اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
«المواقف الحدّية» عند ياسبرز هي حالات لا مفرّ منها كالموت والمعاناة والشعور بالذنب. يطبّقها الطبيب النفسي فربد فدائي على الوضع الراهن للمجتمع وجائحة كورونا، ويدرس ردود الفعل كالإنكار أو الاحتماء بالتحصينات داخل الحدود.

مفهوم «المواقف الحدية»[1] هو من ابتكار كارل ياسبرس ـ الطبيب النفسي والفيلسوف الألماني. ورغم أنه أشار إلى هذا المفهوم إشارة مقتضبة في كتابه «علم الأمراض النفسية العام»، إلا أنه لم يعتبره في البداية من صميم الطب النفسي، بل كان ينظر إليه بوصفه موضوعاً فلسفياً يتعلق بالوجود. وبعد خمس سنوات، قدم ياسبرس شرحاً موسعاً لهذا المفهوم في كتابيه «سيكولوجيا الرؤى الكونية» و«الفلسفة». ومنذ ذلك الحين، طُرح النقاش المفاهيمي حول العوامل المساعدة على ظهور الأمراض النفسية، وخاصة نوبات الاكتئاب، بوصفها أمثلة على المواقف الحدية، كما طُرحت إمكانية الوقاية من هذه الأمراض عبر توظيف هذا المفهوم.
وعندما اكتمل النموذج الطبي للمرض بتطبيق مفهوم الأزمة والتدخل في الأزمات في سبعينيات القرن العشرين، اكتسب التطبيق السريري للموقف الحدي أهميته. ومع تطبيق مفهومي الأزمة والموقف الحدي، أُضيف الانتحار، الذي لم يكن يُعتبر حالة نفسية من قِبل شركات التأمين، إلى بنود التغطية المالية لديها. ووفقاً لياسبرس، تتميز المواقف الحدية بتناقضات عقلية لا مفر منها، تشكل عائقاً أمام استمرار مسار الحياة المعتاد للفرد. فالكفاح والحرب، والشعور بالذنب والإثم، والأحداث غير المتوقعة والحوادث العصيبة، والموت والمعاناة، كلها من المواقف الحدية.
1ـ الكفاح والحرب: يُعرّف الكفاح بأنه ضرورة اتخاذ القرار والعمل في المواقف الثنائية للذهن. في الوقت الحالي، الكفاح من أجل الوجود الملموس في مواجهة مرض كوفيد-19 (كورونا) أمر لا مفر منه. الإنسان حي، لكن الموت هو مصيره المحتوم. يحتاج الإنسان إلى اختيار الكفاح في مواجهة التهديد والصراع، أو المساومة إزاءه. وبما أن الحياة دون كفاح مستحيلة، فإن الكفاح يمنح الفرد اعتباراً وقوة.
2ـ الشعور بالذنب أو الإثم: عندما يتصرف الإنسان بناءً على قرار اتخذه، فإنه يضطر إلى استبعاد الخيارات الأخرى. في الظروف الراهنة للبلدان، هناك أربعة أمثلة على الأقل لهذا الوضع:
أولاً) قرار الطبيب في تخصيص الأولويات لمختلف المرضى؛ فعلى سبيل المثال، عند استخدام جهاز التنفس الاصطناعي لمريض شاب أو مريض مسن مصاب بكورونا، حين يكون عدد الأجهزة قليلاً، أي الفئتين تكون لها الأولوية؟ هل يلعب الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي للمريض دوراً في قرارات الطبيب؟ هل ينبغي للطبيب، عند عرضه للمسائل، أن يأخذ في الاعتبار الحقائق الطبية فقط، أم أن ثمة اعتبارات مصلحية أخرى تؤدي دوراً في قراره؟
ثانياً) قد يتساءل الطبيب أو الممرض إن كان قد استخدم كل قدراته من أجل تحسين حالة المريض. هل حال التعب والحاجة إلى النوم، على سبيل المثال، دون تقديمه خدمة أفضل؟ لقد أنهت ممرضة إيطالية حياتها لأنها شعرت أنها لم تستطع مساعدة مرضى كورونا بالقدر الكافي.
