اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
صمدت النسبوية رغم كثرة الانتقادات الموجهة إليها في تاريخ الفلسفة، ولها أثر في التراث الإسلامي؛ من مراجعة دليل روتليدج في فلسفة النسبوية إلى أثر النزاعات المذهبية على نسبنة الحقيقة الدينية، تقرير من ياسر ميردامادي.

إلى جانب صخب الحياة اليومية وبعيداً عن أعين الجميع، تقع مغامرات في متاهة الدين والفلسفة في إيران والعالم، قد لا تترك أثراً مباشراً وسريعاً على حياتنا. ثم إننا لسنا جميعاً باحثين في الدين أو دارسين للفلسفة، وربما لا نشارك في هذه الأمور حتى من بعيد. لكن التجربة أثبتت أن الأحداث الفكرية – التي تبدو – هادئة من حولنا يمكنها أن تترك أثراً باقياً على حياتنا الجمعية على المدى المتوسط أو البعيد.
في «مغامرات الدين والفلسفة» نتناول أحداثاً، وإن كانت تُعزف الآن في إيران أو العالم، قد يصل صداها لاحقاً. قد تكون هذه الأحداث نشر كتاب، أو مقالة، أو مجلة، وقد تكون محاضرة، أو مناظرة، أو حواراً، أو نزاعاً فكرياً، أو تتبعاً لمفكر، أو رصداً لتيار، أو رواية لموجة افتراضية نشأت حول موضوع في الدين أو الفلسفة.

لا شك أنكم سمعتم أحكاماً من هذا القبيل، وربما شاركتم أنتم أيضاً في إطلاقها: «في ثقافتكم هذه وحشية، أما في ثقافتنا فهي نخوة»، أو بشكل أصرح: «لا توجد حقيقة مطلقة، بل لكل شخص حقيقته». أحكام من هذا القبيل تنطوي، قليلاً أو كثيراً، على نزعة نسبوية.
النسبوية وجهة نظر فلسفية تقول إن الثقافات المختلفة، وحتى الأفراد المختلفين داخل الثقافة الواحدة، لديهم أحكام متباينة بعمق، ولا يوجد معيار مستقل للحكم بين هذه الأحكام، بل إن كل معايير الحكم المقترحة تعتمد في نهاية المطاف على تلك الثقافات نفسها وليست مستقلة عنها. حينئذ يستنتج النسبوي أن لكل فرد أو ثقافة حقيقته الخاصة، وأن الحقائق المتباينة بعمق للأفراد أو الثقافات المختلفة متساوية في الاعتبار، أو متساوية في اللااعتبار، وليس الأمر أن حقيقة ما أكثر اعتباراً من الحقائق الأخرى.
فعلى سبيل المثال، «القتل بدافع الشرف» في بعض الثقافات، قديماً وحديثاً، لم يكن يُعتبر «وحشية» فحسب، بل كان يُعد علامة «نخوة»، وكان القاتل يكتسب صورة «البطل». ومع ذلك، في ثقافات أخرى، يُعتبر هذا النوع من القتل «وحشية»، ويُوصف القاتل بأنه متوحش وقاسٍ. من هو على حق؟ «لا يوجد جواب مطلق، قل لي من أي ثقافة أتيتَ أقل لك من هو على حق»، هذا هو جوهر الجواب النسبوي.
النزاع الفكري بين النسبويين ومناهضي النسبوية هو من النزاعات الخالدة في تاريخ الفلسفة الغربية والشرقية. يمكن اعتبار سقراط أول «شهيد» لهذا النزاع في تاريخ الفلسفة الغربية. فمن جهة، تصدى سقراط للسفسطائيين، الذين كانوا نسبويين محترفين، وأمسك بتلابيبهم في حواراته المثيرة للتحدي، ومن جهة أخرى، حُكم عليه هو نفسه، بتهمة مشابهة، بتجرع كأس السم.
حتى في القرون الوسطى، التي كانت عصر اشتعال اليقين والمطلقية، لم ترحل النسبوية تماماً، بل واصلت حياتها على الهامش. وفي العصر الحديث أيضاً، حين كان العلم والتكنولوجيا يطلبان المبارزة، لم تندثر النسبوية؛ حتى نصل إلى النصف الثاني من القرن العشرين حيث وفرت عوامل كالتعرف على الثقافات المختلفة، خاصة عبر الهجرة، وكذلك الحروب العالمية، والكوارث البيئية، وانتشار الحركات النسوية والمناهضة للاستعمار، أرضية لنمو الأفكار النسبوية أكثر من أي وقت مضى.
