اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
فكر حافظ وفنه ممتزجان بتجارب حياته الشخصية؛ من مرح الشباب إلى لذائذية كئيبة في منتصف العمر تصير سبيلاً للخلاص من طبيعة الوجود المحرقة؛ تقرير عن محاضرة آرش نراقي بعنوان «عالم حافظ الفكري».

في رأيي، إن قسطًا كبيرًا من الإبداعات الفنية أو الخلّاقيات الفكرية لدى كل مفكر أصيل وكل فنان أصيل نابع من تجاربه الشخصية في الحياة. صحيح أن الكتاب والدرس كانا دائمًا من منابع المعرفة والتجربة، لكن منبع الحياة الشخصية للأفراد وتفاعلهم مع البشر الآخرين ومع العالم المحيط بهم كان بإمكانه دائمًا أن يكون مصدر إلهام للعلماء والمفكرين الأصيلين، وحافظ ليس استثناءً من هذه القاعدة. إن فكر حافظ وفنه ممتزجان إلى حد كبير جدًا بتجارب حياته الشخصية. بالطبع، معلوماتنا عن حياة حافظ الشخصية شحيحة جدًا وغالبًا ما تكون ممتزجة بالأساطير التي نسجها الكتّاب وكتّاب التذكارات اللاحقون بدافع الوله والإخلاص لحافظ. لكن يمكنكم جيدًا أن تجدوا وتكشفوا النقاب عن نقاط تتعلق بالعلاقة بين حياة حافظ الشخصية وانعكاسها في فكره وفنه من خلال هذه المصادر ومضامين أشعاره هو نفسه. في رأيي، يمكن إعادة قراءة حياة حافظ في ثلاث فترات متميزة عن بعضها البعض، وقد طوّر حافظ في كل فترة مضمونًا رئيسيًا في عالمه الفكري يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياته الشخصية. طبعًا، لهذا التقسيم حدود سيّالة، لكنه برأيي يمكن أن يكون منيرًا إلى حد كبير.
تشير الفترة الأولى من حياة حافظ إلى مرحلة شبابه التي تستمر حتى سقوط أبي إسحاق. في هذه الفترة، كان المضمون الرئيسي لحياة حافظ يتمحور غالبًا حول المجون واللذة وانتهاز اللحظة بمرح. لقد أوضح لنا المؤرخون أن شيراز في أيام حافظ كانت مدينة عامرة وآسرة ومفعمة بالروح، وكانت بساتين هذه المدينة مشهورة، ووصف جمال هذه البساتين موجود في أشعار حافظ نفسه. أشجار السرو الباسقة وعطر النارنج في الربيع خلقت جوًا مناسبًا جدًا لتأملات وأحلام يقظة شاب شديد الذوق، فاضل، وموهوب في مدينة شيراز. تتزامن فترة صبا حافظ وشبابه مع فترة حكم الشاه أبي إسحاق في شيراز. كان الشاه أبو إسحاق ملكًا خلّاعيًا، مجونيًا، شاعرًا بالفطرة، يشبه حافظ قليلًا أو كثيرًا. كان حافظ في فترة أبي إسحاق يعيش سنوات عمره بين العشرين والثلاثين. من كل حدب وصوب في شيراز زمن أبي إسحاق كان ينبعث ضجيج المجون الذي كان انعكاسًا لروحية الشاه نفسه، وكل هذا كان يهيئ الأرضية لجذب شاب ذوّاق وموهوب. كان حافظ يعيش في أسرة متحضرة وميسورة الحال، لدرجة أنهم أرسلوه في صباه إلى المدرسة. لذا، كان حافظ يتمتع بنعمة أن ينمّي قدراته ومواهبه الشخصية على أيدي معلمين حكماء وعلماء في شيراز. وهكذا، كان حافظ قد درس جيدًا دروس المدرسة وواجباتها وكان يواظب عليها بنجاح. نحن نعلم أنه كان شابًا شديد الموهبة والذكاء. كان لديه صوت جميل وربما كان على دراية جيدة بالموسيقى. وربما كان يعزف على آلة موسيقية أيضًا. لكن أهم ما ميّز هذا الشاب هو تفتّح الملكة الشعرية فيه في سن مبكرة. شاب بهذه الصفات كان محط أنظار مجالس اللهو والطرب بشدة، وفي هذه الفترة اختبر تجربة حياة المجون واللذة. شعر هذا الشاب الرقيق لفت أنظار الكبار بسرعة، ودعاه الأعيان والشاه نفسه إلى حلقاتهم. ترون انعكاسًا لمجون حافظ ولذته في بعض أشعاره. وترون إغراء الفتن المجونية واللذائذية تنهال من كل حدب وصوب في المدينة، ومن الطبيعي أن يستسلم هذا الشاعر الشاب لهذه الفتن، كما يقول هو نفسه:
فغان کاین لولیان شوخ شیرین کار شهرآشوب
چنان بردند صبر از دل که ترکان خوان یغما را (حافظ/غزلیات/غزل شماره ۳)
هذا الإغراء جذاب له لدرجة أنه لا يستطيع تمالك نفسه:
من از ورع می و مطرب ندیدمی زین پیش
