اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يحتجّ كولبك ورينر بأنّ الدالة الموجية الكمومية ليست معرفةً ذاتية، بل وصفًا كاملًا للواقع الموضوعي. ويُظهر التطابق الأحادي بين الدالة الموجية وعناصر الواقع أن ميكانيكا الكم نظريةٌ تامة، وأن الصدفة سمةٌ جوهرية للطبيعة.

هل تمثّل الدالة الموجية الكمومية الواقع؟
بقلم: ليزا زيغا[1]
ترجمة: كاوه بهبهاني
تصوّر خبيرَي أرصاد جوية يتنبآن باحتمالية أن يكون الطقس مشمساً. خبير الأرصاد على اليسار لديه إمكانية الوصول إلى بيانات إضافية (مثل حالة الطقس الحالية الغائمة جزئياً) ونتيجة لذلك يقدّم كل منهما تنبؤات مختلفة. الدالة الموجية في ميكانيكا الكم، على عكس التنبؤ الجوي، تقدّم وصفاً كاملاً للسلوك المستقبلي لنظام كمومي. في الواقع، الطبيعة نفسها على المقاييس الصغيرة [المقياس الكمومي] احتماليةٌ تماماً في جوهرها: كولبيك ورينِر.
في صميم ميكانيكا الكم تقع الدالة الموجية؛ دالة احتمالية يستخدمها الفيزيائيون لفهم الكون على الأبعاد النانومترية. باستخدام هذه الدالة، يستطيع الفيزيائيون حساب السلوك المستقبلي لنظام ما، ولكن باحتمال معين فقط. هذه السمة الاحتمالية الكامنة في جوهر نظرية الكم تختلف عن اليقين الذي يمتلكه العلماء في وصف العالم الكلاسيكي، وهذا ما أدى إلى جدال دام قرابة قرن حول كيفية تفسير الدالة الموجية: هل تمثّل الدالة الموجية واقعاً موضوعياً [أوبجكتيفياً] أم أنها مجرد تمثيل للمعرفة الذاتية [سوبجكتيفية] لمراقب ما؟ في بحث جديد، طرح فيزيائي يدعى روجر كولبيك[2] من معهد بيريميتر[3] في واترلو، أونتاريو، مع فيزيائي آخر هو ريناتو رينِر[4] من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا[5] في زيورخ، حجة قوية لصالح الواقعية الموضوعية للدالة الموجية، من شأنها أن تقود إلى فهم أعمق للمعنى الأساسي لميكانيكا الكم.
يشرح كولبيك ورينِر في بحثهما المنشور في دورية فيزيكال ريفيو ليترز[6] أن هناك تفسيرين رئيسيين للدالة الموجية تعود بداياتهما إلى عشرينيات القرن العشرين: وفقاً لأحد التفسيرين [التفسير الموضوعي/ الواقعي]، تتطابق الدالة الموجية مع عنصر من الواقع يوجد بشكل موضوعي، بغض النظر عن قيام مراقب بقياسه أم لا. ووفقاً لتفسير آخر [التفسير الذاتي]، لا تمثّل الدالة الموجية الواقع، بل تمثّل فقط الحالة الذاتية [أو السوبجكتيفية] لمعرفة المراقب حول واقع أساسي. في عام 1927، دافع نيلز بور وآخرون عن هذا التفسير الأخير تحت مسمى تفسير كوبنهاغن؛ وبناءً على هذا التفسير، فإن الدالة الموجية هي مجرد احتمال رياضي "ينهار" فوراً إلى قيمة محددة عندما يقيس المراقب النظام. ومع ذلك، عارض آخرون كلا التفسيرين: فعلى سبيل المثال، في ثلاثينيات القرن العشرين، جادل أينشتاين وبودولسكي وروزن بأن الدالة الموجية ليست وصفاً فيزيائياً كاملاً للواقع، ونتيجة لذلك اعتقدوا أن نظرية ميكانيكا الكم بأكملها نظرية ناقصة.
