اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أنشطتنا ما هي إلا هروب من مواجهة ذواتنا وواقعنا؛ من الانتحار والهجرة والنزعة العتيقة والتعلق بالتصوف والطبيعة البكر. يحلل الأردبيلي ثمانية أنماط يفر بها المجتمع من نفسه، فتحول دون مواجهة الواقع.

نحن في هروب دائم. جزء كبير من أعمالنا وأنشطتنا يُنجز بهدف وحيد هو الهروب من مواجهة أنفسنا، ومن مواجهة وضعنا، ومن مواجهة عالمنا. طرق هروب المجتمع من مواجهة ذاته كثيرة جداً من الناحية الكمية. سنشير هنا، على سبيل المثال، إلى ثمانية منها. هذه الأنماط الثمانية، وهي «الانتحار»، و«الهجرة»، و«النزعة الأثرية»، و«التصوف المفرط»، و«الطبيعة النقية»، و«الجراحة التجميلية والتزيّن»، و«مشاهدة المسلسلات التلفزيونية والفضائية»، و«الشراء والاستهلاك المفرط»، كل منها يؤدي بطريقة ما إلى هروبنا (سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي) من أنفسنا، وفي معظم الأحيان إلى عدم مواجهتها.
أول نمط لعدم مواجهة الفرد لذاته هو الانتحار، أي الإزالة الفسيولوجية للفرد نفسه؛ في الانتحار - الذي للأسف يوجد منه اليوم تصور جمالي ورومانسي، بل إن البعض يصوره على أنه فضيلة - يواجه الفرد قصوراً لا يقوى على تحمله، فيحاول القيام بأسهل عمل ويزيل الذات التجريبية. إنه بهذا يترك ساحة اللعب متجهاً نحو «العدم»، ويزهد في نفسه وعالمه. ورغم أن الانتحار موضوع مهم يمكن النقاش حوله لساعات، إلا أننا سنمر عليه مروراً عابراً الآن، ونكتفي بذكر هذا الادعاء، لأننا أمام إزالة فيزيائية للذات وذهاب الذات نحو العدم، وقد تشكلت حوله نقاشات كثيرة، وهو أن الانتحار هو أقصى أنواع الهروب من مواجهة الوضع؛ هروب إلى جُب العدم.
الهجرة أيضاً هي ترك لساحة اللعب؛ لكن ليس نحو «العدم»، بل نحو ساحة لعب تبدو، على الأقل في ذهن الفرد الذي يهاجر، مرغوبة أكثر. يمكن دراسة هذه الظاهرة على مستويين: الرغبة في الهجرة، وفعل الهجرة نفسه. وبناءً على هذا التقسيم، هناك فئتان من الأشخاص: أولئك الذين هاجروا ورحلوا، وأولئك الذين لم يهاجروا ولكنهم صاغوا هذه المسألة لسنوات طويلة كفانتازيا في أذهانهم وعاشوا معها. لذلك نشهد في كثير من الأحيان أن الفرد لا يستطيع من جهة تحمل فضاء عيشه، ولا يريد من جهة أخرى مواجهة الوضع الجديد. ونتيجة لذلك، ينحت فكرة مثل «سأرحل يوماً ما» في ذهنه ليتحمل الفضاء غير المرغوب الموجود لسنوات، ويتنصل أساساً من معاناته. لكن في مقابل فكرة الهجرة الذهنية هذه، لدينا الهجرة العينية؛ أي أولئك الذين يتركون ساحة اللعب فعلاً وينقلون أجسادهم إلى مكان يبدو ظاهرياً أكثر إشراقاً. أهم الأسباب التي يصوغها هؤلاء الأشخاص في أذهانهم تتعلق بقضايا مثل المكانة الاجتماعية، والدخل، والقيود الاجتماعية والثقافية، والمستقبل الوظيفي، ومستقبل الأطفال بشكل عام. لكن النقطة هنا هي أن مكانة وطبقة معظم هؤلاء الاقتصادية تنخفض بوضوح عندما يهاجرون إلى بلد آخر، وفي أفضل الأحوال يُعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية. هؤلاء الأشخاص لا يعترفون بفشلهم بالطبع، وحتى عندما يعانون من التوترات الثقافية، لا يعتقدون أن مشكلاتهم لم تُحل فحسب، بل إنهم جلبوا معهم العامل الرئيسي لمشكلاتهم (أي أنفسهم). لذلك تستمر الصراعات المذكورة وتؤدي إلى أن يبعد الفرد نفسه عن ثقافة بلده الأصلي لدرجة أن ينسى أطفاله لغتهم الأم، أو يصاب بحنين جارف (وريائي في الغالب) إلى «وطنه» لدرجة أن نفس البشر والتجارب المؤذية التي هرب منها تتحول إلى ذكريات حلوة أو فانتازيا مثالية لديه. هذه المسألة تظهر من جهة أخرى في الصراعات الثقافية للمهاجرين، التي أصبحت اليوم إحدى أكبر مشكلات البلدان المتقدمة.
