اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
رأى ويليام ويمسات ومونرو بيردزلي في مقالهما «المغالطة القصدية» أن استنباط نية المؤلف لفهم العمل الأدبي أمر مستحيل وغير ضروري؛ وتناقش هذه المقالة أدلتهما وانتقادات نويل كارول ودفاعه عن مقاربة متعددة المقولات في النقد الفني.

مغالطة المغالطة القصدية
(هل مات المؤلّف حقاً؟)[1]
كاوه بهبهاني
في أواخر العقد الرابع من القرن العشرين، أثارت مقالتان صاخبتان عاصفةً من الجدل في الأوساط الأدبية الأنغلوسكسونية. مقالة «المغالطة القصدية»[2] (1946) ومقالة «المغالطة التأثيرية»[3] (1949). كانت هاتان المقالتان ثمرة تعاون الناقد والمنظّر الأمريكي ويليام ويمسَت[4] مع فيلسوف الفن الأمريكي مونرو بيردزلي[5]. كان جوهر كلام المقالة الأولى (انسجاماً مع روح عصرها) هو أن اكتشاف قصد (أو نية) مؤلّف (أو مبدع) العمل الفني (وبشكل خاص العمل الأدبي) ليس ممكناً، وليس ضرورياً لفهم العمل الذي أبدعه. وبدلاً من ذلك، فإن المهم لتحليل عملٍ ما هو ذلك العمل نفسه فحسب، بذاته ولذاته. في هذه الكتابة، وبينما نستعرض أدلة ويمسَت وبيردزلي في المقالة قيد البحث، سنلقي نظرة على انتقادات أحد فلاسفة الفن التحليليين الأمريكيين البارزين المعاصرين، نويل كارول[6]، للبراهين المطروحة في «المغالطة القصدية». كما سنمر، خلال نقد كارول للمغالطة القصدية، على «المقاربة متعددة المقولات» في النقد الفني التي يدافع عنها كارول.
حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين، كانت حركة «النقد الجديد»[7] الحركةَ المهيمنة على النقد الأدبي في الولايات المتحدة. وهي حركة كان معظم روادها (باستثناء الإنجليزي ريتشاردز) من مواليد الولايات الأكثر جنوبية في أمريكا. كانوا هم أنفسهم من رأى أن المهمة الرئيسية للناقد هي القراءة الفاحصة المتعمقة للنص[8]، واعتبروا نص العمل ذا غاية قصوى ينبغي فحصها بشكل مستقل. النص في نظرهم له شريعته الخاصة، وهو يكفي ذاته لفهم ذاته. لكن ما معنى هذه «الاستقلالية»[9] للنص؟ يمكن توضيح الموضوع قليلاً بمثال. واجه منتخب الأرجنتين لكرة القدم منتخب إنجلترا في الدور ربع النهائي من كأس العالم 1986. بعد أربع سنوات بالضبط من انتهاء حرب الفوكلاند بين هذين البلدين. يسجل مارادونا «هدف القرن» وتصعد الأرجنتين، التي صارت فاتحة المصارعة في العصر الحديث، إلى الدور النهائي من كأس العالم. لكن افترض أنك طلبت من محلل كروي أن يحلل مباراة الأرجنتين وإنجلترا. ينبغي عليه أن يشرح لنا لماذا سحقت الأرجنتين سكان الجزيرة سحقاً باهراً؟ ينبغي أن نرى ما هي العناصر التي يستخدمها محللنا الافتراضي لتحليل هذه المباراة. افترض أنه يعتبر انهزام الأرجنتين أمام تدابير مارغريت تاتشر في حرب الفوكلاند سبباً رئيسياً لانتصار منتخب الأرجنتين، ويقول إن «انتصار الأرجنتينيين كان تعويضاً[10] عن هزيمة الفوكلاند». كانت تلك الهزيمة التاريخية كبيرة ومؤثرة لدرجة أنها منحت لاعبي الأرجنتين طاقة ودافعاً أكبر للفوز. لكن تصور محللاً آخر لا يحيل، لشرح هزيمة إنجلترا، إلى أي عامل «خارجي» سوى المستطيل الأخضر للملعب وما يقع فيه من أحداث. المحلل الثاني يعتبر المستطيل الأخضر للملعب أمراً مستقلاً بذاته[11] ومكتفياً بذاته[12]. بالنسبة له، لا أهمية لعقد اللاعبين المكبوتة، ولا للوضع المعيشي لشعبي البلدين، ولا لانتصاراتهم وهزائمهم، ولا لسائر العوامل الخارجية من هذا القبيل. المهم بالنسبة له هو أن دفاع الليبرو[13] لم يؤدِّ عمله بشكل صحيح، ولم يسد الفجوة بين حارس المرمى والمدافعين جيداً. أو أن الظهير الأيمن لأحد الفريقين لم تكن لديه اللياقة الكافية للكر والفر، أو أن حارس المرمى خمّن مسار الكرة بشكل خاطئ مراراً، وأمور من هذا القبيل. هذا هو بالضبط ما يفعله الناقد «الجديد» مع نص العمل الفني (مع قطعة شعرية مثلاً). نص العمل الفني بالنسبة له هو بمثابة المستطيل الأخضر للمحلل الثاني. إنه يحلل نص القصيدة ولا شأن له بنفسية مبدع القصيدة، أو وضعه المعيشي، أو مجتمعه، أو دافعه لكتابة النص، وأمور من هذا القبيل. يعتقد أنصار النقد الجديد أن سيرة المؤلف لا علاقة لها بالقيمة الفنية (و/أو تفسير) عمله.
لعل النقد الجديد كان رد فعل على هيمنة الوضعية حتى مطلع القرن العشرين. فالنجاحات الباهرة والمذهلة للعلوم التجريبية «لم تكن معجزة!»[14] بل كانت ثمرة لمنهجية فاعلة[15] تجلب للبشر حقيقة وضعية (positive) ملموسة قابلة للاختبار. ومع هذا الوضع، لماذا لا تقبل التخصصات الأخرى المنهجية العلمية؟ لماذا لا تُنبذ «خرافات» العصور الغابرة؟ لماذا لا يخضع الإنسان جميع معتقداته لمحك العلم والمنهج العلمي؟ إن الادعاء الذي يمكن إثباته أو دحضه بالرجوع إلى التجربة هو ادعاء ذو معنى يمكن السؤال عن صدقه وكذبه. وبهذا الحساب، تصبح الادعاءات الميتافيزيقية والمعتقدات اللاهوتية (وحتى الأحكام الأخلاقية والجمالية) بلا معنى، ولا يبقى للحديث عن صوابها وخطئها محل. ولكي ندرك ما إذا كان ادعاء ما ذا معنى أم لا، ينبغي لنا أن نوضح معناه جيدًا لنفهم هل يوجد له مؤيد أو مبطل تجريبي أم لا. فإذا لم يصب هذا الادعاء، في أيٍ من تقريراته، عالم الوقائع، فإنه يكون حينئذ ادعاءً بلا معنى أو مهملًا[16]. ولكي أوضح كلامي قليلًا، سأضرب مثلًا. «الأربعون عدد مقدس». هل هذا الادعاء صحيح؟ ينبغي أولًا أن نسأل: ما معنى هذا الكلام؟ أي ما معنى أن العدد أربعين مقدس؟ لنختبر عدة أجوبة افتراضية على هذا السؤال. لنفترض أن أحدهم قال إن المقصود بقدسية العدد أربعين هو أن الإنسان يبلغ في سن الأربعين رشدًا فكريًا، ولهذا السبب فإن الأربعين عدد مهم ومقدس. إذا كان هذا هو المقصود بقدسية العدد أربعين، فإن هذا الادعاء يكون ادعاءً ذا معنى، وهو مع ذلك خاطئ بوضوح. فالتجربة تدل على أنه ما أكثر الذين يبلغون النضج والرشد الفكري قبل سن الأربعين أو بعدها. أو ربما تقول إن المقصود من هذا الكلام هو أن متوسط الأفراد يبلغون الرشد الفكري في سن الأربعين. وهذا الكلام أيضًا ذو معنى ويمكن دحضه أو إثباته بالرجوع إلى التجربة. لكن قد يكون المقصود بقدسية العدد أربعين شيئًا آخر. ربما يقول قائل إن معنى قدسية العدد أربعين هو أن ثمة مجموعة من الأحداث ذات الأهمية الدينية أو الروحية ترتبط بشكل ما بالعدد أربعين: بُعث نبي المسلمين في سن الأربعين، أو صام المسيح النبي أربعين يومًا في البرية وصلى، وأحداث من هذا القبيل. لكن هذا الادعاء لا يزال غير واضح بالقدر الكافي. ينبغي أن نسأل: هل العدد أربعين مقدس لأن مجموعة من الأحداث الدينية والروحية المهمة ترتبط به بشكل ما (كأن تقع مثلًا في السنة الأربعين، أو الشهر الأربعين، أو اليوم الأربعين من واقعة ما) أم أن العكس هو الصحيح، أي لأن الأربعين عدد مقدس، فإن مجموعة من الأحداث الروحية والدينية المهمة تقيم صلة به. إذا كان العدد أربعين مقدسًا لارتباط أحداث دينية وروحية مهمة به، فإن ادعاء قدسية هذا العدد يكون ادعاءً كاذبًا بوضوح. فما أكثر الأحداث غير الروحية وغير الدينية التي ترتبط بالأربعين. فربما يقع زلزال ما بعد أربعين يومًا من ولادة قديس ما، وتفارق شخصية روحية الحياة بعد أربعين شهرًا من وفاة عزيز عليها، أو حالات من هذا القبيل لا يصعب إيجادها على الأرجح، وستدحض ادعاء قدسية العدد أربعين، ثم ما أكثر الأحداث الدينية والروحية المهمة التي ترتبط بأعداد أخرى غير الأربعين. فالمسيح مثلًا بُعث في سن الثلاثين، وما أكثر الحالات من هذا القبيل. لذا، فإن الارتباط بالعدد أربعين ليس شرطًا لازمًا للقدسية ولا شرطًا كافيًا لها. وبالرجوع إلى العالم الخارجي يمكن إظهار خطأ ادعاء كهذا. لكن من يعتقد بقدسية العدد أربعين قد يجيب بشكل آخر ويقول إن سبب قدسية الأربعين ليس هو ارتباط أحداث مهمة به، بل لأن الأربعين عدد مقدس، فإن مثل هذه الأحداث المهمة تقيم صلة به. في هذه الحالة، لا تعني قدسية الأربعين أن مجموعة من الأحداث المهمة ترتبط به. وهنا، إذا تعذر أن يُعطى لقدسية العدد أربعين معنى يمكن معه رفضه أو تأييده بالرجوع إلى عالم الوقائع، فإن الفلاسفة الوضعيين سيقولون إن هذا الادعاء مهمل أو بلا معنى، ولا محل لاتصافه بصفة الصادق أو الكاذب. (بتعبير بعض الفلاسفة، هذا الادعاء ليس حاملًا للصدق[17]؛ أي ليست له قابلية أن يكون صادقًا أو كاذبًا.)[18] وهذا ما يفعله الوضعيون مع أي ادعاء؛ أي أنهم يردون القضايا اللغوية إلى قضايا منطقية يكون لها تناظر مع وقائع العالم الواقع، وتكون قابلة للإثبات أو الدحض في ضوء هذا التناظر. والقضيةالتي لا يمكن إثباتها أو دحضها بواقعة أو وقائع تخرج عن دائرة القضايا ذات المعنى.
