اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
هل يصحّ في نقد دعوى ما الالتفات إلى دافع صاحبها؟ يراها بعضهم مغالطةً دائمًا وبعضهم لا يراها مغالطةً قطّ، غير أن نظرية ثالثة ترى أنها مغالطة في مقام البحث لا في مقام التقليد؛ يدافع أبو القاسم فنائي عن هذه النظرية الثالثة.

الملخص: «هل يجوز/يجب عند نقد وردّ أو قبول دعوى ما أن نأخذ في الاعتبار شخصية/دافع المدّعي في طرحه لتلك الدعوى أم لا؟». في الجواب على هذا السؤال توجد ثلاث نظريات. (1) تقول النظرية الأولى: «مثل هذا العمل هو مغالطة دائماً»، (2) وتقول النظرية الثانية: «مثل هذا العمل لا يكون مغالطة أبداً»، و(3) تقول النظرية الثالثة: «مثل هذا العمل يكون مغالطة في مقام التحقيق/اكتساب المعرفة بطريق الدليل، لكنه لا يكون مغالطة في مقام التقليد/اكتساب المعرفة بطريق الشهادة». إذا كان الأخذ في الاعتبار شخصية/دافع المدّعي مغالطة، فطبعاً سيكون الاجتناب عن مثل هذا العمل واجباً بحكم العقل/الأخلاق. لكن إذا لم يكن هذا العمل مغالطة، فسيكون جائزاً و/أو واجباً بحكم العقل/الأخلاق. هذا المقال من قلم الدكتور أبو القاسم فنائي ينقد النظريتين الأوليتين ويدافع عن النظرية الثالثة.
منذ فترة قريبة نشب نقاش بين اثنين من المدوّنين الفضلاء والمثقفين حول هذه المسألة: «هل يحق للناقد عند نقد وتقويم دعوى ما أن ينتبه أيضاً إلى دافع المدّعي أم لا؟». وحاول بعض المدوّنين الآخرين الذين لهم اهتمامات فلسفية وعلم نفسية وتأويلية أن يسلطوا الضوء على جوانب غامضة وخفية من هذا النقاش، مما يدل على فهمهم لأهميته. هذا السؤال الأساسي له تداعيات مصيرية في مجالي النظر والعمل، وإن التعامل معه والوصول إلى جواب واضح وحكيم ومراجع له يحوّل ذلك إلى فريضة على جميع المفكرين والباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية وكذلك الدراسات الدينية.
في الجواب على هذا السؤال، يعتقد كاتب المدونة الأول أن مثل هذا العمل هو مغالطة مطلقة، لأن دافع الأفراد أمر باطني وبالتالي من المستحيل على الآخرين معرفته إلا إذا أفصح عنه صاحب الدافع نفسه. أما حامد قدوسي فيعتقد أن مثل هذا العمل لا إشكال فيه في حد ذاته، وتحت شروط معينة لا مناص من القيام بهذا العمل. من بين الحالات التي يستشهد بها قدوسي لتأييد دعواه تلك الحالة حيث نواجه قول متخصصين لا يمكننا أن نتحقق من صحة أو سقم قولهما لسبب ما، وعندما نستعرض حجج كل طرف نشعر أن كليهما محق وعلى الحق. أعتقد أن ملاحظات كاتب المدونة الأول وقدوسي حول هذا الموضوع تمثل بنفسها مثالاً واضحاً على دعوى قدوسي، فعندما يستعرض القارئ حجج الطرفين يشعر أن كليهما محق. مع ذلك، من الواضح أنه من الناحية المنطقية من المستحيل أن تكون كلا الدعويين صادقة، بل إحداهما كاذبة. وبهذا نواجه هنا مفارقة. والسؤال هو: هل توجد حل لهذه المفارقة؟
برأي الكاتب أن الجواب على هذا السؤال إيجابي. نعلم أن المنطقيين والفلاسفة ذكروا ثمان أو تسع شروط لتحقق التناقض، وأولها هو «وحدة الموضوع». إذا قال ألف: «حسن طويل القامة» وقال باء: «حسن ليس طويل القامة»، فإن هاتين الدعويتين متناقضتان وبالتالي إحداهما بالضرورة كاذبة. لكن إذا قال ألف: «حسن طويل القامة» وقال باء: «حسين ليس طويل القامة»، فإن كلا الدعويتين يمكن أن تكون صادقة، لأنه على الرغم من أن إحدى الدعويتين سالبة والأخرى موجبة، فإن إحداهما تتعلق بحسن والأخرى بحسين. وبالتالي، فإن هاتين الدعويتين ليستا متناقضتين، ببساطة لأن موضوعهما ليس واحداً.
في هذه الملاحظة أحاول أن أبين أن كاتب المدونة الأول وقدوسي في حواراتهما المكتوبة يتحدثان في الواقع عن موضوعين مختلفين، لا عن موضوع واحد، وبالتالي فإن قول كليهما يمكن في الأساس أن يكون صادقاً، رغم أن كليهما يبدو أنهما يعتقدان أنهما يتحاوران حول موضوع واحد. بالطبع يبدو أن هذا الإشكال ينصب أكثر على كاتب المدونة الأول منه على قدوسي، لأن قدوسي يطرح دعوى أصغر من تلك التي يطرحها كاتب المدونة الأول. فدعوى كاتب المدونة الأول صيغت في شكل قضية بكم «كلي»، بينما دعوى قدوسي معبر عنها في شكل قضية بكم «جزئي». وليس للسؤال حول أيّ من الدعويتين هو «سالب» وأيّها «موجب» تأثير على مصير النقاش. يمكن أن نقول إن كاتب المدونة الأول يحاول إثبات دعوى كلية وقدوسي يحاول نفي عموميتها. ويمكن أيضاً أن نقول إن كاتب المدونة الأول يحاول نفي دعوى بنحو كلي، بينما قدوسي يحاول إثباتها بنحو جزئي.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.