هوای مغبچگانم در این و آن انداخت (حافظ/غزلیات/غزل شماره ۱۶)
في غزل مشهور، يصف إحدى هذه المجالس هكذا:
عشقبازی و جوانی و شراب لعل فام
مجلس انس و حریف همدم و شرب مدام
ساقی شکردهان و مطرب شیرین سخن
همنشینی نیک کردار و ندیمی نیک نام
شاهد من لطف وصفاء يغبطه ماء الحياة
حبيب في الحسن والجمال يغار منه البدر التمام
خمرة وردية اللون مرة لاذعة طيبة المذاق خفيفة
نقلها من لعل الحبيب ونقلها من الياقوت الخام
غمزة الساقي لنهب العقل قد سلّت سيفاً
خصلة شعر الحبيب لصيد القلب قد بسطت شركاً
نكتة دانٍ بليغ كحافظ عذب الكلام
معلم كرم منير للعالم كالحاج قوام (حافظ/غزليات/غزل رقم ۳۰۹)
يستمر انعكاس هذه النشوات هكذا عند حافظ، الذي يرسم في غزل آخر صورة للوجود نابضة بالحياة، بحيث يمكن أن نفهم بوضوح أنه من المستبعد ألا يكون هذا الشاعر قد عاش تجربة مباشرة لهذه الأحوال:
شعر أشعث متعرق ضاحك الشفاه سكران
قميصه ممزق يغني والإبريق في يده
نرجسته باحثة عن العراك وشفتاه متحسرتان
في منتصف الليل البارحة جاء إلى وسادتي وجلس
أمال رأسه نحو أذني بصوت حزين
وقال: أيها العاشق القديم، هل أنت نائم؟
عاشق يُسقى خمرة السحر هذه
كافر بالعشق إن لم يصر عابد خمر
اذهب أيها الزاهد ولا تعب على مدمني الخمر
فلم يعطونا سوى هذه التحفة يوم ألست
ما صبه هو في كأسنا شربناه
سواء أكان من خمر الجنة أم من الخمر المسكرة
ضحكة كأس الخمر وخصلة الشعر المعقودة للحبيب
كم من توبة كثيراً ما انكسرت مثل توبة حافظ (حافظ/غزليات/غزل رقم ۲۶)
كانت نشوة الخمر عند حافظ في هذه الفترة، بطبيعة الحال، مقتضى عمره إلى حد كبير، ومن أهم سمات هذه النشوة التي ظلت ملازمة له حتى نهاية حياته، الاهتمام بالفرح واللذة على أساس إدراك جمالي للوجود. أي أن الجمال هو الذي يأخذه بجرمه ويسلب لبه. كان الانغماس في الجماليات الجسدية، وإدراك لطف حضور المحبوب، والكأس السحرية التي يتناولها من يده، تجربة في غاية البهجة والراحة لنفس شاعر شاب حالم خيالي تواق للتجربة. وتدل القرائن على أن شاعرنا الشاب لم يكن يضبط نفسه إزاء هذه الإغراءات، بل كان ينمي ذوقه الجمالي في هذه المبادلات القائمة على طلب اللذة وانتهاز اللحظة. وكما قلت، يستمر هذا الشوق والفرح في فكر حافظ، ولكن مع مرور العمر وبالنظر إلى التحولات التي تطرأ على حياته، تتغير مادة أصالة اللذة هذه في فكره. تختلف نزعة اللذة عند حافظ الشاب عنها عند حافظ الكهل والمسن. وهي تتشابه بالطبع من حيث إن حافظ يظل في كل هذه المراحل حساسًا للجمال. لكن تجربته لنزعة اللذة تختلف في مرحلتي الكهولة والشيخوخة. فنزعة اللذة الشبابية عند حافظ، كما قلت، فرحة، أما نزعة اللذة في الكهولة والشيخوخة عنده فحزينة. في الواقع، تتحول نشوة الخمر الحافظية هنا تدريجيًا عنده إلى طريق للخلاص. لم تعد مجرد تجربة لذة إيجابية، بل تصبح طريقًا للفرار من طبيعة الوجود الإنساني المفجعة في هذا العالم. تبدأ الفترة الثانية من حياة حافظ خصوصًا بسقوط ومقتل الشاه أبو إسحاق على يد الأمير مبارز الدين، وتنتهي بخلع الأمير على يد ابنه الشاه شجاع. يتزامن هذا الزمان تقريبًا مع أيام كهولة حافظ. كان الزمان في تلك الأيام زمان رياء وعنف وعبوس. كان العيارون في المدينة يسمون الأمير مبارز الدين بالمحتسب تهكمًا. ذلك الذي تمسك بقشرة الدين وسعى إلى فرض هذه الشريعة القشرية بالقوة على عياري المدينة. المضمون الغالب الذي يظهره حافظ في أشعاره خلال هذه الفترة ناتج إلى حد كبير عن تجارب حياته المريرة في هذا العصر، وكذلك عن النضج الناتج عن مرحلة الكهولة. تجربة وإدراك عميقان للجوانب المفجعة من الحياة الإنسانية في هذا العالم. كان عهد الشاه أبو إسحاق بالنسبة لحافظ عهدًا سعيدًا ومثاليًا للغاية، وكان حافظ يذكره دائمًا بنوع من الألم والأسف.