كانت إحدى طرق الإيضاح لدى الوضعيين هي تحديد الدلالات الضمنية[19] للمفاهيم، وفصلها عن الدلالات التطابقية[20] لتلك المفاهيم، بغية الحد من «انزلاقية» اللغة المتعارف عليها وتنقيتها. وهو عمل شبيه بما قمنا به في مثال قدسية العدد أربعين. لكن ميدان الفن (وبشكل خاص الشعر) هو ميدان جولان الدلالات الضمنية. فالشعر، أولاً وأساساً، ليس من المفترض أن يتحدث فحسب عن وقائع العالم الخارجي وبلغة واضحة وشفافة. الشعر ميدان المجاز، لا الحقيقة. وفي هذا السياق، فإن الوضعيين، الذين لا تربطهم عادة علاقة جيدة بالاستعارة والرمز والسخرية والغموض والإيهام وأمور كثيرة من هذا القبيل، يعتبرونها تنتمي إلى العصور المظلمة من تاريخ الفكر الإنساني وزمن هيمنة الدين والطقوس الخرافية[21]، أي الزمن الذي لم يكن فيه العالم، بتعبير عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، قد خضع بعد لعملية نزع السحر[22]. توصل الوضعية جبروت التفكير العلمي إلى أقصى حدوده. لقد كانت الفلسفة وعلم اللاهوت محتقرتين إلى درجة أنهما كانتا تسعيان باستمرار لربط نفسيهما بالمنهجية العلمية.[23] إن هيمنة الوضعية تعني ابتلاع الشعر في معدة المنهجية العلمية، وكان النقد الجديد عازماً على بناء حصن منيع حول الشعر من خلال تشييد بيت منفصل له[24]: فعالم الأثر هو ذاته شكل أو صيغة الأثر، وهو عالم كامل ومتعالٍ[25]. عالم لا تعتريه صبغة الزمان، ولا تنال منه العواصف والأنواء الاجتماعية-السياسية بأذى. كانت الشكلانية إرث فيلسوف التنوير الألماني إيمانويل كانط لأهل النقد الجديد، وكانت تتيح لهم المجال ليجعلوا من الأكوان المصغرة[26] للشعر مدعيةً للاستقلال والاستقلالية الذاتية.[27] أما الآن، وفي ضوء هذه الشكلانية الناشئة، فقد أصبح بالإمكان القول إن العلم، مهما كان عزيزاً، فإن عالمه والمنطق الحاكم عليه يختلفان عن عالم الشعر والمنطق الحاكم عليه.[28] والحق أن النقد الجديد كان اسماً مستعاراً للشكلانية.
لقد وُلد مقال «المغالطة القصدية» بدوافع كهذه وفي سياق كهذا، حاملاً في صلبه نطفة الرؤية النظيرة له في البنيوية الفرنسية، ألا وهي «موت المؤلف» لمنظر الأدب الفرنسي رولان بارت. كان ويمست وبيردزلي يقولان إنه من الخطأ، لتوضيح معنى قصيدة ما، الرجوع إلى المعلومات والمعطيات «الخارجة» عن نص القصيدة (مثلاً الأوضاع الثقافية لعصر الشاعر أو حال معاشه). على الناقد والمتلقي أن يرجع فقط إلى النص (إلى الكلمات المكتوبة على الورق)، والرجوع إلى العوامل خارج النص هو ارتكاب لمغالطة تُدعى المغالطة القصدية. إن من يرتكب المغالطة القصدية يخلط بين وقائع سيكولوجية عن مؤلف الأثر ووقائع عن الأثر الفني (الشعر). إن ارتكاب المغالطة القصدية يعني عدم فهم أن التفسير العلي للأثر (العلل السيكولوجية لخلق أثر ما، أو أي علة خارج النص) يختلف عن تأويله وتقييمه الفني. يمكن تسمية وجهة نظر ويمست وبيردزلي بمناهضة القصدية[29]:
«بخصوص العلاقة بين معنى الأثر الأدبي (المعنى الكامن في النص[30]) وقصد مؤلفه ونيته (المعنى الذي يقصده المؤلف[31]) يمكن طرح وجهتي نظر متعارضتين: القصدية[32] تعتبر المعنى الكامن في النص متطابقاً مع المعنى الذي يقصده المؤلف: معنى النص هو ذاته المعنى الذي كان في نية المؤلف. أما مناهضة القصدية فلا تقبل بأن المعنى الكامن في النص هو ذاته المعنى الذي يقصده المؤلف، وتعتقد أن المعنى الكامن في النص يتمتع باستقلالية ذاتية: المعنى الكامن في النص يستقر بشكل موضوعي داخل الأثر نفسه و«يتجسد في اللغة» وليس له، من الناحية المفهومية، أية علاقة بمراد الكاتب (في نظر مناهضي القصدية، إذا تطابق هذان المعنيان بالصدفة، فإن ذلك يُعد حدثاً غير ذي أهمية)».[33]
إن مناهضة ويمست وبيردزلي لقصدية التأليف يُراد لها أن تكون سداً في وجه النسبية[34] في النقد الأدبي. فعندما نلجأ، في قراءة الشعر وتقييمه، إلى معايير خارجية، أي معايير لا مكان لها في طبيعة النص نفسه، فإننا نُغيّب الشعر (أو متن الأثر) ذاته. فالشعر، بمعزل عن الشاعر والمتلقي والعالم الخارجي، له كيانه الصغير الخاص، ومهمة الناقد هي اكتشاف القوانين التي تحكم هذا العالم الداخلي. ومن وجهة نظرهما، فإن القصيدة حالما تُنشر لا تعود ملكاً للشاعر أو الناقد، بل تصبح ملكاً للجميع، وهذا يفتح الباب أمام نظرة ديمقراطية للأثر الأدبي، ومن هذه الناحية فإن عمل نقاد النقد الجديد يشبه عمل المصلحين البروتستانت في نضالهم ضد النخبوية في قراءة النصوص المقدسة. يقولان: «القصيدة ليست ملكاً للناقد ولا ملكاً للمؤلف. (فهي تنفصل عن المؤلف بمجرد أن تولد وتجوب العالم، دون أن يكون للمؤلف في الأساس القدرة على أن يقصد التحكم بها). القصيدة ملك للجميع.» (ويمست وبيردزلي، ص. 470)[35] وبهذه النظرة، يبدو الأمر وكأنهما يحدان من هيمنة واستبداد المؤلف ومنشئ النص، ويفسحان المجال للمتلقي ويمنحانه حرية أكبر في تفسير العمل الفني و/أو تقييمه فنياً.
دعونا نبدأ بمراجعة أقسام المقالة المختلفة. تتألف مقالة «المغالطة القصدية» من خمسة أقسام. يرد جوهر كلام المؤلفين في مستهل القسم الأول ذاته: «سنحتج بأن الوصول إلى تصميم المؤلف وتدبيره ونيته، بوصفها معيارًا للحكم على نجاح العمل الأدبي، ليس ممكنًا ولا مرغوبًا فيه...» (ويمست وبيردزلي، ص. 468). من الواضح أن المقصود بالنجاح ليس النجاح المالي أو النجاح في جذب الجمهور أو ما شابه ذلك، بل النجاح الجمالي. فالجماليات بهذا المعنى، في نظرهما، تمتلك فضاءً مستقلاً لا تدنّسه العوامل الخارجية، وهي ممارسة قائمة بذاتها لها مقاييسها ومعاييرها الخاصة للنجاح أو الفشل. يتمثل جوهر نقدهما لأساتذة الأكاديميا المعاصرين لهما في أنه من أجل إصدار حكم تقييمي جمالي على عمل ما، ينبغي وضع نية مؤلفه ودافعه بين قوسين، لكي يتسنى، بتعبيرهما، إفساح المجال لـ«نقد موضوعي (أو عيني)» للعمل. يكتبان: «إن تقييم العمل الفني هو شأن عام، وينبغي اختبار العمل بمعيار خارج عن المؤلف» (ويمست وبيردزلي، ص. 447). وبالطبع، من المناسب أن أشير، للمخاطبين الملمّين بالفينومينولوجيا، إلى أن القصد (أو النية) في منظور ويمست وبيردزلي لا يرتبط بمفهوم القصد (أو النية) في الفينومينولوجيا. ففي نظرهما، القصد يعني «التصميم والتدبير الذي يستقر في ذهن المؤلف. للقصد (أو النية) صلات واضحة بنظرة المؤلف إلى عمله، وبشعوره، وبما دفعه إلى الكتابة.» (ويمست وبيردزلي، ص. 470). تبدأ المقالة بخمسة مبادئ «تبدو بديهية» على حد قول المؤلفين، وإن كان شيئًا من الغموض يخيم على هذه المبادئ أحيانًا. يقرّان في المبدأ الأول بأهمية نية المؤلف في خلق عمل إبداعي، لكنهما يقولان إن مراد هذا الكلام ليس أن نية المؤلف ينبغي أن تكون معيار الحكم على العمل. لا ينبغي إقحام علة خلق القصيدة في نقدها. يطرح المبدأ الثاني معضلة بسيطة: إذا كانت القصيدة قد نجحت في التعبير عن نية المؤلف، فلا حاجة إذن إلى الرجوع إلى نيته، وسيكشف النص عن كل شيء بنفسه. أما إذا قصرت القصيدة في التعبير عن نية المؤلف، فعندئذ «لا تقدم القصيدة دليلاً وشاهدًا كافيين، ويتعين على الناقد أن يبحث عن شواهد خارج النص ذاته ليأتي بشاهد لصالح نية المؤلف لا أثر له في نص القصيدة.» (ويمست وبيردزلي، ص. 469)[36]. يقدم المؤلفان في المبدأ الثالث تعريفًا للشعر، وهو أن «الشعر يعني الإعجاز في الأسلوب الذي يُنقل في ضوئه معنى متداخل دفعة واحدة». (المرجع نفسه، ص. 469) ويواصلان قائلين: «سبب توفيق قصيدة ما هو أن كل أو معظم ما قيل أو ما تم التعبير عنه تلويحًا كان ذا صلة [بالعمل ككل]، وما لا صلة له به ينبغي طرحه جانبًا؛ مثل ’القطع المتكتلة في البودينغ‘ أو ’الأعطال‘ في الآلة» (المرجع نفسه، ص. 469). ومن هذا المنطلق، فإن «الحكم على القصيدة يشبه الحكم على البودينغ أو الآلة»، وهذا ما يجعل «الشعر يختلف عن الرسائل العملية. فالرسائل العملية لا تكون ناجحة إلا عندما نكون قد استنبطنا نية منشئها على نحو صحيح». (المرجع نفسه، ص. 469). إنهما يميزان بهذا المبدأ بين التخاطب الشاعري (الفضاء البويطيقي ذي البعد الجمالي) والتخاطب العملي (الفضاء البراكسيسي ذي البعد المعرفي). يفصل المبدأ الرابع شخصية المؤلف عن المعاني الشخصية التي يعبر عنها في عمله. «لا يمكن [...] أن تُنسب الأفكار والمواقف الكامنة في قصيدة إلى المؤلف بأي وجه من الوجوه، ما لم نقم باستنباط قائم على سيرته الذاتية.» (المرجع نفسه، ص. 470) يقول المبدأ الخامس إنه إذا قام المؤلف بتنقيح عمله، فمن الواضح أن قصده كان أن يكتب العمل المنقح، وأن نيته الأولى في العمل السابق لم تعد نيته في العمل الحالي. لعل مراد المؤلفين هو أنه لا معنى للقول إن النسخ الأولى من عمل المؤلف تُظهر نيته على نحو أفضل. وهنا يشيران في الهامش إلى نقطة لا يخلو ذكرها من لطف، إذ يكتبان: «إن الحديث عن ’الوسيلة‘ و’الغاية‘ في الشعر بدلاً من الحديث عن ’الجزء‘ و’الكل‘ هو قريب مباشر للمغالطة القصدية» (المرجع نفسه، ص. 487). والمقصود هو أنه لا يمكن القول إن كلمات القصيدة وسطورها هي أدوات لنقل نية مؤلفها. ينبغي تحليل عالم القصيدة من خلال صلة أجزاء النص بكليته.
