer. New York: Harper & Row.
Munch, Richard. 1980. "Zur Anatomie des okzidentalern Rationalismus." Forthcoming in Seyfarth and Sprondel. Stuttgart: Enke.
Nelson, Benjamin.1969. "Conscience and the Making of Early Modern Cultures: The Protestant Ethic Beyond Max Weber." Social Ressearch 36 (Spring): 4-21.
__________. 1973, "Civilizational Complexes and Intercivilizational Encounters."Sociological Analysis 34 (Winter): 79-105.
__________. 1974. "Max Webers Authors Introduction (1920): A Master Clue to His Main Aims."Sociological Inquiry 44 (December): 270-77.
Parsons,Talcott.1937.The Structure of Social Action II.NewYork:Free Press.
_________. 1963. "Introduction." pp. xix-Ixvii in Max Weber, The Sociology of Religion, translated by Ephraim Fischoff. New York: Free Press.
Roth, Guenther, and Wolfgang Schluchter. 1979. Max Webers Vision of History: Ethics and Method. Berkeley: University of California Press.
Seyfarth, Constans, and Walter M. Sprondel, eds. 1980. Max Weber und die Dynmik der gesellschaftlichem Rationalisierung. Stuttgart: Enke.
Swidler, Ann, 1973. "The Concept of Rationality in the Work of Max Weber." Sociological Inquiry 43 (January):35-42.
Tenbruck, F.H. 1975. "Das Werk Max Webers." Kolner Zeitschritft fur Soziologic und sozialpsychologic 27 (December): 663-702. (Forthcoming in English translation in British Journal of Sociology.)
Vogel, Ulrike. 1973. "Einige Ueberlegungen zum Begriff der Rationalitaet bei Max Weber." Kolner Zeitschrift fur Soziologie und Sozialpsychologic 25 (September): 532-50.
Weber, Max. (1992)1973. "Ueber einige Kategorien der verstehenden Soziologie." pp. 427-74 in Gesammette Aufsaetze zur Wissenschaftslekre (hereafter WL), edited by Johannes Winckelmann. Tubingen: Mohr.
_______. 1927. General Economic History. Translated by Frank H. Knight. Glencoe, Ill.: Free Press. Originally: 1923. Wirtschaftsgeschichte. Edited by S. Hellman and M. palyi. Munich: Duncker & Humblot.
________. (1930) 1958a. The Protestant Eithic and the Spirit of Capitalism. Translated by Talcott Parsons. New York: Scribners. Originally: (1920) 1972. pp. 1-206 in Gesammelte Aufsaetze zur Religionssoziologic (hereafter GARS). Vol. 1. Tubingen: Mohr.
________. (1946) 1958b. "Politics as a Vocation." pp. 77-128 in From Max Weber: Essays in Sociology (hereafter Essays), edited and translated by Hans H. Gerth and C. Wright Mills. New York: Oxford University Press Originally: (1958) 1971. pp. 505-60 in Gesammelte Politische Schriften. Ubingen: Mohr.
_________. (1946)1958c. "The Protestant Sects and the Spirit of Capitalism." pp. 302-22 in Essays. Originally: (1920) 1972. pp. 207-36 in GARS, vol.1.
_________. (1946) 1958e. "Science as a Vocation." pp. 129-56 in Esays. Originally: (1922) 1973. "Wissenschaft als Beruf." pp. 582-613 in WL.
_________. (1946) 1958f. "The Social Psychology of the World Religions." pp. 267-301 in Essay. Originally: (1920) 1972. "Einleitung." pp. 237-68 GARS, vol. 1.
_________. 1949. The Methodology of the Social Sciences. Translated and edited by Edward A. Shils and Henry A. Finch. New York: Free press Orininally: (1922) 1973. pp. 146-214, 215-90, 489-540 in WL.
__________. 1951. The Religion of China. Translated and edited by Hans H. Gerth. New York: Free Press. Originally: (1920) 1972. "Konfuzianismus und Taoismus." pp. 276-536 in GARS, vol.1.
__________. 1952. Ancient Judaism. Translated and edited by Hans H. Gerth and Don Martindale. New York: Free Press. Originally: (1920) 1971, Das anlike Judentum. GARS, vol.w.
__________. 1968. Economy and Society. Edited by Guenther Roth and Claus Wittich. New York: Bedminister. Originally: (1921)1976. Wirtschaft und Gesellschaft. Edited by Johannes Winckelmann. Tubingen: Mohr.
_________. 1975. Roscher and Knies: The Logical Problems of Historical Economics. Translated with an introduction by Guy Oakes. New York: Free Press. Originally: (1922) 1973. pp. 1-145 in WL.
Weiss,Johannes.1975.MaxWebers Grundlegung derSoziologic.Frankfurt: UTB.
.
.
.
.
العلوم السياسية
علم الاجتماع
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.