اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
للفلسفة السينمائية جذور في فكر أفلاطون وأرسطو، وقد ازدهرت منذ ثمانينيات القرن العشرين. ناقش محمد ضيمران في الندوة علاقة الفلسفة بنظرية السينما، والنظرة الأدبية المبكرة إليها، والنقد العرقي والاستعماري للسينما.

إن النظر إلى حضور الفلسفة في السينما يمكن أن يكون مصدراً لأبحاث كثيرة في كلا المجالين. ونظراً لأهمية هذا التيار، تناول الدكتور محمد ضيمران في ندوة «المقاربات الفلسفية في السينما» التي عُقدت في شهر كتاب، مكانة الفلسفة في السينما بإيجاز. والمقال التالي هو حصيلة هذا التحليل.
حتى ما قبل ثمانينيات القرن العشرين، لم تكن المؤلفات المنشورة حول فلسفة السينما تتجاوز عدد أصابع اليد، ولكن منذ ذلك العقد فصاعداً، ظهر وجه من أوجه النهضة في هذا المجال. وهناك أسباب كثيرة تبرر هذا الحدث المبارك. ولكن يمكن القول إن انفجار المؤلفات والنشاطات السينمائية بشكل عام جعل من البحث الفلسفي في السينما ضرورة خاصة تدريجياً، ووضعه في مصاف فلسفة المسرح، وفلسفة الحركات الإيقاعية، وفلسفة الرسم. واليوم، تُدرّس فلسفة الفيلم في معظم المؤسسات التعليمية في العالم بوصفها تخصصاً مهماً يندرج تحت جماليات الفيلم، ونظرية الفيلم، ونقد الفيلم. وهنا ينبغي الإشارة إلى سمتين رئيستين في فلسفة الفيلم قبل الولوج في مباحثها الأكثر دقة وتفصيلاً؛ الأولى أن باحثي السينما الذين لا يُعتبرون فلاسفة محترفين قد أسهموا إسهاماً كبيراً في طرح المباحث الفلسفية. وهذا ما يميز فلسفة السينما عن سائر الفلسفات المضافة. لذا، عندما يُذكر فيلسوف السينما هنا، لا يُقصد به أهل الفلسفة فحسب، بل المقصود جميع من طرحوا مسائل وموضوعات فلسفية حول الفيلم والسينما. والثانية أن هناك وجهاً من المناسبة الوثيقة يحكم العلاقة بين فلسفة السينما ونظرية السينما. لذا فإن الفصل بين نظرية السينما وفلسفة السينما أمر بالغ الصعوبة، وقد لا يُسفر عن أي ثمرة ملموسة.
من البديهي أن فلسفة السينما يمكن أن تبدأ برسالة أرسطو الشهيرة، «فن الشعر». فقد سعى أرسطو في هذه الرسالة إلى تحليل الوجه السائد للفن في عصره، أي التراجيديا، من منظور فلسفي. وفي هذا الأثر القيم، شرح أنواع الفنون التمثيلية والشعرية، وتناول في تعريفه للتراجيديا الجوانب المختلفة لنوع العمل الأدبي. لذا فقد درس أنواع الأحداث من حيث أجزائها وحدودها، والمكانة الاجتماعية لشخصيات التمثيل (الشريفة والوضيع)، والصفات الأخلاقية للشخصيات (دراسة الزلات والأخطاء التراجيدية)، وبنية السرد (الانقلاب الدرامي أو التحول المفاجئ)، وتأثير العمل على المتلقي (التطهير بالرحمة والشفقة أو الخوف). ولا يزال المذهب الأرسطي يؤدي دوراً حاسماً في فلسفة الفن بشكل عام وفلسفة السينما بشكل خاص.