في الجزء الثاني من المقال، يُرجع المؤلّفان نَسَبَ المغالطة القصدية إلى النظريات الأدبية الرومانسية ويقولان: «المغالطة القصدية هي مغالطة رومانسية.» إنهما يبحثان عن جذور المغالطة القصدية في مباحث الحكيم السوري لونجينوس حول الجليل[37] ويُحيلان إلى الشاعر الألماني غوته الذي كان يقول إنه لنقد الأثر يجب أن نُسأل عمّا كان المؤلّف يقصده. يتناولان مفهوم التعبير (أو الإكسبرسيون) وهو المفهوم المفتاحي في نظرية الفن الرومانسي، ويتّجهان إلى أحد أوائل من صاغ هذا المفهوم صياغةً فلسفية: الفيلسوف الإيطالي المثالي في القرن العشرين بينيديتّو كروتشه[38] (ويمست وبيردزلي، ص. 472). كان التعبير (أو الإكسبرسيون) مفهوماً حلّ محلّ المفهوم القديم «المحاكاة»[39] (أو على نحو أوسع «التمثيل»[40]) في نظريات الفن المحاكائية. النظريات التي استعانت بمفهوم التعبيرية لتفسير الأثر الفني كانت تعتقد أن الأثر الفني ليس تقليداً أو تمثيلاً لما هو موجود في العالم الخارجي، بل هو إسقاط أو تعبير عن عواطف الفنان وأحاسيسه.[41] من الواضح أن نظريةً تُفسّر الأثر الفني بالعالم الداخلي للفنان ينبغي أن تكون، من حيث المبدأ، نظريةً قصدية. وكما يقول فيلسوف الفن المعاصر سيباستيان غاردنر: «النظرية التعبيرية[42] تُعلن صراحةً تعلّقها بالقصدية، والشكلانية تتعلّق بمناهضة القصدية (أما النظرية المحاكائية فمتردّدة)»[43]
يتحدّث المؤلّفان في الجزء الثالث من المقال عن أن سيكولوجيا الأثر[44] تختلف عن علم النقد. (ويمست وبيردزلي، ص. 476) لا فرق إن كان كوليردج قد نظم قصيدته الشهيرة «قوبلاي خان» بعد تناول مخدّر ما («أنوداين»)، أو أن ممارسة «اليوغا» كانت منشأ نظم قصيدة ما. بالطبع، يقول المؤلّفان إنه قد يأتي يوم يمتزج فيه علم النقد التقييمي الموضوعي للأثر مع سيكولوجيا خلق الأثر الفني، وتتّحد فيه المصطلحات التي تصف قصد المؤلّف (مثل «الصدق، والعبقرية، والابتكار») مع المصطلحات التقييمية (مثل «الانسجام، والنضج، والرهافة»). لكنّ هذين العملين يختلفان اليوم اختلافاً شاسعاً (نفسه، ص. 476).
يُميّز ويمست وبيردزلي في الجزء الرابع من المقال بين نوعين من الأدلة والشواهد بشأن المعنى الكامن في الأثر الفني: «يوجد فرق بين الشواهد الداخلية[45] والشواهد الخارجية[46] فيما يخص معنى القصيدة» (نفسه، ص. 477). الشواهد الداخلية هي «أمور عمومية. تنكشف هذه المعاني بالرجوع إلى معنى القصيدة ونحوها، وكذلك المعرفة المتعارفة التي لدينا، والقواعد، والقواميس، وكل أنواع الأدب التي هي منبع القواميس، وبشكل عام بالرجوع إلى كل ما يُشكّل اللغة والثقافة» (نفسه، ص. 447). الشواهد الداخلية هي شواهد مؤسَّسة على النص، ولأن الجميع يستطيعون الوصول إلى نص الأثر فهي مُشاع، لكن الشواهد الخارجية «خصوصية وغريبة، وليست جزءاً من الأثر (بوصفه واقعاً لغوياً) وتحتوي على مكاشفات (من المجلات أو الرسائل أو المحاورات المُبلَّغ عنها مثلاً) حول كيف أو لماذا نظم الشاعر القصيدة . . .» (نفسه، 447-8). الشواهد الخارجية تُضلّل الناقد في أغلب الأحيان (وليس دائماً). المُتلقّي غريب عن أفكار الشاعر الخاصة ولا سبيل له إلى اكتشافها. لكن كل مُتلقٍّ يرى كلمات القصيدة وسطورها ويقرؤها. يضرب مؤلّفا المقال مثلاً. ناقد في النصف الأول من القرن العشرين اسمه تشارلز كوفين يريد أن يُنشئ صلة بين سطور من قصيدة لأحد آباء الرومانسية الإنجليزية، جون دون، وعلم الفلك في عصره، وأن يُظهر أن صور قصيدته متأثّرة بمعارفه في علم النجوم. ويمست وبيردزلي، مع إقرارهما بأن جون دون كان مطّلعاً على غاليليو وكبلر وكبار الفلكيين الآخرين، خلصا في النهاية إلى هذه النتيجة:
«معرفة اهتمام [جون] دون بالعلم الحديث قد تضيف طبقة أخرى من المعنى وتمنح هالة دلالية مغايرة للمقطع الشعري قيد النقاش، رغم أن قول هذا بحد ذاته يتعارض مع كلمات القصيدة. إن اعتبار محور استعارة القصيدة هو [تقابل] مركزية الأرض ونقيضها مركزية الشمس، يعني أننا قد عزلنا اللغة الإنجليزية وفضلنا الشواهد الخاصة [= معرفتنا بالفلك] على الشواهد العامة [= سطور قصيدة جون دون] (أي فضلنا الأمر خارج النص على الأمر داخل النص).» (المصدر نفسه، ص. 482).
يتناول ويمست وبيردزلي في القسم الأخير من المقالة (القسم الخامس) معضلة «التلميح الشعري»[47]. يستشهدان بإليوت كمثال، فأعماله مفعمة بالتلميحات، ولفهمها يلجأ البعض إلى أعمال عالم الأنثروبولوجيا الاسكتلندي في القرن التاسع عشر جيمس فريزر، أي «الغصن الذهبي» ودراما العصر الإليزابيثي. لكنهما يقولان: «إن الحكم الخاطئ على التلميح يمكن أن يوقعنا في مغالطة القصد». يكتبان: «التلميحات التي يستخدمها إليوت، بفضل قوتها الإغرائية، تؤدي وظيفتها إذا عرفناها، وتؤدي وظيفتها إلى حد كبير حتى لو لم نعرفها.» (المصدر نفسه، ص. 483). وكأن عدم معرفتنا بتلميحات القصيدة ليس بالأمر المهم! يذكران نقادًا يرون أن الرجوع إلى الهوامش التي ألحقها الشاعر نفسه بقصيدة «الأرض اليباب» لإليوت كافٍ لفهمها. وهنا يكتب ويمست وبيردزلي: «وكأن الأمر لا يختلف لو أن إليوت اختلق مصادره من عنده»، وهو ما فعله الروائي السير والتر سكوت. يعتقدان أن هذه الهوامش ينبغي اعتبارها جزءًا من القصيدة، لا علامات خارج نصية تدل على قصد المؤلف ونيته. (المصدر نفسه، ص. 484). يضرب ويمست وبيردزلي مثالًا آخر من شعر إليوت نفسه. يقول إليوت في سطر في أواخر قصيدته الشهيرة «أغنية حب ج. ألفرد بروفروك»: «سمعتُ غناء الحوريات لإحداهن الأخرى». يشبه السطر سطرًا من قصيدة لجون دون يقول فيه الشاعر: «لأتعلم سماع غناء الحوريات». سيثور في ذهن القارئ سؤال: «هل في قصيدة إليوت تلميح إلى قصيدة جون دون؟ هل كان إليوت يفكر في دون؟» يخلصان، بعد سوق أمثلة، إلى أن تشابهات من هذا القبيل بالنسبة لمنهج النقد الموضوعي (أو العيني) «عديمة الأهمية والأفضل ألا نضيع الوقت في التفكير فيها.» (المصدر نفسه، ص. 486). ويواصلان: «الإجابة عن سؤال من هذا النوع لا علاقة لها بقصيدة «بروفروك»، وليست بحثًا نقديًا.» (المصدر نفسه، ص. 487). بل إنهما يهاجمان إليوت قائلين: «إن كان هناك خطأ بارز في أعمال إليوت والشعراء المعاصرين له، فهو بالتحديد هذه التصاميم والتدابير المفرطة.» (ص. 485). هنا يخال المرء أن نظرية تجرؤ على المضي إلى حد استبعاد إليوت العظيم من زمرة الشعراء، تبدو نظرية مفرطة في الجرأة ومتطلبة أكثر مما ينبغي.
اسمحوا لي أن أوضح كلامهما بمثال محلي لا يخلو من شبه بمثال ويمست وبيردزلي نفسه. يقول حافظ:
ز اخترم نظری سعد در ره است که دوش/ میان ماه و رخ یار من مقابله بود. (غزل 215)
«مقابله» تعني المواجهة مع دلالة ضمنية على الضدية والمنافسة. وفي الوقت نفسه، المقابلة مصطلح في علم الفلك القديم. تعني المقابلة أن يقع كوكبان في مواجهة بعضهما تمامًا، وكان يُعتقد في الفلك القديم أن مقابلة القمر للكواكب الأخرى أمر سعد وميمون. يشير حافظ، إلى جانب إشارته لمنافسة وجه معشوقه لقرص القمر وتباريه معه، إلى أن هذه المقابلة السماوية حدث مبارك. لكن قبله، استخدم شاعر شيرازي آخر هو مصلح الدين سعدي مصطلح المقابلة أيضًا:
قمر مقابله با روی او نیارد کرد/ وگر کند همهکس عیب بر قمر گیرند (غزلیات، غزل 231).
لكن سعدي، كما هو واضح، يقول إن هذه المقابلة السماوية لن تحدث لأن القمر لا يجرؤ على أن ينتصب مواجهًا وجه محبوبه، وإن فعل فسيلومه الجميع لأنه نازل منافسًا أسمى منه قدرًا بكثير. لدى حافظ بيت بنفس المضمون لكنه خالٍ من المصطلحات الفلكية:
عارضت را به مثل ماه فلک نتوان گفت/ نسبت دوست به هر بیسروپا نتوان کرد. (غزل 136)
كما نعلم، عاش سعدي قبل حافظ. يمكن أن نتساءل: هل كان حافظ وسعدي يعرفان حقاً دلالة كلمة «مقابله» في علم التنجيم؟ هل البيت الأول المنقول عن حافظ متأثر من حيث الشكل (الصورة) ببيت سعدي، أم أن البيت الثاني المنقول عن حافظ متأثر به من حيث المضمون؟ يقول لنا ويمست وبيردزلي إن هذه الأسئلة لا علاقة لها البتة بالتقييم الفني لأبيات حافظ وسعدي، ولا بتفسير أبياتهما، وإن السؤال عنها عمل عبثي سيتجنبه الناقد الذي يعني بـ«النقد الموضوعي».
كانت هذه خلاصة لرؤية ويمست وبيردزلي في المقالة قيد البحث. في المنطق غير الصوري مغالطة معروفة تُدعى Ad hominem fallacy، وقد وضع لها البعض بتسامح مقابل «مغالطة الدافع والمدفوع»[48]. تريد هذه المغالطة أن تعلمنا أنه من الخطأ، عند فحص صحة ادعاء ما أو خطئه، أن نذهب إلى فحص شخصية قائله بدلاً من فحص الادعاء نفسه. كان برتراند راسل يحتج بأن في أسس نظرية المجموعات يكمن تناقض لا حل له. وكونه كان ملحداً ومدمناً للخمر، أو أنه كان يضع نصب عينيه زوجة ت. س. إليوت الذي نناقشه، لا صلة له بصحة أو خطأ ادعائه بشأن تناقض المجموعات. الفلسفة تدّعي إصدار قضايا كلية[49] وضرورية، وهي تختلف من هذه الناحية عن علم النفس المرتبط بالسمات العَرَضية[50] لشخصية الفرد. تريد المغالطة المسماة بالدافع والمدفوع ألا نأخذ بنية المتكلم ودافعه في فحص صحة دعاواه أو خطئها. تماماً كمغالطة القصد التي تريد ألا نأخذ بنية المتكلم ودافعه في الفحص الجمالي لنصه الفني (و/أو في تفسير كلامه). في كلا نوعي المغالطة، تكون نية المؤلف صندوقاً أسود، الرجوع إليه إن كان ممكناً فهو غير مرغوب فيه.[51]
لكن هل «مغالطة القصد» مغالطة حقاً؟ هل في استدلال من يرجع إلى نية المؤلف لتفسير النص أو تقييمه الفني خلل؟ تريد مغالطة القصد أن تقنعنا بأن النقود المبنية على سيرة المؤلف، مثلاً، توقعنا في الخطأ. ولكن ألا توقعنا مغالطة القصد نفسها في الخطأ؟ ومع أنه من المستبعد اليوم أن يتحدث أحد عن نص أدبي قائم بذاته، لم تدنسه التاريخ والثقافة ولا حتى شخصية المؤلف، فإن ميزة الشكلانية تكمن في أنها تكشف لنا أهمية الاهتمام بالعناصر الشكلية للنص. لكن هل يمكن ردّ جميع جوانب الأثر إلى العناصر الشكلية للنص؟ أليس من الضروري أبداً أن نرجع إلى عناصر خارج النص لفهم العناصر الشكلية داخله فهماً أفضل؟ هل هناك فصل دقيق بين الشواهد الخارج-نصية والشواهد الداخل-نصية؟ أليس بينهما أي تعامل، وهل بينهما جدار بثخانة سور الصين العظيم؟ من بين النقاد الجادين لرؤية ويمست وبيردزلي فيلسوف الفن الأمريكي المعاصر نويل كارول. سنلقي فيما يلي نظرة على انتقادات كارول لمغالطة القصد.
