اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سعى البعض إلى تخفيف إشكالية الإفراط في المطالب في الأخلاق الكانطية عبر التمييز بين الواجبات التامة والناقصة؛ غير أن هذا الحل لا يجعل أخلاق كانط أكثر تساهلاً فحسب، بل إنه لا يحل مشكلة فرط المطالب في الواجبات التامة ذاتها.

فصلية الدراسات الأخلاقية، العدد 2، ص49-68
إن فرط المطالب في النظريات الأخلاقية اعتراض شاع كثيراً في العقود الأخيرة بعد مقالة سينغر الشهيرة عام 1972. يقول هذا الاعتراض إن النظرية الأخلاقية ينبغي لها حدساً ألا تفرض علينا مطالب مفرطة. وعلى الرغم من أن معظم النقاشات حول فرط المطالب تدور في سياق النفعية، فقد طُرح هذا الاعتراض في السنوات الأخيرة بصدد الأخلاق الكانطية أيضاً. حاول البعض، عبر طرح تقسيم الواجبات إلى كاملة وناقصة في نظرية كانط الأخلاقية واستخدام مفهوم "حرية التصرف" الذي طرحه كانط بشأن الواجبات الناقصة، أن يبينوا أن أخلاق كانط لن تكون مفرطة المطالب. سنعرض في هذه الكتابة هذا الحل ونفحصه، وسيتضح أن هذا الحل يؤدي أولاً إلى جعل أخلاق كانط قليلة المطالب ومتساهلة أكثر مما ينبغي، وثانياً لا يحل مشكلة فرط المطالب في أخلاق كانط بشكل كلي، إذ إن أكثر أجزاء الأخلاق الكانطية إفراطاً في المطالب يكمن في الواجبات الكاملة.
بعد المقالة التي كتبها سينغر حول الواجب الإلزامي لمساعدة الآخرين (Singer, 1972)، انجذب انتباه المفكرين إلى مسألة لم تكن جديدة، لكنها صارت بؤرة الاهتمام بعد مقالة سينغر. كانت المسألة هي: أليس الإلزام الأخلاقي بواجب الإحسان – الذي يدافع عنه سينغر – مفرط المطالب؟ ألا ينشئ أخلاقاً مفرطة المطالب؟ إذا أردنا أن نعمل وفق مطالب هذا النوع من الأخلاق، فربما يتعين علينا أن نطرح جانباً كلياً جميع برامجنا الشخصية، ومصلحتنا الذاتية، ومحاباتنا لأحبائنا.
يقول سينغر في مثاله الشهير في المقالة نفسها: الكل متفقون على أنه إذا كان طفل يغرق أمامنا في بركة ماء، فإننا ملزمون بإنقاذه حتى لو ترتبت على ذلك بعض التكاليف علينا. مثلاً، أن يتسبب ذلك في تمزق البذلة الجديدة التي اشتريناها وتلفها. والآن، بما أن الجميع متفقون على هذا المثال، يقول سينغر: إننا في الوضع الراهن للعالم، نعيش هذه الحالة عينها على الدوام؛ إن وضع المجاعة في العالم بلغ حداً يجعل أطفالاً يموتون باستمرار لهذا السبب، وبوسعنا بالاستغناء عن كماليات الحياة أن نعطي هذا المال للجمعيات الخيرية لإنقاذ طفل آخر من الموت. يُستقى فرط مطالب نظرية سينغر بوضوح من هذا النقل.
بالنظر إلى الوضع الراهن السائد في أجزاء كثيرة من العالم... نحن ملزمون أخلاقياً بالعمل طوال الوقت للتخفيف من ذلك الكم الهائل من المعاناة الناتجة عن المجاعة أو الكوارث الأخرى. (Singer, 1972, p. 238).