النسبوية، وإن كان لها منتقدون جادّون وكُثُر في تاريخ الفلسفة قديمها وحديثها، فقد أظهرت من المرونة ما مكّنها من الصمود عبر التاريخ رغم أشدّ الانتقادات؛ وليس هذا فحسب، بل إنها اتخذت أشكالاً جديدة. فكلّما خبا بريق نسخة من النسبوية، استنبت النسبويون، ولا يزالون يستنبتون، نسخاً جديدة في ضوء انتقادات مناهضي النسبوية. كما أن فلاسفة لم يقبلوا تُهمة النسبوية أو لم يقصدوا الدفاع عنها، طوّروا أفكاراً أفضت، من حيث لا يحتسبون، إلى ازدهار النسبوية. وبالنظر إلى أن عدد الفلاسفة المستعدّين لاعتبار أنفسهم نسبويين صراحةً قليل جداً، وإلى أن تُهمة النسبوية تُعدّ ضرباً من «الكفر الفلسفي» بين الفلاسفة المحترفين، فإن بقاء نهج فلسفي يفرّ الفلاسفة حتى من اسمه يُعدّ من عجائب تاريخ الفكر.
يمكن ملاحظة جانب من بقاء النسبوية واتساع نطاقها في أثر أصدرته دار نشر «روتلدج» في 25 دي 1398 هـ.ش (15 يناير 2020 م): «دليل روتلدج في فلسفة النسبوية» بتحرير مارتن كوش (مواليد 1959 م) أستاذ فلسفة العلم ونظرية المعرفة في جامعة فيينا، النمسا. يصف هذا الكتاب، الواقع في ستمائة صفحة، نفسه بأنه أوسع أثر نُشر حتى الآن في النسبوية: «هذا أول أثر يرسم المضامين النسبوية في جميع المجالات الفلسفية» (ص. 1).
ينقسم هذا الأثر إلى 9 أقسام. يتناول القسم الأول النسبوية في التقاليد الفلسفية غير الغربية. يضم هذا القسم ثلاثة فصول، يتناول كل منها النسبوية في التقاليد الهندية والإفريقية والإسلامية. كتب الفصل المتعلق بالنسبوية في التقاليد الإسلامية نادر البزري (مواليد 1966 م) أستاذ الفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، لبنان.
يدفع البزري بأن النزاعات الطائفية بين المسلمين، وأشهرها النزاع بين السنّة والشيعة، أسهمت، دون قصد، في نسبنة «الحقيقة الإسلامية»؛ وإن لم تُفضِ نسبنة الحقيقة الدينية هذه في العالم الإسلامي إلى الشكّ ونفي أصل الإسلام. كانت كل طائفة من الطوائف الإسلامية المتنوعة ترى نفسها المالك المطلق للحقيقة وترى غيرها باطلاً. لكن تصادم المطلقات أدّى، دون قصد، إلى نسبنة «الحقيقة الدينية» في العالم الإسلامي.
كان بإمكان البزري في هذا الصدد أن يشير إلى بيت حافظ الشهير: «حرب الاثنتين وسبعين ملّةً كلّها فاعذرْ / إذ لم يروا الحقيقةَ سلكوا طريق الأسطورة». يشير حافظ في هذا البيت إلى حديث منسوب إلى نبي الإسلام: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الناجية». هذا الحديث المشهور، الذي لا يوجد في متون الحديث المعتبرة لدى الشيعة والسنّة رغم شهرته، وإن كان مضمونه طائفياً وإقصائياً، إلا أنه أدّى هو نفسه، دون قصد، إلى تكثّر «الحقيقة الدينية» في تاريخ الفرق الإسلامية. ذلك أن كل فرقة سعت إلى إظهار نفسها بأنها «الفرقة الناجية» في الحديث المذكور، وإظهار الفرق الأخرى باطلة. وعلى هذا الأساس، ظهر عشرات المدّعين بأنهم «الفرقة الناجية»، وأفضى هذا الأمر إلى تكثّر «الحقيقة الدينية» بين المسلمين.