يتحدث كارول في كتابه «في النقد» عن نقد النقد (أو النقد الفوقي)[52]. إنه يريد تقديم نظرية فلسفية للفعل النقدي. عمله الرئيسي في هذا الأثر هو إحياء التقييم والتقويم[53] الفني في النقد، وإعلانه الوظيفة الأساسية للنقد والتنقيب. بالطبع، يقوم النقاد بأعمال أخرى أيضًا. وصف العمل الفني، وتصنيفه، وتفسيره، إلى غير ذلك. لكن العمل الرئيسي للناقد هو التقييم الفني الذي يتمثل في اكتشاف القيم الفنية للعمل (التقييم) وفي نهاية المطاف تقويمه الكلي. يقول، مستعيرًا مصطلحًا من اللغة اللاتينية، إن التقييم (أو التقويم) الفني هو primus inter pares، أي أنه الأول بين أقرانه. (في النقد، كارول، ص. 6).[54] في القرون الوسطى، كانوا يصفون الملك بهذه العبارة نفسها، وكانوا يعنون بذلك أن سلطة الملك في النظام الإقطاعي تفوق سلطة النبلاء وملاك الأراضي. يريد كارول أن يعيد للتقييم (أو التقويم) الفني عرشه المفقود، ويجعله ملكًا على أرض النقد الفني مرة أخرى. لكنه، لكي يتمكن من تحويل التقييم الفني إلى الرسالة الأساسية للنقد، عليه أن يعيد إضفاء الطابع الإنساني على النقد. إنه يعتقد أن التقييم (أو التقويم) في المقاربات النقدية المعاصرة قد حُصر في القيم الإيديولوجية والسياسية (على سبيل المثال، بناءً على أنواع التمييز الجنسي والعرقي ومفاهيم مثل المركزية اللوغوسية وأمور من هذا القبيل). في الواقع، يقدم النقد المعاصر، بدلًا من أن يكون نقدًا جماليًا للعمل، نظرياتٍ لتفسير العمل (نفسه، ص. 6). نظريات التفسير هذه «تؤكد على عمليات لا تقع بالكامل في دائرة قصد المؤلف ونيته (مثل اللاوعي، وقوى الإنتاج، وأداء اللغة نفسه و...).» (نفسه، ص. 6). يقول كارول إن هذا النوع من نظريات النقد (مثل النظريات البنيوية) هي نظريات ضد-إنسانية أو ما بعد إنسانية[55]. بمعنى أن المحورية فيها ليست لفاعلية الشخص. (نفسه، ص. 6). هنا تكمن ضرورة أن يكون إحياء نقدٍ رسالته الأساسية هي التقييم (أو التقويم) الفني، عبر أنسنة الفعل النقدي. ولهذا السبب، فهو يرى أن موضوع (أو متعلَّق) النقد هو مسعى الفنان في خلق عمله. على الناقد أن يفحص ما إذا كان الفنان قد حقق الإنجاز الذي كان يصبو إليه أم لا. أي على الناقد أن يفحص ما إذا كان الفنان قد أخفق أم نجح في بلوغ الأهداف التي كانت في ذهنه. من مقتضيات تقويم العمل الفني أن نعرف ما كان عليه قصد الفنان ونيته. التخمين بشأن القصد أو النية الفنية[56] هو أحد مداخلنا للولوج إلى عالم العمل. هذا يعني أن للفنان فاعلية[57] في خلق العمل. قبل النقد الفني، يجب تخمين نية الفنان وبناء فرضية حول ماهيتها، لأن معرفة قصد الفنان ونيته تكشف غايات عمله وأهدافه، وغايات العمل وأهدافه هي معيار جيد لتقييم (أو تقويم) ذلك العمل. إذا عرفنا أهداف الفنان، يمكننا، بتعبير كارول نفسه، أن نختبر «قيمة النجاح»[58] لعمله بناءً على مدى بلوغه الأهداف التي قصدها.
ينقضي جزء كبير من الكتاب في نقد كرول والرد على الإشكالات التي تعترض نظرية النقد بوصفه تقييمًا فنيًا، وتسعى أجزاء أخرى إلى إيضاح وظائف النقد. ولكن بما أن الرجوع إلى نية الفنان، في نظر كرول، من لوازم النقد الفني التقييمي، فإن المغالطة القصدية ستشكل له معضلة. وهو يشرح أهمية النية على هذا النحو: إننا نظهر أحيانًا ردود فعل لا إرادية، ومثال ذلك أن تصيبنا تشنجات عضلية أو ينقطع نفَسنا من دون أن نقصد ذلك. لكننا نُقدم أحيانًا على فعل عن إرادة، أي أننا نقصد نحن القيام بذلك الفعل. بعض أفعال الإنسان هي أفعال قائمة على القصد والنية (= أفعال قصدية)[59]. ومثال ذلك حين نمسك بالقلم ونشرع في كتابة رسالة إلى صديق. إن خلق العمل الفني، في نظر كرول، يندرج ضمن الأفعال القصدية للإنسان؛ أي أن الإنسان يقصد أن يخلق عملًا فنيًا. وهنا يكون فهم فعل الفنان رهنًا بفهم نيته. ينبغي أن تعرف ما قصد الفنان أن يفعله حتى تستطيع تقييم عمله. وعندما يتعلق الأمر بنقد العمل الفني، ينبغي أن تعرف، على الأقل، ما هي النية الفنية التي كانت تدور في خلد الفنان. ولتوضيح هذا الكلام، يضرب مثلًا ويذكر مخرجًا أمريكيًا اسمه إد وود[60] كان يصنع أفلام خيال علمي رديئة، وله فيلم اسمه الخطة 9 من الفضاء الخارجي. ومن عيوب هذا الفيلم، مثلًا، أن الأطباق الطائرة كانت معلقة بخيوط كان يمكن رؤيتها! لكن كرول يذكر اسم ناقد أشاد بفيلم وود، بحجة أن هذا الفيلم، في نظر الناقد المعني، قد عرض نوعًا من «الحداثة البدائية[61]». (نفسه، ص. 61). وكأنه بدلًا من العذاب من مشاهدة هذا الفيلم، يمكن وضعه إلى جانب أعمال بونويل والابتهاج بمشاهدته ما أمكن. ولكن من أين لنا أن نعرف أن وود لم يصنع هذا الفيلم بهذا القدر من الرداءة بسبب نقص الموارد المالية، أو أنه لم يفعل ذلك عن قلة ذوق وعدم كفاءة؟ كيف يمكن القول إنه أراد عمدًا أن يصطدم بالقواعد الراسخة لنوع الخيال العلمي؟ الجواب المباشر جدًا هو أنه ينبغي أن نعرف نية المخرج. إذا لم يقصد المخرج أصلًا كسر الأعراف الرسمية واتخاذ وجه طليعي (أو رائد)، فلا يمكن نسبة هذا العمل إليه. وخلاصة القول إن نية الفاعل مرتبطة بفهم فعله. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ينبغي أن ننتهك هذه القاعدة عندما يتعلق الأمر بالفعل الفني؟ ولكن وفقًا للمغالطة القصدية، فإن الرجوع إلى نية الفنان في عملية تقييم العمل الفني وتثمينه (وكذلك في عملية تفسيره) هو أمر في غير محله. وهنا يضطر كرول إلى خوض غمار الجدال مع ويمست وبيردزلي. وهو يقدم لهذا الغرض ثلاثة تقارير لأدلة ويمست وبيردزلي وينقد هذه التقارير الثلاثة. وفيما يلي سنتناول تقارير كرول للمغالطة القصدية ونستعرض رده على هذه البراهين.
يقدم كرول أولًا ثلاثة تقارير لاستدلالات ويمست وبيردزلي، ليخرج بعد ذلك هذه التقارير الثلاثة من الميدان.
البرهان الأول لويمست وبيردزلي لصالح المغالطة القصدية: برهان تعذر الوصول[62]
يسمي كرول البرهان الأول لويمست وبيردزلي برهان تعذر الوصول، ويصوغه على النحو التالي:
«الافتراض المسبق لهذا البرهان هو أن النيات منفصلة عن العمل الفني، ولا تصل إليها يد الناقد. ما هو أمامنا هو العمل نفسه، لا النيات التي تستقر في دماغ الفنان ولا سبيل لنا إليها. لا فرق إن كان الفنان حيًا أم ميتًا، لكن من الواضح أن هذا الكلام أصدق ما يكون في شأن الفنانين الموتى. [مثلًا] لا أحد يعرف ما كانت نية هوميروس، لأن هوميروس لم يسجلها في أي مكان [. . . ] هل يمكن الاطلاع على ما يدور في أذهان الآخرين؟ هذا الأمر ينطبق بشكل خاص على الفنانين، الذين هم كائنات عجيبة وغريبة.» (حول النقد، كرول ص. 68).
البرهان الثاني لويمست وبيردزلي لصالح المغالطة القصدية: برهان الدورية[63]
في نظر كارول «تقوم هذه الحجة أيضاً على الافتراض المسبق نفسه بأن الناقد لا يملك وصولاً مباشراً إلى نوايا الفنانين. لذا فهو مضطر للاعتماد كلياً على العمل نفسه لاستكشاف نية الفنان. وفي الخطوة التالية، نضطر إلى استنتاج أن العمل هو كما أراده الفنان.» (المصدر نفسه، ص. 69).
يضرب كارول مثالاً لتوضيح هذا القول: «إذا كان العمل مملاً، فيجب أن نستنتج أن نية الفنان كانت أن يكون العمل مملاً. في حين أننا إذا أردنا أن نختبر العمل بناءً على هدف الفنان (على الأقل كأحد معايير تقييمنا)، فعندئذ يجب أن نقول إن كون العمل مملاً يُعد نجاحاً، لأنه يحقق نية الفنان (وقد استنتجنا النية من العمل نفسه). بعبارة أخرى، إذا كان العمل الفني هو السبيل الوحيد لمعرفة نية الفنان، فلن تكون هناك مسافة كافية بين العمل ونية المؤلف. العمل الفلاني ممل، إذن قصد المؤلف أن يكون مملاً، إذن هذا العمل ناجح. لكن هذا الاستدلال دائري، وعلاوة على ذلك، فإن لازم هذا القول هو أنه لا يمكن أبداً القول إن عملاً فنياً ما فاشل، خصوصاً وفقاً لمعايير العمل نفسه.» (المصدر نفسه، ص. 69).
الحجة الثالثة لويمست وبيردزلي لصالح المغالطة القصدية: حجة الإنجاز[64]
يقول كارول إن هناك دائماً فجوة بين قصد الفنان ونيته والعمل الذي أبدعه. ويواصل قائلاً: «غالباً ما يكون لدى الفنانين أمنيات طموحة، لكن كم هي كثيرة المرات التي يفشلون فيها. يشهد العديد من الفنانين بأنهم لم يحققوا نواياهم بالكامل قط. هناك فجوة بين نية الفنان وإنجازه. عادة ما تكون الأعمال الفنية أدنى من توقعات مؤلفيها. في تقييم العمل الفني، يجب على الناقد أن ينظر إلى ما نجح الفنان في إنجازه فعلاً [= إنجاز الفنان]، لا إلى ما كان ينوي أو يتمنى فعله [= نيته].» (المصدر نفسه، ص. 70).
