اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يسأل ياسر ميردامادي: ما جدوى ترجمة كتابٍ في نقد النسبوية في زمنٍ نحتاج فيه إلى التسامح؟ ويذهب إلى أن الانشغال بالتسامح والانفتاح على الآخر ليس منسجماً مع النسبوية فحسب، بل إن التنظير لصالح التسامح يتطلب أساساً مناهضاً للنسبوية.

ما فائدة نقد النسبوية؟
ياسر ميردامادي
«بالطبع [أنا أرحب حتى بنفي كلامي أنا] أرحب بذلك. إن أردتم يمكنني أن أنفي كل ما قلته وأقول لكم عكسه.»
مراد فرهادبور[1]
نحن، التسامح والنسبوية
في زمن يحتاج فيه وطننا، وكذلك منطقتنا المضطربة برمتها، ربما أكثر من أي وقت مضى، أولاً إلى التسامح، ووضع النفس مكان الآخر، وفهم الآخر، ونبذ التعصب والتفكير الدوغمائي، وثانياً بما أن النسبوية رؤية فلسفية تبدو وكأنها تلبي على نحو جيد الحاجة إلى التسامح، ووضع النفس مكان الآخر، وفهم الآخر، ونبذ التعصب والتفكير الدوغمائي، فما الفائدة إذن من ترجمة كتاب «الخوف من المعرفة»، الذي هو نقد لا هوادة فيه للنسبوية، بالنسبة لنا؟ أليس النسبويون، الذين يعتبرون الجميع على حق رغم اختلافاتهم الجوهرية في الرأي، أقرب إلى التسامح من مناهضي النسبوية، الذين يعتبرون أنفسهم وحدهم على حق والآخرين على باطل؟ أليس هذا الذوق السيئ في اختيار الكتب للترجمة يظهر مرة أخرى أن الفلاسفة والباحثين في الفلسفة ومحبي الفلسفة قد استقروا في برجهم العاجي الذي بنوه بأنفسهم وأصبحوا نخبة منعزلة لا يبالون بالعالم، فلو أغرق الطوفان العالم والآدميين لأخذتهم سبات نقاشاتهم المجردة التي لا تنتهي منذ آلاف السنين، وهم منهمكون في نقاشات «لا طائل منها ولا حال».
أعترف أنني عند اختياري لهذا الكتاب للترجمة، وكذلك طوال فترة ترجمتي له، وكذلك الآن وقد نُشر هذا الكتاب، كانت وخزة هذا التشكيك والتردد والاعتراض المحتمل ترافقني. وإن كان حتى جزء يسير من كيانك الناقد والمتّقد، أيها القارئ لهذه السطور، شريكاً في هذه الوخزة، «فهيا بنا يا محترقي الأفئدة نجتمع معاً». ومع ذلك كله، سأحاول في هذه الكتابة، وبصورة عابرة، أن أحاجج بأن هاجس التسامح والانفتاح على الآخر ونفي التعصب والتفكير الدوغمائي - وهو هاجس محترم برمته بل وضروري لرفاهنا الجمعي وكذلك لصحتنا الباطنية الفردية - ليس فقط، وخلافاً للتصور الشائع، لا ينسجم مع النسبوية، بل إننا لكي ننظّر لصالح التسامح والانفتاح على الآخر، نحتاج بالكامل إلى أساس مناهض للنسبوية.
بما أن نقاشنا يدور حول فضيلة التسامح وعلاقتها ونسبتها بالنسبوية، وبما أن التسامح فضيلة أخلاقية، فسأركز نقاشي بالضرورة على «النسبوية الأخلاقية» (ethical relativism)، لا على الأنواع الأخرى من النسبوية.[2] لكن قبل أن أبين أن التسامح والنسبوية الأخلاقية لا يبدوان منسجمين مع بعضهما، من الجيد أن أتحدث قليلاً عن ماهية النسبوية الأخلاقية وعلاقتها ونسبتها ببعض الرؤى الأخرى في علم الأخلاق.