يرى البعض أن فرط المطالب في الأخلاق يناقض حدوسنا. فإذا كانت لدينا أخلاق كهذه شديدة المطالب، فلعلّك (وفقاً للنظرية النفعية) بمجرد انشغالك بقراءة هذه المقالة، ترتكب فعلاً غير أخلاقي؛ إذ كان بإمكانك أن تستثمر هذا الوقت في كسب دخلٍ وتتبرع به لمؤسسة أوكسفام لتنقذ بذلك أطفالاً من خطر الموت. لقد طُرحت مسألة فرط المطالب أساساً في سياق النفعية، ولا سيما النفعية القائمة على الفعل؛ لأن المثال الأبرز على فرط المطالب كان هناك، ويُعدّ سينغر من النفعيين الكلاسيكيين، وقد انصبّ الاهتمام بفرط المطالب على النفعية. ومع ذلك، فقد وُجّه هذا الإشكال إلى نظريات أخلاقية أخرى، من بينها الأخلاق الكانطية، وتحول الاعتراض على فرط مطالبة النظرية الأخلاقية إلى أحد النقاشات الرائجة في فلسفة الأخلاق، حيث سعى المفكرون إلى مناقشته بإجابات مختلفة.
ثمة نقطة بالغة الأهمية ينبغي الانتباه إليها منذ البداية، وقد وقع فيها بعض الكتّاب في الخلط (Braddock, 2013, p. 170)، وهي أن الاعتراض على فرط مطالبة النظرية الأخلاقية لا صلة له البتة بمبدأ «يجب أن يتضمن الإمكان» الشهير، أي أنه بمجرد الاستناد إلى هذا المبدأ الكانطي لا يمكن القول إن كانط كان يعتقد أن الأخلاق ينبغي ألا تكون مفرطة المطالب. فالمبدأ المذكور يقول: إن القدرة شرط للتكليف، ونحن غير مكلفين بفعل المستحيلات، لكن مسألة فرط المطالب مختلفة تماماً. يبدو من المعقول في النظرية الأخلاقية أن تكون «القدرة» شرطاً للتكليف، فعلى سبيل المثال، لا تطلب منك أي نظرية معقولة أن تتحرك بسرعة الضوء. لكن مسألة فرط المطالب هي أننا نملك القدرة على فعل بعض الأمور، ومع ذلك يبدو أن الأخلاق ينبغي ألا تلزمنا بفعلها، ولو ألزمتنا بها لكانت مفرطة المطالب، ولوجدناها حدسياً إشكالاً في النظرية الأخلاقية. فمثلاً، إذا طلب مني صبيّ ماسح الأحذية في الشارع بوظة، يمكنني أن أمتنع عن شرائها له وأتبرع بثمنها لمؤسسة أوكسفام لأتجاوز بذلك عن إنقاذ عشرات الأطفال في البلدان الفقيرة في تلك الأثناء، لكن الاعتراض هو أنه إذا طالبتني الأخلاق بهذا، فرغم أنه قابل للفعل، فإنها ستكون مفرطة المطالب، وسنعتبرها حدسياً إشكالاً في النظرية الأخلاقية. لذا كان التأكيد على هذه النقطة ضرورياً لئلا نخلط بين النقاش حول فرط المطالب في نظرية كانط الأخلاقية وهذا المبدأ. وعليه، فإن نظرية كانط الأخلاقية لا تأبه لمسألة فرط المطالب.
والآن، بعد هذا التنبيه، ينبغي أن نسأل: ما هو جواب كانط؟ أولاً، إذا اعتبرنا فرط المطالب حدسياً إشكالاً في النظرية الأخلاقية، فما هو جوابه؟ ثانياً، يستطيع النفعيون في مواجهة هذا الاعتراض أن يطرحوا جواباً مريحاً ومباشراً: هذا الإشكال موجود في جميع النظريات الأخلاقية، ولسنا بهذا أضعف من بقية النظريات. في الواقع، يمكنهم أن يقولوا: «إن كنتَ أعلم منا، فهاتِ بديلك!» وإذا استطعت أن تأتي بنظرية أخلاقية تجمع كل نقاط قوة نظريتنا وتخلو من هذا الضعف، فسنتبعك. في الواقع، النفعي إن عجز عن دفع الإشكال عن نفسه، يمكنه أن يقول عبر تقديم شريك في الجريمة: حال جميع النظريات الأخلاقية من هذه الجهة واحد، ولسنا نعاني من إشكال مضاعف.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
البيئة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام، سایت جالبی دارید،مطالب خاص فلسفی و اخلاقی. تازه با سایتتون آشنا شدم