اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يمكن تفسير ظاهرة تنوع الأديان من تسع وجهات نظر فلسفية. ياسر ميردامادي، بنقده ثمانية مقاربات منافسة، يعتبر التعددية الدينية أكثر وجهات النظر قابلية للدفاع عنها ويتحدى النسبوية.

ياسر ميردامادي: ما تقرؤونه هو الصياغة التحريرية لمحاضرة قُدّمت في ديسمبر 2016 في «جمعية الأدب والفن الإيرانية» بلندن. وقد احتُفظ، إلى حد كبير، بالنبرة الشفاهية للنص عند تفريغه. نُشرت هذه المقالة في مجلة «خوشهها»، النشرة السنوية لجمعية الأدب والفن الإيرانية، العدد 20 (2018)، ص 52-71.
مقدّمة
نحن نواجه ظاهرة تُدعى تنوّع الأديان، وهي بالطبع ليست ظاهرة جديدة، فقد واجهناها، إلى حد كبير، في القرون الوسطى - وبشكل عام - في العالم القديم. في الواقع، إن الكثير من التنوّعات الدينية التي نواجهها اليوم في العالم الحديث تضرب بجذورها في العالم القديم. نشهد تنوّع الأديان في الأديان الشرقية والغربية على حد سواء، وفي الأديان القديمة والمستحدثة. وقد أسفر هذا التنوّع عن تشكّل عقائد كالإسلام، والبهائية، والطاوية، والجاينية، والشنتوية، والمسيحية، واليهودية، والهندوسية، والبوذية، والزرادشتية، وكثير غيرها من الأديان. لكن في العالم الجديد، ومع اتساع نطاق التواصل، اكتسبت ظاهرة تنوّع الأديان ألواناً وأبعاداً مختلفة.
أحد الأسئلة التي تطرحها ظاهرة تنوّع الأديان أمام الباحثين هو: لماذا نشأ مثل هذا التنوّع في حقل الأديان؟ من بين شتى أنواع التفسيرات المقدّمة لهذه الظاهرة (كالتفسيرات النفسية، والاجتماعية، والأنثروبولوجية، وغيرها)، سينصب تركيزي في هذا النقاش على التفسيرات الفلسفية، وبشكل خاص التفسيرات الفلسفية التي قُدّمت لظاهرة تنوّع الأديان في العصر الحديث. سأسعى فيما يلي إلى تصنيف الإجابات الفلسفية التي قُدّمت لظاهرة تنوّع الأديان. ثم سأحاول الإجابة عن سؤال: أيّ الآراء المتنوّعة المطروحة في التفسير الفلسفي لظاهرة تنوّع الأديان تُعدّ أكثر قابلية للدفاع عنها من الناحية الفلسفية؟
أدّعي أن وجهات النظر الرئيسية المطروحة في التفسير الفلسفي لتنوّع الأديان يمكن تقسيمها إلى 9 فئات على الأقل. هذه الفئات التسع هي:
1- النسبوية الدينية (Religious Relativism)
2- التوقّفية الدينية (Religious Suspensionism)
3- الحصرية الدينية المتشدّدة (Militant Religious Exclusivism)
4- الحصرية الدينية الودّية أو المعتدلة (Moderate Religious Exclusivism)
5- الشمولية الدينية (Religious Inclusivism)
6- الإلحاد المتشدّد (Militant Atheism)
7- الإلحاد الودّي (Friendly Atheism)
8- اللاأدرية (Agnosticism)
9- التعدّدية الدينية (Religious Pluralism)
من بين هذه الرؤى في التفسير الفلسفي لظاهرة تنوّع الأديان، أيّها تُعدّ أكثر قابلية للدفاع عنها من الناحية الفلسفية؟ وفقاً لادّعائي، فإن الرؤية التاسعة هي الأكثر قابلية للدفاع عنها من بينها جميعاً. بناءً على ذلك، ستكون خلاصة نقاش اليوم أنني سأشرح لاحقاً جميع هذه الرؤى التسع باختصار. وبما أنني أدافع عن الرأي التاسع، فسأنتقد بطبيعة الحال الرؤى الثماني الأولى، وسأدافع في النهاية عن الرؤية التاسعة.
سيرتكز دفاعي عن الرؤية التاسعة على مقدّمتين. المقدّمة الأولى هي أن الآراء الرئيسية المُعبَّر عنها في التفسير الفلسفي لظاهرة تنوّع الأديان يمكن إدراجها ضمن هذه الفئات التسع. والمقدّمة الثانية هي أنه إذا لم تكن ثماني رؤى من هذه الرؤى التسع قابلة للدفاع عنها، فإن الرؤية المتبقية (التاسعة) ستكون قابلة للدفاع عنها. بعبارة أخرى، سأدافع هنا عن الرؤية التاسعة، أي التعدّدية الدينية، بطريقة سلبية فحسب (أي من خلال نقد الرؤى المنافسة الأخرى)، ولا يتيح لي وقت الجلسة الخوض في الرد على الإشكالات الموجّهة إلى التعدّدية الدينية.
1- النسبوية الدينية
المنظور الأول هو النسبية الدينية. بعبارة بسيطة وموجزة، يعتقد أنصار النسبية الدينية أن: هناك تصورات مختلفة ومتعارضة للأمر القدسي - والأمر القدسي يمكن أن يكون أي شيء، يمكن أن يكون الله، ويمكن أن يكون يهوه، ويمكن أن يكون التثليث أو الأقانيم الثلاثة في اللاهوت المسيحي، ويمكن أن يكون النيرفانا أو أي شيء آخر. هذه هي المقدمة الأولى لأنصار النسبية الدينية، وهي مقدمة وصفية يشهد تاريخ الأديان بصدقها. لكن لأنصار النسبية مقدمة أخرى هي مقدمة معيارية تشكل جوهر دعواهم، وهذه المقدمة الثانية هي المثيرة للجدل.
وهذه المقدمة هي: أنه لا توجد طريقة للحكم بين هذه التصورات المختلفة والمتعارضة للأمر القدسي. وعندئذ، بضم هاتين المقدمتين إلى بعضهما، يستنتج أنصار النسبية الدينية أن تصور كل جماعة هو الحقيقة بالنسبة لتلك الجماعة، وأننا في الواقع لا نملك حقيقة فوق-جماعية أو فوق-شخصية أو فوق-قبلية، وإذا أمكن الحديث عن الحقيقة، فلا يمكن الحديث عنها إلا مقيدة بقيد شخصي أو جماعي أو بدين ومذهب وقبيلة وجماعة ومرام خاص. وبتعبير آخر، من وجهة نظر أنصار النسبية الدينية، الإسلام حقيقة بالنسبة للمسلمين، والمسيحية حقيقة بالنسبة للمسيحيين، واليهودية حقيقة بالنسبة لليهود، ولا يوجد أي وجه جامع أو جانب مشترك بين هذه الأديان، أو أنه لا يوجد أي معيار للحكم بين هذه الادعاءات الدينية المختلفة.