خلافاً للحديث المنسوب إلى النبي، لا يعدّ حافظ تلك «الاثنتين والسبعين فرقة»، التي سلكت طريق الأسطورة، من أهل النار، بل يعدّها معذورة؛ لأنها لم ترَ الحقيقة، لا أنها رأتها ثم أنكرتها عناداً. يدافع حافظ بهذا عن فكرة «خفاء الحقيقة»، وهي فكرة ترى اكتشاف الحقيقة صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، وتعتبر الخطأ في اكتشاف الحقيقة طبيعياً بل محتوماً. وفكرة «خفاء الحقيقة»، وإن لم تكن بالضرورة نسبوية ويؤمن بها كثير من مناهضي النسبوية، فهي خطوة واسعة نحو النسبوية.
يُخصَّص القسم الثاني من «دليل روتليدج في النسبوية»، والذي يضم أحد عشر فصلاً، لتاريخ النسبوية في الفلسفة الغربية من اليونان القديمة حتى العصر الحديث. وتتناول الفصول المختلفة للأقسام من الثالث إلى التاسع من هذا العمل النسبوية في مجالات فلسفية متنوعة: الفلسفة السياسية، وفلسفة القانون، وفلسفة الأخلاق، ونظرية المعرفة، والميتافيزيقا، وفلسفة العلم، وفلسفة اللغة، وفلسفة العقل، وفلسفة الدين، والفلسفة التجريبية. هذا الكتاب، وإن كان -بحسب قوله- أوسع عمل في النسبوية، إلا أنه لا يتطرق في قسمه التاريخي إلى الفلسفة الصينية واليابانية. وفي قسم المجالات الفلسفية، يغيب البحث في النسبوية في فلسفة التاريخ، والهرمنيوطيقا، وفلسفة الفن (علم الجمال).
«الحديث» في التراث الإسلامي هو رواية تحوي قولاً منسوباً إلى النبي، وكذلك، في التراث الشيعي، بمعنى أوسع هو رواية تحوي قولاً منسوباً إلى أئمة الشيعة؛ كما أن الحديث ليس مجرد رواية لأقوال النبي والأئمة، بل هو رواية تحوي أفعالاً منسوبة إلى النبي والأئمة أو ردود أفعالهم إزاء الأحداث. تكفي للدلالة على أهمية الحديث في التراثات الإسلامية (سواء الشيعية أم السنية) أن فروعاً مؤثرة من «العلوم الإسلامية»، كالفقه وعلم الكلام النقلي، استقَت من الحديث أكثر مما استقت من القرآن.
«علم الحديث»، أي فرع «العلوم الإسلامية» الذي يبحث في سند الأحاديث ومتنها، هو فرع عريق من البحوث الإسلامية التقليدية. أما دراسات الحديث في الدراسات الإسلامية الغربية فهي حديثة النشأة، ويمتد عمرها قرابة مئة عام. رائدها هو المستشرق المجري إجناتس غولدتسيهر (١٨٥٠-١٩٢١م). شكك غولدتسيهر في أبحاثه في المصداقية التاريخية للأحاديث النبوية. وكان يرى أنها عموماً مختلقات ما بعد النبوة لإضفاء الشرعية العقائدية على النزاعات الطائفية. بعد غولدتسيهر، سار عدد من المستشرقين الغربيين، مثل يوزف شاخت وجون وانسبرو وباتريشيا كرون، في أبحاثهم على نهج النزعة الشكية في دراسة الحديث. ومع ذلك، كان بين المستشرقين الغربيين باحثون، مثل مونتغمري وات في الماضي وهارالد موتسكي وأندرياس غوركه في الحاضر، ممن كانت نظرتهم أقل شكاً إزاء المصداقية التاريخية للأحاديث النبوية.
يرسم أثرٌ صدر مؤخراً خريطة طريق لدراسات الحديث لدى المسلمين والغربيين: «الرفيق الموجز من وايلي-بلاكويل في الحديث». وكما هو واضح من عنوان الأثر، فقد نشرت هذا الكتاب دار وايلي-بلاكويل بتاريخ ٢٠ فبراير ٢٠٢٠م، وقد كتبه جمع من دارسي الحديث الغربيين والمسلمين. يوضح دانيال براون، محرر هذا الأثر، في المقدمة أن هذا الكتاب ليس مجرد مدخل إلى دراسات الحديث لدى الغربيين والمسلمين في الماضي والحاضر، بل إنه -لاحتوائه إحالات كثيرة إلى أعمال حديثية معظمها بالعربية لم تُترجم إلى الإنجليزية بعد- سيكون بمثابة كتاب مرجعي أيضاً (ص. ١٠).