يُظهر كولبيك ورينِر الفرق بين التفسيرين الرئيسيين للطبيعة الاحتمالية للدالة الموجية بمثال بسيط:
يكتبان: "تصوّر أن خبير أرصاد جوية يتنبأ بطقس الغد (على سبيل المثال، يتنبأ أن هناك احتمالاً بنسبة 33٪ أن يكون الطقس مشمساً واحتمالاً بنسبة 67٪ أن يكون غائماً). يمكننا أن نفترض أن الميكانيكا الكلاسيكية تصف العمليات ذات الصلة بدقة، ووفقاً لها، فإن حالة الطقس تعتمد، بشكل قطعي[7]، على الشروط الأولية. في هذه الحالة، كون تنبؤ خبير الأرصاد هذا احتمالياً يعكس فقط جهله بهذه الشروط. على وجه الخصوص، تنبؤه ليس عنصراً من واقع الغلاف الجوي، بل هو مجرد انعكاس للمعرفة الذاتية للمتنبئ بحالة الغلاف الجوي؛ خبير أرصاد آخر بمعرفة مختلفة قد يقدم تنبؤاً آخر. بالانتقال إلى ميكانيكا الكم، يمكن أن نتساءل: هل ينبغي اعتبار الدالة الموجية التي ننسبها إلى نظام كمومي أمراً ذاتياً [أو ذهنياً] (مثل التنبؤ بالطقس) يمثّل معرفة المجرّب حول ذلك النظام، أم أن الدالة الموجية هي عنصر من واقع ذلك النظام (مثل كون الطقس مشمساً)؟"
يُجادل كولبيك ورينِر بأن الدالة الموجية لنظام كمومي، على عكس التنبؤات الجوية، ليست جهل الفيزيائي بالواقع، بل هي وصف كامل ودقيق للواقع. ويُظهران في هذه الورقة منطقياً أن الدالة الموجية لنظام كمومي تقع في تطابق واحد لواحد مع "العناصر الواقعية" لذلك النظام؛ أي مع المتغيرات الواصفة لسلوك ذلك النظام. والافتراضان الوحيدان لهذا الادعاء هما أن إعدادات القياس يمكن اختيارها بحرية، وأن النظرية الكمومية تقدم تنبؤات إحصائية صحيحة؛ وكلا الافتراضين موجودان عادةً ضمنياً في الأبحاث الفيزيائية، كما أنهما قابلان للدحض تجريبياً.
قال رينِر لموقع Phys.org: «هذا [فكرة أن الدالة الموجية تمثل الواقع] يعني أن الدالة الموجية تشمل جميع المعلومات التي يمكن، من حيث المبدأ، أن تكون متاحة عن النظام. أي أنها لا تُغفل أية معلومة. ومع ذلك، حتى لو عرفنا الدالة الموجية لنظام ما (وبالتالي الواقع) [بشكل كامل]، فلا يزال يتعذر علينا التنبؤ بسلوكه المستقبلي بيقين. وهذا يعني أن الصدفة[8] سمة متأصلة في الطبيعة.»
يستند ادعاء العالِمَين [كولبيك ورينِر] هذا إلى قضيتين تبدوان متناقضتين ظاهرياً: القضية الأولى هي أن أي معلومة توجد في القائمة الكاملة للعناصر الواقعية للنظام (تكون القائمة كاملة إذا اشتملت على جميع التنبؤات الممكنة حول نتائج تجربة تُجرى على النظام) تكون مُدرجة مسبقاً في الدالة الموجية لذلك النظام أيضاً؛ بعبارة أخرى، تشمل الدالة الموجية جميع العناصر الواقعية. وكان الفيزيائيان المعنيان قد طرحا هذه القضية في ورقتهما البحثية في العام الماضي أيضاً. أما القضية الثانية التي أوردها الفيزيائيان في هذه الورقة، فهي أن قائمة العناصر الواقعية لنظام ما تشمل بدورها الدالة الموجية الخاصة به. وإذا ما نظرنا إلى هاتين القضيتين معاً، فإنهما تُفضيان إلى أن الدالة الموجية للنظام تقع في ارتباط واحد لواحد مع عناصره الواقعية. وبإظهار أن الدالة الموجية تصف الواقع وصفاً كاملاً، تخلص هذه الحجة إلى أن ميكانيكا الكم نظرية كاملة.