يعتقد نويل أن هذه الحجج الثلاث، المترابطة فيما بينها، قد أقنعت الكثيرين، لكنه لم يقتنع بأنها حاسمة ومتينة بالقدر الذي يتصوره أنصارها. وهو يفند كل واحدة من هذه الحجج الثلاث على حدة:
يعتقد كارول أن «الادعاء بأن النوايا الفنية يتعذر الوصول إليها هو مبالغة» (المصدر نفسه، ص. 71). إحدى هبات التطور للإنسان هي أن البشر يمتلكون القدرة على قراءة النوايا[65]. هذه القدرة بالطبع قابلة للخطأ[66]. كم من قراءات للنوايا كانت خاطئة. لكننا نحن البشر نستخدم هذه القدرة بكثرة في حياتنا اليومية. يكتب:
«يقف فلان في طابور الخبز، ويفهم الخباز أن نيته شراء الخبز. يطرق سكرتير الباب، ويستنتج المدير أنه أحضر شيئاً للتوقيع. يقف سائق خلفي لأني سأخلي موقف السيارة، وأنا أخمن أنه يريد إيقاف سيارته. نحن الناس نقرأ أذهان الآخرين ليل نهار، وكثير من تخميناتنا تصيب. نخطئ في أحيان كثيرة أيضاً، لكننا غالباً ما نخمن بشكل صحيح أكثر مما نخمن بشكل خاطئ. هذا من لوازم بقاء الحياة الإنسانية، وعندما يكون الأمر هكذا في الحياة العامة، فلماذا لا يكون هكذا في الفن؟» (المصدر نفسه، ص. 71).
سؤال او روشن است. به نظر میرسد که حق با کرول است. ما در زندگی روزانه نیتخوانی میکنیم و به نظر نمیرسد در مراودات هرروزه حکم به استحالۀ پی بردن به انگیزههای دیگران بدهیم. گاه این نیتخوانی بسیار سریع انجام میشود و غالباً شهودی است. با میزان خطای بسیار. گاه نیتخوانی با هزارجور سبکسنگین کردن و زیرورو کردن شواهد و قرائن انجام میگیرد که احتمال خطا را کم میکنند. چرا نیت هنری در میان نیتها تافتۀ جدا بافته باشد؟ برای مثال شعری را برای نقد به منتقد میدهند که از همه جایِ آن پیداست که شاعر قصد داشته قصیدهسرایی کند ولی چند جا وزن را باخته. چرا منتقد نباید گمان کند که نیت مؤلف قصیدهسرایی بوده است؟[67] چطوری وقتی یک نفر توی صف بانک زیادی تویِ نخِ پولهایمان باشد این فرضیه را میسازیم که نکند جیببری چیزی باشد. و این فرضیهها البته ابطالپذیرند. انسانها علاوه بر دیگران حتی در فهم فرایندهای شناختی خودشان هم همین کار را میکنند. یعنی میکوشند با فرضیهسازی به فرایندهای شناختی خود پی ببرند. امروزه روانشناسی شناختی از این دیدگاه دفاع میکند که ما انسانها دسترسی ممتاز و ویژهای به فرایندهای شناختی خود (مانند حل مسئله، داوریهای گوناگون و ارزشیابی و ارزشگذاری) نداریم و صرفاً به فراوردۀ چنین فرایندهایی دسترسی داریم، اما تلویحاً نظریهای در ذهن داریم که با کمک آن نظریه آنچه در ذهنمان گذشته است را تخمین میزنیم.[68]
اما اگر مؤلف دار فانی را وداع گفته باشد چه؟ بازهم میتوان از نیت او دم زد؟ نوئل پاسخ میدهد که بله. ما از کردارِ افراد دربارۀ نیتشان گمانهزنی میکنیم. او میگوید در میان علوم هم این کار رایج است. مگر کار «انسانشناسی زیستی[69] و باستانشناسی» جز این است که «نیتهایی به شخصیتهایی درگذشته نسبت دهند که این نیات هیچجا ثبت نشدهاند»؟ (همان ص.72) در نقد هنر چرا چنین نکنیم؟ چطور میشود با اثر هنری به نیتِ هنری هنرمند نقب زد؟ یکراه مهم آن این است که اثر را مقولهبندی کنیم. و یک کار مهم منتقد (البته نه به اهمیت ارزشیابی هنری) همین است که آثار را طبقهبندی کند و آنها را در بستر مناسب خودِشان جای دهد و بعد بر پایۀ همین طبقهبندی آنها را ارزشگذاری کند. منتقدان آثار را برحسب سبک و ژانر و جنبش و مواردی ازایندست مقولهبندی میکنند. در نگاه نوئل هر اثری به یک (یا چند) مقوله تعلّق دارد و هر مقوله شگردها و غایات و ارزشهای خاص خودش را دارد. کَرول دفاع مبسوطی دارد از اینکه چرا طبقهبندی ابژکتیو (یا عینی) آثار هنری هم کاری است ممکن و هم کاری است مطلوب و ارزشیابی و تفسیر اثر تاحدی در پرتویِ همین طبقهبندی ممکن میشود.[70] با طبقهبندی کردن آثار هنری به ملاکهای موضعی و مقوله-محور[71] برای ارزشگذاری و ارزشیابی آثار هنری دست پیدا خواهیم کرد و ازآنجاکه مقولهها و زیر-مقولههای هنری بسیارند، نمیتوان انتظار رسیدن به ملاکهای کلی و جهانگستری را داشت که با کمک آنها بتوان همۀ آثار هنری را ارزشگذاری کرد. ارزش هر اثر در دل یک یا چند مقوله تکون پیدا میکند. کَرول به این رویکرد خود میگوید رویکرد چند-مقولهای[72] برای نقد. منتقد برای ارزشگذاری و/یا تفسیر اثر هنری، آن را در مقوله یا مقولههایی جا میدهد و اثر را طبق متر و معیارهایی که مقولهاش اقتضا میکنند محک میزند. کَرول البته توضیح میدهد که نباید گمان کرد هر اثر فقط به یک تکمقوله تعلق دارد بلکه بسیاری از آثار ملتقای ژانرهای[73] گوناگوناند و به همین سبب ممکن از حیث نسبتشان با فلان مقوله باارزش و قوی و از حیث نسبتشان با مقولهای دیگر بیارزش و سُست باشند. او مثال میآورد که فیلم بیتلجوسِ کارگردان آمریکایی تیم برتُن آمیزهای است از ژانر وحشت و ژانر کمدی یا والدنِ هِنری دیوید ثورو هم کتابی است دربارۀ طبیعت و هم یک راهنمای خودآموز، نقد اجتماعی و تمرین معنوی است.[74]
أميل، متأسياً بنظرة الفيلسوف الاسكتلندي المعاصر ألسدر ماكنتاير، إلى صياغة نظرة نويل بطريقة أخرى. في منظور ماكنتاير، العقلانية البشرية والقيم الأخلاقية أمور محصورة في التقاليد البشرية. ففي هذه النظرة، لا نملك عقلانية واحدة، بل عقلانيات. تنمي تقاليد الفكر المختلفة عقلانياتها وأساليبها الخاصة في ممارسة التعقل. كان ماكنتاير يرى الأخلاق والقيم الأخلاقية أموراً مشبعة بالتقاليد، أموراً تُنمى في قلب تقليد أو عدة تقاليد[75]. الإنسان حيوان حامل لتقاليد وتقاليد فرعية عديدة، ربما أمكن وضع بعضها في تقليد أكبر. نحن لم نُولد «جخ اليوم من أمنا»، ولدينا ما يكفي من القصص والسرديات التي تحدد من نحن و«أين جغرافيتنا؟»[76] كما أن التخاطب بين البشر يجد معناه في ظل هذه السرديات ذاتها. باعتقادي، وباستعارة مفهوم التقليد، يمكن القول إن نويل يدافع عن نوع من التقييم الفني المحصور في التقليد[77][78]. أعتقد أن مقاربة نويل متعددة المقولات للنقد يمكن تقريرها على النحو التالي: كل أثر فني يقع ضمن تقليد (أو تقاليد) جمالية ويتكون فيها. لا يوجد جمال (أو قيمة جمالية) بمنأى عن التقاليد، ولكل تقليد مدارسه وأجناسه وأساليبه وتقنياته وحركاته ونصوصه المحورية[79] ... إلخ الخاصة به. لماذا؟ لأن الأعمال الفنية تريد التخاطب والتواصل مع جمهورها، والتقاليد هي التي تتيح مجال هذه المداولة. من وجهة نظر كارول، يمكن على الأقل نسبة قصد واحد إلى الفنانين، وهو أنهم يريدون تبادل شيء ما مع المتلقي، ومقتضى هذا التخاطب هو البقاء وفياً للعملية التي تفرضها المقولة الفنية أو التقليد الذي يقع فيه الأثر على المتلقي وأثره. وهو ما يمكن تسميته بشعرية الأثر. إن شعريات الأعمال الفنية تتقوم وتستديم في قلب التقاليد.[80] بطبيعة الحال، الرجوع إلى الأثر الفني ليس الدليل الوحيد الذي يوصلنا إلى قصد المؤلف. بل قد يكشف المؤلف نفسه أحياناً عن قصده ونيته. مثلاً، إذا قرأت على غلاف كتاب لشاعر معاصر «ديوان غزل»، يمكنك أن تفهم أن نيته كانت نظم الغزل، أو يخبرنا كارول أن «الروائيين حتى نهاية القرن التاسع عشر كانوا غالباً ما يضيفون مقدمة لكتابهم ويسردون فيها نيتهم». (نفسه، ص. 74). قد يعترض البعض بأن المؤلف قد يكذب في التعبير عن نيته. أو ربما لا يريد الكذب لكنه يخدع نفسه. بل يمكن القول بأقوى من هذا. ألم يقل محلل النفس الكبير في العالم الحديث سيغموند فرويد إن الأفعال الإنسانية تنطوي على دوافع قوية لا واعية، وإن النفس البشرية أشبه بجبل جليدي لا يشكل وعيها الذاتي سوى قمته البارزة؟ إذن، من أين لنا أن النوايا الفنية للفنانين (الذين يرون، على حد تعبير فرويد، «أحلام اليقظة»[81]) ليست لا واعية بعمق ومخفية عنهم؟ سيجيبك نويل: وهل الأمر في الحياة اليومية بخلاف ذلك؟ مركز ثقل كلام نويل يكمن هنا مجدداً في أن الفن ليس استثناءً منفصلاً. في الحياة اليومية أيضاً نخمن نوايا الآخرين حتى لو خشينا أن يكذبوا أو يخدعوا أنفسهم أو تسري في سلوكهم دوافع لا واعية. أليس يحدث في الحياة اليومية أن نقول فلان يسقط مشاعره، أو فلان «غاضب من مكان آخر» ويفرغ غضبه في غير محله (آلية الدفاع المعروفة بإزاحة موضوع الغضب أو العدوان[82]). بل إننا أحياناً نضبط أنفسنا، مثلاً، وقد بالغنا في حدث معين أو ما شابه ذلك. يجب التذكير بأن قراءة النوايا أمر قابل للخطأ بالطبع. فالأدلة التي تقود إلى النية هي، بتعبير الفلاسفة، أدلة «للوهلة الأولى»[83]. أي أننا إذا وجدنا شواهد ووثائق أخرى أقوى من ذلك الدليل وتنقضه، فسنعترف فوراً بخطأ قراءتنا للنية. لكننا ما دمنا لا نملك دليلاً يدحض دليلنا، والشواهد الأخرى تؤيده، فسنثق به. مثلاً، نعتبر أنين شخص ما شاهداً على نيته في التعبير عن غصصه وآلامه، لكننا بعد مدة سنكتشف أن لديه عادة الأنين المتكرر (آلية الدفاع المسماة بالتخريف أو اختلاق القصص[84]).