أحد ردود الفعل الشائعة لدى الناس في المجتمعات المتدهورة هو العودة إلى الماضي. فعلى سبيل المثال، نشهد أنه عند انهيار العصور الوسطى، وفي زمن النهضة والبعث، تصبح قراءة أشعار «هوميروس» رائجة فجأة، أو حتى يكثر الأفراد من قراءة «رسالة المأدبة» لأفلاطون. حينما يكون الفرد أو المجتمع في حالة إحباط، ولا يعود النموذج الفكري السائد قادراً على الهيمنة على الأذهان والإقناع العام، فإن أحد أول وأسهل طرق الهروب من مواجهة هذا المجتمع لوضعه هو العودة إلى الماضي. ومجتمعنا ليس بمنأى عن هذه الآفة. ففي إيران أيضاً، يلجأ الأفراد، إزاء فشل المشاريع المثالية والتجارب اللاحقة لها، إلى الماضي والعصور القديمة؛ وتحديداً العصور القديمة المجهولة التي يمكن أن يكون القسم الأعظم من معرفتنا بها مجرد أوهام. وهو بمثابة عشق للفراغ، على حد تعبير. إنه شبيه بالتنقية «الفرويدية»؛ حيث يوجه الفرد موضوع رغبته نحو أمر هو فراغ محض. فلا هو يُشبَع ولا هو يُكبت كلياً. وفجأة يتحول أشخاص مثل داريوش أو كورش إلى منقذ ديمقراطي مناصر للعدالة، وينشغل الفرد بمعاشقة ذهنية لعصر مثالي-خيالي لكي ينسى نفسه ووضعه الراهن. النمط الرابع؛ التصوفية أحد طرق الهروب الأخرى هذه هو التصوفية الرومانسية أو الصوفية. تشبه التصوفية من هذا الجانب النزعة العتيقة، وكلاهما يرتبطان بالتنقية الفرويدية. تظهر هذه المسألة في مجتمعنا على شكل صوفية أو حتى نماذج مستوردة من شرق آسيا وأمريكا الجنوبية؛ نوع من اللجوء إلى الذات الداخلية وبناء نظام دفاعي لتعويض ونسيان الأضرار التي لحقت به من الخارج. نموذج قد يُرى في مجتمعات أخرى على شكل رواقية ورومانسية متطرفة. ومن هنا، فإن هذا التقليد يغذي فضائل أخلاقية غريبة، ونوعاً من السلبية المطلقة والصبر أو القبول المحض للأمور، معتقداً أن «كل ما هو كائن خير ولا ينبغي السعي لتغيير هذا الوضع». المثير للاهتمام هنا أنه على مر التاريخ، كلما أصبح وضع مجتمع ما أكثر بؤساً وانحطاطاً، يزداد شيوع الهروب إلى داخل الذات والميل إلى الحدس المباشر للحقيقة وكراهية السياسة.