فقدان الوجه المعياري
يمكن توجيه انتقادات كثيرة إلى النسبية بشكل عام والنسبية الدينية بشكل خاص. النقد الأول هو فقدان الوجه المعياري (normative). لفهم هذا النقد بشكل أفضل، من الجيد أن أوضح الفرق بين الجانب "المعياري" والجانب "الوصفي". عندما نقول "جاء حسن أمس" فإننا نخبر عن واقع، وهذا له جانب وصفي. أما عندما نقول "كان من الأفضل لو جاء حسن أمس" فإننا نصدر حكماً قيمياً. هذا الحكم له جانب معياري. قلت أعلاه إن أنصار النسبية يقولون إن هناك تصورات مختلفة للأمر القدسي أو للحقيقة بشكل عام. وكل جماعة تعتبر تصورها هو الحقيقة وتعتبر التصورات الأخرى باطلة. النسبي الديني لا يقول إنه ينبغي أن نترك الحديث عن الحقيقة بالكلية، بل يقول ينبغي أن نترك الحديث عن الحقيقة المطلقة ونتحدث عن الحقيقة النسبية؛ على هذا النحو: من وجهة نظر المسلمين الإسلام حقيقة، ومن وجهة نظر اليهود الديانة اليهودية حقيقة، وهكذا.
لكن هناك نقطة مهمة هنا. خلافنا كان أساساً على الحقيقة (كان نزاعاً معيارياً) لا على ماذا تعتبر كل جماعة حقيقة (لم يكن نزاعاً وصفياً). لم يكن الخلاف على وصفنا لماذا تعتبر كل جماعة حقيقة، بل كان الخلاف على أي جماعة تقول الصواب. كان النزاع على الحقيقة عند أي جماعة، لا على ماذا تعتبر كل جماعة حقيقة. يمكن فهم هذه النقطة بشكل أفضل هنا، عندما يقول أنصار النسبية إن المسلمين يعتبرون الإسلام حقيقة واليهود يعتبرون اليهودية حقيقة، فإنك إذا عرضت هذه القضية على شخص مناهض للإسلام ومناهض لليهودية فسيقبلها ويقول نعم المسلمون يعتبرون الإسلام حقيقة، لكن يبقى هذا السؤال مفتوحاً: هل ادعاء امتلاك الحقيقة من قبل أي دين هو ادعاء صحيح أم لا؟ هذا السؤال الذي يطرحه الفرد المناهض للإسلام يسأل في الواقع من الوجه المعياري، الوجه الذي يفترض أن تكون الأمور عليه لا كيف هي عليه في الواقع العملي. أنصار النسبية ينتزعون الوجه المعياري من الحقيقة ومع ذلك يستمرون في الحديث عن الحقيقة. إنهم يختزلون الحقيقة إلى الوجه الوصفي. هذا في حين أن مفاهيم مثل الحقيقة والعدل والجمال تمتلك وجهاً معيارياً، أي أننا باستحضار هذه المفاهيم نتحدث عن كيف ينبغي أن تكون الأمور، لا كيف هي كائنة. وعلى هذا الأساس، فإن أنصار النسبية بدلاً من حل المسألة يمحون صورة المسألة في الواقع، وذلك بأن ينتزعوا من الحقيقة وجهها المعياري الذي يبدو أنه غير قابل للانفكاك عنها.
إغلاق باب الحوار
النقد الثاني الموجَّه إلى النسبوية هو أن من لوازمها إغلاق باب الحوار. فعندما نتحاور معًا، فإن طبيعة هذا الحوار تجعلنا وكأننا نسعى إلى بلوغ حقيقة يُفترض أنها مشتركة بيننا جميعًا. قد يكون بلوغ هذه الحقيقة صعبًا، بل ربما مستحيلًا، لكن سعينا هو أن نقترب منها على الأقل، وأن نركض، إن جاز التعبير، "وراء صوت الحقيقة". لكن حين يقول النسبويون إن الحقيقة بالنسبة لكل جماعة هي ما يعتقده فرد أو جماعة ما حقيقةً، فإننا في الواقع لا نعود نملك حوارًا، لأن كل جماعة تكون قد اكتشفت الحقيقة لنفسها مسبقًا. أنا، كفرد أو كعضو في جماعة تمتلك الحقيقة، لديّ حقيقتي، وأنتم، كأفراد أو كأعضاء في جماعة تمتلك الحقيقة، لديكم حقيقتكم. لم يعد هناك حوار بيننا. الحوار يكون من أجل اكتساب الحقيقة، أما ونحن نمتلك الحقيقة، فلا معنى للحوار.
ولكن ما الإشكال في أن تؤدي النسبوية إلى ختم الحوار؟ إشكال إغلاق باب الحوار هو أنكم إن أغلقتم طريق الحوار، فإن بدائلكم إما العنف وإما الخداع. ليس لدينا في الواقع سوى ثلاثة طرق لنقل رأينا إلى الآخرين: فإما أن نقنعهم، وسبيل ذلك الحوار والمحاجَّة العقلية، وإما أن نمارس العنف، وإما أن نخدعهم. وهناك بالطبع طريق رابع يتمثل في الاستعطاف اللطيف للمشاعر والعواطف دون خداع. الاستعطاف اللطيف للمشاعر والعواطف ليس بالضرورة خطأً أخلاقيًّا، أما العنف والخداع فهما خطأ أخلاقي بالضرورة.