حقًا إن خاتم الفيروزج البو إسحاقي
لقد لمع جيدًا ولكنها كانت دولة عجلى (حافظ/غزليات/غزل رقم ۲۰۷)
أما عهد الأمير مبارز الدين فهو عهد حافظ الصعب والمرير، ويقع في قبضة الفقر. في هذا العهد، أكثر ما يؤذي روح الفنان هو الزهد والرياء:
أتراهم سيفتحون الحانات
ويحلون عقدة أمرنا المغلقة
إن كانوا قد أغلقوها لأجل قلب الزاهد المعجب بنفسه
فطِب نفسًا فسيغلقونها لأجل الله
أغلقوا الحانة، اللهم لا ترض
أن يفتحوا بيت التزوير والرياء
يا حافظ هذه الخرقة التي ترتديها سترى غدًا
أي زنار سيُحل من تحتها بالخديعة (حافظ/غزليات/غزل رقم ۲۰۲)
يواجه حافظ في مرحلة الكهولة هذه أنواعًا من الاتهامات من قبل المخالفين. اتهموه بالكفر واللواط، وجعلوا أجواء حياته غير آمنة إلى حد كبير، حتى إنه ربما بسبب المخاطر التي كان يشعر بها فضّل مغادرة شيراز، وإن قيل إنه ندم على هذا القرار بعد مدة قصيرة وعاد إلى شيراز. وربما في هذه الفترة بالذات يفقد حافظ زوجته الحبيبة، وبعدها بقليل يفقد ولده. لذا، فهو في مرحلة الكهولة يمتلك تجربة مباشرة لفقد الأحبة، ويعرف كيف يمكن للموت أن ينتزع منك أعزاءك. الفقر، فقد الأحبة، الموت الفظيع للداعمين بقدرته المطلقة، أن يرى كيف دار الزمان حتى تربع غير المستحقين على الصدارة:
يجدر بالدم أن يتموج في قلب اللعل
زین تغابن که خزف میشکند بازارش (حافظ/غزلیات/غزل شماره ۲۰۷)
يرى حافظ أن الثروة والجاه والسلطة والأبناء لم يفِ لنا أيٌّ منها. ويجد مشاهدة هذا الوضع في العالم صادمةً للغاية. حتى سقوط الأمير مبارز الدين الذي كان قد نغّص عليه الحياة، اقترن لدى حافظ بتجربة مريرة ومؤلمة. لقد أطاح أبناءُ الأمير مبارز الدين به، وفُقئت عيناه على يد ابنه، فبقي حافظ، الذي كان هو نفسه في غمٍّ على ولده، في حيرة من أمره فجأةً مما آل إليه أمرُ العلاقات الإنسانية ورابطة الأبوة والبنوة، حتى يقدم الابن على فعل ذلك بأبيه في خضم صراعات السلطة:
آنکه روشن بد جهانبینش بدو
میل در چشم جهانبینش کشید (حافظ/قطعات/قطعه شماره ۱۴)
إن تجربة العنف والضراوة الكامنة في هذا السلوك، من الواضح تمامًا أنها آلمت روح حافظ. هذه المجموعة من التجارب المريرة وسلسلة انعدام الأمن العاطفي والمالي والجسدي والاضطرابات السياسية، كشفت تدريجيًا لروح حافظ وجهًا آخر لهذا العالم. لقد تجلّى له الجانب الموجع من الوجود. في الشباب يكون العالم مبهجًا، لكن تجربة الحياة تعلمنا شيئًا فشيئًا أن للعالم جانبًا آخر. لقد نُسج خيط العدم في نسيج الوجود، ويبدو أن التراجيديا جزء لا يتجزأ من هذا العالم. كان حافظ بالطبع عالمًا متمرّسًا بالقرآن، ومن ثمّ كان على دراية نظرية بهذه الصورة عن العالم. لكن المعرفة شيء والمعاناة شيء آخر. معرفة أن العالم يغدر بنا شيء، ومعاناة غدر العالم بنا شيء آخر. هنا، شيئًا فشيئًا، يدرك حافظ في منتصف العمر، في تجارب حياته المؤلمة، الجوانب الموجعة للوجود، وهذه المرة بالوجدان ويعانيها. وهنا ترون أن تجربة حافظ الوجودية تتحول تدريجيًا إلى تجارب من طبيعة الخيام. لقد عانى حافظ التجربة الخيامية للطبيعة الموجعة للوجود على مستويات مختلفة عدة، وجسّدها في أشعاره. أول موضع أدرك فيه حافظ الطبيعة الموجعة للوجود كان الفهم الذي توصّل إليه حول بنية هذا العالم (العالم الذي نعيش فيه). إدراك حقيقة أن العالم زائل. إدراك حقيقة أن العالم غدّار ولا يبقى معنا:
جهان پیر است و بیبنیاد از این فرهادکش فریاد
که کرد افسون و نیرنگش ملول از جان شیرینم (حافظ/غزلیات/غزل شماره ۳۵۴)
مجو درستی عهد از جهان سست نهاد
که این عجوز عروس هزاردامادست
نشان عهد و وفا نیست در تبسم گل
بنال بلبل بی دل که جای فریادست (حافظ/غزلیات/غزل شماره ۳۷)
لهذه الأبيات صدى خياميّ تمامًا. فالخيام أيضًا عانى في الواقع هذه الجوانب الموجعة نفسها وأوردها في أعماله:
ساقی گل و سبزه بس طربناک شدهست
دریاب که هفته دگر خاک شدهست
می نوش و گلی بچین که تا درنگری
گل خاک شدهست و سبزه خاشاک شدهست (خیام/رباعیات/رباعی شماره ۳۷)
هذا الحكيم أيضًا، حين ينظر إلى جماليات الربيع، يتراءى له الوجود الزائل قبل كل شيء:
آنها که کهن شدند و اینها که نوند
هر کس بمراد خویش یک تک بدوند
این کهنه جهان بکس نماند باقی
مضوا وسنعود وآخرون يجيئون ويمضون (الخيام/الرباعيات/الرباعية رقم ٥٦)
لذا فإن هذا وجه من طبيعة الحزن المتأجج الذي يتجلى في أشعار حافظ الخيامية.