كما قسّم أفلاطون في الكتاب الثالث من «الجمهورية» الصور الفنية إلى ثلاث فئات: 1- المحاكاة المحضة للحوارات (في التراجيديا والكوميديا)، 2- السرد المباشر (الديثيرامب)، و3- المزيج بينهما (في الملحمة). وقد ميّز أرسطو أيضاً، متأثراً بأستاذه، بين وسيط تمثيل الموضوع المعروض وكيفية العرض والتجسيد. ويمكن القول إن فلسفة السينما ونظرية السينما أيضاً قد استمدتا أرضيتهما التاريخية من متن أفكار الفيلسوفين الإغريقيين القديمين، أفلاطون وأرسطو. ومن المثير للاهتمام أن يُقال إن هناك توازياً استثنائياً بين تمثيل الكهف عند أفلاطون وأنطولوجيا السينما. بمعنى أن كلاً من كهف أفلاطون والسينما يتعاملان مع وجه من النور الاصطناعي. ففي كهف أفلاطون، ينبعث نور من خلف الأسرى أو المشاهدين. وفي هذا الكهف، يُلقي النور الضعيف المذكور بضوئه على أشخاص يتحركون خارج الكهف، فينعكس صداه على جدار نهاية الكهف، مما يجعل الأسرى المذكورين يخلطون بين حقيقة وجود الأشخاص خارج الكهف وظلالهم على جدار الكهف. وفي عالم السينما أيضاً، يُسلط نور على الفيلم الذي هو نفسه ظل لأشخاص وفضاءات حقيقية، فيتسبب في انعكاس ظل له على الجدار. وفي كلتا الحالتين، أي في الكهف والسينما، يقع النور خلف الأسرى والمشاهدين، وتتعامل كلتا المجموعتين مع الظلال. ومن هنا، لا يمكن تجاهل دور أفلاطون وأرسطو في تبيين السينما الحديثة. ومن البديهي أن الفيلم والسينما اليوم، بوصفهما شكلاً فنياً بالغ الأهمية، يُلقيان على عاتق الفلسفة مسؤولية تفكيك ماهية هذه الظاهرة الفنية. واليوم، تضطلع مدارس وحركات شتى بمهمة تحليل السينما ونقدها وتفسيرها.
أغلب الكتابات الأولى عن الفيلم والسينما كتبها أدباء وكتّاب معروفون. ومنهم مكسيم غوركي الذي قال عام 1896 في معرض تعليقه على فيلم عُرض في روسيا: «كنت الليلة الماضية في مملكة الظلال، لا تعلمون كم كان ذلك مدهشًا. عالم بلا صوت ولا لون، كل شيء من الأرض والسماء إلى الأشجار والناس، والماء والهواء، كان ذا لون رمادي رتيب. ما رأيته كان خاليًا من الحياة. كل ما كان هناك يذكّر بظلال الحياة. ساد صمت عجيب كل مكان، لم يكن صوت العجلات أو الأقدام أو الحديث يُسمع». لقد اعتبر الكتّاب السينما أدبًا للأميين، وذكّروا بأن السينما تبشّر بالانسجام والتعاطف والتآلف، للمثقفين وغير المثقفين على حد سواء. السينما لا تعرف حدودًا، السينما تمزج الأقوام والأمم والأعراق. في مقال نُشر عام 1910 في عالم السينما، ورد أن الإنسان بدخوله صالة السينما، يشعر لبعض الوقت بأنه متحرر من قيود بيئته. وفي كتابة أخرى عام 1913، ورد أن اللغة ليست عائقًا على الإطلاق بالنسبة للغريب والأمي. يدرك الإنسان البائس والتعس أنه أيضًا يشترك مع الوجوه السينمائية في الفيلم في مصير مماثل. إنه يشهد الشجاعة والألم والمعاناة والطموحات الكبرى، ومن خلال ذلك يدرك تدريجيًا أعماق وجوده.