النموذج الخامس من طرق الهروب هو نمط الذهاب إلى أحضان الطبيعة النقية. هذا الميل واضح لدى الكثير من البشر المدنيين الذين يلجؤون إلى أحضان الطبيعة هرباً وعدم مواجهة لتوترات التمدن. الطبيعة بالنسبة لأغلبنا شكل من أشكال الجمال والهدوء والنقاء والصفاء، في مقابل الحياة المدنية التي تموج بالقذارة والازدحام والألم والمعاناة. بالطبع، هذه الطبيعة المثالية هي نفسها التي إذا غابت عنها علامات الحضارة كالماء والكهرباء والإنترنت وغيرها، يمكن أن تتحول إلى أكثر الأماكن انعداماً للأمان وإثارة للرعب. إذا تجاوزنا الدعايات المعاصرة التي تصور لنا، بفضل الأسواق الرأسمالية، طبيعة بكراً بكل الإمكانيات، وتخيلنا صورتنا وسط غابات «الأمازون» التي قد تهدد حياتنا في كل لحظة، حينها سندرك أن الطبيعة ليست آمنة وهادئة كما تبدو، ويمكن أن تكون بحد ذاتها كابوساً. لكن فيما يتعلق بموضوعنا، فإن أحد طرق الهروب من مواجهة وضعنا الراهن هو أن نهرب نحو الطبيعة. هذا في حين أن صورة الطبيعة التي لا يوجد فيها أي إنسان والتي نخطو فيها لأول مرة، هي صورة حالِمة جداً ومن صُنع أذهاننا. لقد دمر الإنسان الطبيعة، ونحن نذهب لإنقاذ الطبيعة نفسها. هذا في حين أن الطبيعة ليس لها ذات أصلاً حتى يمكن إنقاذها. ونتيجة لذلك، إذا كان هناك دفاع عن الطبيعة، فهو لكي لا ترتفع حرارة الأرض مثلاً فيغرق منزلي تحت الماء أو أموت أنا من العطش. في الواقع، كل هذه الجهود هي للحفاظ على «الأنا» وعلى النوع الحيواني الذي نسميه البشر. لكن من جهة أخرى، بقليل من التدقيق يمكن إدراك أن جوهر الطبيعة هو التدمير بالذات. فكرة الدفاع عن الطبيعة لها ثلاثة أهداف محددة: الأول: سعينا للحفاظ على ظروفنا المعيشية، الثاني: الحفاظ على وسائل التسلية التي أوجدناها لأنفسنا على هذا الكوكب (مثل حدائق الحيوان وبرامج مثل سر البقاء). الثالث، وربما الأهم، هو رغبتنا في إخفاء الوضع المأساوي للحياة نفسها والمجتمع الإنساني. لقد أظهرت التجربة أنه كلما تنامى العنف والقتل والفقر والجوع في مجتمعاتنا، تزداد أيضاً إيماءات الحفاظ على البيئة وحقوق الحيوان لإنقاذ هذا النوع الحيواني أو ذاك.
ولكن مثال آخر هو النزوع المفرط نحو تجميل الذات، وأبرز تجلٍّ ملموس له في مجتمعنا هو جراحة التجميل. يشعر الفرد بأنه يعاني مشكلة في حياته، وهو غير واعٍ بالجذور الحقيقية لهذه المشكلات، فيقوم بأبسط الأعمال سذاجة للعثور على جذور مشكلاته، ويقف أمام المرآة ليكتشف عيوبه. الذات المقصودة هنا هي ذات سطحية ومختزلة إلى الجسد البيولوجي. يشعر الفرد في هذا المقام أنه لو حُلَّت مشكلة ما في جسده، فستُحل جميع المشكلات المحيطة به. بينما، بحسب التجربة، تبقى هذه المشكلات قائمة بقوتها بعد إجراء العملية الجراحية. ومن مصاديق هذه المسألة أيضاً يمكن أن يكون الإفراط في التزيّن. وهنا أيضاً أُختزلُ أنا، الأنا، باستمرار إلى جسدي المادي. وفي هذا السياق، لا ينبغي طبعاً نسيان دور المؤسسات أو الشركات التي تنشط في هذا المجال. فهي، بهيمنة مافيا الإعلام والدعاية لديها، تلقّن الأذهان عملياً، وبشكل مسبق، تعريفاً للجمال هو ذاته خدماتها القابلة للعرض.
حياة الإنسان اليوم مثيرة للسأم بطبعه. ورغم أن منشأ هذا السأم، كما يقول فرويد، كامن في صميم الحضارة، إلا أن الإنسان يسعى إلى نسيانه بطريقة ما. وفي هذا الصدد، يهرع الإعلام، ولا سيما المسلسلات وصناعة السينما والترفيه، كي يسّلينا، على حد تعبير «روجر ووترز»، «حتى حدود الموت». يمكن للمسلسلات، عبر احتجاز ذهن الفرد طيلة أشهر، أن تضعه في أسرها، وتزيل ظاهرياً التوتر بين الرغبة والسأم، الإشباع والكبت، وتجعل الفرد، حتى بين أفراد أسرته، لا يواجه توتر الوضع وسأمه، بل يعيش، بوساطة مسلسل وتقمص ذهني لبطله، في مكان آخر، وبلد آخر، وأسرة أخرى، ووضع آخر.