الوجه الآخر هو أن حافظًا حين ينظر إلى أحوال الإنسان يجد فيها جوانب مأساوية. لعل أهم وجه للمأساة في حياة الإنسان هو فناؤه. لقد ذاق حافظ بتجربته هذه الحقيقة البديهية أن الإنسان كائن فانٍ ومعرض للموت. نحن دائمًا نرى الموت بعيدًا ونحسبه جارًا، لكن هذه الناقة تبرك شيئًا فشيئًا على باب دارنا. تخطف أحبابنا واحدًا تلو الآخر، ويأتي وقت يحدق فيه في أعيننا، وفي هذه اللحظة يتحول الموت إلى تجربة حقيقية في حياتنا الشخصية. الحيوانات تموت، لكن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي موته، ويصبح الموت جزءًا لا مفر منه من بنية حياته. ترون كيف أن حافظًا، شأنه شأن حكيم نيسابور، يستوعب الوعي بالموت في أعماق كيانه ويعكسه في نسقه الفكري وفنه.
على شفة بحر الفناء منتظرون أيها الساقي
فانتهز فرصة، فما بين الشفة والفم ليس كل هذا (حافظ/الغزليات/الغزل رقم ٧٤)
أو يقول في موضع آخر:
اجلس على ضفة الجدول وانظر إلى مرور العمر
فهذه الإشارة من العالم العابر تكفينا (حافظ/الغزليات/الغزل رقم ٢٦٨)
وترون نظير هذا التنبه بالقوة ذاتها في أشعار الخيام. الخيام أيضًا حين ينظر إلى الإنسان يثقل عليه فناؤه:
كما يغسل الغيم وجه الشقيق في النيروز
قم واعقد العزم على الصحو بكأس الخمر
فهذا العشب الذي هو اليوم متنزهك
غدًا سينبت كله من ترابك (الخيام/الرباعيات/الرباعية رقم ٢٤)
آهٍ لصحيفة الشباب قد طويت
وربيع الحياة الناضر صار أمسًا
ذلك الطائر الطروب الذي كان اسمه الشباب
آهٍ لا أدري متى جاء ومتى مضى (الخيام/الرباعيات/الرباعية رقم ٦٣)
حينًا في طفولتنا صرنا أساتذة
وحينًا بأستاذيتنا فرحنا
فاستمع ختام الكلام وما آل إليه أمرنا
من التراب جئنا وعلى الريح ذهبنا (الخيام/الرباعيات/الرباعية رقم ١٣٤)
ترون كيف أن هذه التجارب الإنسانية العميقة، وهذا الإشراف العميق على الموت، يتجلى في الوعي الفني والحكيم لهؤلاء الحكماء.
في دكان الفخار ذهبت البارحة
رأيت ألفي جرة ناطقة وصامتة
فجأة أطلت جرة صراخها
أين الفخاري وبائع الجرة ومشتريها؟ (الخيام/الرباعيات/الرباعية رقم ١١٧)
أيها العين إن لم تكوني عمياء فانظري القبر
وانظري هذا العالم المليء بالفتنة والضجيج
الملوك والرؤساء والعظماء تحت الطين
والوجوه كالقمر في فم النمل فانظري (الخيام/الرباعيات/الرباعية رقم ١٣٧)
كان هذا الالتفات إلى الموت حاضراً بقوة في أفكار الخيام، وقد علّمته تجربة الحياة لحافظ أيضاً. فبمجرد أن تنتبه إلى هذه الوجوه من العالم؛ أي أن ترى فناء العالم وفناء الإنسان، يجد الحكيم نفسه فجأة أمام سؤال جوهري هو سؤال معنى الحياة. لاحظوا أن مأساة الحياة البشرية ليست هي الألم والمصيبة والشر والموت؛ بل المأساة هي لا معنوية هذه الظواهر. مأساتنا ليست الألم، بل الألم الذي لا معنى له. وإذا كان العالم فانياً، وإذا كان الإنسان مائتاً، فإنك تسأل نفسك فوراً: ما الحكمة من العيش في هذا العالم إذن؟ ما معنى هذا المجيء والذهاب؟ إن إدراك الجانب العدَمي من الحياة يضع الحكيم وجهاً لوجه أمام السؤال المهيب عن معنى الحياة، ويجعله يواجه لا معنوية الآلام:
جهان و کار جهان جمله هیچ بر هیچ است