وفيما يخص الفنانين أيضًا، يمكن أن تتوفر لدينا أدلة قابلة للنقض للكشف عن القصد الفني للفنان، وأهمها هو العمل الفني نفسه. وبالطبع، فإن القصد الوحيد ذا الصلة بالنقد التقييمي هو القصد الفني للفنان.[85]غير أن نقد كارول متعدد المقولات يواجه اعتراضًا جديًا: إذ يرى البعض أن كل عمل فني هو عمل متفرد وفريد. وهي النظرة التي يسميها كارول «الوهم الرومانسي». فعلى الأقل، يدّعي كثير من الفنانين المحدثين، قليلًا أو كثيرًا، مثل هذه الدعوى. تنطوي الطليعية الكامنة في الفن الحديث على هذا الافتراض المسبق بأن مهمة الفنان هي أن يشق طريقًا هادمًا للتقاليد، وألا يعير التفاتة للقواعد والأساليب الراسخة في صلب التقاليد الجمالية، بل وأن ينقض أسلوبه الفني ذاته باستمرار. إن الديكورومات[86] أو الفضائل الفنية، في نظر الفنانين الطليعيين، قد صُنعت لكي تُحطم، وينبغي باستمرار توجيه الصفعة للذائقة العامة[87]. إن جوهر الفن هو الثورية، ولا مكان فيه للمحافظة والاعتدال. في هذا الوضع، نحن إزاء أعمال فنية مناهضة للأجناس الأدبية، ولا يمكن إدراجها في مقولة أو حركة أو مدرسة (أو بتعبير أعم، تقليد) بعينها. لقد تحدث كثير من مفكري ما بعد الحداثة عن محو هذه التصنيفات ودراسات الأجناس الأدبية ذاتها. وبالنظر إلى أن هذه الأعمال تبدو وكأنها لا تندرج في أي تقليد جمالي محدد، فهل يمكن تقييم مثل هذه الأعمال فنيًا وفق منهج متعدد المقولات؟
اسمحوا لي أن أقرر هذا الاعتراض بطريقة أخرى. إذا كان التقييم الفني أو القيم الجمالية أمورًا محصورة داخل التقاليد، فما هو إذن مصير الإبداع والابتكار الفني؟ كما هو واضح، فإن الطرافة والأصالة، في ضوء كونهما بديعتين، تبتعدان عن التقاليد الجمالية. فالأمر الجديد، بوصفه جديدًا وطريفًا، ليست له سابقة تاريخية حتى يكون قد نضج في تقليد ما ويمكن إدراجه في مقولات مسبوقة.[88] إن النقض البديع والخلاق للقواعد ليس أمرًا يمكن إنجازه بفضل قواعد موجودة مسبقًا. وبالطبع، فإن الفنون على الأرجح ليست إبداعًا محضًا في الغالب، بل مزيج من الصنعة والإبداع، ولكن كيف يمكن تصنيف الجانب البديع والمبتكر من الفن، وبالتالي تقييمه؟ أليس المنهج متعدد المقولات أو التقييم القائم على التقاليد منهجًا محافظًا إزاء الفن؟
جواب نويل بسيط ومباشر:
«أما بخصوص الأعمال التي لا يمكن إدراجها في أحد الأجناس المستقرة، فيمكن بناء مجموعات مرجعية[89] من أعمال مشابهة، ومن خلال المقارنة مع سائر أعضاء المجموعة المرجعية، يمكن استنباط أهداف العمل الفني قيد البحث وغاياته. لذا، فمن خلال وضع الأعمال في فئتها المناسبة، يمكن إدراك أهدافها. (تمامًا كما بنى النقاد الفرنسيون المجموعة المرجعية لأفلام النوار)» (نفس المصدر، ص. 28).
إن تقليد هدم التقاليد هو ذاته تقليد له قاعدة واحدة على الأقل، وهي أن من رسالات الفنان تخطي القواعد الراسخة والفرار من تصلب جميع الفضائل الفنية. إن قاعدة التملص المستمر والشامل من القواعد هي ذاتها قاعدة. ثم إن «قسمًا عظيمًا من هذا الفن الطليعي ذاته قد انتظم في إطار حركات. حركات مثل التكعيبية، والمستقبلية، وفن البوب، والتقليلية، وما بعد الحداثة، إلى غير ذلك». (نفس المصدر، ص. 95)
يُقر كارول بأنه قد تنشأ في أي لحظة مقولة فنية جديدة، كما أن بعض المقولات الفنية القائمة في تحول وتطور دائمين. لكن هذه المقولات الناشئة حديثًا لا تولد من العدم (ex nihilo). بل يمكن معرفة عمليات تحول المقولات وولادة المقولات الجديدة: تمازج الأجناس، وتزاوج المقولات بعضها ببعض، ونبذ أسلوب أو نمط سائد وإحلال أسلوب أو قيمة فنية مهمَلة محله، وأمثلة من هذا القبيل هي من جملة هذه العمليات. ومن خلال دراسة هذه العمليات، يمكن تتبع ظهور مقولة جديدة أو تحول المقولات ذات السوابق التاريخية. فالفن الطليعي أيضًا يخرج من صلب عمليات من هذا القبيل، وعادة ما يكون لدى الناقد المتمرس فهم إجمالي لهذا النوع من الأعمال الناشئة حديثًا (نفس المصدر، ص. 184 و 185).
وفي النهاية، يضيف أنه حتى لو ظهر – على سبيل الفرض (وهو فرض يقول هو نفسه إن احتماله ضئيل جدًا) – عمل لا يمكن إدراجه في أية مقولة، فإنه لا يزال بالإمكان استنباط أهدافه من خلال دراسة سياقه التاريخي-الاجتماعي. يقول: «إن الأعمال الفنية، شأنها شأن سائر المصنوعات البشرية، تُصنع لأسباب يمكن بلوغها من خلال دراسة سياق وظروف نشوء العمل، وبناءً على تلك الأسباب يمكن تقدير مدى نجاح العمل وفقًا لمعاييره الخاصة [أو مقولته]». (نفس المصدر، ص. 191).
لذا کرول نخستین صورتبندی از استدلال ویمست و بیردزلی به سود مغالطۀ قصدی را قانعکننده نمیداند.
برهان دوری به ما میگفت نیت مؤلف را صرفاً با رجوع به متن میتوان دریافت. نیت هنرمند جعبۀ سیاهی است که دسترسی مستقیم به آن نداریم. تنها سرِنخی که خبر از نیت مؤلف میدهد و در اختیار ماست خود متن است. درنتیجه راهی نیست جز اینکه بگوییم نیت مؤلف همان اثر اوست. برای پی بردن به نیت مؤلف باید به اثر او رجوع کرد و از طرفی اثر مؤلف همان نیت اوست و این یعنی دور. مؤید الف عبارت است از ب و مؤید ب عبارت است از الف. برای تشخیص نیتهای پساپشت اثر، از خود اثر استفاده میکنیم و بعد، باز از همان نیتها برای ارزشیابی اثر استفاده میکنیم و این محک زدن اثر با خودش یک ویروس فلسفی است که فیلسوفان به آن میگویند دور. برای مثال اثری را در نظر بگیرد که نیت پدیدآورندهاش موبهمو در آن اجرا شده باشد. روشن است که ما به ذهن مؤلف (مرده یا زنده) دسترسی نداریم ولی با رجوع به اثر میتوانیم به نیت هنری او پی ببریم. اما اگر به هر دلیل هنرمند نتوانسته باشد نیت خود را آنطور که میخواسته اجرا کند باز ما راهی به نیت او نداریم و تنها چیزی که پیش روی ماست اثر هنری است.
کرول معتقد است میتوان از این دور گریخت. «ما دسترسی مستقیم به نیت هنرمند نداریم. این درست. اما شواهد و قرائن غیرمستقیم بسیاری برای آن داریم. چراکه چنانکه پیشتر گفتیم آثار هنری به مقولهها[90] تعلّق دارند (مانند سبکها، جنبشها، سنتها و . . .) و اگر اثر را در مقولۀ مناسبِ خود بنشانیم میتوانیم راهی به نیت هنرمند پیدا کنیم.» (همان ص. 75). و تازه مانیفستهای هنری، نامههای هنرمند، یادداشتهای روزانه و مصاحبههای او همه و همه سرِنخی برای رسیدن به نیت هنری مؤلف به دست میدهند.[91] البته که مهمترین مرجع ما خود اثر است ولی اثر تنها مرجع نیست. اینجاست که انگار تفکیک سفتوسخت ویمست و بیردزلی میان شواهد درونمتنی / شواهد برونمتنی قدری سست خواهد شد. کرول نتیجه میگیرد:
«پس اولاً شواهد و قرائنی خارج از خود اثر هنری وجود دارند که راه به نیت هنرمند میبرند و دوم گاه اثر هنری بهتنهایی شواهد و قرائنی به دست میدهد که نشان میدهند هنرمند چه نیتی داشته و/یا در رسیدن به آن ناکام مانده است. این است که دور شکسته میشود و برهان دوری بودن ناکام میماند.» (همان ص. 76).
برهان دستاورد میگوید بهجای انگیزۀ هنرمند باید به انگیختۀ او توجه کرد. حتی اگر راهی برای پی بردن به نیت هنرمند داشته باشیم (که در نگاه ویمست و بیردزلی نداریم) اساساً چرا باید چنین کنیم؟ منتقد باید صرفاً به فراورده (= اثر هنری) بپردازد، یعنی به اینکه آیا نیت مؤلف بهدرستی «درآمده» یا نه.
کرول در جواب میگوید البته نیت و انگیزۀ هنرمند نیست که ارزشگذاری میشود. «مثلاً منتقد نمیگوید«وای! چه نیت خوبی!» بلکه منتقد به دستاورد هنرمند یا محصول عاملیتِ او میپردازد». (همان ص. 77). اما بحث این است که کنش هنری وقتی بهدرستی فهم میشود که نیت عامل آن را بدانیم. با دانستن نیت کنشگر میتوان بررسی کرد که آیا اثر او بر پایۀ معیارهای موردنظر خود او موفق بوده است یا نه. لذا نیت هنرمند بیشک به ارزشیابی اثرش مربوط است. او به مثال فیلم عملی- تخیلی اِد وود برمیگردد و مینویسد:
«عدول از رمزگانِ هالیوود نمیتواند دستاورد فیلم نقشۀ نُهم از فضای خارج باشد. چراکه اگر عدول از قاعده[92] را عملی بدانیم که نیتی پشت آن است [یعنی آن را یک کنشِ قصدی بدانیم] آنوقت وود نمیتوانسته چنین عملی انجام دهد چون او اصلاً اندازۀ این حرفها نیست. عملی که ورای امکانات شناختی فلانی باشد کارِ او نیست [...] همچنین اگر بدانید نیت وود این بوده که یک داستان علمی- تخیلی ارزشمند بسازد آنوقت دانستن این امر نیز به ارزشیابی کار او مربوط است.» (همان ص. 78).
صحيح أن موضوع النقد الفني هو إنجاز الفنان، أي العمل الفني نفسه، لكن ينبغي أن نعلم أن العمل هو مرآة تتجلى فيها فاعلية الفنان. بعبارة أخرى، تتجلى براعة الفنان في العمل الفني، وموضوع النقد هو هذا الإنجاز المتجلي للفنانين في نتاج عملهم (العمل الفني).
خلاصة القول إن الفهم الصحيح لإنجاز الفنان رهن بفهم نيته، فمثلاً لتقييم إنجاز فنان مبتدئ في الأسلوب التعبيري التجريدي، يجب أن تعرف أن نيته كانت أن يرسم لوحة، لا أن يلعب ويسكب اللون على القماش. وباختصار، يرفض كارول التقرير الثالث من برهان ويمست وبيردزلي أيضًا.[93]
.
.
[1] نُشرت هذه المقالة في المجلة الأدبية والفنية الشهرية هنگام، العدد الثالث، السنة الثالثة، اسفند 96، ص. 5 - 16، وقد قمت هنا بتحريرها مرة أخرى.
[2] The Intentional Fallacy
[3] The Affective Fallacy
[4] William K. Wimsatt
[5] Monroe Beardsley
[6] Noel Carroll
[7] New-Criticism
[8] القراءة الفاحصة (close reading) تعني فحص العلاقات المعقدة بين العناصر الشكلية (أو الفورمالية) للنص ومحتواه.
[9] autonomy
[10] يمكن، بل من الأفضل، أن يُفهم «التعويض» في العبارة أعلاه بمعناه التحليلي النفسي أيضًا. نوع من آليات الدفاع يعوّض بها المرء إخفاقه وفشله في المجال «أ» بانتصار كبير أو انتصارات متكررة في المجال «ب».
[11] autonomous
[12] self-contained
[13] sweeper
[14] إشارة إلى مقولة لفيلسوف العلم المعاصر هيلاري بوتنام في دفاعه عن الواقعية العلمية.