لكن في الوقت نفسه، يحتج السود من أصل أفريقي على العنصرية السائدة في فيلم «ولادة أمة» لـغريفيث. وفي سنوات 1920، تحتدم نقاشات ساخنة حول العنصرية في هوليوود، يقول فريدريك جيمسون: «تاريخ السينما ليس منفصلًا عن التاريخ بشكل عام. السينما تؤذي الإنسان بينما هي ملهمة أيضًا». يزعم البعض أن وجهًا قوميًا ونزعة تقديس الوطن نمت تدريجيًا في السينما، ووُظفت السينما كأداة في خدمة القوى العظمى، وبالتالي عكست تخيلات قومية وإثنية وعرقية. في أوائل القرن العشرين، أُنتجت معظم الأفلام في إنجلترا وفرنسا وأمريكا وألمانيا. وكانت هذه الدول الأربع هي القوى العالمية العظمى أيضًا. لقد أدرجت الأبحاث الحديثة، بما في ذلك المقاربات ما بعد البنيوية وما بعد الكولونيالية، هذه الجوانب من إنتاج الفيلم ضمن نقاشاتها وتحليلاتها. وبحسب الباحثين في دراسات ما بعد الكولونيالية، فإن السينما الغربية المهيمنة قد روَت حكاية عبيد التاريخ. في هذا النوع من الأفلام، شكلت موضوعات مثل مهمة ورسالة التحضير وتفوق العرق الأبيض الأوروبي، أهم المضامين السينمائية. في الحقيقة، أخفى الخطاب السينمائي المهيمن في هذه الفترة وجهًا أوروبي المركز وإثني المركز في أعماق حبكته. في هذه الفترة، انعكس التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا ونظائرها في حبكة أفلام متنوعة. تغير هذا الوضع تدريجيًا مع بداية الحرب العالمية الثانية، ومنذ سنوات 1930 فصاعدًا، استفحلت الفاشية في أوروبا، وخضعت الأفلام الرئيسية في إيطاليا وألمانيا لسيطرة الإيديولوجيات الرسمية، ووضع عدد من صانعي الأفلام فنهم في خدمة الأهداف الرسمية لدولهم. مع نهاية الحرب العالمية، شهدت هذه العملية تغيرًا كبيرًا.
ما شكّل المسألة الرئيسية للفلسفة حول السينما في بادئ الأمر، كان عبارة عن هذا السؤال: هل يمكن اعتبار السينما شكلًا فنيًا؟ في البداية، وبسبب طابع السينما الشعبي والجماهيري، لم تكن تُعتبر شكلًا فنيًا مقارنة بفنون مثل المسرح والرسم والأوبرا وسائر الفنون الجميلة. علاوة على ذلك، كانت السينما تستعير عناصر من الفنون الأخرى. كانت أغلب الأفلام الأولى تعكس في الغالب عرضًا مسرحيًا أو الحياة اليومية. لذلك، كان الكثيرون يعتبرون السينما نافذة على الفنون الأخرى. لكن تدريجيًا، قام بعض الباحثين والفلاسفة بدراسة وتحليل الأساس الأنطولوجي للسينما. في الحقبة الكلاسيكية للسينما، كان لثلاث شخصيات دور مهم في تدوين وطرح فلسفة السينما؛ «هوغو مونستربرغ»، و«رودولف آرنهايم»، و«أندريه بازان».
يدرس مونستربرغ السينما بوصفها وسيطاً خاصاً من منظور أنطولوجي. وهو أول فيلسوف يضع دراسةً أحاديةً عن الفيلم بعنوان شكل فني خاص، ميّزه فيها عن سائر الفنون البصرية ومنها المسرح والرسم والنحت، وادّعى أن عناصر كالمونتاج والاسترجاع واللقطة القريبة، بوصفها حيلاً تقنية، تميّز الفيلم السينمائي عن الفنون البصرية الأخرى. في نظر مونستربرغ، هذه العناصر البصرية والتقنية هي التي تضفي على السينما طابعاً متميزاً وتحوّلها إلى فن قائم بذاته. ويمكن عده في عداد أوائل الفلاسفة المعرفيين في حقل السينما. استفاد مونستربرغ من مقولات الفلسفة الكانطية الجديدة وعلم نفس الإدراك، وادعى أن السينما يمكن اعتبارها فن عرض الذاتية، لأن الفيلم يقلّد الأساليب التي يستخدمها الوعي الإنساني في تشكيل العالم الظاهري. وبرأيه، فإن اللعب الصوري، عبر التغلب على صور العالم الخارجي، أي الزمان والمكان والعلية، يروي قصة إنسانية، ومن ثم، عبر تعديل الأحداث وتنقيحها بالكيفية التي تحكمها صور عالمنا الذهني، أي في ضوء توظيف الذاكرة والتخيل والعواطف، يضع سرداً أمام المتلقي. ما كان مهماً عنده هو الصلة بين العمليات السينمائية والديناميات الذهنية. لذلك يمكن القول إنه أكد على العناصر النفسية والذهنية في إبداع الفن السينمائي. ويمكن اعتباره فيلسوف السينما الصامتة.