والاستعطاف اللطيف للمشاعر والعواطف إن أُريد له ألا يكون مصداقًا للخداع، فلا بد أن يقوم على أساس عقلاني، وبهذا يعود هذا الشق أيضًا إلى شق الإقناع العقلاني. والنسبوية تغلق طريق الإقناع العقلاني، وبالتالي تفتح طريق الخداع والعنف. إذن، للنسبوية عواقب أخلاقية خطيرة، وبالتالي، بقدر ما تكون ظاهرة ما ذات عواقب أخلاقية خطيرة وغير مقبولة، تكون النسبوية أيضًا غير مقبولة.1
2- التعليقية الدينية
الرؤية الثانية هي "التعليقية الدينية". هذا بالطبع عنوان وضعته أنا، ولن تجدوا في أدبيات هذا الموضوع رؤية تحت هذا العنوان، لكني أرى أنه لا بد من تسمية فئة من الرؤى تحت هذا العنوان، لأن هناك رؤًى يمكن تسميتها هكذا. تشبه التعليقية الدينية النسبوية الدينية من بعض الوجوه، لكن ثمة فوارق أيضًا. تقوم هذه الرؤية على أنه، من الناحية التاريخية، كثيرًا ما قتل الناس بعضهم بعضًا وأقصوا بعضهم باسم الحقيقة (الحقيقة المقدسة، الله، النبي، وما شابه ذلك). يستنتج التعليقيون الدينيون من هذه المقدمة: تعالوا نترك البحث عن الحقيقة، تعالوا نترك النقاش حول أي إله هو الحق وأي إله مختلَق، وأي نبي هو الحق وأي نبي مختلَق أو مُتَنَبِّئ كما يُقال، وأي دين كتابه إلهي حقًّا وأي دين كتابه من صنع البشر، يقولون: اتركوا هذه النقاشات، فهي لا تُحَل. شاعت هذه الرؤية، خصوصًا في الغرب في عصر التنوير، بعد عدة قرون من النزاع المذهبي بين الكاثوليك والبروتستانت، وبعد عدة قرون من الحروب الصليبية بين المسلمين والمسيحيين. من وجهة نظر القائلين بهذه الرؤية، لا يخرج من صلب البحث عن الحقيقة الدينية والمذهبية سوى الدم والعنف. إذن، تعالوا نعلِّق هذا النقاش.
النقطة المهمة هنا هي أن التعليق يختلف عن الإنكار. الفرق بين التعليق والإنكار هو أنك في الإنكار أو التأييد لا تعلِّق الحكم، بل تُصدر حكمًا، أما في التعليق فأنت لا تؤيد ولا ترفض، بل تقول فحسب: لموسى دينه ولعيسى دينه. من كان متدينًا وبأي دين كان ميْلُه، فليكن له ميْلُه الديني. ومن سلك، إن جاز التعبير، طريق اللادينية، فليمضِ هو الآخر في طريقه.
بل يستطيع التعليقي أن يستحضر تحليلاً مستمداً من آراء ميشيل فوكو Michel Foucault، الفيلسوف الفرنسي، لصالح وجهة نظره، فيقول إنه حين يدور النزاع حول الحقيقة، لا يكون المطروح سوى اسم الحقيقة، لكن ما يكمن خلفها هو السلطة. فأنا حين أريد أن أقول إني على حق، إنما أريد إقصاءكم. وأنتم حين تقولون إنكم على حق، تريدون إقصائي. والنتيجة هي: فلندع النقاش حول الحقيقة أصلاً، ولنعلقه تعليقاً دائماً، لا أن ننكرها بالضرورة، بل أعتنق حقيقتي أنا في خلوتي الخاصة.
نقد التعليقية الدينية
يجب أن أعترف بأن هذه الوجهة من النظر تبدو جذابة جداً، وقد تبدو للوهلة الأولى قابلة للدفاع عنها. وجزء من جاذبيتها يكمن في أنها تفضي إلى التسامح. لكن النقد الذي يبدو أنه يمكن توجيهه إلى هذه الوجهة من النظر هو أن لدينا نوعين من تعليق الحكم. الأول، هو التعليق النظري الدائم (theoretical suspension) وهو ما يُعرف باللاأدرية (agnosticism) وسأتناوله لاحقاً. والنوع الثاني من تعليق الحكم، هو التعليقية العملية الدائمة؛ أي ألا نصدر حكماً أساساً، لا في شأن حقيقة الأديان، ولا في شأن ما إذا كان ثمة فارق بين التدين واللاتدين، وبين الإيمان بالله والإلحاد، وبين الطبيعية (naturalism) وما وراء الطبيعة (supernaturalism)، وأن ننبذ الحكم دائماً في الممارسة العملية.
يبدو أن التعليقية بهذا المعنى (أي بمعنى التعليقية العملية الدائمة) مناقضة لطلب الحقيقة. فمن يطلب الحقيقة، من الممكن تماماً أن يكون على حق، على الأقل في بعض الحالات، إلى جانب تركه لتعليق الحكم. صحيح أن طلب الحقيقة، على الأقل في بعض الحالات – إن لم يكن في كلها – يقتضي أن نبدأ من تعليق الحكم، أي أننا حين نريد طلب الحقيقة، لا نؤيد أو نرفض منذ البداية أي مذهب أو أي وجهة نظر، بل نضع كلاً منها أمامنا بوصفها وجهة نظر محتملة الصدق والكذب، لكننا قد نصدر حكماً بعد ذلك حين نمضي قدماً.
إذا قال قائل إن عليكم أساساً أن تنبذوا الحكم بشكل دائم، لأنه ما إن تصدروا حكماً حتى يفضي ذلك إلى العنف، فالجواب الذي يمكن أن يُعطى له هو أن هذه الوجهة من النظر لا تبدو قابلة للدفاع عنها. نعم، صحيح أنه من الناحية التاريخية، كثيراً ما كان الحديث عن الحقيقة دموياً، لكن هذا لا يستلزم أن يكون الحديث عن الحقيقة دموياً في جوهره وكليته. ما يظهره لنا التاريخ هو أن الدموية خطأ، لكنكم أنتم أنفسكم، لنقد ذلك العنف، مضطرون إلى إصدار حكم. فإذا علقتم جميع الأحكام، فمن أين لكم أن تعلموا أن العنف مدان؟ إن الحكم بتعليق الحكم الدائم يستلزم أن تعلقوا الحكم على العنف أيضاً.
وعلى هذا الأساس، فإن تعليق الحكم بشكل دائم ليس ممكناً في الممارسة العملية أصلاً، وفضلاً عن ذلك – وبافتراض أنه ممكن – فهو مناقض لطلب الحقيقة، وهو على نحو خاص مناقض لمناهضة العنف وتوسيع التسامح. لأنكم لكي توسعوا التسامح وتناهضوا العنف، يلزمكم أن تصدروا حكماً، ويلزمكم أن تنقدوا بعض الأحكام التي تنزع إلى العنف. لا يمكنكم أن تكونوا تعليقيين إزاء تلك الأحكام العنيفة، ولا يمكنكم أن تقولوا: لا شأن لي بصواب أو خطأ قتل أتباع الأديان الأخرى. التعليقية هنا غير جائزة، لأن هذه الأحكام العنيفة والناشرة للعنف يجب أن تُنقد، وبناءً على ذلك، فإن التعليقية العملية الدائمة غير قابلة للدفاع عنها.