كتب الفصل المتعلق بدراسات الحديث عند الشيعة أحمد باكتجي، عضو الهيئة العلمية لقسم علوم القرآن والحديث في جامعة الإمام الصادق بطهران. وفي الفصل التاسع عشر من هذا العمل بعنوان «إعادة تقييم الحديث» يتناول دانيال براون جهود العلماء المسلمين المناهضين للحديث والمكتفين بالقرآن. وهو يجادل بأنه منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعداً، ظهر علماء مسلمون رأوا أن أحد عوامل تخلف المسلمين هو شيوع الأحاديث «المكذوبة والخرافية» في الغالب. لقد سعوا إلى اقتراح فهم ديني متمركز حول القرآن ومنزّه عن الحديث. وكان من أنجح منظّري هذا التيار الفكري الباحث الإسلامي الباكستاني-الأمريكي فضل الرحمن (1919-1988م). ومع ذلك، يجادل براون بأن التيار المكتفي بالقرآن والمناهض للحديث، على الرغم من أهميته النظرية، لم يتمكن حتى الآن من تحقيق نجاح يُذكر بين المسلمين وظل تياراً هامشياً.
بدأت القصة عندما أعلن رجل دين يُدعى عباس تبريزيان (مواليد 1343 شمسية في النجف)، وهو من المدافعين عن «الطب الإسلامي» ومن معارضي الطب المهني، في أوائل شهر بهمن من هذا العام عن عزمه إحراق أحد الكتب الدراسية الشهيرة في مجال الطب بعنوان «مبادئ هاريسون للطب الباطني» في مراسم علنية. هذا الكتاب الذي صدرت طبعته العشرون عام 2018 ميلادية سُمّي باسم الطبيب الأمريكي تينسلي هاريسون (1900-1978م). وكان هاريسون محرر الطبعات الخمس الأولى من هذا العمل.
لقد تسارعت وتيرة الجهود الرامية إلى توسيع نطاق الطب التقليدي و«الطب الإسلامي» ومعارضة الطب المهني في إيران خلال السنوات الأخيرة. ففي شهر فروردين من عام 1393 شمسية، أبلغ آية الله خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، السياسات الكلية للصحة. وفي هذا البلاغ، وعلى الرغم من عدم ذكر «الطب الإسلامي» صراحة، إلا أن البند الثاني عشر منه يتحدث عن «إعادة التعرف على الطب التقليدي الإيراني وتبيينه وترويجه وتطويره ومأسسته». وقبل ذلك بنحو أربع سنوات، في عام 1389 شمسية، قال آية الله خامنئي في كلمة له أمام أساتذة الجامعات، نُشرت على موقعه الرسمي: «أشار أحد الأصدقاء إلى أنه تم تشكيل كلية للطب التقليدي؛ هذه بشرى سارة بالنسبة لي».
علاوة على ذلك، تُنسب إلى آية الله خامنئي تصريحات شفهية أكثر وضوحاً في الدفاع عن «الطب الإسلامي»؛ وقد نقلت هذه التصريحات قواعد إلكترونية مؤيدة لـ«الطب الإسلامي» وكذلك وكالة أنباء فارس، المقربة من الحرس الثوري: «هاجسي اليوم هو الطب الإسلامي الإيراني. يجب أن يكون كل شيء في المجتمع الإسلامي إسلامياً؛ الاقتصاد، والسلوك، واللباس، وحتى طبه يجب أن يكون إسلامياً». ومع ذلك، لا توجد هذه التصريحات الأخيرة على الموقع الرسمي لآية الله خامنئي.
تشير الأدلة إلى أن النقاش حول الطب التقليدي و«الإسلامي» في مقابل الطب المهني قد طُرح على ما يبدو منذ بداية ثورة السابعة والخمسين. وهذا في الوقت الذي كان فيه آية الله خامنئي،至少在 مرحلة ما في بداية الثورة، من معارضي النقاش حول «الطب الإسلامي» والتقليدي في مقابل الطب المهني. يقول آية الله خامنئي في تير عام 1358 شمسية في جمع من أطباء الطب التقليدي الذين جاؤوا من شيراز إلى قم: «اليوم ليس يوم أن تصرفوا كل قواكم في ما إذا كان يجب العمل بالطب الإسلامي، كما تسمونه، أو الطب التقليدي لأبي علي والرازي، أو الطب الآخر، هذا لا ينبغي أن يُطرح الآن».