ثالثاً) الشخص العادي الذي يواجه مرض وموت المحيطين به، قد ينتابه هذا الشعور بالذنب بأنه ربما كان له دور في إصابة ذلك الشخص، أو أنه ربما كان بإمكانه تقديم خدمات أفضل لكنه لم يفعل. هذا الوضع، خاصة في حال وجود خلفية سابقة، قد يؤدي إلى اكتئاب شديد وحتى إلى الانتحار.
رابعاً) قد يعتري رجال الدولة أيضاً مثل هذه المشاعر إزاء تبعات قراراتهم، كفرض قيود التنقل، والحجر الصحي، وتقديم الشؤون الإنتاجية والخدماتية على سبيل المثال.
3ـ القضاء والقدر والحوادث غير السارّة: هذه الحالة الحدّية تكاد تُرى لدى جميع أفراد المجتمع. يسأل الشخص نفسه: لماذا حدث هذا (جائحة كورونا)؟ وما تأثير هذا الحدث على حياتي وحياة من أعرفهم؟ الفرد بحاجة إلى اتخاذ موقف. عليه أن يقرّر كيف يوظّف ما تبقّى من حريّته في ممارسة إرادته ووضع القيم. على الإنسان أن يواجه هذا التناقض العقلي المحتوم: هل العالَم متماسك ومنتظم أم فوضوي ومضطرب؟ لذا يُضطرّ إلى البحث عن حلّ لهذا التناقض. لقد سعت الأديان للتغلّب على مثل هذه التناقضات. ويمكن عدّ الاعتقاد المسيحي بالقدر من هذا القبيل. وقد يلتمس الإنسان أحياناً لنفسه ملاذاً بأشكال أخرى. قد تؤدّي الصدمة النفسية الشديدة إلى إنقاص قدرة الفرد على المواجهة إلى درجة يفقد معها القدرة على ردّ الفعل الإيجابي. يستخدم ياسبرس هنا استعارة الحيوان الرخو الذي فقد صدفته.
4ـ الموت: الموت بوصفه نهايةً في الحياة ونهايةَ الحياة، صنف آخر من أصناف الحالة الحدّية. الموت مضادّ للسعي والهمّة والنمو والتكاثر. النهاية في جوهرها، والموت المحتوم بوصفه كياناً طبيعياً، هما حالتان حدّيتان وجوديتان قد يواجههما الفرد في ظروف مرض كورونا، سواء في نفسه أم في الآخرين.
5ـ المعاناة: المعاناة[2] بمفهومها الوجودي هي أشكال الانفعال. ومفهومها الآخر هو الشيء أو الموجود الذي لا يشكّل جزءاً فاعلاً في عملية ما. المعاناة أو الباثوس بهذا النحو سمة وجودية لا مفرّ منها. فالإنسان عموماً يُضطرّ إلى توديع الدنيا قبل بلوغ غاياته النهائية. وهذا الأمر مقرون بمعاناة كبيرة له. قد تكون هذه الغايات مادية أو مجرّدة. وقد يواجه الفرد هذا الوضع بواسطة الاعتقاد بالحياة الأبدية، أو على العكس، بواسطة نفي أي معنى وغاية، من موقف عبثي.