ومع ذلك، فإن تعليق الحكم العملي المؤقت قد يكون من المصلحة أحيانًا. دعوني أضرب مثالًا. لديّ بين أصدقائي الباحثين من هم نقّاد للعقيدة البهائية، لكنهم لا يعبّرون عن نقدهم هذا أبدًا، لماذا؟ لأنهم يقولون إن أتباع هذه العقيدة في إيران وفي أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي واقعون تحت الضغط والعنف. فلو افترضنا أننا نقدناهم، فهم لا يستطيعون الردّ، بل وحتى لو افترضنا أنهم استطاعوا الردّ، فسيتم إقصاؤهم. بناءً على هذا، فإن الإنصاف يقتضي ألا ينتقدهم النقّاد المنصفون الآن؛ ولو افترضنا أنهم خرجوا يومًا ما من تحت وطأة هذا العنف الممارَس عليهم واستطاعوا الحصول على حقوقهم، حينها يمكن للنقّاد أيضًا أن ينتقدوهم في أجواء هادئة قائمة على الاحترام المتبادل وأن يدخلوا معهم في حوار نقدي. وهذا أيضًا نوع من تعليق الحكم. لكن تعليق الحكم هذا عملي مؤقت، وليس تعليق حكم نظري دائم أو تعليق حكم عملي دائم. وعلى أي حال، فإن التعليق العملي للحكم بشكل كلي ودائم يتنافى مع البحث عن الحقيقة.
3 و4- الحصرية الدينية
أما المنظوران الثالث والرابع فهما الحصرية الدينية. وللحصرية الدينية نموذجان:
أ - الحصرية الدينية الصدامية
ب - الحصرية الدينية الودّية.
عندما يُذكر الحديث عن الحصرية الدينية، فعادةً ما يتبادر إلى الأذهان الإسلام فقط، في حين أن الحصرية الدينية ليست مقصورة على الإسلام، وليس كل المسلمين حصريين دينيًا. فمن الناحية التاريخية، لدينا حصرية دينية مسيحية ويهودية وحتى بوذية. تقول الحصرية الدينية، بشكل عام، إن الله أو الأمر المقدس قد تجلى في دين واحد فقط، وإن الأديان الأخرى محرومة من تجلي الأمر المقدس أو التجلي الإلهي، وبالتالي محرومة من الخلاص. وبطبيعة الحال، فإن الحصرية اليهودية والمسيحية والإسلامية هي أشهر نماذج الحصرية، ولكن كما أشرت، لدينا أيضًا حصرية بوذية وهندوسية مثلًا.
نقد الحصرية الدينية
من أهم الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى الحصرية الدينية، لا سيما في الأديان التوحيدية، أي في الأديان القائلة بإله واحد مثل اليهودية والمسيحية والإسلام، أنها لا تنسجم مع تعالي الله. تعالي الله يستلزم ألا يكون الله إحدى الحقائق المبتذلة واليومية في الحياة. فكون الساعة الآن، مثلًا، الثانية عشرة وثمانٍ وثلاثين دقيقة ظهرًا، هذا مفيد جدًا لنا، لكنه في الوقت نفسه اعتقاد مبتذل يحكي عن حقيقة مبتذلة. في المقابل، فإن الله إن كان موجودًا، فهو وفقًا لرؤية المؤمنين حقيقة متعالية (transcendental). لكن الحصريين الدينيين يحصرون الله في دين ومذهب واحد. فإن حصرت الله في دين ومذهب واحد، فكأنك قد حوّلت الله إلى حقيقة مبتذلة وسلبتَه تعاليه.
لكن إذا حُصر الله وانحصر في دين ومذهب واحد، فلماذا يُسلَب تعاليه منه؟ لأن إحدى الصفات الجوهرية لله هي أن الله "حاضر في كل مكان" (omnipresent). ففي الأديان التوحيدية، ليس الله في السماوات فقط، بل هو حاضر في كل مكان، ويقتضي حضور الله في كل مكان ألا يكون حاضرًا في دين ومذهب واحد فقط. هذا في حين أن الحصريين الدينيين يقولون إن الله حاضر في دين واحد فقط؛ وهذا - كما أشير - لا ينسجم مع تعالي الله وحضوره في كل مكان.
لاحظوا أنني في نقدي للحصرية الدينية لم أخرج من دائرة الإيمان بالله. فمن يخرج من دائرة الإيمان بالله، ربما يستطيع أن يوجه انتقادات أخرى للحصريين الدينيين؛ منها مثلًا أن يقول إن الله غير موجود أصلًا حتى يتجلى بعد ذلك في دين واحد فقط أو لا يتجلى. لم أخض في ذلك النقد، لأنه برأيي أولًا أن الإلحاد لا يمكن الدفاع عنه، وثانيًا حتى لو كان الإلحاد قابلًا للدفاع عنه، فإن المؤمنين بالله إن أخذوا صفات الله كالتعالي والحضور في كل مكان على محمل الجد، فلا يمكنهم أن يكونوا حصريين دينيًا، لأن الله أسمى من أن يتجلى فحسب في دين ومذهب واحد.
ينقسم الحصريون الدينيون إلى فئتين، وهذا التمييز بالغ الأهمية: الحصريون الدينيون الصداميون والحصريون الدينيون الودودون. ما الفرق بين هاتين الفئتين وما أهمية هذا التمييز؟ إن الفرق بين هذين النوعين من الحصرية الدينية مهم بشكل خاص لأن الحصرية الدينية، في اللاهوت الفلسفي وفلسفة الدين المسيحي المعاصر، لها أنصار بارزون بين فلاسفة الدين. من أمثلتهم ويليام ألستون (William Alston)، ومثالان آخران هما ألفين بلانتينغا (Alvin Plantinga) وديفيد بازينجر (David Basinger). هؤلاء فلاسفة دين أقوياء للغاية وهم من أنصار الحصرية الدينية (المسيحية). ومع ذلك، فهؤلاء حصريون دينيون ودودون. بأي معنى؟ بمعنى أنهم يقولون إن المسيحية وحدها هي الدين الحق، ولكن إذا كان هناك شخص مسلم، أو يهودي، أو بهائي، فإننا نتسامح معهم. أي أنهم يقرون للأفراد، إن جاز التعبير،
المنظوران السادس والسابع هما الإلحاد (الودّي والعدائي). يمكن تفسير الإلحاد وفق نماذج مختلفة. النموذج الذي اخترته يقوم على مفهوم الوعي (consciousness). العالم من وجهة نظر الملحدين يخلو من الوعي. لا يوجد الوعي إلا بين البشر وربما بعض الحيوانات، أما سائر الموجودات وكلّ ذرّة من ذرّات العالم فتخلو من الوعي. ما هو الوعي؟ وفقاً لتصوّر ما، كلّ ما له "حيثية قصدية" (intentionality)، أي ما يكون ناظراً إلى شيء وعنه، فهو واجد للوعي. ما الفرق بين العقل البشري والحجر؟ يبدو أن الحجر منغلق على ذاته، ليس ناظراً إلى آخر، ولا متوجهاً إلى آخر. أما عقلي وعقلكم فهو ناظر إلى الآخر، واعٍ بالآخر. في الواقع، أنا الواقف هنا أتحدث ناظراً إليكم، وأنتم الجالسون هناك تنصتون إليّ، وهذا يعني أنكم ناظرون إلى آخر. هذا هو الوعي ذاته. أما الحجر، فلا يبدو كذلك، على الأقل للوهلة الأولى. والسؤال الآن هو: هل الوعي مقصور على البشر وبعض الحيوانات المتقدمة كالقردة والحيتان، أم أن سائر أجزاء العالم واجدة للوعي أيضاً؟ يقول المؤمنون بالله: نعم، جميع أجزاء العالم واجدة للوعي بدرجات متفاوتة، وبالطبع فإن ذروة الوعي وكماله عندهم هي في الله. أما الملحدون، أو الطبيعانيون عموماً، فيقولون: العالم خالٍ من الوعي.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان العالم من وجهة نظر الملحدين خالياً من الوعي، فما هو تفسيرهم للوعي البشري إذن؟ من أين نشأ الوعي البشري في هذا العالم الخالي من الوعي؟ يقول الملحدون إنه يمكننا ردّ الوعي البشري أيضاً إلى شيء ليس من سنخ الوعي (أمر مادي، كالعصبونات الدماغية مثلاً). أي أن العقل، بتعبير ما، هو الدماغ نفسه. وبناءً على ذلك، فحتى الوعي البشري ليس إلا صورة متقدمة من الأمر الطبيعي أو المادي الذي ليس من سنخ الوعي.