أصدر رودولف أرنهايم في ألمانيا كتاباً معروفاً باسم الفيلم، نُشر في العالم الناطق بالإنجليزية بعنوان «الفيلم بوصفه فناً». وكان، شأنه شأن مونستربرغ، من أنصار فلسفة كانط. وفي علم النفس، كان من مؤيدي مدرسة الغشتالت. لذلك درس الإدراك البصري، وأولى اهتماماً خاصاً لإدراك الحركة. وهو أيضاً، مثل مونستربرغ، أكد على الدور الرئيس للذهن والوعي الإنسانيين في تشكيل كل ظاهرة، ومنها الفيلم. وادعى أرنهايم أن السينما الناطقة ينبغي اعتبارها انحطاطاً عن ذروة السينما الصامتة. وكان أيضاً في عداد أولئك المفكرين الذين آمنوا بخصوصية وسيط السينما. ومما يذكر أن عدداً من المفكرين كانوا يستعينون بحقول فنية أخرى لوصف ماهية السينما. أما أرنهايم فكان يرى السينما فناً فريداً، وذكّر بأن السينما ينبغي اعتبارها فناً بالمعنى الدقيق للكلمة.
برأيه، لا ينبغي الخلط بين جماليات السينما وساحات الفن الأخرى. لقد اعتبر السينما الصامتة ذروة الفن السابع، وقال إن حذف جميع المدركات عدا حاسة البصر، واختزال العمق، وإسقاط الأشياء الجامدة ثلاثية الأبعاد على سطح مستوٍ، وغياب اللون، وعدم استمرارية الزمان والمكان، هي ما يميز السينما عن سائر الفنون. وفي نظره، ينبغي اعتبار الفيلم بداءةً ظاهرة ذهنية، وما يُعد خصائص معززة في الفنون الأخرى، يُعد غيابها في السينما من عناصر قوتها. لذلك لا ينبغي اعتبار النطق والكلام في السينما من عناصر قوتها. وفي الحقيقة، إن هذا النطق بالذات ينتقص من جمالها البصري. وبرأيه، فإن إضافة الصوت إلى الحركة في السينما تعقّم ترقي هذا الفن وتعاليه، لأن جمهور السينما، بمواجهتهم الفيلم الناطق، يألفون نوعاً من الواقعية المتصنعة. وفي الواقع، يفرغ النطقُ السينما من ماهيتها الأصلية، ألا وهي العنصر البصري، ويشوّه خاصيتها.
لم يكن «أندريه بازان» فيلسوفًا محترفًا، لكنه من خلال نشره لمقالات لا تزال ذات تأثير عميق على منظري الفيلم والسينما، تحدى نظريات آرنهايم. ففي نظره لا توجد ثنائية خاصة بين الفيلم الصامت والناطق، بل ينبغي إقامة هذه الثنائية بين الأفلام التي تؤكد على الصورة وتلك التي تعتمد على المونتاج. ورغم أن المونتاج كان يُعتبر السمة الأساسية للسينما لدى أمثال آيزنشتاين، إلا أن أندريه بازان عاد إلى عصر السينما الصامتة لإثبات حضور أساليب بديلة في طريق تحقيق فن السينما، وذكّر بأن كاميرا التصوير يجب أن تعرض الماهية الحقيقية للعالم، لأن الفيلم والسينما في نظره يتمتعان بخاصية واقعية، إذ ينبغي البحث عن جذورهما في التصوير الفوتوغرافي. وبرأيه، فإن مستقبل السينما كشكل فني يقوم على تكوين وتطور قدرتها على تقديم صورة مجمدة زمنيًا للعالم الخارجي. ولهذا السبب أكد على الواقعية باعتبارها النوع الرئيسي للسينما. وتحدث في هذا السياق عن تعبير «تحنيط الواقع». وباعتقاده، تسعى السينما دائمًا إلى استبدال العالم بشبيهه. تمتزج السينما بين التقليد الفوتوغرافي وإعادة إنتاج الزمن. وفي نظره، فإن صورة الأشياء والظواهر هي الصورة المحنطة لزمنها. وكما يقول، فإن الصورة الفوتوغرافية هي بذاتها شيء. شيء تحرر من شروط المكان والزمان الحاكمة عليه.