مهما تكن خلفية هذا الخلاف، فقد نفذ تبريزيان وعده بإحراق الكتاب، وانتشر فيديو مراسم إحراق الكتاب بسرعة وعلى نطاق واسع في الفضاء الافتراضي. وأوضح تبريزيان، أثناء إشعاله الولاعة في النسخة الأصلية الإنجليزية من كتاب هاريسون في الطب الباطني، أن إحراق الكتاب هذا هو مراسم رمزية لنهاية «الطب الكيميائي في العالم كله».
أثار فيديو حرق الكتب ردود فعل كثيرة، لا سيما في الشبكات الافتراضية الناطقة بالفارسية داخل إيران وخارجها. فعلى سبيل المثال، وصف رسول جعفريان، أستاذ التاريخ في جامعة طهران وهو رجل دين، في مذكرة قصيرة وصريحة هذا العمل بأنه «قبيح ومخزٍ» و«جاهل ومتطرف»، وقارنه بحرق الكتب على يد أحمد كسروي، وكتب أن هذا عمل «لا يقبله أي محب للعلم، على أي مستوى كان». وميز جعفريان بين الطب التقليدي و«الطب الديني»، واعتبر الأول مقبولاً من حيث المبدأ بعد الحصول على التأييدات الطبية المعتبرة، لكنه وصف «الطب الديني» الذي يدعيه تبريزيان بأنه «نسج خيال» شخص «ليس في مقام يسمح له بادعاء كهذا» من حيث التحصيل العلمي والحوزوي.
تصاعدت ردود الفعل إلى درجة أن مركز إدارة الحوزات العلمية في إيران أصدر بياناً بتوقيع مباشر من عليرضا أعرافي، مدير هذا المركز وهو عضو في مجلس صيانة الدستور وإمام جمعة قم. ووصف أعرافي حرق الكتب الأخير بأنه «تصرف مشين وجاهل». وأكد أن «مثل هذه الأفكار والتصرفات لا مكان لها في الحوزة العلمية ولا تنسب إلى الحوزة ورجال الدين». كما أدانت هيئات رسمية أخرى، مثل أمانة مجلس الثقافة العامة التابع لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ورئيس منظمة نظام الطب، حرق الكتب هذا في بيانات منفصلة. ووصف بيان رئيس منظمة نظام الطب حرق كتاب هاريسون بأنه «مقارن لتصور الجهل المقدس المدمر الذي يحمله الدواعش».
علي أكبر صادقي رشاد، عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية ومن رجال الدين المقربين من آية الله خامنئي، أشار أيضاً على هامش درس الخارج في الفقه إلى حرق الكتب الأخير ومشكلات السند والمحتوى في الأحاديث الطبية قائلاً: «لا أدري أي بلاء حل برجال الدين والحوزة حتى يقع كل يوم حدث مرير جديد ناتج عن تصرفات غير مدروسة ومنافية لشؤون [رجال الدين] من قبل أفراد». كما وصف السيد كمال الحيدري، الفقيه العراقي صاحب الفكر التجديدي المقيم في قم، على هامش درس الخارج بصراحة أن «الطب الإسلامي» هو «كذبة كبيرة»، وقال إن خمسة وتسعين بالمئة من الأحاديث الطبية إما ضعيفة وإما موضوعة. وتساءل الحيدري أيضاً: إذا أحرقنا كتب الغربيين، فهل يمكننا حينها أن ننتقد إحراق القرآن من قبل الغربيين؟ واستدل الحيدري بأنه إذا شاعت ثقافة حرق الكتب، فحينها كلما وصل الفلاسفة إلى السلطة سيحرقون كتب الفقهاء، وكلما وصل الفقهاء إلى السلطة سيحرقون كتب الفلاسفة.
رداً على ردود الفعل هذه، استدل مهراب صادق نيا، الأستاذ المساعد في الأديان الإبراهيمية بجامعة الأديان والمذاهب في قم وهو رجل دين، بأن الحوزويين لا يستطيعون تصوير تبريزيان على أنه مجرد استثناء وتبرئة ساحتهم من إحراقه للعلم. وأوضح صادق نيا أن تبريزيان رجل دين ذائع الصيت يدرّس دروس الخارج في الحوزات العلمية منذ سنوات، وأن إدانته من قبل الحوزويين، بمن فيهم مدير الحوزات العلمية في إيران، لا تجعل من تبريزيان استثناءً: «تبريزيان ليس استثناءً، ولم يأت إلى هذا البلد من عالم شيطاني كالجاثوم؛ هو وعدد آخرون مثله هم العمل غير الصالح لممارسات ظلت منذ عقود، تحت عناوين مثل «أسلمة» العلوم أو «توطينها»، تحقن الناس بسوء الظن الاجتماعي بالمعارف البشرية الحديثة. إن أمثال تبريزيان هم ثمار شجرة الإهانة للجامعة. نتيجة عمل أولئك الذين يدعون أن لديهم رسالة سماوية لمحاربة العلوم التجريبية».