وفقاً لتصوّر أراه أكثر قابلية للدفاع، يرتبط الإلحاد بالطبيعانية، وإن لم يكونا متساويين. وبناءً على هذا، ما هو تفسير الملحدين للأديان؟ يقولون: كل الأديان باطلة، لأنه لا وجود لوعي كوني، أو وعي متعالٍ في هيئة إله، أو أمر مقدس.
نقد الإلحاد
يبدو أن الإلحاد لم يستطع بعد تفسير ظاهرة الوعي تفسيراً فلسفياً مرضياً. ثمّة مثال جذاب جداً لنقد الطبيعانية من هذا المنظور قدّمه توماس نيغل (Thomas Nagel). توماس نيغل فيلسوف أمريكي بالغ الأهمية، وهو من الفلاسفة القلائل الذين لا يزالون يقدّمون أعمالاً مهمة في خمسة أو ستة فروع فلسفية. الطريف في الأمر أن توماس نيغل نفسه ملحد.4
غير أن نيغل، عندما يتعلّق الأمر بالوعي، يقول إن الطبيعانية التي يلوذ بها الملحدون عموماً للدفاع عن منظورهم الإلحادي، لم تستطع تفسير ظاهرة الوعي. فهو يرى أن قول فلاسفة الذهن الطبيعانيين بأن العالم مجرد أمر طبيعي، وأنه ينحصر في المادة والطاقة فحسب، قول قد باء بالفشل. لماذا؟ في مقالته الشهيرة "كيف يبدو أن تكون خفّاشاً؟"، وهي من المقالات الكلاسيكية المؤثرة في فلسفة الذهن، يجادل نيغل بأن للوعي جانباً ظاهراتياً وكيفيةً ذهنية لا يمكن ردّها إلى وظائف الوعي (حلّ المشكلات، التفاعل مع المنبّهات، وما إلى ذلك).5
والآن، إذا كانت الطبيعانية لا تستطيع تفسير ظاهرة الوعي، فما هي نظرية نيغل البديلة؟ دافع نيغل لاحقاً عن فكرة "وحدة الوجود النفسية" (panpsychism). فكرته هي أن جميع أجزاء الوجود تمتلك درجة من الوعي. إذا كنتم تذكرون، فقد قلت سابقاً، على سبيل المثال، إن الفرق بين الإنسان والحجر هو أن الحجر يبدو كأنه لا وعي له، بينما الإنسان له وعي. لكن نيغل يقول في الواقع إن حتى ذلك الحجر يمتلك درجات ضعيفة من الوعي. إذا كنتم مهتمين بهذا النقاش، فانظروا كتاب نيغل الحديث نسبياً بعنوان العقل والكون (Mind and Cosmos) الذي نشرته مطبعة جامعة أكسفورد عام 2012 ميلادية، وقد تُرجم إلى الفارسية أيضاً.6
للإلحاد نسختان، إحداهما إلحاد ودي والأخرى إلحاد عدائي. يحظى الإلحاد الودي بأنصار كثر بين الملحدين. يقول الملحدون الوديون إن المؤمنين من أي دين كانوا يتبنون، من الناحية الفلسفية، وجهة نظر لا يمكن الدفاع عنها، لكن من حقهم أن يكونوا على باطلهم، لأنهم يتمتعون بـ"حق أن يكونوا على غير حق". المؤمنون واقعون في الوهم؛ يظنون أن هذا العالم ينطوي على وعي باطني، لكن دعهم يستمتعون بوهمهم وخرافاتهم هذه. لا شأن لنا بهم. من حقهم أن تكون لهم أساليب عيشهم وتجمعاتهم ومدارسهم الخاصة، شرط ألا يلحقوا الضرر بالآخرين بالطبع. نحن فقط نوجه لهم النقد الفكري. أما أولئك الملحدون العدائيون فيقولون: كلا، الإيمان بالله فيروس ويجب استئصال هذا الفيروس.