البنيوية تعبير يُستخدم لدراسة جميع الظواهر الموجودة في العالم البشري، بما في ذلك اللغة والأدب وعلاقات القرابة والفن والمجالات المتنوعة ومنها السينما. ينظر البنيويون إلى جميع العناصر والعوامل الملاحظة في منظومة من العلاقات. فردينان دو سوسير هو مؤسس هذه الحركة في مجال السيميولوجيا. بشكل عام، تتضمن الرواية البنيوية لأي ظاهرة فنية، ومنها السينما، هذه الموتيفات: 1- اكتشاف القوانين الثابتة وغير المتغيرة للأنشطة الذهنية على المستوى اللغوي والظواهر الثقافية الأخرى كالأسطورة ونظام القرابة وغيرها، 2- اكتشاف الأقطاب الثنائية مثل الدال والمدلول في تحليل الاستعارة والمجاز، 3- اكتشاف النظام الشكلي للشفرات التأويلية في البنية العميقة لموضوع البحث، 4- تركيب العاملين 1 و 3 بدقة أو بشكل عام.
في القرن العشرين، أكد عدد كبير من الفلاسفة، بمن فيهم فتغنشتاين وباختين وميرلوبونتي وهايدغر وبارت ودريدا، على أهمية اللغة في حياة الإنسان، لذا أسس البنيويون أيضًا أساس بحثهم على قاعدة اللغة. ولهذا السبب، طُرح في الفلسفة حديث عن المنعطف اللغوي أو الثورة اللغوية. وتكتسب هذه المسألة أهمية في مجال الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية على حد سواء. تحدى ليفي شتراوس مسألة المؤلف والمبدع. وفي مجال السينما، تعرضت نظرية المؤلف لانتقادات كثيرة. ومن الجدير بالذكر أن مخرج السينما كمؤلف طُرح لأول مرة من قبل تروفو. سعى تروفو، من خلال تطبيق مذهب المؤلف في السينما، إلى التشكيك في دور الأدب والأعمال الأدبية في حقل السينما. وفي رأيه، فقط الأفلام التي يخلق سيناريوها المخرج ويلعب دورًا محوريًا في إنتاجها، هي التي تستحق الوصف الفني. وهذه الأفلام وحدها يمكن اعتبارها عملًا فنيًا. واجهت هذه النظرية انتقادات كثيرة لأنها أغفلت دور العوامل الأخرى في الفيلم. أشار البنيويون في نطاق السينما إلى موت المؤلف، وكانوا هم في الواقع من مهدوا الطريق لانقلاب فكرة المؤلف. التأليفية متجذرة أساسًا في الوجودية وخصوصًا النزعة الإنسانية الفرنسية. استخدم أندريه بازان التعابير السارترية في مناقشاته السينمائية. أكد كل من سارتر وبازان على مركزية الذات وبشكل عام المؤلف. فتح البنيويون، وخصوصًا مفكرون مثل فوكو ورولان بارت، من خلال طرح موت المؤلف وبشكل عام أفول الذات الفلسفية، المجال لنهج سيميولوجي جديد في السينما والنقد السينمائي.
في الواقع يمكن القول إن البنيوية تسببت في انقلاب فكرة محورية المؤلف والتحول نحو اللغة والعلامات. وفي ميدان السينما أيضاً، أصبحت أعمال ليفي شتراوس حول الأسطورة أساساً لعمل المشتغلين بالسينما. فقد تخلوا عن الحديث عن عبقرية المخرج وإبداعه، واتخذوا الفيلم نفسه أساساً للتحليلات البنيوية. وانتشرت سيميائية الفيلم تدريجياً في الفضاء الثقافي الفرنسي، ومع الدراسات البينية لأشخاص مثل بارت وفوكو وغريماس وكريستيان ميتز، ظهرت تصورات لسانية جديدة. وفي ستينيات القرن العشرين، نشأ تخصص جديد في فرنسا يُدعى «لسانيات الفيلم». ويمكن اعتبار كريستيان ميتز مؤسس هذا التيار. من وجهة نظر كريستيان ميتز، السينما هي مؤسسة تضرب بجذورها في البنى الثقافية والاجتماعية، بما في ذلك البنية التحتية الاقتصادية ونظام الاستوديو والتكنولوجيا. وقد أطلق على هذه العناصر اسم الأحداث ما قبل السينمائية، ثم أشار إلى الأحداث ما بعد السينمائية، ومنها التوزيع والعرض وتأثير الفيلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وقد اعتبر الفيلم نفسه نصاً تتداخل فيه شبكة من الشفرات، وينشأ فيه نسيج خاص. الفيلم هو خطاب يتكون من دلالات لسانية. وقد ميّز بين الفيلم والسينما، وقال إنه يمكن قياس العلاقة بينهما بالعلاقة بين القصة والأدب. تتكون السينما من مجموعة الأفلام، ويمكن تشبيه الفيلم بـ Parole السوسيرية والسينما بـ Langue.