[15] efficient
[16] non-sense
[17] truth-apt
[18] للاطلاع على نموذج من هذه التحليلات الوضعية والعلاقة بين المعنى والدليل عند الوضعيين، راجع فلسفة آير، روبرت إم. مارتن، ترجمة كاوه بهبهاني، نشر ني، 1390، ص. 57 إلى ص. 61
[19] connotation
[20] denotation
[21] يمكن العثور على كثير من هذه الحيل الشعرية في الأساطير والنصوص الدينية أيضًا. فالمفارقة (جملة ذات تناقض داخلي) مثلًا، وهي حيلة شعرية محبوبة، تزخر بها النصوص الدينية. نقرأ في الإنجيل: «مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا»، أو نقرأ في القرآن: «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ». كان الفيلسوف وعالم الأعراق الفرنسي الشهير لوسيان ليفي-بريل يرى التناقض إحدى آليات ذهن الإنسان البدائي. لقد عزمت الوضعية، بنبذها للخرافة (سواء في رداء الأسطورة، أم في رداء الدين، أم في رداء الشعر)، على تخليص الإنسان من البدائيات. المثير للاهتمام هنا أنه لا يمكن حتى تجريد العلم نفسه من الاستعارة. فالعلوم التجريبية تستعين بالاستعارات بكثرة، ويعتقد كثير من المفكرين المعاصرين (مثل ماكس بلاك، الفيلسوف التحليلي الإنجليزي-الأمريكي) أن الاستعارة، وإن لم تكن قابلة للصدق والكذب، بوسعها أن تجلب المعرفة للإنسان.
[22] demystified
[23] في إيراننا هذه نفسها، نشهد في العقدين الخامس والسادس هيمنة هذه العلموية (scientism) ذاتها بين المفكرين. «الفلسفات العلمية» التي صارت لازمة على ألسنة الماركسيين الإيرانيين، والمتدينون الذين بحثوا في العلم عن تأييد للقضايا الدينية وتحدثوا عن «ترموديناميك العبادة» (اسم كتاب لمهدي بازركان).
[24] يجب فصل سطوة الوضعية (بمعنى جبروت العلم المفرط) عن كون التفكير العلمي محترمًا. العلم عزيز، ولكن في حده. وكم من مبادلات لا يستطيع أن يجريها مع الفن والفلسفة. أما شمولية التفكير والمنهجية العلمية فحديث آخر. شمولية منطق العلم تصنع لنا أزمنة كتلك التي صورها تشارلز ديكنز في روايته الممتعة أوقات عصيبة. لقد أرادت أوتوقراطية البراكسيس العلمي أن تحتل أرض الشعر الملونة الجمالية.
[25] transcendental
[26] microcosm
[27] بالاستفادة من التمييز الذي أجراه الناقد الأدبي الأمريكي إم. إتش. أبرامز في كتابه الشهير المصباح والمرآة: النظرية الرومانسية والتقليد النقدي، يمكن القول إن نظرية الفن لدى أصحاب النقد الجديد هي نوع من «النظرية الموضوعية» للفن. نظرية تشرح الأثر الفني بذاته (بنص الأثر). وهو يضع هذا النوع من النظرية في مقابل النظريات المحاكية (التي تنشغل بعلاقة الأثر الفني بالعالم الخارجي)، والنظريات البراغماتية (التي تعالج علاقة الأثر الفني بالمتلقي)، والنظريات التعبيرية (التي تركز على علاقة الأثر الفني بالفنان نفسه).
[28] مثلًا، كان الناقد المهم في تيار النقد الجديد، ريتشاردز، يستخدم مصطلح «شبه العبارة» (pseudo-statement) للفصل بين الحقيقة العلمية والحقيقة الشعرية. العبارة هي جملة قابلة للتحقق تجريبيًا. في مقابل الجمل الشعرية التي لا يمكن التحقق منها أو دحضها تجريبيًا، ولهذا السبب لا تشبه العبارة إلا في شكلها، لكنها ليست عبارات حقيقية، وتطبيق محك العلم عليها خطأ من الأساس.
[29] anti-intentionalism
[30] textual meaning
[31] authorial meaning
[32] intentionalism
[33] See, Aesthetics, Sebastain Gardner, published in The Blackwell Companion to Philosophy, Second Edition, Edited by Nicholas Bunnin, E. P. Tsui-James, Blackwell, P. 248.
[34] relativism
[35] الإحالات إلى مقالة ويمست وبيردزلي هي من المقالة التالية:
تُرجمت هذه المقالة إلى الفارسية عام 1372 بترجمة الصديق العزيز والعالم علي معصومي، في كتاب «حلقۀ نیلوفری» (حلقة النيلوفر)، نشر نويد، وبعنوان «مغالطۀ بخواست» (مغالطة القصد). مع الأسف، الكتاب نادر ولم أعثر على هذه الترجمة. الفقرات المقتبسة من المقالة قمتُ بترجمتها بنفسي من النص الأصلي إلى الفارسية.
[36] كما سنرى لاحقاً، يصوغ نويل هذا المبدأ تحت عنوان «برهان الدورية».
[37] للاطلاع على رسالة لونجينوس الشهيرة، راجع رسالۀ لونگینوس در باب شکوه سخن (رسالة لونجينوس في السمو)، ترجمة رضا سيد حسيني، أكاديمية اللغة الفارسية وآدابها، 1378.
[38] لحسن الحظ، تُرجم عمل لكروتشه في هذا الباب إلى الفارسية: كليات علم الجمال، بندتو كروتشه، ترجمة فؤاد روحاني، منشورات علمي وفرهنكي، الطبعة التاسعة، 1392.
[39] imitation
[40] representation
[41] ترجمة الفعل express من الإنجليزية إلى الفارسية في فلسفة الأخلاق وفلسفة الفن تثير بعض الإشكال. هناك فرق بين أن نتحدث عن عواطفنا وبين أن نعبّر عنها. لنفترض أنني أقول عن نفسي إنني شخص سريع الانفعال. حينها يكون كلامي هذا حديثاً عن عواطفي يحتمل الصواب أو الخطأ. أما إذا بدأت بالصراخ في وسط شجار، فأنا لم أعد أتحدث عن عواطفي، بل عبّرت عن عواطفي (في هذه الحالة، غضبي)، وهذا التعبير لا يوصف بالصدق أو الكذب. بعبارة أخرى، هناك فرق بين «التعبير» (express) و«القول» (say). عندما أقول شيئاً (مثلاً، أقول إن الطقس بارد اليوم)، يكون كلامي عن شيء ما (الطقس). لكن عندما أعبر عن غضبي، فأنا لا أقول شيئاً عن الغضب. ما يحدث هو إظهار للغضب. يلفت الفلاسفة الناطقون بالإنجليزية انتباهنا إلى هذا الفرق الدقيق بين الفعل express والفعل say. وقد اختار المترجمون الفرس مقابلات مختلفة لإظهار هذا الفرق. رأى البعض أن المقابل المناسب لـ express هو «إبراز»، وآخرون «إظهار». المفكر الإيراني البارز مصطفى ملكيان استخدم أحياناً مقابل «وصف الحال». وقد استخدمت في هذا الكتاب مقابل «تعبير» الذي يقترحه أغلب المترجمين. مصدر جيد للقراءة حول النظريات التعبيرية والنقد الموجه إليها: درآمدی بر فلسفۀ هنر (مدخل إلى فلسفة الفن)، نويل كارول، ترجمة صالح طباطبائي، الطبعة الثالثة، 1392، منشورات أكاديمية الفنون، ص. 93 - ص. 168.
[42] expressive theory of art
[43] Aesthetics, Sebastain Gardner, published in The Blackwell Companion to Philosophy, Second Edition, Edited by Nicholas Bunnin, E. P. Tsui-James, Blackwell, P. 248.
[44] psychology of composition
[45] internal evidence
[46] external evidence
[47] Poetic allusiveness
[48] على حد علمي، استخدم هذا المقابل لأول مرة المفكر الإيراني عبد الكريم سروش. لكن أبو القاسم فنائي يعترض بحق على هذا الاصطلاح. فعبارة ad hominem نفسها تعني الهجوم على المدّعي بدلاً من نقد الدعوى. يرى فنائي أن مغالطة الدافع والمدفوع مقابل جيد لمغالطة appeal to motive وهي أخص من المغالطة السابقة. هذا التمييز الدقيق لا صلة له ببحثنا، وسأستمر في استخدام المقابل الأكثر شيوعاً. كما أنني أعتقد أن المغالطة القصدية تشبه عموماً مغالطة ad hominem وخصوصاً مغالطة appeal to motive. للاطلاع على بحث فنائي، انظر: في خلط الدافع والمدفوع، أبو القاسم فنائي، نُشر ملخص المقال في مجلة شهروند امروز والنص الكامل متاح على الإنترنت.
[49] universal
[50] contingent
[51] لعل أنصار مغالطة الدافع والمدفوع يعتقدون أن اكتشاف نية قائل ادعاء ما أمر ممكن لكنه غير مرغوب فيه. أما ويمست وبيردزلي، فبالإضافة إلى قولهما إن نية المؤلف لا شأن لها بقيمة العمل الفني ومعناه، يعتقدان باستحالة اكتشاف نية المؤلف. وهنا لا بأس من الإشارة إلى أن المغالطة قد تصبح أحياناً (ونادراً)، في نسق فكري آخر، طريقةً في التفكير. فعلى سبيل المثال، مغالطة ad hominem لدى الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، من فرط تكرارها، تُعد منهجاً. فأسلوب عمله، بتعبير البعض، نوع من «علم النفس الفلسفي». فهو مثلاً، كم من نتائج فلسفية استخلصها من كون سقراط قبيح الوجه، ومن كون المسيح – بحسب زعمه – حقوداً! ومن الطريف أن البعض يبحثون عن نسب نظرية موت المؤلف في آراء نيتشه حول موت الإله. صحيح أن نيتشه قال «لقد مات الإله»، لكن محاباته للمؤلف تشي بأنه يحييه باستمرار ثم يجهز عليه بخنجر نقوده الساحقة. وفي اعتقادي، من المستبعد القول إن نيتشه لو كان حياً لَقَبِل موت المؤلف بمثل هذه التقريرات (سواء أكانت فرنسية أم إنجليزية).
للاطلاع على شرح لارتكابات نيتشه لمغالطة الدافع والمدفوع، انظر:
What Nietzsche Really Said, Kathleen M. Higgins, Robert C. Solomon, Chapter 5, p. 125- 176
يكتب أبو القاسم فنائي أن البعض يعتبرون خلط «الدافع والمدفوع» مغالطة دائماً، والبعض الآخر لا يعتبرونه مغالطة أبداً. ويتحدث عن فريق ثالث يرى أن هذا الأمر قد يكون مغالطة وقد لا يكون. ويدافع فنائي نفسه عن الرأي الثالث، مفرقاً بين المعرفة البحثية (المعرفة عن طريق الدليل) والمعرفة التقليدية (المعرفة عن طريق الشهادة)، ويرى أن خلط الدافع والمدفوع في مقام البحث/اكتساب المعرفة يُعد مغالطة، لكنه لا يعتبره مغالطة في مقام التقليد/اكتساب المعرفة عن طريق الشهادة. لتفصيل أدلته، راجع: في خلط الدافع والمدفوع، أبو القاسم فنائي. وفي ظني أن هناك مغالطة أخرى تشكل منهجاً في تفلسف بعض الفلاسفة الآخرين، ألا وهي المغالطة المسماة بالمغالطة التكوينية (genetic fallacy) وهي تحديداً منهج عمل فلاسفة مثل نيتشه وفوكو، لكن تحت اسم الجينيالوجيا (genealogy). وتفصيل هذا الأمر يحتاج إلى مجال آخر.
[52] meta-criticism
[53] evaluation
[54] خلاصة كلام نوئل في هذا الكتاب هي أن الناقد يقوم بسبعة أعمال تؤثر في بعضها بعضًا. هذه الأعمال السبعة هي: 1- الوصف (description)، 2- التصنيف (classification)، 3- السياقنة (contextualization)، 4- التحليل (analysis)، 5- الإيضاح (elucidation)، 6- التأويل (interpretation)، و7- التقييم (evaluation). من وجهة نظر كارول، يقوم الناقد بواحد على الأقل من الأعمال من واحد إلى ستة، إلى جانب العمل السابع (التقييم أو التقويم). بعبارة أخرى، وجود أحد الأعمال من واحد إلى ستة شرط ضروري للفعل النقدي، كما أن التقييم بذاته شرط ضروري للنقد. التقويم إلى جانب فعل واحد أو أكثر من واحد إلى ستة شرط كافٍ للفعل النقدي. فحوى كلام كارول هو أن النقد عبارة عن تقييم مدعوم بالأدلة؛ أي أن على الناقد أن يجد السمات ذات القيمة الفنية في العمل ويقدّر القيمة الفنية الكلية للعمل، لكن عليه أن يدعم تقييمه/تقويمه بأدلة تنبع جذورها من واحد على الأقل من الأفعال من واحد إلى ستة. ر.ك.