من الأمثلة الشهيرة جداً والحديثة على الملحدين العدائيين ريتشارد دوكينز (Richard Dawkins). يعتقد دوكينز أن جميع الأديان فيروسات. يقول دوكينز لا ينبغي أن تربوا أطفالكم على الإيمان بالله. هو أستاذ في جامعة أكسفورد ومن الانتقادات التي يوجهها هي: لماذا توجد كلية للإلهيات في جامعة أكسفورد؟ ما هذه "التفاهات" التي تُدرّس في واحدة من أفضل جامعات العالم؟ يبدو أن فكر دوكينز يتسم بطابع عدائي تماماً وهو في الواقع يسعى إلى إلغاء التعليم الديني - سواء للأطفال أم للكبار - في أي دين كان. هم في الواقع يعتبرون الدين فيروساً وسرطاناً.7
٨- اللاأدرية
الوجهة الثامنة هي اللاأدرية. أشرت أعلاه في قسم التوقفية الدينية إلى أن التوقفية النظرية الدائمة هي في الواقع لاأدرية. يقول اللاأدريون إن حقل ما وراء الطبيعة، حتى لو افترضنا وجوده، ليس قابلاً للمعرفة أصلاً، ونحن لا نملك حتى معلومات عن أصل وجود هذا الحقل، ناهيك عن كمّه وكيفه. يقول اللاأدريون إن الحقائق الميتافيزيقية، خلافاً للحقائق الفيزيقية، ليست قابلة للإدراك. ليس التمييز بين الحقائق الفيزيقية والميتافيزيقية بالأمر البسيط أصلاً، لكن أحد التعبيرات المبسطة عنه هو كالتالي: اعتبروا هذه واقعة أنني أراكم الآن. تصبح هذه الواقعة أساساً لاعتقادي بأنكم حاضرون هنا الآن. هذا اعتقاد فيزيقي، أو على الأقل اعتقاد جذوره في الواقع الفيزيقي. أما "الله موجود"، فهل هو مثل هذا الاعتقاد؟ لا يبدو الأمر كذلك، فهذا اعتقاد ميتافيزيقي. يقول اللاأدريون أو اللا أدريون - ومن أشهرهم في تراثنا الخيّام - إنه فيما يتعلق بالحقائق الفيزيقية، نعم، نحن نملك معرفة. مجال معرفتنا محدود بالحقائق الفيزيقية، لكن عندما يتعلق الأمر بالحقائق الميتافيزيقية، فعندها "تقصر أيدينا ويبقى التمر على النخيل". في الواقع، الحقائق الميتافيزيقية، إن وجدت، ليست قابلة للمعرفة، وبطبيعة الحال، ما لا يكون قابلاً للمعرفة لا يكون قابلاً للتعريف، أي لا يمكن تعريفه للآخرين أيضاً.
والآن، ما هو التفسير الذي يقدمه اللاأدريون لظاهرة تنوع الأديان؟ إنهم يلجأون إلى تفسيرات طبيعانية كالتفسيرات السوسيولوجية والسيكولوجية والأنثروبولوجية وغيرها. من وجهة نظرهم، لا يمكن تقديم تفسير فلسفي ميتافيزيقي لظاهرة تنوع الأديان. من وجهة نظرهم، وفيما يتعلق بالتفسيرات الميتافيزيقية، يجب اتخاذ موقف التوقف النظري عن الحكم، وبشكل دائم أيضاً.
وفقاً لتصور واحد على الأقل، اللاأدريون ليسوا ملحدين. الفرق بين الملحد واللاأدري هو أن الملحد يقول إننا نستطيع تحصيل العلم بالحقائق الميتافيزيقية، لكن عندما نذهب للتحقق من صدق هذه الحقائق، نرى أن الادعاء المطروح تحت عنوان "الله موجود" لا يمكن الدفاع عنه. أما اللاأدريون فيقولون إن جعبة حقائقنا الميتافيزيقية فيها عقدة عمياء لا يمكن حلها وتمييز الصحيح فيها من الخطأ. بتعبير آخر، نحن لا نملك إمكانية تقييم صحة الادعاءات الميتافيزيقية وسقمها.
نقد اللاأدرية
من الجدير بالذكر أن اللاأدرية لها نسختان: اللاأدرية القوية أو القصوى، واللاأدرية الضعيفة أو الدنيا. يعتقد اللاأدريون القصويون أن المعرفة الميتافيزيقية في مجال الدين مستحيلة أساسًا. هذه هي النسخة التي كنا نتحدث عنها حتى الآن. لكن للاأدرية نسخة أضعف لا تنفي إمكانية المعرفة الميتافيزيقية في مجال الدين بشكل كلي، لكنها تعتقد أن الأدلة لصالح الإيمان بالله أو الإلحاد كانت حتى الآن متكافئة إلى حد ما، ونتيجة لذلك، وبقدر ما تقودنا الأدلة، ينبغي لنا أن نتبنى اللاأدرية. سيكون نقدي في ما يلي ناظرًا فقط إلى النسخة القصوى من اللاأدرية.
النقد الذي يمكن توجيهه إلى اللاأدرية (القصوى) هو أن فلاسفة العلم - خصوصًا بعد فشل الوضعية positivitism)) أو الإثباتية - قد أظهروا بشكل جيد أن العلم التجريبي أيضًا مبني على معتقدات ميتافيزيقية. هناك على الأقل نموذجان من المعتقدات الميتافيزيقية البالغة الأهمية التي بُني العلم عليها، أحدهما مبدأ العلية والآخر مبدأ الاستقراء.
العلية تعني أن لكل ظاهرة علة توجد ذلك المعلول بالضرورة. أي أنه لا توجد ظاهرة بدون علة. المبدأ الثاني الذي بنيت عليه جميع العلوم الطبيعية - التجريبية هو مبدأ الاستقراء. فمثلًا، نُغلي الماء مرارًا وتكرارًا في بيئات مختلفة، وفي جميع هذه الحالات يغلي الماء عند درجة مئة. ثم نستنتج أن الماء يغلي دائمًا عند درجة مئة. هذا الاعتقاد له جذر فيزيائي، لأنه مبني على حالات متعددة من التجربة. لكن عندما نُعمم، فإننا نتجاوز الشواهد التجريبية المتاحة لنا، وهنا تدخل الافتراضات الميتافيزيقية. أحد هذه الافتراضات هو أن الكون منتظم. ونتيجة لذلك، فإن الحالات التي اختبرناها تمثل الحالات التي لم نختبرها، ومن ثم فإن هذه الحالات قابلة للتعميم. لكن مبدأ انتظام الطبيعة نفسه غير قابل للاختبار، ومن ثم فهو مبدأ ميتافيزيقي.
على هذا الأساس، إذا كان اللاأدريون يعتقدون أن أي نوع من الادعاء الميتافيزيقي غير قابل للمعرفة، فإنه يبدو حينئذ أن العلم الحديث سيصبح أيضًا غير قابل للمعرفة، لأن العلم الحديث مبني أيضًا على معتقدات ميتافيزيقية. المعتقدات العلمية الراسخة مثل "الأرض كروية"، و"مبدأ الجاذبية"، و"الأرض تدور حول الشمس"، والمعتقدات التي نبني على أساسها الطائرات وندبر حياتنا، جميعها بلا استثناء مبنية على معتقدات ميتافيزيقية. إذا كانت المعتقدات الميتافيزيقية غير قابلة للتقييم، فسيصبح العلم أيضًا غير قابل للتقييم.