منذ سبعينيات القرن العشرين، تحدت حركة جديدة تُدعى ما بعد البنيوية مضامين البنيويين وأفكارهم المحورية. وكان القائمون على هذه الحركة هم فوكو وبارت ودريدا وكريستيفا. لقد سعوا إلى تحدي مركزية البنية. ويمكن القول إن الهدف الرئيسي والدافع الأساسي لما بعد البنيوية كان تفكيك البنى وتقويضها. وفي ميدان الفن، سعى ما بعد البنيويين إلى تحدي الاكتفاء الذاتي للعمل الفني. فهم لا يعتبرون العمل الفني موضوعاً، بل يعرفونه بأنه شيء يقع بين الموضوع والمتلقي. هذا الشيء أو الفضاء يتألف من معانٍ ودلالات لا متناهية لا يمكن تحديد منشئها وغايتها. في الواقع، تتحلل حدود العمل الفني وحدوديته في منظور ما بعد البنيوية في سياق التقويض. هنا يتحول العمل الفني إلى نص، وهذا النص يقع في شبكة من النصوص الأخرى ويتفاعل معها. وبتعبير آخر، يمكن اعتبار النص المذكور فضاءً بين النصوص. في منظور ما بعد البنيوية، يمنح المدلول الدالَّ اعتباره ورواجه. علاوة على ذلك، يرتكز نقد ما بعد البنيويين للبنيوية على دعامتين؛ الأولى أنه لا يمكن افتراض أي نظام قائم بذاته، أو بتعبيرهم بنية، والثانية أن الثنائيات والازدواجيات التي كان النظام البنيوي يضعها في الاعتبار لا يمكن تبريرها أصلاً. تحدى دريدا في كتابة قصيرة بعنوان «البنية والعلامة واللعب في العلوم الإنسانية» الأسس الميتافيزيقية القائمة من عصر أفلاطون حتى اليوم، وقال إن مفهوم البنية، وهو المقولة الأكثر محورية التي يستند إليها البنيويون، يتضمن وجهاً محورياً ومركزياً، وبشكل عام ينبع المحور والمركز من اعتبار الوجود بوصفه حضوراً، وأضاف أنه حتى عندما نتحدث عن وجودنا كمنظومة من الجسد والروح، فإننا نضطر إلى افتراضه متبلوراً في هوية موحدة تُعرف بـ الأنا أو ego أو الذات. هذه الهوية والماهية، بوصفها أساساً موحداً، تشرح أساس وبنية جميع الظواهر.
