تتناول محاضرة آرش نراقي بعنوان «تجربة العدم عند مولانا والخيام» مفهوم العدم ومكانته في فكر وشعر اثنين من كبار الشعراء الإيرانيين، مولانا والخيام. وقد أُلقيت هذه المحاضرة في مؤتمر محبي الثقافة الإيرانية في شيكاغو عام ۱۳۹۷، ويتوفر ملفها المرئي والصوتي.

تجربة العدم عند مولانا والخيام
محاضرة آرش نراقي
مؤتمر محبي الثقافة الإيرانية في شيكاغو | الجمعة ۳۱ أغسطس ۲۰۱۸ | ۹ شهريور ۱۳۹۷
يرى آرش نراقي في هذه المحاضرة أن «تجربة العدم» هي إحدى المنابع المهمة للحكمة الروحية في الثقافة الإيرانية، ويوضح أن هذه التجربة تقود في فكر الخيام ومولانا إلى استجابتين مختلفتين. يصل الخيام، من خلال إدراكه لعدم استقرار العالم والموت واستعصاء الوجود على الكشف، إلى وعي مأساوي ويدعو الإنسان إلى اغتنام اللحظة؛ أما مولانا فيحوّل المواجهة نفسها مع الفناء إلى تجربة مولّدة، ويرى في تحطم الصور إمكانية للتحرر والحب والولادة من جديد. والنص الآتي هو النسخة المنقحة والموحّدة لهذه المحاضرة.
بداية الحديث
أحيي السيدات والسادة. يسعدني كثيرًا أن أكون قد حظيت مرة أخرى بفرصة المشاركة في هذا اللقاء الحميم والدافئ مع أبناء الوطن الإيراني. كما أتقدم بالشكر إلى القائمين على هذا البرنامج الرائع الذين أتاحوا لي فرصة هذا اللقاء. وموضوع حديثي، كما يعلم الأصدقاء إلى حد ما، هو «تجربة العدم في فكر حكيمين إيرانيين ناطقين بالفارسية، وهما الحكيم عمر الخيام وجلال الدين محمد البلخي».
مولانا والخيام شخصيتان بارزتان في الحكمة الإيرانية، ويمثلان صورتين مختلفتين من التأمل الإيراني في حياة الإنسان في هذا العالم. الحكمة ليست مساوية للمعرفة والعلم. ومنبع الحكمة هو التعلم من الحياة. ينبغي للإنسان أن يقطع عمرًا وأن يذوق في سياق الحياة حلو الأيام ومرّها، حتى تثمر في نهاية المطاف ثمار الحكمة على أغصان وجوده. فقد يتعلم الإنسان الذكي في شبابه كثيرًا من المعارف ويظهر موهبة لامعة، لكن امتلاك الحكمة يحتاج إلى مرور العمر. لا بد للإنسان أن يكون قد خَبِر بعض التجارب العميقة في الحياة: أن يكون قد فقد عزيزًا، وأن يكون قد ذاق الحزن والفرح، وأن يكون قد عرف طعم النجاح والإخفاق، وربما أصبح أبًا أو أمًا، حتى تنكشف له تدريجيًا الوجهة الأعمق للعالم.
ومن أهم منابع الحكمة، ولا سيما الحكمة الروحية، تجربة الجوانب الحزينة من الحياة. فمن ذاق المأساة في هذا العالم يلامس ما أسميه «تجربة العدم». لكن المأساة لا تنتج الحكمة بذاتها. فعندما تهب عاصفة الحزن والمصيبة على وجودنا، فإذا فقدنا أنفسنا وتركتنا الأمواج تغمرنا وتغرقنا، فلا تنشأ حكمة. الحكيم هو من حين تأتيه أمواج الحوادث لا يغرق فيها، بل يجلس على ظهر الموجة، ويرتفع معها، ويرى آفاقًا أبعد. هنا تنبثق الحكمة؛ فالثمرة الحلوة للحكمة تُقطف من قلب عواصف التجارب المريرة في الحياة.
ولهذا تصبح وجوه العدم، التي تشكل أساس المأساة والطابع الحزين للحياة، موضع تأمل لدى الحكماء. فمن خلال الاتصال المباشر والنفَس بالنفَس والوجه بالوجه مع هذه الجوانب، يكتسب الحكيم تدريجيًا فهمًا أعمق لطبيعة العالم الذي نعيش فيه، وكذلك لطبيعة الإنسان.
المجالات الثلاثة لتجربة العدم
ولكي نقرّب هذا المفهوم الكلي والمجرد إلى أذهاننا، يمكننا أن نميز تجليات تجربة العدم في ثلاثة مجالات. فالعدم عند الحكيم ليس مجرد مفهوم ذهني ومجرد؛ إن خيط العدم ممتزج بنسيج الوجود، والإنسان يختبر وجوهه المختلفة في الحياة المتجسدة والعالم المحيط به.