يقول رينر: «لاحظوا مرة أخرى تشبيه الدالة الموجية بعمل خبراء الأرصاد الجوية. في هذا التشبيه، البيانات والنماذج التي يستخدمها خبير الأرصاد تُكافِئ الدالة الموجية، والواقع نفسه يُكافِئ الحالة الراهنة للطقس. لو كانت بيانات خبير الأرصاد والحالة الجوية في ارتباط واحد لواحد، لكنا في وضع مثالي للغاية: بمعنى أن ذلك التنبؤ كان ليكون أدق ما يمكن، من حيث إنه لم تُغفل أية معلومة.»
ويُضيف قائلاً: «كذلك، نتيجتنا بوجود ارتباط واحد لواحد بين الدالة الموجية والعناصر الواقعية تعني أننا إذا عرفنا الدالة الموجية لنظام ما، فإننا نكون بالضبط في هذا الوضع المثالي: كل معلومة موجودة في الطبيعة وقد تكون مهمة للتنبؤ بسلوك نظام ميكانيكي كمومي، تُمثَّل واحداً لواحد في الدالة الموجية. ومن هذا المنطلق، فإن الدالة الموجية هي أفضل وصف للواقع.»
ليست هذه الحجة هي الوحيدة التي قُدمت مؤخراً لصالح الرأي القائل بأن الدالة الموجية تقدم تمثيلاً كاملاً للواقع. ففي نوفمبر 2011، جادل فريق من الفيزيائيين البريطانيين (ماثيو ف. بوسي[9]، وجوناثان باريت[10]، وتيري رودولف[11]) بأن التفسير الذاتي للدالة الموجية يتناقض مع افتراضات مقبولة في ميكانيكا الكم، كافتراض إمكانية تحضير عدة أنظمة بحيث تكون عناصرها الواقعية غير مترابطة فيما بينها. ومع أن نهج هذه الفريق يختلف كلياً عن نهج الورقة الحالية، فإن الشواهد والأدلة المقدمة في كلتا الورقتين قد تُسهم في الإجابة عن واحد من أطول النزاعات عمراً في علم الفيزياء. ويعتزم كولبيك ورينِر العمل مستقبلاً على تخفيف الصرامة الحالية لهذه الافتراضات.
قال رينر إن «نتيجتنا تستند إلى افتراض أن المجرِّب يمكنه، من حيث المبدأ، أن يختار «بحرية» القياسات التي يرغب في إجرائها. وبالتالي، إذا كان المرء مستعداً لقبول هذا الافتراض، فيمكنه اعتبار إجابتنا هي الإجابة النهائية. ولكن، لا شك أنه يمكن مناقشة افتراض «الاختيار الحر» (وكيفية تعريفه). نحن نعمل حالياً على إثبات أنه يمكن استبدال هذا الافتراض بافتراض أضعف (افتراض يمكن تسميته «حرية الاختيار الناقصة».)[12]
[1] Lisa Zyga
25 أبريل 2012 من موقع Phys.org
[2] Roger Colbeck
[3] Perimeter Institute
[4] Renato Renner
[5] ETH
[6] Physical Review Letters
[7] deterministically
[8] randomness
[9] Matthew F. Pusey
[10] Jonathan Barrett
[11] Terry Rudolph
[12] لمزيد من المعلومات، انظر.
Roger Colbeck and Renato Renner. “Is a System's Wave Function in One-to-One Correspondence with Its Elements of Reality?” PRL 108, 150402 (2012).
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.