هزار بار من این نکته کردهام تحقیق
به مأمنی رو و فرصت شمر غنیمت وقت
که در کمینگه عمرند قاطعان طریق (حافظ/غزليات/غزل شماره ۲۹۸)
وترون مجدداً أن هذا الصدى الخيامي يتجلى في أشعاره. يقول الخيام في موضع آخر:
جامی است که عقل آفرین میزندش
صد بوسه ز مهر بر جبین میزندش
این کوزهگر دهر چنین جام لطیف
میسازد و باز بر زمین میزندش (الخيام/رباعيات/رباعي شماره ۱۱۵)
لاحظوا أن الحكيم مندهش: إن خزّاف هذا العالم يخلق كائناً بهذا الجمال، وحين يبلغ كماله يحطمه على الأرض! ما معنى هذا اللعب والعبث في هذا العالم؟
از آمدنم نبود گردون را سود
وز رفتن من جلال و جاهش نفزود
وز هیچ کسی نیز دو گوشم نشنود
کاین آمدن و رفتنم از بهر چه بود (الخيام/رباعيات/رباعي شماره ۶۰)
إن سؤال معنى الحياة هذا يخلق بالطبع أزمات فكرية للحكيم الذي لديه تعلقات إلهية. فعلى سبيل المثال، يجد الحكيم نفسه أمام مسألة الشر والعدل الإلهي؛ أي أن هذا الحكيم الذكي يسأل نفسه فوراً: كيف يفسح عالمٌ يدبّره إله عليم رحيم المجالَ لوجود هذه الشرور المريعة التي لا معنى لها؟ تنشأ مسألة الشر من هنا، إذ تبدو شرور هذا العالم بلا معنى. ومن ثم فإن وجود إله حكيم خيّر يبدو غير منسجم مع وجود شرور لا معنى لها في هذا العالم. كان حافظ بالطبع مطّلعاً على آثار الحكماء والمباحث الكلامية للحكماء، ويبدو أنه كان يرى أن قسماً من هذه المسائل الكلامية لا يجد جواباً، ولذا فإنه يعبّر عن شكوكه الكلامية بطريقة رندية من خلال أشعار الخيام:
پیر ما گفت خطا بر عالم صنع نرفت
آفرین بر نظر پاک خطاپوشش باد (حافظ/غزليات/غزل شماره ۱۰۵)
لاحظوا ما ينطوي عليه هذا الكلام من سخرية لاذعة.
به پیر میکده گفتم که چیست راه نجات
بخواست جام می و گفت عیب پوشیدن (حافظ/غزليات/غزل شماره ۳۹۳)
ولكن ما هو جواب حافظ على هذا الجانب التراجيدي؟ نحن نعلم أن حافظاً كان هو نفسه من أهل الكلام، وقد قرأ مواقف القاضي عضد الدين الإيجي جيداً. ويبدو أنه توصل إلى حد ما إلى نتيجة أن العقل البشري عاجز عن حل هذه المسائل الصعبة، وكأن لا جواب مقنعاً للعقل عن هذه الأسئلة.
حدیث از مطرب و می گو و راز دهر کمتر جو
که کس نگشود و نگشاید به حکمت این معما را (حافظ/غزليات/غزل شماره ۳)
سِرَّ ما وراءَ السِّتارِ مِنَ السُّكارى المُتَهَتِّكينَ سَلْ
فَلَيْسَ هذا الشَّأْنُ لِلزَّاهِدِ العالِي المَقامِ
لَنْ يَصْطادَ العَنْقاءَ أَحَدٌ فَاطْوِ شِباكَكَ
فَهُناكَ لا تَزالُ الرِّيحُ بِيَدِ الشِّباكِ (حافظ/غزليات/غزل شماره ۷)
وفي ردِّ الفعلِ إزاءَ أزمةِ انعدامِ المعنى الحتميَّةِ والعصيَّةِ على الحلِّ، يَكْتَسِبُ التَّلَذُّذُ الشَّادِي الجَمالِيُّ لِحافِظَ الشَّابِّ لَوْناً قاتِماً. يَتَحَوَّلُ التَّلَذُّذُ الحافِظِيُّ الشَّادِي إلى تَلَذُّذٍ خَيّامِيٍّ حَزين. مُنْذُ الآنَ فَصاعِداً، يَكونُ الشَّرابُ المُفْرِحُ والتَّلَذُّذُ رَدَّ فِعْلٍ على تَفَلُّتِ العالَمِ وزَوالِهِ؛ سَبيلاً لِنِسْيانِ آلامِ العالَمِ العَبَثِيَّة؛ طَريقاً لِلخَلاصِ مِنْ عِبْءِ الوُجودِ الثَّقيلِ الَّذي يُلْقي في قَلْبِ الإِنْسانِ مَخاوِفَ وقَلَقاً لا يُعَبَّرُ عَنْهُما.