ما هي النسبوية الأخلاقية؟
يعتقد النسبويون الأخلاقيون أن الحقائق الأخلاقية موجودة، وبالتالي فإن أحكامنا الأخلاقية يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة؛ في حين أن القائلين بـ«العدمية الأخلاقية» (moral nihilism) يقولون إن الحقائق الأخلاقية غير موجودة وأن أحكامنا الأخلاقية ليست سوى إسقاط لمشاعرنا وعواطفنا، وبالتالي فإن أحكامنا الأخلاقية لا تقبل الصدق أو الكذب. دعوني أشرح رؤية العدمي الأخلاقي بمثال. عندما نقول «قتل الأبرياء خطأ أخلاقياً»، يقول العدمي الأخلاقي إن هذه «القضية» لا تشير إلى أي حقيقة، لأنه لا توجد أساساً حقيقة أخلاقية، بل إن هذه «القضية» هي مجرد إظهار وتجسيد لمشاعرنا وعواطفنا. إن الأمر في الواقع يشبه أن نكون قد قلنا: «يع لقتل الأبرياء»! من الواضح أن قول «يع» لقتل الأبرياء لا يقبل الصدق أو الكذب، بل هو تعبير عن اشمئزاز لا أكثر.
غير أن النسبويين الأخلاقيين، رغم إيمانهم بوجود الحقائق الأخلاقية وقابلية الأحكام الأخلاقية للصدق والكذب، يُصنَّفون ضمن القائلين بـ«الشكوكية الأخلاقية» (moral skepticism)، تماماً كما يُصنَّف العدميون الأخلاقيون أيضاً في زمرة الشكوكيين الأخلاقيين. وليس من العجيب أن يُصنَّف العدميون الأخلاقيون ضمن الشكوكيين الأخلاقيين. فكما مرّ بنا، هم لا يؤمنون بالحقائق الأخلاقية ولا بقابلية الأحكام الأخلاقية للصدق والكذب، وأيّ شيء أكثر شكوكية من هذا في مجال علم الأخلاق؟ لكن لماذا يُصنَّف النسبويون ضمن الشكوكيين الأخلاقيين؟ فهم، على خلاف العدميين الأخلاقيين، يؤمنون بوجود الحقائق الأخلاقية وقابلية الأحكام الأخلاقية للصدق والكذب. يكمن الجواب في طبيعة نظرة النسبويين إلى قابلية الأحكام الأخلاقية للصدق والكذب. يعتقد النسبويون الأخلاقيون أن قابلية أحكامنا الأخلاقية للصدق والكذب ليست «موضوعية» (objective). وبتعبير آخر، فإن النسبويين الأخلاقيين يعارضون «الموضوعوية الأخلاقية» (ethical objectivism).
النسبوية الأخلاقية، في الواقع، رؤية تقع في منطقة وسطى بين العدمية الأخلاقية من جهة والموضوعوية الأخلاقية من جهة أخرى. يقول الموضوعويون الأخلاقيون إن أحكامنا الأخلاقية لا تستمد صدقها أو كذبها من اعتقاد فرد أو جماعة من البشر أو عدم اعتقادهم، ولا من استحسانهم أو استهجانهم، بل حتى لو لم يعتبر أحدٌ قتل الأبرياء خطأً أخلاقياً، أو استحسن جميع الناس قتل الأبرياء، فإن قتل الأبرياء يظل خطأً أخلاقياً. وبناءً على هذا، فإن «الموضوعية» (objectivity) هنا تعني عدم تبعية الحكم الأخلاقي لاعتقاد فرد أو أفراد المجتمع أو عدم اعتقادهم، ولا لاستحسانهم أو استهجانهم. أما النسبويون فيعارضون الموضوعوية. ففي نظر النسبويين الأخلاقيين، يكون قتل الأبرياء خطأً أخلاقياً، شريطة أن يعتبره فرد أو جماعة من الناس خطأً؛ ويكون قتل الأبرياء صواباً أخلاقياً، شريطة أن يعتبره فرد أو جماعة من الناس صواباً. وبتعبير آخر، فإن صواب أو خطأ (صدق أو كذب) الأحكام الأخلاقية يتوقف على اعتقاد فرد أو جماعة من الأفراد وليس مستقلاً عنه. وهذا يعني أنه من وجهة نظر النسبويين الأخلاقيين، فإن الصواب والخطأ في المجال الأخلاقي نسبي وليس موضوعياً، ولا يوجد معيار أخلاقي ينطبق على جميع الناس في جميع الأزمنة ويكون كونياً ومستقلاً عن ظروف العصر وأحواله. فالأخلاق، في هذه الرؤية، هي بناء إنساني بالكلية وفي الصميم والأساس، ولما كانت الأبنية الإنسانية مختلفة بالضرورة، فإن الأخلاق أيضاً تختلف في الصميم والأساس من مجتمع إلى آخر ومن فرد إلى آخر.