أولًا، يظهر العدم في بنية العالم؛ حيث ندرك عدم استقرار العالم وقابليته للفناء. وثانيًا، نواجه العدم في البنية الوجودية للإنسان نفسه، ولا سيما في تجربة الموت، سواء موت الذات أو موت الأحباء. وثالثًا، يتجلى العدم في مجال المعنى والغاية؛ حين نسأل: هل يكمن وراء أحداث العالم تصميم وغاية أم لا؟ يواجه الخيام ومولانا تجربة العدم في المجالات الثلاثة كلها، لكنهما يصلان من هذه المواجهة إلى إجابات مختلفة.
عدم استقرار العالم في نظر الخيام ومولانا
يدرك الحكيم بعد أن يذوق حلو الحياة ومرّها أن طبيعة هذا العالم قابلة للفناء. فلا شيء يبقى لنا في هذا العالم؛ لا الأفراح تدوم ولا الأحزان. وقد تجلى هذا الوعي الحكيم بوضوح في فكر الخيام. فأول ما يقع عليه نظره الثاقب هو البنية العابرة وغير الوفية للعالم:
يا ساقي، لقد أصبحت الأزهار والخضرة في غاية البهجة
فاعلم أن الأسبوع القادم سيصيران ترابًا
اشرب الخمر واقطف زهرة ما دمت تستطيع
فحين تنظر مرة أخرى تكون الزهرة قد صارت ترابًا والخضرة هشيمًا
ويتحدث الخيام أيضًا عن قِصر الفرصة وسرعة مرور البشر:
أولئك الذين كانوا قدماء وأولئك الذين هم جدد
كل واحد منهم سعى قليلًا وراء مراده
إن هذا العالم الوضيع لا يبقى لأحد
ذهبوا ونذهب ويأتي آخرون ويرحلون
وحين ينظر إلى أطلال السابقين، يجد أن مجدهم وقوتهم ضئيلان أمام تآكل الزمن:
ذلك القصر الذي كان جم في داخله يمسك بالكأس
أصبح موضعًا للغزلان والثعالب
بهرام الذي ظل يصطاد الحمر الوحشية طوال عمره
رأيت كيف اصطاد القبر بهرام
كما نرى وعي الفناء في أشعار مولانا أيضًا. فهو يصور الذين اتكأوا على العالم الزائل بصورة خيمة فقاعية بلا حبال ثابتة:
يا من وضعت ثقة راسخة
في النفس وفي منافق متملق
لقد بنيت قبة من فقاعات
إنها خيمة ضعيفة الحبال للغاية
الخداع كالبرق، وفي نوره
لا يستطيع السائرون رؤية الطريق
هذا العالم وأهله بلا حاصل
وكلاهما متحدان في عدم الوفاء
ابن الدنيا كالدنيا نفسها لا وفاء له
وإن أقبل عليك فذلك الإقبال فخ
إذن، فإن الوجه الأول لتجربة العدم هو الوعي بعدم وفاء العالم وفنائيته الأساسية. العالم بيت أقيمت قواعده على الريح؛ فلا أفراحه دائمة ولا آلامه خالدة. وهذه هي أول لمسة للعدم على وعي السالك والحكيم.
مولانا حكيم عارف وبطولي. فهو لا يرى أن العقل الحسابي كافٍ لكشف جميع أسرار العالم، بل يستدعي الشهود العاشق إلى الميدان. إن زوال العالم المادي ليس نهاية الحكاية عنده، بل هو انكسار للحجاب الذي يمكن أن يكشف عن الجمال الباطني للوجود.
لا ينبغي إلغاء هذين المنظورين ببساطة أو إذابتهما في أحدهما الآخر. فحيرة الخيام تجعلنا أكثر تواضعًا، ووجد مولانا يمنحنا القدرة على الصمود في مواجهة أمواج العبث والمعاناة. أحدهما يذكرنا بخطر الوهم والجمود، والآخر يذكرنا بخطر اليأس وانهيار المعنى.
أختم الحديث بغزل من ديوان شمس. ففي هذا الغزل، يقدم مولانا أوضح صورة للفرح الداخلي للعارف:
ليس للعارفين شمع ولا شاهد من خارج ذواتهم
لم يشربوا دم العنب، بل خمرهم أيضًا من دمائهم
يشرب الحزينون الخمر، ونحن أسعد من الخمر
اذهب يا ساقي إلى المحبوسين بالحزن، وامنحهم أفيونك
دمنا حرام على الحزن، ودم الحزن حلال لنا
كل حزن دار حولنا ذاب في دمه
لستُ موقوفًا على نفخة الصور كالأموات
ففي كل لحظة يمنحني العشق حياةً من سحره
الأدب
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الأدب
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بسیار بسیار عالی استاد بی نظیرید شما دست مریزاد دنیای ما رو تغییر دادید