On Criticism, Noel Carroll, Routledge, 2009, P. 84-86.
صدرت ترجمة فارسية لهذا الكتاب بالمواصفات التالية. ولأنني كنت قد قرأت الكتاب بدقة وكررت تدوين الملاحظات عليه قبل صدور ترجمته، فإني لم أرجع إلى الترجمة الفارسية، وجميع الإحالات والاقتباسات هي من النص الأصلي ومن ترجمتي أنا: دربارۀ نقد (گذری بر فلسفۀ نقد)، نوئل كارول، صالح طباطبايي، نشر ني، 1396.
[55] Post-human or anti-humanistic criticism
[56] artistic intention
[57] agency
[58] Success value
[59] intentional acts
[60] Ed Wood
[61] primitive modernism
[62] inaccessibility argument
[63] circularity argument
[64] achievement argument
[65] mind-reading
[66] fallible
[67] لفت انتباهي الصديق العزيز والشاعر الفصيح وحيد داور إلى هذه النقطة اللطيفة، وهي أن القصيدة في الأصل تعني ما يقصد الشاعر أن ينظمه.
[68] ر.ك. المقالة المؤثرة أدناه. ينبغي أن أضيف أن هذه المقالة كُتبت في نقد الوصول الممتاز والخاص للإنسان إلى ذهنه وعملياته الذهنية. خلاصة كلام مؤلفَي المقالة، نيسبت وويلسن، هي أنهما يريدان أن يبيّنا من خلال تجارب عملية أن الإنسان بصدد التنظير حول ذهنه أيضًا على الدوام، وأن هذه التنظيرات مقترنة بالخطأ بطبيعة الحال. لا يختلف التنظير حول الذهن من حيث قابليته للخطأ عن التنظير حول أذهان الآخرين. باختصار، كما أننا ننظّر لفهم نية المؤلف، فليس لديه هو أيضًا مناص من ذلك لفهم قصده ونيته. إذا قبلنا وجهة النظر هذه، فينبغي القول إن المؤلف، صحيح أنه لا يملك مكانة خاصة في اكتشاف نيته، لكن المتلقي يفتقر أيضًا إلى مثل هذه المكانة. الخلاصة أنه في مقام تقويم العمل الفني وتأويله لا فرق بين المؤلف والمتلقي، وكلاهما يتعامل مع الفرضيات والنظريات والتخمينات. من وجهة نظر كارول، لتأويل و/أو تقويم العمل الفني، علينا أن نقدم أفضل فرضية حول القصد والنية الحقيقية لمؤلف العمل بشأن العمل قيد البحث.
Telling more Than We Can Know: Verbal Reports on Mental Processes, Richard Nisbett, Timothy Wilson, Psychological Review · March 1977
[69] physical anthropology
[70] See. On Criticism, pp.170- 190
[71] category-relative
يُطلق البعض على هذا المنهج اسم استخدام المعايير الخاصة بالنوع الأدبي (genre-specific)؛ أي المعايير التي تُعتبر قيمة فنية في صميم نوع أدبي ما (و«بشرط ثبات جميع العوامل الأخرى»). راجع.
The Use of Reason in the Evaluation of Artworks, Commentaries on the Turner Prize, Les Gillon, Palgrave Macmillan, p. 75
[72] plural-category approach
[73] genre-splicing
[74] On Criticism, pp. 181-182
[75] للتقاليد ثلاثة معانٍ على الأقل، وما نعنيه في هذا النقاش هو أحد هذه المعاني. المعنى الأول للتقاليد هو الأمر البالي، العُرف القديم والمتوارث لكنه مندثر وخارج عن السياق. كما حين نقول إن تقليد وأد البنات عند عرب الجاهلية هو تقليد بهذا المعنى. وبهذا المعنى قد يرغب المرء في إحياء جزء من التقاليد أو إماتته. المعنى الثاني للتقاليد هو بمعنى فضاء مشترك من الأفكار السماوية المتنوعة التي لا تتغير وهي ثابتة. التقاليد بهذا المعنى هي مجموعة من الحقائق المتعالية والأبدية. هذا المفهوم للتقاليد شائع لدى أنصار الحكمة الخالدة (أو مؤيدي العقل الأبدي). أما المعنى الثالث للتقاليد فيُطلق على أمور (وبشكل خاص) الروايات والقصص التي تنتقل من جيل إلى جيل وقد تكون تحولت أو تحسنت على الأرجح. ما نعنيه بالتقاليد في هذا النص هو التقاليد بالمعنى الثالث. أي الروايات والنصوص المحورية التي يُتاح في ضوئها تخاطب الناس وتواصلهم مع بعضهم البعض. وكما هو واضح، فإن التقاليد بهذا المعنى هي أمر ديناميكي ربما يتجدد باستمرار وبالتدريج، رغم أنه قد يكون راكداً لفترات طويلة ومتحجراً في حواره مع التقاليد الأخرى وبحاجة إلى مراجعات أساسية. من المقابلات الجيدة لهذا المعنى الثالث للتقاليد هو «التراث المتجاوز».
[76] إشارة إلى سطور من شعر شاملو: «جخ امروز» و «جغرافیای ما کجاست؟» من ديوان مدايح بيصله.
[77] tradition-bound aesthetics
لقد دافعتُ في كتابٍ حول جماليات المأكل والمشرب (نشر كرگدن) والذي سيصدر على الأرجح قريباً، عن الذائقة (أو حاسة التذوق) المحصورة في التقاليد (tradition-bound taste). للاطلاع على شرح أوسع لمفهوم التقاليد ورؤية مَكنتاير، راجع. فلسفة مَكنتاير، جاك راسل واينستين، نشر ني، 1390، ص. 137-197 وبالطبع يجب أن أشير إلى أن مقالة ت. س. إليوت المهمة «التقاليد ومواهبه» هي من الكتابات الملهمة لهذه الرؤية.
[78] بالطبع يستخدم كارول نفسه في مباحثه مراراً كلمة تقاليد، لكن في النهاية، وكما هو واضح، فإن كلمة نوع أدبي أهم وأكثر تداولاً بالنسبة له. في اعتقادي أن التقاليد أعم من النوع الأدبي، فالنوع الأدبي والحركة والمدرسة والأسلوب والتقنية و... إلخ، كلها تتشكل في رحم التقاليد الجمالية. يعتقد البعض أيضاً أن مفهوم النوع الأدبي في لسان كارول قد استُخدم «بكثير من التساهل» ويختلط أحياناً بالأسلوب أو الحركة. في ظني لو كانت الوحدة الأساسية لتصنيف الأثر هي التقليد الجمالي، وفي المرتبة التالية النوع الأدبي والحركة والأسلوب و... إلخ، رغم أن هذا الكلام بحاجة إلى تأمل وتدقيق أكثر. راجع.
The Use of Reason in the Evaluation of Artworks, Commentaries on the Turner Prize, Les Gillon, Palgrave Macmillan, pp.53-54.
[79] canonic
[80] ينبغي الانتباه إلى وجود تشابه مهم بين أصحاب النقد الجديد وكارول. فكلاهما، أي أهل النقد الجديد وكارول، يعتبرون «الشرائع الأدبية» (literary canons)، أي مجموعة الأعمال المهمة والمكرَّسة في تاريخ الفن، ذات قيم جمالية موضوعية. وذلك على النقيض من المفكرين والنقاد ما بعد الحداثيين الذين يرون أن قانونية القانون الأدبي هي نتاج قوى سياسية-اجتماعية. بطبيعة الحال، يبحث النقاد الجدد عن التفوق الجمالي للأعمال القانونية في شكلها فحسب، بينما لا يؤمن كارول بالمذهب الشكلي.
[81] daydream
[82] displacement of hostility
[83] prima facie
[84] confabulation
[85] يدافع كارول بالتفصيل في المقالة التالية عن التشابه بين تفسير العمل الفني وتفسير المداولات اليومية:
Art, Intention and conversation, Noel Carroll, Published in Intention and Interpretation, Edited by Gary Iseminger, Temole University Press, 1992, pp.97-131.
كما يرد في المقالة التالية على الإشكالات الموجهة إلى هذه الرؤية:
The Intentional Fallacy: Defending Myself, Noel Carroll, The Journal of Aesthetics and Art Criticism, Vol. 55, No. 3 (Summer, 1997), pp.305-309
[86] decorum
[87] إشارة إلى بيان إحدى الحركات الحداثية الراديكالية المسماة المستقبلية: «صفع الذائقة العامة على وجهها».
[88] بدا لي لافتاً أن إشكالاً شبيهاً بهذا يثور في وجه التقرير الأرسطي لمفهوم الفضيلة. كان أرسطو يعتقد أن الإنسان يكتسب الفضيلة من خلال الاعتياد والتآلف التدريجي مع كفاءة ما. تقول ليندا زاغزبسكي، عالمة المعرفة المعاصرة الشهيرة: «إن فكرة أن الفضيلة تُكتسب من خلال الاعتياد التدريجي هي من أكثر موروثات أرسطو معقولية. ومع ذلك، ثمة فضائل لا تبدو على الإطلاق أنها تُكتسب عبر العادة: فضيلتا الأصالة والإبداع اللتان لا تحتاجان إلى الاعتياد فحسب، بل تبدوان وكأنهما تزدهران في غيابه.» (فضائل العقل، ليندا زاغزبسكي، ترجمة أمير حسين خداپرست، نشر كرگدن، 1396، ص. 179 و 180.)
[89] reference classes
[90] category
[91] مثال بارز جداً: كان نينو فرانك، مترجم أعمال الكاتب الأيرلندي الحداثي جيمس جويس، يستشير المؤلف بشأن ترجمة أعمال جويس ويسأله عن مراده. وقد فهم المترجم من كلام جويس أن معنى العمل ليس مهماً بالنسبة له، بل الأهم عنده هو إيقاعية الكلام. كما كتب جويس في رسالة إلى ابنته لوسيا: «الله وحده يعلم أي معنى يكمن في نثري. يكفي أنه يطرب الأذن...» (جيمس جويس، جستر جي. أندرسون، ترجمة هوشنغ رهنما، نشر هرمس، 1387، ص. 144 و ص. 146.) يجب الانتباه إلى أن قصد المؤلف في هذه الحالة لم يكن تقديم محتوى معين برسالة ثابتة، بل تقديم نثر عذب الإيقاع مطرب للأذن. لكن كتاب جستر أندرسون بترجمة هوشنغ رهنما الممتازة هو، من باب الصدفة، نموذج يُظهر كيف أن ما يجري في حياة مؤلف كبير وشهير مثل جويس يؤثر على نصوص أعماله.
[92] transgression
[93] بالطبع، كانت المباحث التي طُرحت في هذا المقام معنيةً في الغالب بدفاع كارول عن صلة قصد المؤلف بالتقييم (أو التقويم) الفني، وبدرجة أقل تطرقنا إلى دفاعه عن اللجوء إلى نية الفنان والتنظير بشأنها في تفسير الأثر الفني. وهذان الأمران ليسا بلا صلة بالطبع، أي أنه لتقييم الأثر الفني ينبغي أن يكون لدينا فهمٌ له، ولازمُ إدراك قيم الأثر الفني هو قَدْرٌ من التفسير. للاطلاع على تفصيل هذا البحث وأدلة كارول في معارضة مناهضة القصدية في مجال التفسير وليس التقييم فحسب، راجع المصادر التالية:
On Criticism, Noel Carroll, VIII. Artistic Intentions Again: ROUND II—Intentions and Interpretation P. 134-152
Beyond Aesthetics: Philosophical Essays, Noel Carroll, Cambridge, 2003, Part 3: Intentions and Interpretation, P. 157-213.
Art, Intention and conversation, Noel Carroll, Published in Intention and Interpretation, Edited by Gary Iseminger, Temole University Press, 1992, pp.97-131.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
ممنون.مطالب شما واقعا عالی و به روز هستند.خسته نباشید
متشکر از محتوای خوبی که در وبسایتتون قرار دادید
دکتر سروش همان مغالطه تکوینی را مغالطه انگیزه و انگیخته ترجمه کرده است نه مغالطه حمله به مدعی را.به کتاب بینش دینی او مراجعه کنید.
سلام ممنون از اشتراک گذاریتون.. موفق باشید