يقول دريدا إن الميتافيزيقا الغربية منذ عصر سقراط استخدمت تعابير متعددة في بحثها عن المبادئ والأسس والبنى المحورية، لكن ما يُضحى به في هذه الأطياف التقابلية والثنائية هو السخرية والكناية والاستعارة والمجاز والملاطفة. يعتبر دريدا الفكر الفلسفي الغربي مشحوناً بالتقابلات ويحللها تحت مصطلح المركزية اللوغوسية (Logocentrism)، ويقول إنه منذ عصر أفلاطون ساد وجه من الثنائية بين الكلام والكتابة، وكان للكلام فضل التقدم على الكتابة لأن الحضور في الكلام هو الأصل والغياب يسود في الكتابة. بمعنى أن الكتابة لطالما اعتُبرت نسخاً عن الكلام. يدّعي دريدا أن الحيلة التي تساعدنا على فهم وإدراك هذه العلاقة هي التفكيك (Deconstruction) أو التقويض. الأسلوب الرئيسي لدريدا في استخدام التقويض هو مفهوم الاختلاف (Différance) والتعليق والإرجاء. بمعنى أنه يضع التقابلات الميتافيزيقية في علاقة مغايرة. برأيه، يجب وضع كل مفهوم تقابلي في محك التعليق، ومن خلال ذلك نحرر أنفسنا من الأطياف التقابلية. يدّعي دريدا أن إحدى الآفات الرئيسية للنظرة المتمركزة حول الكلمة (Logocentric) هي قبول الافتراض المسبق القائم على تراتبية تقابلية مثل رجل/امرأة، غرب/شرق، أبيض/أسود ونظائرها في تصوير وتجسيد العلاقات الإنسانية. من البديهي أنه منذ بداية نمو وانتشار السينما، صممت هوليوود دائماً الموضوعات السينمائية على أساس هذه الأطياف التقابلية. أفلام مثل «ولادة أمة»، و«المُدَمِّر» (Terminator)، و«حرب النجوم» ونظائرها كلها أُنتجت على أساس المركزية اللوغوسية. والأهم من ذلك، أن مذهب دريدا المسمى بالمركزية القضيبية اللوغوسية (Phallogocentrism) قد تجسد بشكل موضوعي في أفلام هوليوود. جميع الأفلام التي أُنتجت في سبعينيات القرن العشرين عن حرب فيتنام كانت تجليات ورموزاً للمركزية القضيبية اللوغوسية. في هذه النوعية من الأفلام، تتخذ هزيمة أمريكا في ساحة الحرب شكلاً معكوساً في الفيلم، وتتحول هزيمة الواقع إلى انتصار افتراضي.
نشر الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز كتابين رئيسيين في مجال السينما متأثراً بنظرية التطور الخلاق لهنري برغسون. وفي هذين المجلدين لم يسعَ البتة إلى مناقشة نظرية الفيلم، بل حاول أن يدرس السينما من منظور فلسفي. يتناول أولاً وظيفة الفن من منظور فلسفي، ويدّعي أن ماهية الفن وأصله، شأنهما شأن الفلسفة، لا ينبغي أن تقتصر على تمثيل الواقع، بل إن الفنان الحقيقي، مثل الفيلسوف الحقيقي، هو من يسعى إلى خلق أعمال إبداعية. بمعنى أنه ينبغي له أن يؤجج حركة القوى الموجهة نحو الرغبة والميل. منذ عصر أفلاطون وحتى عصر هايدغر، لطالما اعتبرت الفلسفة والفن الحقيقةَ هاجسهما الأساسي. يرى دولوز، متبعاً نيتشه، أن العمل الفني يتعامل مع القوى الموجهة نحو الرغبة والميل، وأن علاقة الفن بالحقيقة، حتى لو أمكن افتراضها، ستكون ذات طابع ثانوي. وبتعبير آخر، يحرك العمل الفني القوى الواهبة للحياة والمثيرة للرغبة. وباعتبار ما، يطرح الفنان أساليب جديدة في الوجود ويمنح الحياة والإرادة المتجهة نحوها لوناً جديداً. سعى دولوز وفيليكس غتاري في كتابهما «ضد أوديب» إلى تحدي الركيزتين الأساسيتين في السيميولوجيا، أي فردينان دو سوسير وجاك لاكان. لقد نقدا سوسير من منظور الاستعارات المتمركزة حول اللغة، وادعيا أنه تجاهل قاموس الدينامية والحراك والطاقة والجهاز المتمركز حول الرغبة، أما نقدهما للاكان فكان من زاوية قصة عقدة أوديب التي ناقشها فرويد. في رأيهما، أن هذه العقيدة الفرويدية تُستخدم