قد يظهر ردّ الفعل إزاء الحالات الحدّية على شكل شعور بعدم الأمان، أو إنكار، أو أشكال متنوّعة من التهرّب. هذه هي ردود الفعل التي لوحظت لدى الناس وقادة معظم البلدان خلال جائحة كورونا. ورغم شيوع الشعور بعدم الأمان، إلّا أنهم في بلدان كثيرة لجأوا إلى إنكار المرض، وهو في الواقع نوع من السياسة اللاواعية للتخلّص من الشعور بعدم الأمان. والتهرّب ممّا كان ينبغي فعله في مواجهة انتشار المرض، كفرض القيود أو الحجر الصحّي مثلاً، كان نوعاً آخر من ردّ الفعل يولّد شعوراً زائفاً بالاطمئنان. في الواقع، إن أهمّ أسلوب لدى الإنسان لحماية نفسه من الحالات الحدّية يتمثّل في التكيّف والتأقلم، أو حتى الانسحاب إلى ملاذ وقائي.[3]
لقد استخدم ياسبرس استعارة «الملاذ الوقائي» للإشارة إلى اليقين المذهبي والعقائدي، وأساليب الحياة الشخصية، والعلاقات الوقائية لتجنّب الحالات الحدّية وتأجيلها. وهو يسمّي هذا النوع من الوجود (الإكزستنس) «الزحف تحت تحصينات داخل الحدود»؛ لأنّ تقييد النمو هو الثمن المدفوع لقاء هذا النوع من الوجود. ينطوي هذا المصطلح على التحقير والمهانة؛ لأنّ ياسبرس يمتدح الكفاح في الحالات الحدّية. وفي الوقت نفسه، للإيمان الديني المقرون بالوعي والسعي والكفاح دور إيجابي. ووفقاً لرأي ياسبرس، تؤدّي الحالات الحدّية إلى استنارة البنية المتناقضة للوجود، وإلى السير نحو ما سُمّي «الانكشاف الوجودي»؛ أي بلوغ مستوى أسمى من الوعي بالذات وعمق الشعور، في الحالات التي يتمّ فيها التغلّب على الحالة الحدّية.
أطلق ياسبرس مصطلح الملاذ[4] في الأصل لوصف النظرات الكونية الثابتة. فالناس، في نظره، يميلون إلى الإبقاء على نظراتهم الكونية ثابتة؛ لأنهم يعتبرونها صحيحة. وقد تكون هذه النظرة الكونية أسلوب حياة، أو صورة عن الكون، أو ترتيباً للقيم. وبالطبع، لا يلزم أن يكون الملاذ ثابتاً وجامداً بالضرورة، بل قد يكون في حالة سيلان، أو قيد التصحيح، أو في طريق التقدم؛ لأن كل ملاذ يستلزم عنصراً تأملياً. وفي الوقت نفسه، يوجد في كل ملاذ ميل لاستيعاب الجوانب غير المألوفة وتبرير الجوانب غير السارة من تجربة الفرد. ومن هنا، يمكن للنظرات الكونية الثابتة أن توفر إمكانيات لتحييد بعض الجوانب التحديية للمواقف الحدية.
لا يمكن إنكار أن البشر غير قادرين على العيش بشكل دائم خارج "ملاذ" ما. ويقدم مفهوم الملاذ، وفقاً لياسبرس، تحليلاً وجودياً للعمليات العلاجية النفسية. وباستخدام هذا المفهوم، يمكن الاستنتاج بأن المرض النفسي يؤثر على النظرة الكونية للفرد. فالفرد المصاب بمرض نفسي، إما أن يكيّف "الملاذ"، أو يعيد ترتيبه، أو يبنيه من الأساس.
قد تكون لـ "الملاذ" امتيازات خاصة للفرد، وإن كانت صغيرة. فعلى سبيل المثال، يمكنه أن يوفر تفسيرات تبريرية لأخطاء الفرد أو للموضوعات غير الاعتيادية وغير السارة في حياته؛ أو ربما يقدم تأويلاً، إلى حد ما، للتحولات والأعراض التي يحدثها المرض النفسي للفرد. ويمكن للملاذ، في الوقت نفسه، أن يكون له جانب وقائي ضد التأثيرات الأكثر إزعاجاً، وقد يطرح خيارات لكيفية عيش الفرد. ويمكن أن يُعزى هذا الأمر، إلى حد ما، إلى التماسك والاستيعاب والإدماج الناجح للمرض النفسي في "ملاذ" الفرد.