مع ذلك، فإن بعض الحوزويين الآخرين، وإن أدانوا حرق تبريزيان للكتب، إلا أنهم انتقدوا أيضاً ردود الفعل عليه. فعلى سبيل المثال، استدل مهدي نصيري، الباحث والكاتب الحوزوي، في مذكرة بأنه وإن كان جذر خطأ تيار «الطب الإسلامي» عند تبريزيان هو النظرة غير النقدية للأحاديث، إلا أن هذه النظرة لم توجد فقط لدى الإخباريين (الجماعة الحديثية الشيعية)، بل كانت موجودة أيضاً لدى العرفاء والفلاسفة المسلمين.
أشار نصيري على سبيل المثال إلى أن اعتبار المرشد الحالي للجمهورية الإسلامية «إنساناً كاملاً» هي فكرة طُرحت مؤخراً ليس من قبل الحوزويين المحدثين الذين ينتقدون العرفان والفلسفة، بل من قبل بعض الحوزويين المناصرين للعرفان والفلسفة. وكانت إشارة نصيري إلى عبد الحسين خسروبناه، وهو باحث حوزوي من أنصار العرفان والفلسفة، الذي كان قد وصف قبل نحو عامين، نقلاً عن أحد «أهل العرفان» في مشهد، آية الله خامنئي بأنه «الإنسان الكامل». وكان نصيري قد اعتبر في مذكرة نقدية آنذاك أن لقب «الإنسان الكامل» مقصور على أئمة الشيعة، ووصف منح هذا اللقب لغير المعصوم بأنه من «نسج العرفان اليوناني». كما أصر خسروبناه في ذلك الوقت، رداً على نصيري، على إطلاق لقب «الإنسان الكامل» على آية الله خامنئي، ووصف معارضي ذلك بأنهم «مغرضون» أو «سيئو الفهم». ويشبه استدلال نصيري العام من حيث الشكل (وإن لم يكن من حيث المضمون) استدلال صادق نيا؛ فكلاهما يسعى إلى إظهار أن حرق تبريزيان للكتب ليس مجرد استثناء بين الحوزويين، بل له جذور ممتدة في الفهم الديني «المعوج» لدى شريحة كبيرة منهم.
ومن بين ردود الفعل المختلفة على حرق الكتب الأخير، يلفت الانتباه رد فعل محمد تقي أكبرنژاد، الباحث والمدرس الحوزوي. فقد ذهب في مذكرة له، دون أن يدين صراحة أصل حرق الكتب، إلى أن إحراق كتاب مرجعي في الطب خطأ لأنه يتناول الفروع لا الأصول. فـ«نمط الحياة الغربي المنقطع عن الله» هو السبب الرئيسي للأمراض المستجدة في العالم الحديث، ولعلاج هذه الأمراض من جذورها، بدلاً من وصف بعض الأدوية العشبية التي هي نتاج الحداثة نفسها، يجب وضع حد لـ«الغفلة عن ماهية الحداثة».
ومع ذلك، فبدلاً من التوصية بـ«إسقاط» الحداثة الغربية، صرح أكبرنژاد بأن عصرنا هو عصر «تقية» من الحداثة الغربية، لأن «هذا العصر لا بد أن يبلغ نهايته ولا مفر من ذلك». ولعله يقصد أنه ينبغي في هذا العصر الحفاظ على الإيمان فحسب، بدلاً من مواجهة الحداثة الغربية بفاعلية، لأن هذا العصر لن ينتهي ما لم يأفل عصر الحداثة الغربية. كما انتقد أولئك الذين «كانوا أشد غضباً من هاريسون نفسه في دفاعهم عن كتابه، وجعلوا صدورهم درعاً للطب الحديث، وأرادوا إظهار الإسلام موافقاً للمنتجات الغربية»، وطالبهم بأن ينظروا في عواقب الحداثة الغربية و«ألا يطعنوا أنفسهم خوفاً من أن يُتهموا بالتحجر والجمود والركود».
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.