دوماً كأداة للقمع والكبت، وفي غياب الوصول إلى الأم، عززت الرأسمالية الأبوية. وبحسب دولوز وغتاري، فإن عقدة أوديب قمعت دوماً الرغبات متعددة المجالات وغير المنتظمة ومهدت الطريق لربحية النظام الأبوي، وعلى عكس لاكان الذي روّج لرواية الديستوبيا للذات الأوديبية، يشرح دولوز سياسة الرغبات متعددة المحاور المثالية ويذكر بأن الفصام لا ينبغي اعتباره وجهاً من أوجه الاضطراب النفسي، بل يجب اعتباره أداة لمقاومة الهيمنة الفكرية للبرجوازية. يسعى دولوز، مع تحطيمه للنظامين السوسيري واللاكاني، إلى استبدال نظرية هذين المفكرين بالنظرية المنطقية والسيميائية لتشارلز ساندرز بيرس. وبحسب دولوز، لا ينبغي اعتبار الفيلم لانغاً سوسيرياً أو لغة ميتة، بل يجب النظر إليه في إطار سيميائية بيرس. على الرغم من أن مناسبة السينما واللغة تُعد في نظره من أهم مسائل الفلسفة المعاصرة، إلا أنه لا ينبغي اختزال هذه المسألة إلى البحث عن شيفرات سوسيرية، لأن سيميائية سوسير تفرغ الفيلم والسينما من طاقتهما الأساسية وقوتهما الحيوية. بمعنى أن الطاقة الأساسية للسينما، أي الحركة، لطالما تم تجاهلها في هذا النظام من قبل سوسير وأتباعه. نظر دولوز، مقتدياً بهنري برغسون في السينما، إلى التصادم بين الإدراك والمادة في قالب الحركة. لقد نظر دولوز إلى المجموعة اللامتناهية من الصور بالتوازي مع الحركة المستدامة للمادة في عالم دائم التغير والتحول. في رأيه، الوجود والمادة ليسا ساكنين وثابتين. لا ينبغي اعتبار عالم السينما عالماً من الصور المجمدة، بل يجب معرفته كعالم من الصور في حالة صيرورة وتكون، على حد تعبير هرقليطس. ينبغي اعتبار الفيلم عملية وصيرورة متسارعة. في فيلم «المواطن كين»، نتعرض نحن كمتلقين لأمواج عاتية، ويفقد الزمن آليته وإجراءه الأساسي، ونواجه الزمانية كأزمة مستدامة.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفن
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
جالب بود. مقایسه تمثیل غار افلاطون با فیلم و سینما. سینما هم صنعت است و هم هنر. صنعتی است پولساز که صاحبان و تهیه کنندگان فیلم با هوشمندی می توانند قوه خیال و تخیل انسانها را تحتِ تصرف خودشان درآورند . سینما , آن صفحه جادویی است که براحتی جادوگری می کند. جادوگران با تصرف در خیال و نه عقل جادو می کنند. اگر سینما تنها( صنعت) باشد,, خیال و جادویی بیش نخواهد بود. جادویی که انسان را از خود بیگانه می سازد و آن خودِ دروغین را نمایش می دهد. اما اگر سینما هنر تلقی شود,, چه افقهای گسترده ایی به روی بشریت می گشاید. تمثیل غار افلاطون ,, هنرِ سینمایی افلاطون است. افلاطون فیلسوف هنرمندی است که در ذهنِ خودش با تمثیل ,,( امر نامتناهی) را در( امر متناهی) به گونه ایی نمایش می دهد. این هنرمندی هر هنرمند است که بتواند امرِ نامتناهی را در امر متناهی تعریف کند. از کل به جزء رفتن کار ساده ایی نیست؟ همانگونه که از جزء به کل رفتن مشکل است. در سینمای مستند که واقعیات موجود را به گونه ایی نمایش می دهد , دیگر تخیلات کمرنگ می شود و واقعیات آشکار می گردد. انسان با ساخت مستند , به خودش واقعیتِ خودش را نشان می دهد. مستند, آینه ایی است در مقابل انسان. برخی از فیلسوفان میگویند فلسفه میدانِ برهانآوری عقلی است، نه بازی با احساسات و به همین دلیل نباید فیلمها را وارد بحثهای فلسفی کرد؟ اما درواقع سینما اگر به فلسفه ورود کند به نوعی باعث رشد و ارتقای هنر نیز خواهد شد. آنجا هنر دچار بحرانِ عمیق می شود که دور از فلسفه قرار گیرد...