بناءً على ما تقدم، يمكن توقع أن تمكّن العمليات العلاجية النفسية الفرد المصاب بمرض نفسي من خلق نوع من "الملاذ" يسمح له بالتصدي للتحديات الحتمية لمواقفه الحدية. بل إن العلاج النفسي الفعال يسمح للفرد بأن ينحي ملاذه غير الفعال جانباً ويبني ملاذاً جديداً. وعادة ما يعني هذا إعادة بناء بيت الشخص. ونتيجة لذلك، تصبح نظرته الكونية أوسع وأكثر تحرراً فكرياً.
يقول ياسبرس: من الأفضل أن يدرك المعالج ويقبل أن هناك حاجة إلى قدر من الفلسفة أثناء العلاج؛ لكن هذا لا يعني ضرورة أن يتفلسف المعالج. ويدرك ياسبرس جيداً حقيقة أن مهمة المعالج النفسي ليست، بشكل رئيسي، إجراء مناقشات فلسفية مع المرضى أثناء الجلسات العلاجية. وكما يعلم جيداً كل معالج نفسي مدرّب، يجب تحديد الأهداف العلاجية في بداية العملية العلاجية النفسية، ويجب أن تكون هذه الأهداف ذكية؛ أي محددة وبسيطة، قابلة للقياس والإدارة، ممكنة التحقيق وجذابة، ذات صلة وقائمة على الواقع، ومحددة زمنياً. ومع ذلك، لا يمكن تجنب قدر معين من الفلسفة أثناء العلاج النفسي، خاصة لأن السؤال عن معنى العلاج النفسي يُطرح بين الحين والآخر. وهذا يشير إلى الأبعاد الوجودية لهذه العلاقة الخاصة.
أبعد من المنظور العلاجي وتطبيق المواقف الحدية لفهم المسائل النفسية، يعتقد ياسبرس أن الفلسفة توقظ الإنسان وتريه الطرق الموجودة أمامه، وتزيد، بالإضافة إلى ذلك، من معرفة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالله. فالإنسان، من خلال التفكير الفلسفي، يحصل على رؤية عميقة للعالم، رؤية يعتبر العالم بناءً عليها خلق الله ورمزاً لله، ومن خلال هذا الرمز والعلامة الإلهية، يسمع نداءه.
في فلسفة ياسبرس، يُناقش الله تحت عنوان التعالي أو المتعالي والوجود الشامل. إن العبور من مراتب الوجود الدنيا والتجاوز عنها والوصول إلى الوجود الإنساني الخاص أو المقام الوجودي هو من معاني التعالي. وقد استُخدم التعالي، من جهة، بمعنى الوجود الأسمى من العالم أو الله. ويستخدم ياسبرس التعالي بكلتا الدلالتين.
برأي ياسبرس، فإن الوجود الإنساني يتحقق بفضل الصلة بالمتعالي (الله)، وإلا لما كان له وجود أصلاً. فالحركة نحو المتعالي كامنة في جوهر الوجود الإنساني. آراء ياسبرس حول العلاقة بين الإنسان والله متأثرة بكيركغور الذي كان يعتقد أن الإيمان بالله لا يتحقق عن طريق الاستناد إلى علاقات العلة والمعلول في العالم، بل من خلال ضرورة ولزوم حضور الإنسان أمام مثل هذا الموجود. ويصرح ياسبرس أيضاً بأن الإله المُثبَت عن طريق البرهان ليس هو الله.
.
.
[1] Grenzsituation
[2] pathos
[3] Gehäuse
[4] Gehäuser
.
.
روزنامه اطلاعات: چهارشنبه 27 فروردین 1399- 21 شعبان 1441 ـ 15 آوریل 2020 ـ شماره 27534
فایل PDF این مقاله از روزنامه اطلاعات
.
.
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
علم الاجتماع
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.