اِغْتَنِمِ الوَقْتَ ما اسْتَطَعْتَ
فَحاصِلُ الحَياةِ، أَيُّها الرُّوحُ، هُوَ هَذا النَّفَسُ حَتّى تَعْلَمْ (حافظ/غزليات/غزل شماره ۴۷۳)
مِثْلَ الوَرْدِ والخَمْرِ لِلَحْظَةٍ مِنَ السِّتارِ اُخْرُجْ وادْخُلْ
فَلَنْ يَكونَ هُناكَ لِقاءٌ آخَرُ مَرَّةً أُخْرى (حافظ/غزليات/غزل شماره ۱۵۷)
اِغْتَنِمْ صُحْبَةَ الحَديثِ فَمِنْ مَحَطَّةِ الطَّريقَيْنِ هَذِهِ
عِنْدَما نَعْبُرُ لَنْ نَسْتَطيعَ أَنْ نَلْتَقِيَ ثانِيَةً (حافظ/غزليات/غزل شماره ۳۹۲)
أَيُّها السّاقي، لا تُلْقِ بَهْجَةَ اليَوْمِ إلى الغَدِ
أَوْ هاتِ لي مِنْ دَيوانِ القَضاءِ خَطَّ أَمانٍ (حافظ/غزليات/غزل شماره ۲۴۸)
أَيُّها القَلْبُ، إِنْ أَلْقَيْتَ بَهْجَةَ اليَوْمِ إلى الغَدِ
فَمَنْ سَيَكونُ ضامِناً لِرَأْسِ مالِ البَقاءِ النَّقْدِيِّ؟ (حافظ/غزليات/غزل شماره ۱۶۴)
قُمْ وَفي كاسَةِ الذَّهَبِ ماءَ الطَّرَبِ أَلْقِ
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَصيرَ كاسَةُ الرَّأْسِ مَلْقاةً في التُّرابِ
عاقِبَةُ مَنْزِلِنا وادي الصَّامِتينَ
أَمّا الآنَ فَأَلْقِ ضَجَّةً في قُبَّةِ الأَفْلاكِ (حافظ/غزليات/غزل شماره ۲۶۴)
غَمَّ الزَّمانِ الَّذي لا أَرى لَهُ نِهايَةً
لا أَرى دَواءَهُ سِوى الخَمْرِ كَالأُرْجُوانِ (حافظ/غزليات/غزل شماره ۳۵۸)
لَوْلا أَنَّ الخَمْرَ تَذْهَبُ بِغَمِّ القَلْبِ مِنْ ذاكِرَتِنا
لَأَزالَ هَوْلُ الحادِثَةِ بُنْيانَنا مِنْ مَكانِهِ
لَوْلا أَنَّ العَقْلَ يُلْقي مِرْساتَهُ في السُّكْرِ
فَكَيْفَ لِسَفينَةٍ أَنْ تَعْبُرَ هَذِهِ الدُّوّامَةَ البَلاءَ
أَنا طَبيبُ العِشْقِ، هاتِ الخَمْرَ فَهَذا المَعْجونُ
يَجْلِبُ الفَراغَ وَيَذْهَبُ بِفِكْرَةِ الخَطَأِ (حافظ/غزليات/غزل شماره ۱۲۹)
ومَرَّةً أُخْرى، يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَرَوْا انْعِكاسَ هَذا الشَّرابِ المُفْرِحِ الحَزينِ واغْتِنامِ اللَّحْظَةِ وشُرْبِ الخَمْرِ في أَفْكارِ الخَيّام:
قافِلَةُ العُمْرِ هَذِهِ عَجَباً تَمُرُّ
أَدْرِكْ لَحْظَةً تَمُرُّ مَعَ الطَّرَبِ
أَيُّها السّاقي، لِمَ تَأْكُلُ غَمَّ غَدِ الرِّفاقِ؟
قَدِّمِ الكَأْسَ فَاللَّيْلُ يَمُرُّ (الخيام/رباعيات/رباعي شماره ۶۶)
أَنا بِدونِ الخَمْرِ الصّافِيَةِ لا أَسْتَطيعُ العَيْشَ
بِدونِ الشَّرابِ لا أَسْتَطيعُ جَرَّ ثِقْلِ الجَسَدِ
أنا ذلك اللحظة التي يقول فيها الساقي
خذ كأسًا آخر، وأنا لا أستطيع (الخيام/الرباعيات/الرباعية رقم ۱۳۲)
أنتم تلاحظون أن اغتنام اللحظة والعيش الهانئ الحافظي والخيامي هنا ليس ناتجًا عن لا مبالاة مطلقًا، بل هو حصيلة إدراكهما العميق للطبيعة المحزنة للوجود في باطن هذا العالم. إنه رد فعل روح حساسة ورقيقة فقدت القدرة على تحمل عبء الوجود في مواجهة الآلام اللامعنى لها في العالم.
وهنا تحديدًا، أود أن أشير إلى فارق مهم بين حافظ ومولانا في هذا السياق. حافظ والخيام في جانب، ومولانا في الجانب الآخر. مولانا أيضًا من الحكماء الإيرانيين الذين يلتفتون إلى الطبيعة المحزنة للوجود في هذا العالم. لكن من منظوره، فإن مأساة هذا العالم لا تنبع من ضيق الوجود، بل من ضيق نظرة العالمين. أي أنه يعتقد أن أعيننا قد انحصرت في عالم الحس، ولا تستطيع رؤية الآفاق المتجاوزة لعالم الحس التي تحتضن عالمنا. وهذا الضيق في نظرة العالمين هو منبع مأساة هذا العالم، لا ضيق العالم وانحصاره في أسوار العدم. مولانا، مثل حافظ، عندما ينظر إلى العالم، يرى العالم في صورة جدول ماء. لكن الفارق في منظوره عن حافظ جدير بالاهتمام حقًا. أشرنا هنا إلى أن حافظ عندما ينظر إلى العالم، يصطاد العالم في لحظة زواله؛ في اللحظة التي ينضم فيها إلى العدم. قابلية العالم للزوال هي ما يستقر في عينه. لكن مولانا يصف التجربة ذاتها بطريقة أخرى ويقول:
العالم كجدول الماء يبدو راكدًا ولكن
يذهب ويجيء جديدًا جديدًا، هذا من أين يأتي؟
الجديد من أين يأتي؟ القديم أين يذهب؟
لولا أن وراء النظر عالمًا لا متناهيًا
يوم جديد ومساء جديد، بستان جديد وشرك جديد
في كل نفس فكر جديد، لذة جديدة وغناء جديد
ما علامة أن هناك عالمًا آخر؟
تجدد الأحوال وذهاب هذه الأشياء العتيقة (مولوي/ديوان شمس/الغزل رقم ۴۶۲)
عندما ينظر مولانا إلى هذا الجدول، يرى العالم في لحظة الولادة والتجدد، لا في لحظة الموت والزوال. الزوال من وجهة نظره هو في الواقع ذهاب من ظاهر العالم إلى باطنه، ليعود مرة أخرى من الباطن إلى الظاهر.