لماذا لا يلتقي التسامح والنسبوية في قناة واحدة؟
حتى هنا، تحدثت بشكل موجز عن ماهية النسبوية الأخلاقية واختلافها عن بعض النظريات الأخرى في علم الأخلاق (العدمية والموضوعوية). والآن حان الوقت لأن نتطرق إلى علاقة التسامح بالنسبوية. للنسبوية الأخلاقية فرعان، ورغم أن كليهما نَسَبيّ، إلا أن بينهما بعض الفروق: الفرع الفرداني والفرع الجماعاني. يُطلق على الفرع الفرداني من النسبوية أحياناً «الذاتوية الأخلاقية» (ethical subjectivism)، ويُطلق على فرعها الجماعاني أحياناً «النسبوية الثقافية» (cultural relativism). يعتقد الذاتويون الأخلاقيون أن الفرد، لا الجماعة، هو الذي يحدد صواب الحكم الأخلاقي وخطأه. وفي المقابل، يعتقد النسبويون الثقافيون أن ثقافة المجتمع هي التي تحدد صواب الحكم الأخلاقي وخطأه، لا الفرد.
لنبدأ بدراسة علاقة النسبوية الثقافية بفضيلة التسامح. لا يتطلب الأمر تأملاً كبيراً لندرك أنه يمكن العثور على ثقافات مختلفة تكثر فيها جوانب اللا تسامح والعنف. فعلى سبيل المثال، القتل
(القتل دفاعاً عن الشرف) كان ولا يزال جانباً راسخاً ومقبولاً بل ومدعاةً للفخر في بعض الثقافات، في الماضي والحاضر. ولهذا السبب تحديداً لا يُعاقب مرتكبو جرائم الشرف أحياناً، بل يُعتبرون مصدر فخر لجزء من أبناء تلك الثقافة على الأقل. وبناءً على ذلك، فإن أولئك الذين يؤمنون من جهة بفضيلة التسامح، ويعتقدون من جهة أخرى بالنسبية الثقافية، يجدون أنفسهم عالقين في مفترق طرق لا مفر منه وفي معضلة (dilemma): فهم من ناحية لا يستطيعون لوم الثقافات التي تمجّد القتل دفاعاً عن الشرف، لأنهم يؤمنون بالنسبية الثقافية، ومن ناحية أخرى لا يمكنهم أن يمروا بسهولة على انعدام التسامح والعنف الكامن في القتل دفاعاً عن الشرف، لأنهم يؤمنون بفضيلة التسامح. في مثل هذه الحالة، وللخروج من هذه المعضلة، يتوجب عليهم إما أن يتخلوا عن الإيمان بفضيلة التسامح، أو أن ينبذوا النسبية الثقافية، لكنهم لا يستطيعون الإيمان بكليهما معاً بشكل متسق. ويمكن إقامة حجة مماثلة بشأن الثقافات التي تُجيز الرق، والتطهير والتمييز العرقي والديني وما شابه ذلك. في الواقع، النسبية الثقافية هي وجهة نظر يمكن لجميع الثقافات المناهضة للتسامح والناشرة للعنف أن تلجأ إليها، وقد لجأت بالفعل، بطرق شتى لتبرير مناهضتها للتسامح ونشرها للعنف.