عندما يرى الفرد أن إمكانياته المتاحة غير كافية لتلبية احتياجاته، يشعر بالحاجة إلى الشراء. المشكلة هي أن الفرد لديه نموذج معين للمنزل والسيارة والملابس، لكن هذا لا يكفيه ويريد المزيد، ويعتقد أنه بحصوله على هذا المزيد ستنحل مشكلته. حدث لنا جميعًا مرارًا أننا عندما نشتري سلعة ما، عادة ما نُسَر بها لبضعة أيام ونشعر بأن مشكلتنا قد حُلَّت. لكننا ندرك على المدى الطويل أن المشكلة لا تزال قائمة. نحن نشتري باستمرار لإزالة الملل الموجود، لكننا نشهد دائمًا بقاء الملل في مكانه. في الواقع، نحن نسعى من خلال الشراء المفرط في كل مرة إلى تعويض الملل الناجم عن فشل الشراء السابق، وتستمر هذه الحلقة المفرغة. يشير «أدورنو» في كتابه جدل التنوير إلى وجود وهمين كبيرين في هذه المرحلة؛ الأول هو التصور الخاطئ بأننا نشتري حقًا لتلبية احتياجاتنا. بقليل من التأمل يمكن إدراك أن احتياجاتنا السابقة لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمشترياتنا، بل إن احتياجاتنا تُعرَّف من قبل نفس الدوائر والشبكات المالية التي تتظاهر بأنها تلبي هذه الاحتياجات، وتقوم بدور المنقذ ببيع سلعة لنا. هنا أيضًا نواجه الحلقة المفرغة للإعلان، والشعور بالحاجة الزائفة، والشراء، والشعور بالإشباع الزائف، ثم الإعلان التالي والمشتريات اللاحقة. الوهم الثاني هو أننا نتوهم أن المنتج الجديد يختلف حقًا عن المنتج القديم. يقول أدورنو: «إن كون الاختلاف بين مجموعة منتجات مصنع ’كرايسلر‘ ومنتجات ’جنرال موتورز‘ هو في الأساس أمر وهمي، أمر واضح وبديهي لأي طفل يستمتع بهذا التنوع والاختلاف». اليوم، بات الأمر أكثر وضوحًا مما كان عليه في زمن أدورنو. فمثلًا، ما الفرق الحقيقي بين الإصدار الجديد من هاتف محمول والإصدار السابق؟ الفرق الوحيد بين هذه السلع يكمن في استعراض تنوعها. نحن نسعى وراء هذا التنوع في حد ذاته، لا لأنه لبى حاجة لدينا. الدوران في خضم سيولة المشتريات والاستهلاكات المفرطة، هو مثال آخر من أمثلة الهروب. لا شك أن الأمثلة الثمانية المذكورة أعلاه ليست الأمثلة الوحيدة للهروب من مواجهة الذات. يمكن تقديم قائمة طويلة بهذه السبل. لكن يبدو أن ذكر الأمثلة أعلاه بخشونتها يمكن أن يكون صفعة تنبيه لنا. المهم أن نتمكن نحن أنفسنا، في خضم السيولة المتواصلة للأمور التي تبدو مهمة وجادة، وفي وسط التدفق السريع لحياتنا، من التوقف للحظة وألا ننصاع بعدُ للسيولة الزائفة للأمور التي تبدو ضرورية، وأن ننظر إلى أنفسنا وإلى العالم ونسأل أنفسنا: إلى أين أنا ذاهب أساسًا، ولماذا أذهب، ومن حقًا يأخذني؟
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
ملال چیست؟
راهی بزن که آهی، بر ساز آن توان زد !!!؟ خود مرحوم فقید فروید هم فرق فارقی میان پالایش و مکانیزم های دفاعی گزارده بود. معنای پالایش، منطقی در خودش نهفته دارد که برخلاف مکانیزم های روانی، جنبه مرضی و بیماری ناهشیارانه ندارد، لذا فرار از خود محسوب نمی شود بلکه پرورش سایر استعدادهای خویشتن ست. اینگونه کلی گویی و شماره گذاری های غیرمنطقی، خودش ابطال ناپذیر بوده لذا فقط علی می ماند و حوضش.
چه ربطی به ابطال پذیری دارد؟ مگر گفته شده است که این مطالب علمی است و نویسنده هم پیرو فلسفه ی علم پوپر است که شما معیار ابطال پذیری به کار می برید. ------------------------------- برخی در ایران فکر می کنند معیار ابطال پذیری پوپر وحی مطلق است که هر چیزی را به آن ربط میدهند! این هم از بساط هایی است که در ایران داریم.