وأما الدور الثالث والأخير من حياة حافظ. الدور الثالث من حياة حافظ يبدأ تقريباً بموت الشاه شجاع، وينتهي في زمن حكم الشاه منصور آخر ملوك آل مظفر بموت الشاعر عن عمر يناهز السبعين عاماً تقريباً. هذا الدور لا يزال دور الاضطرابات التي لا تنتهي. كان تيمورلنك قد استولى على إقليم خراسان ونصّب الشاه يحيى حاكماً تابعاً له في شيراز. وجود الشاه يحيى كان بالطبع انفراجاً لحافظ. الشاه شجاع في أواخر عمره مرّ بفترة زهد متقشف أزعجت خاطر حافظ كثيراً، لكن الشاه يحيى كان رجلاً كريماً وكان يعرف قدر حافظ الشيرازي قليلاً أو كثيراً، لذلك وجد حافظ في عهد الشاه يحيى وخصوصاً الشاه التالي الذي هو منصور متنفساً. في هذا الدور كان حافظ قد ذاع صيته في إقليم فارس، وكان الآخرون في الأقاليم الأخرى يقدرون عذوبة كلامه. وإن كان الشاعر في شيراز نفسها يجد نفسه معسراً فقيراً. نعرف تقريباً أن حافظ في هذه الأيام يجد السكينة شيئاً فشيئاً ويعد نفسه للموت. في هذا النضج الأخير نرى تدريجياً علامات أكثر وضوحاً لنوع من التجارب الروحية والعرفانية في حياته. كان حافظ بلا شك على معرفة عميقة بالتراث العرفاني الإسلامي. أشعاره خير شاهد على هذه المعرفة. لكن التجارب الروحية الأصيلة والعميقة ربما لا تكون بوفرة كبيرة في أشعار حافظ. من الصعب أن نعتبر حافظ رجلاً عارفاً وصوفياً. على الأقل فإن أوائل كتّاب التذكرة لحافظ، بمن فيهم من كتب مقدمة لديوانه، لم يصفوا حافظ أبداً بالألقاب التي كانوا يطلقونها غالباً على الصوفية والعارفين. غالباً ما كانوا يصفونه بالرجل الشاعر أو العالم. في كلام حافظ نفسه توجد طعنات وتعريضات لاذعة تجاه الصوفية:
صوفي شهر بين كه چون لقمه شبهه ميخورد
پاردمش دراز باد آن حيوان خوش علف (حافظ/غزليات/غزل شماره ۲۹۶)
لكن النقطة المهمة التي أرغب في التأكيد عليها هنا هي علاقة حافظ بعالم الغيب وما يجري وراء ستار عالم الحس. هذا أمر يتطور تدريجياً لدى حافظ في سن الشيخوخة. في ظني أن علاقة حافظ بعالم الغيب تقع في مكان ما بين فكر الخيامي وفكر المولوي. في فكر الخيامي لا يوجد شيء وراء ستار عالم الحس. كل ما هو كائن هو ما يقع لحواسنا وفي متن هذا العالم، ولا وجود لعالم غيبي، والموت نهاية المطاف وعدم محض. بالطبع ليت حياتنا كانت تستمر وراء ستار الموت:
إي كاش كه جاي آرميدن بودي
يا اين ره دور را رسيدن بودي
كاش از بي صد هزار سال از دل خاك
چون سبزه اميد بر دميدن بودي (خيام/رباعيات/رباعي شماره ۱۶۳)
ولكن بتعبير الخيام ماذا يمكن أن يفعل المرء وهذا الأمل واهم:
زان بيش كه بر سرت شبيخون آرند
فرماي كه تا باده گلگون آرند
تو زر نئي إي غافل نادان كه ترا
در خاك نهند و باز بيرون آرند (خيام/رباعيات/رباعي شماره ۸۰)
من وجهة نظر الخيام الدنيا في قلب صحراء العدم. أما في فكر مولانا فإن حقيقة الوجود كامنة في الواقع وراء ستار عالم الحس.