تواجه النسبية الفردية في مجال الأخلاق، أو ما يُعرف بالذاتية الأخلاقية، مشكلة مماثلة. فإذا كانت النسبية الثقافية تجعل المجتمع، على الأقل في مبادئه الأساسية، معصوماً من الخطأ أخلاقياً (لأنها تقول إن كل ما يعتبره مجتمع ما صحيحاً أخلاقياً، فهو صحيح أخلاقياً بالنسبة لذلك المجتمع)، فإن الذاتية الأخلاقية تجعل كل فرد، على الأقل في التزاماته الأخلاقية الأساسية، معصوماً من الخطأ أخلاقياً (لأنها تقول إن كل ما يعتبره الفرد صحيحاً أخلاقياً، فهو صحيح أخلاقياً بالنسبة لذلك الفرد). النوع الوحيد من الخطأ الذي تعترف به الذاتية الأخلاقية هو عندما يُحجم الفرد عن العمل بالتزاماته الأخلاقية الخاصة. أي إذا كان شخص ما، على سبيل المثال، يؤمن بالقتل دفاعاً عن الشرف ووجد نفسه في موقف يستوجب عادة ارتكاب مثل هذا القتل (كأن يرى زوجته أو أمه أو أخته مع رجل غريب) لكنه لم يُقدم على القتل، عندها تنتقد الذاتية الأخلاقية هذا الفرد! لأنه في هذه الحالة فقط يكون الفرد قد ارتكب خطأ، وهذا الخطأ ليس سوى تقاعس الفرد عن العمل بمعتقداته هو. أما إذا أقدم الفرد المؤمن بالقتل دفاعاً عن الشرف على ارتكاب جريمة الشرف فعلاً، فمن وجهة نظر الذاتية الأخلاقية لم يحدث أي خطأ! وبهذا التوضيح، لا يمكن للذاتية الأخلاقية مطلقاً أن تؤمن بفضيلة التسامح وتلتزم بها، لأنه لا يوجد أي ضمان بأن يكون الإيمان بفضيلة التسامح جزءاً من المبادئ الأخلاقية لفرد ما؛ ومن وجهة نظر الذاتية الأخلاقية، إذا كان فرد ما لا يؤمن بفضيلة التسامح وكان ملتزماً فعلاً بانعدام التسامح، فإن هذا الفرد لم يرتكب أي خطأ أخلاقي، في حين أن مثل هذا الشخص، من وجهة نظر المؤمنين بفضيلة التسامح، يكون على خطأ بالأساس.
إذا كانت مجموعة الحجج الواردة في هذه المقالة محكمة، فقد تمكنت من أن أُظهر أنه، خلافاً للتصور السائد، لا تتوافق فضيلة التسامح مع النسبية الأخلاقية، ونتيجة لذلك نحتاج، من أجل التنظير لصالح التسامح، إلى أساس مناهض للنسبية.[3]
.
.
1) مراد فرهادپور، رياح غربية (مختارات من الحوارات والمحاضرات)، طهران: هرمس، 1382، ص 158. تجدر الإشارة إلى أن إيراد الاقتباس أعلاه، الذي يبدو جلياً أنه مشبع بنزعة نسبوية، لا يعني مطلقاً أن فرهادپور، على الأقل في الجزء الواعي من مشروعه الفكري، يناصر وجهة نظر نسبوية، بل بقدر ما يتعلق الأمر بفرهادپور، بوصفه ناقداً للنسبوية، فإن القصد الوحيد هو أن الميل نحو النسبوية عميق وشامل لدرجة أن نقادها هم أيضاً ليسوا بمنأى عن الانزلاق اللاواعي إلى هذه الهاوية. للاطلاع على مثال لنقد فرهادپور للنسبوية ما بعد الحداثية، انظر: «السفسطائيون ما بعد الحداثيين: ملاحظات حول النسبوية»، في: العقل المكتئب، تأملات في الفكر الحديث، طهران: طرح نو، 1378، صص 303-294.
2) يركز بوغوسيان في كتابه «الخوف من المعرفة» نقده على النسبوية الأنطولوجية، والنسبوية الإبستمولوجية، ونسبوية التفسير العقلاني. ومع ذلك، في ملحق أُضيف إلى الترجمة الفارسية للكتاب، يتناول بوغوسيان نقد النسبوية الأخلاقية أيضاً. انظر: «الملحق 1: نقد النسبوية الأخلاقية». يوضح في هذا المقال كيف تنزلق «النسبوية الأخلاقية» إلى «العدمية الأخلاقية». سيتم شرح الفرق بين النسبوية الأخلاقية والعدمية الأخلاقية لاحقاً في النص.
3) لنقد تمهيدي موجز ومبسط للنسبوية الأخلاقية، انظر:
Russ Shafer-Landau. The Fundamentals of Ethics. Third ed. New York/Oxford: Oxford University Press, 2015, Ch. 19.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
مجموعه استدلالهای این مقاله متقن نیست و حاوی مغالطه در محتوی است.. چرا که “فردبنیاد اخلاقی” میتواند مدعی شود که باور او به “مدارا” تنها باور “خود او” و مختص خود اوست، جنبه یونیورسال نداشته و به محتوای باور دیگران بسط داده نمیشود. (که معمولا هم مدعا همین است)… در این صورت کل ادعای این مقاله فرو میریزد….