بالطبع، قد يجيب اللاأدريون قائلين إن المعتقدات الميتافيزيقية العلمية مقبولة، لكن المعتقدات الميتافيزيقية الدينية غير مقبولة. وقد يكون دليلهم على هذا التمييز هو أننا نستطيع أن نحصل بشكل ما على علم بمبدأ العلية ومبدأ الاستقراء، لكننا لا نستطيع أن نحصل على علم بالله والعوالم الماورائية. لكن يبدو أنه من حيث الخاصية الميتافيزيقية لا فرق بين القضايا الميتافيزيقية الدينية والقضايا الميتافيزيقية العلمية. قد يُقال في الرد إن هاتين الفئتين من المعتقدات الميتافيزيقية ليستا متساويتين، لأن الاستقراء مثلًا متجذر في آلاف الحالات من الملاحظة التي توفر على الأقل أساسًا ورصيدًا تجريبيًا لمبدأ الاستقراء، لكن الإيمان بالله ليس كذلك وهو اعتقاد ميتافيزيقي خالص. يمكن القول في الرد إن الإيمان بالله أيضًا متجذر في التجارب الدينية للأفراد عبر التاريخ. فكثير من البشر عبر التاريخ كانت لديهم تجارب دينية وأحسوا بحضور الأمر الإلهي في حياتهم. وعلى هذا الأساس، يبدو أنه لا يوجد فرق جوهري بين المعتقدات الميتافيزيقية الدينية والمعتقدات الميتافيزيقية غير الدينية. إذا كانت المعتقدات الميتافيزيقية غير الدينية (خاصة العلمية) تبدو معتقدات معقولة ومقبولة، فلا إشكال من حيث المبدأ في أن تكون المعتقدات الميتافيزيقية الدينية أيضًا معقولة ومقبولة.8
9- التعددية الدينية
المنظور التاسع هو التعدّدية الدينية. وكما قلت في بداية النقاش، أعتقد أن هذا المنظور يُقدّم أفضل تفسير فلسفي لظاهرة تنوّع الأديان. من وجهة نظر التعدّديين الدينيين، فإن أديان العالم الكبرى كلها تجلٍّ للحق ومحقّقة للخلاص. أهم فيلسوف تعدّدي معاصر هو جون هيك (John Hick). حجّة جون هيك هي أن العالم ينطوي على غموض ذاتي (وهذا الغموض بالطبع ليس من قبيل اللاأدرية التي لا يمكن معها تبرير أي اعتقاد ميتافيزيقي على الإطلاق). غموض العالم يسمح للبشر بأن يُقدّموا عن العالم تفسيرًا دينيًا وتفسيرًا غير ديني على حدٍّ سواء.
يُحاجج هيك بأن جميع أديان العالم الكبرى تشترك في نمطٍ خلاصي واحد. من وجهة نظر هيك، التجربة الدينية تُبرّر الاعتقاد الديني. دعوني أوضّح هذه النقطة قليلًا. كثيرون منّا ممّن قد نكون متديّنين (متدينين بأي دين كان) ليس فقط لأن آباءنا وأمهاتنا وعائلاتنا كانوا متديّنين فصرنا متديّنين، بل إننا واجهنا شكوكًا خلال حياتنا. استمرار تديننا يمكن أن يكون، من جملة أسباب، لأن أحداثًا وقعت في حياتنا جعلتنا نشعر بأننا نحسّ حضور الأمر الإلهي. والعكس بالطبع يحدث أيضًا. فقد مررنا بأزمات في حياتنا دفعتنا إلى تجربة، كما يقول شاعر: «أقسم أن لا إله في الأرض / سواكم ومعاناتكم لا شيء في الأرض». هذا أيضًا نوع من التجربة، لكنها تجربة غير دينية. التجربة غير الدينية يمكن أن تُبرّر للفرد الذي يتّجه إلى الإلحاد معتقده. والتجربة الدينية يمكنها، في المقابل، أن تفعل الشيء نفسه. إذا كنت قد شعرت بحضور الأمر الإلهي في موضعٍ ما من حياتي، فإن اعتقادي بالإيمان بالله سيكتسب، على الأقل كما يقول الفلاسفة، تبريرًا أوليًا (prima facie justification).
لكن كون التجربة الدينية يمكنها أن تُبرّر الاعتقاد الديني أو على الأقل تجعله معقولًا، هو أمر يُسلّم به الحصريون الدينيون أيضًا. ومن هنا يفترق طريق هيك عن طريق الحصريين الدينيين. يقول الحصريون الدينيون: نعم، لقد اختبرنا المسيح، إذن فالمسيحية وحدها هي الدين الحق. يقول هيك: إن التجربة الدينية التي تُبرّركم في اعتقادكم الديني، لها خاصية شمولية، بحيث إما أن تُبرّر جميع الأديان أو لا تُبرّر أي دين. لأن ما يشابه تجربتكم الدينية موجود أيضًا بين متديّني الأديان الأخرى، وخاصة عرفاء الأديان الأخرى، والتجربة الدينية لمتديّني الأديان الأخرى لها بنية مشابهة لتجربتكم الدينية، ولها نتائج مشابهة لنتائج تجربتكم الدينية.
على هذا الأساس، من وجهة نظر هيك، إذا كانت التجربة الدينية تؤدي إلى تبرير معرفي (epistemic justification)، وهو يرى أنها تؤدي إلى ذلك، فإنها تؤدي إلى تبرير معرفي لجميع الأديان. يناقش هيك التبرير المعرفي الذي تؤدي إليه التجربة الدينية في كتابه الأول بعنوان الإيمان والمعرفة (Faith and Knowledge) وهو كتاب كلاسيكي ومؤثر.9
أما النقطة الثانية (وهي أن التبرير المعرفي الذي تؤدي إليه التجربة الدينية هو تبرير شامل) فيناقشها في أشهر كتبه تفسير للدين (An Interpretation of Religion) الذي يُعدّ واحدًا من أكثر الكتب تأثيرًا في التقليد التحليلي لفلسفة الدين في النصف الثاني من القرن العشرين.10
من وجهة نظر هيك، الأديان المختلفة هي استجابات مختلفة للحقيقة الإلهية. وجميع الأديان الكبرى، نتيجة لذلك، محقّقة للخلاص. لماذا؟ لأنها جميعًا تمتلك الإطار الأخلاقي اللازم لتحقيق الخلاص. ذلك الإطار الأخلاقي هو: «خروج الفرد من التمركز حول الذات إلى التمركز حول الحقيقة». هذا هو أهم ما تفعله الأديان. أي دين يقوم بهذا العمل، فهو متحلٍّ بالحقيقة.
النتيجة: يا تعدّديي أديان العالم، اتّحدوا!