عالم الغيب أصل وأساس عالم الشهادة. ما يبدو لحواسنا أنه موجود ليس بموجود في الواقع، هذه بتعبير المولوي هي "نيستهاي هستنما" (أعدام تبدو وجوداً). وما يبدو لحواسنا أنه غير موجود فهو موجود في الواقع، وبتعبيره هي "هستهاي نيستنما" (موجودات تبدو عدماً). وهذا هو السبب في أن زوال العالم وقابلية الإنسان للموت ليست مدعاة للقلق عند مولانا. وجوده ليس في صحراء العدم. من وجهة نظره حياتنا في هذه الدنيا مثل قفص مختبئ في وسط بستان صافٍ ونضر. أنتم واقعون في الأسر داخل هذا القفص ولكن من بين قضبان القفص ترون فسحة البستان المحيط وحلقة أصحابكم وأصدقائكم في هذا البستان الجميل. صورته صورة مختلفة تماماً. يقول مولانا في المثنوي:
مرگ شيرين گشت و نقلم زين سرا
چون قفس هشتن پریدن مرغ را
آن قفس که هست عین باغ در
مرغ میبیند گلستان و شجر
جوق مرغان از برون گرد قفس
خوش همیخوانند ز آزادی قصص
مرغ را اندر قفس زان سبزهزار
نه خورش ماندست و نه صبر و قرار (مولوی/مثنوی معنوی/دفتر سوم/بخش ۱۹۲)
اصلاً عارفی که چنین تصویری دارد برای پریدن از قفس و پیوستن به یاران مشتاق و بی تاب است.
سر ز هر سوراخ بیرون میکند
تا بود کین بند از پا برکند
چون دل و جانش چنین بیرون بود
آن قفس را در گشایی چون بود (مولوی/مثنوی معنوی/دفتر سوم/بخش ۱۹۲)
اما حافظ همان طور که اشاره کردم در میانه این دو حد است.او بر خلاف خیام معتقد است که در پس پرده غیب خبری هست؛هر چند که بر خلاف مولانا معتقد است که آنچه در آن سوی پرده می گذرد چندان آشکار نیست و تردید هایی در این باره دارد:
راز درون پرده چه داند فلک خموش
ای مدعی نزاع تو با پرده دار چیست (حافظ/غزلیات/غزل شماره ۶۵)
کس ندانست که منزلگه معشوق کجاست
این قدر هست که بانگ جرسی میآید (حافظ/اشعار منتسب/شماره ۱۱)
حافظ می گوید حداکثر چیزی که ما می شنویم یک بانگ جرسی است که از دور دست می آید نه چیزی بیش از این. بنابراین تفاوت او با خیام این است که معتقد است در پس پرده غیب خبری هست اما بر خلاف مولانا نمی داند آن خبر چیست.با همه این احوال شما در اشعار خصوصاً دوره پختگی و کهن سالی حافظ نشانه هایی می بینید که گه گاه به او گوشه ای از پرده را برای او کنار می زند و او چیزی را در ورای پرده می بیند.این مشاهدات چندان بوده است که ایمان او را به غیب محفوظ بدارد اما ظاهراً چندان پایدار و ماندگار نبوده است که او را از نگاه سوزناکش به هستی و واکنش لذت گرایانه نسبت به جهان یک سره جدا بکند.
دوش دیدم که ملایک در میخانه زدند
گل آدم بسرشتند و به پیمانه زدند
ساکنان حرم ستر و عفاف ملکوت
با من راه نشین باده مستانه زدند
آسمان بار امانت نتوانست کشید
قرعه کار به نام من دیوانه زدند
جنگ هفتاد و دو ملت همه را عذر بنه
چون ندیدند حقیقت ره افسانه زدند (حافظ/غزلیات/غزل شماره ۱۸۴)
دوش وقت سحر از غصه نجاتم دادند
واندر آن ظلمت شب آب حیاتم دادند
بیخود از شعشعه پرتو ذاتم کردند
باده از جام تجلی صفاتم دادند
چه مبارک سحری بود و چه فرخنده شبی
آن شب قدر که این تازه براتم دادند
بعد از این روی من و آینه وصف جمال
که در آن جا خبر از جلوه ذاتم دادند
وإن نلتُ ما أريد وغمرني السرور فلا عجب
فقد كنتُ مستحقاً وهذه النعم بزكاتي أُعطيتُها
هاتفٌ في ذلك اليوم بشّرني بهذه الدولة
أن صبراً وثباتاً على ذاك الجور والجفاء أُعطيتُ
كل هذا الشهد والسكر الذي من كلامي يقطر
هو أجر صبرٍ من ذاك الغصن النضير أُعطيتُ
همة حافظ وأنفاس السحَرَة المتهجدين كانت
التي من قيد غم الأيام نجاةً أُعطيتُ (حافظ/الغزليات/الغزل رقم 183)
هذه تجربة حررته من غم الأيام. على أية حال، فإن السمات الفريدة لحافظ، والتي هي سمة رنديته، تكمن في أنه لا يستقر تماماً في أيٍ من هذه المراحل. كان قرار حافظ في قلقه؛ في إيمانه الشكاك؛ في ذوقه الجمالي والتزامه الصادق بحقيقة أحواله. هذه الرندية وهذا الصدق واستمرارية هذا الصدق هي ما حمله حافظ معه في الواقع منذ شبابه حتى شيخوخته.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الأدب
الأدب
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بدحال نبود در بهشت این آدم خوش سرشت اسامی را می دانست چه زیبایش یا که زشت جمال بوده است جلوه گر زشتی می بود چون نهشت در گیرودار با شیطان سرنوشتش خود نوشت