التعدّدية الدينية هي الخيار الأكثر قابلية للدفاع عنه فلسفيًا لتفسير ظاهرة تنوّع الأديان. لأن أولاً جميع البدائل الثمانية التي عددتها تعاني من إشكالات تبدو، بالمقارنة مع إشكالات التعدّدية الدينية، أكثر جدّية. إذن فالتعدّدية الدينية، لكونها أقل إشكالًا، هي أكثر قابلية للدفاع. والسبب الثاني هو أن التعدّدية الدينية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالجزء الأكثر قابلية للدفاع من التقاليد اللاهوتية للأديان الإلهية، ألا وهو اللاهوت التنزيهي أو اللاهوت السلبي. هذه النقطة بالطبع لا يسعني شرحها، ولكن هذه الإشارة كافية.
النتيجة العملية النهائية التي أريد أن أخلص إليها من هذا البحث، أرغب في التعبير عنها في شكل شعار: "يا تعدّديي أديان العالم، اتّحدوا". قد تقولون إن جون هيك وفلاسفة تعدّديين آخرين قد جاؤوا ومهّدوا الطريق. بالطبع إسهامهم كان بارزًا جدًا ونحن في الواقع نقف على أكتافهم، لكن طريقهم بحاجة إلى استمرار، خاصة أنه بعد وفاة جون هيك يوجد الآن فلاسفة دين مسيحيون بارزون جدًا هم من أنصار الحصرية الدينية. ثلاثة من فلاسفة الدين المسيحيين البارزين، الذين ذكرت أسماءهم سابقًا، وجميعهم بشكل ما من أنصار الحصرية الدينية، هم ويليام ألستون، وألفين بلانتينغا، وديفيد بازينجر.
على هذا الأساس، يحتاج التعدّديون الدينيون إلى استقطاب الأنصار. يجب أن ينهض جمع للدفاع الفلسفي عن التعدّدية الدينية. اقتراحي هو أنه إذا كان هذا البحث مقنعًا لكم، أو على الأقل مثيرًا للاهتمام، وكانت لديكم اهتمامات فلسفية، فيمكنكم إما أن تجعلوا تخصصكم الفلسفة، أو في خلواتكم أن تعرّفوا أنفسكم حتمًا بالأدبيات الفلسفية لهذا الموضوع. التعدّديون الدينيون المسلمون، والبهائيون، واليهود، والمسيحيون، والهندوس، والداويون، والجاينيون، والزرادشتيون وغيرهم يجب أن يدخلوا في ساحة نضال فلسفي للدفاع عن التعدّدية الدينية. برأيي بهذه الطريقة، سينتفع العالم أكثر من حضور الأمر الإلهي، وستخفّ وطأة العنف الخبيث الذي يُمارس باسم الله والأمر القدسي والأديان.
.
.
1- للدفاع عن النسبوية الدينية، انظر:
Runzo, Joseph, Reason, Relativism and God. New York: Palgrave Macmillan, 1986.
لنقد النسبوية بشكل عام، انظر: بوغوسيان، بول، الخوف من المعرفة؛ في نقد النسبوية، ترجمة ميردامادي، ياسر، طهران: كرگدن، ۱۳۹۵.
2- للدفاع عن الحصرية الدينية، انظر:
Kim, Joseph, Reformed Epistemology and the Problem of Religious Diversity: Proper Function, Epistemic Disagreement, and Christian Exclusivism. Eugene: Pickwick Publications, 2011.
3- للدفاع البوذي عن الشمولية الدينية، انظر:
Kiblinger, Kristin Beise, Buddhist Inclusivism: Attitudes Towards Religious Others. London/New York: Routledge, 2005.
4- نيغل، ليس ملحدًا فحسب، بل يمكن القول إنه ملحد من الطراز الرفيع. في الواقع لدينا نموذجان من الإلحاد. نموذج إلحادي يقول لا إله، ولكن يا ليته كان موجودًا. ونموذج إلحادي آخر يقول لا إله، ويا حبّذا لو لم يكن موجودًا. توماس نيغل من هذا النموذج الثاني. لهذا السبب أسميته الملحد من الطراز الرفيع.
5- Nagel, Thomas, “What Is It Like to Be a Bat?” The Philosophical Review 83, no. 4 (1974): 435–50.
6- Nagel, Thomas, Mind and Cosmos: Why the Materialist Neo-Darwinian Conception of Nature Is Almost Certainly False. New York: Oxford University Press, 2012.
7- Dawkins, Richard, The God Delusion. London: Black Swan, 2007.
لنقد موجز لآراء داوكينز وغيره من الملحدين الجدد، انظر هذا الكتاب الذي يبدو أنه قيد الترجمة إلى الفارسية:
Poole, Michael, The “New” Atheism: 10 Arguments That Don’t Hold Water? Oxford/Chicago: Lion Books, 2009.
8- للدفاع عن اللاأدرية، انظر:
Kenny, Anthony, The Unknown God: Agnostic Essays. London/New York: Continnuum, 2004.
9 -Hick, John, Faith and Knowledge. 2nd ed. London: Macmillan, 1988.
10 -Hick, John, An Interpretation of Religion: Human Responses to the Transcendent. 2nd ed. New Haven: Yale University Press, 2004.
.
.
أيّ منظور فلسفي يُفسّر ظاهرة تعدّد الأديان تفسيرًا أفضل؟
ياسر ميردامادي
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
پاسخ 2 این بیان شما که دینی وجود ندارد خود یک دین است.
این که دین وجود ندارد خود یک موضع است که با صرف سئوال ارزشی ندارد اگر موضع مشخص شود ، تبیین شود، و شواهد ارائه دهد، خود را توجیه کند آن گاه شأن یک نگاه را می یابد. این سئوال عدم امکان ارائه موضع را می رساند. سئوال دوم شما تلویحا به معنای پذیرش وجود دین است. 3. نیاز به وجود دین را حتی فلاسفه که معتقد بدمدند خدا وجود ندارد اعلام کرده اند. جواب شما:شکست سنن فکری دیگر که غیر دینی و یا ضد دینی بودند عقلا باور دینی را انتخابی معقول می سازد که مکن است شما انتخاب عقلانی را بپذیرید و یا نپذیرید. نیاز به دین با کشانده شدن مدرنیته به جنگ جهانی دوم با حدود صد میلیون کشته و صد و بیست میلیون معلول جنگی و یا آواره بی خانمان حتی در اروپا روشن شد. نیاز به دین علت های دیگری نیز دارد:1 بهترین موضع اخلاقی 2 موجه بودنش 3 موفق بودنش است .
اصلا چه نیازی هست که دین وجود داشته باشد؟ مگر ادم باید حتمن دین داشته باشد تا بفهمد فضایل اخلاقی کدامند و رذائل اخلاقی کدام؟
پاسخ 3 حتی خود دین نیز با شما هم عقیده است که انسان بی دین قادر به درک فضائل اخلاقی است . پس از این درک مسئله انتخاب موضع اخلاقی فرد پیش می آید.