اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى عبد الكريمي أن مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة نتاج عقل وهمي يفتقر إلى الوعي التاريخي؛ أما بورحسن فيؤكد، من خلال نقده للنظرة الأيديولوجية، على البحث المفهومي في الحضارة بوصفها تفتّحاً للإمكانات وفاعلية.

عبد الكريمي: طُرحت المسألة بطريقة غير صحيحة على الإطلاق. يبدو أن تحولات تاريخية كبرى قد حدثت في بلدنا خلال السنوات الأخيرة، وأعتقد أنها تحولات ميمونة ومباركة. في اعتقادي، بعد مرور عدة عقود على الثورة، ننتقل تدريجياً من عقلٍ «وهمي/ لا تاريخي/ تجريدي» نحو عقلٍ «غير وهمي/ تاريخي/ عياني». إن مشروع تأسيس حضارة إسلامية حديثة هو نتاج «العقلانية التجريدية اللا تاريخية والوهمية»، أي أنه طرح لمسألة كبرى، لكنها في الواقع غير مثمرة وبلا معنى للمجتمع. هذا يدل على أننا لا نملك «وعياً تاريخياً»، أي أننا لا نعرف أين نقف في التاريخ وأين يكمن هنا والآن الخاص بنا. عندما لا يمتلك مجتمع أو فرد وعياً ذاتياً، فإنه يصاب بالوهم. نحن في الواقع، بدلاً من أن نعالج قضايا مجتمعنا الأكثر أصالة وواقعية، والقضايا التي ينبغي أن تكون أكثر عيانية بكثير، تركنا قضايا مثل المحرقة الإنسانية التي نمارسها في نظامنا التعليمي وندمر بها 20 مليون طفل، وتلوث الهواء، والفقر، والركود الاقتصادي العظيم، والفجوة والانقسام الطبقي الهائل... وتفرغنا لطرح مسائل وهمية وغير واقعية، ربما لنتمكن من التغطية على الكثير من نقاط ضعفنا. في اعتقادي، إن طرح فكرة تأسيس حضارة إسلامية حديثة هو أقرب إلى «ثرثرة» منه إلى «تفكير»، أي أننا ببساطة نردد عبارة ما. إنها ليست مسألة حقيقية على الإطلاق. إنها شبه مسألة، وربما لا ترقى حتى إلى شبه مسألة، أعني أنها مسألة لا تمت بصلة إلى قضايانا التاريخية الواقعية. إن قضايا مثل تغيير النظام العلمي العالمي، وخلق إبستيمية جديدة، وإيجاد نظام في مواجهة الحداثة، وأسلمة العلوم الإنسانية وتديين العلوم الحديثة، كلها نابعة من عقل لا تاريخي وغير عياني ووهمي. في اعتقادي، كان في صدر تاريخ الإسلام، في المجتمع وفي نفوس المسلمين، حقيقة وعظمة ونور أصيل لا وجود له في نفوسنا اليوم. إن تلك الحقيقة والعظمة والنور التي ينبغي أن تكون في نفوسنا الباردة والجامدة غائبة، لذا استبدلنا بتلك الحقيقة الغائبة بيننا ادعاءات كبرى وجوفاء. على أية حال، أعتقد أن الوعي التاريخي غائب في طرح هذه المسائل، وبالتالي فإن طرح هذا النوع من القضايا الواهية يزيد عملنا صعوبة ويبدد رؤوس الأموال المادية والمعنوية الهائلة لهذا البلد.
بورحسن: تصوري هو أننا نستطيع، بناءً على «منطق الحوار»، أن نقوم باستكشاف مفاهيمي لموضوع الحضارة والادعاءات الرئيسية للحضارة الإسلامية.
بخصوص الحضارة، ينبغي أن ندرك ثلاثة هواجس أساسية:
الهاجس الأول: يبدو أن كلاً من مؤيدي بناء الحضارة ومعارضيها يفتقرون إلى تحديد العلاقة بين الحرية ومفهوم الحضارة. نظرتهم «غير موضوعاتية»، والسبب في ذلك أن نظرتهم «أيديولوجية». تصوري هو أن النظرة الأيديولوجية للسيد عبد الكريمي وآخرين تحول دون أن نصل إلى نتيجة تفضي إلى مقاربة موضوعاتية.
الهاجس الثاني: الحضارة هي بسط وازدهار لقدرات وإمكانات ومعرفة مجموعة أو أرض أو بلد أو جغرافيا. الكثير من المعارضين وقعوا في أسر «النظرية الخطية للحضارة». عندما أقول إننا «لم نجد علاقة حرة»، أعني بذلك أننا، بمعزل عما مضى تاريخياً وبمعزل عن الوضع الذي نعيشه الآن، نستطيع أن نجري نقاشاً عقلانياً حول: كيف تنشأ وتظهر الحضارة أساساً؟ هل ينبغي أن نكون تابعين لمدرسة الجبر الجغرافي التي ترى أن ظهور الحضارة ممكن فقط في جغرافيا واحدة؟ أم لا، إن بناء الحضارة - وأنا أفضل أن أطرحه تحت عنوان «ظهور الحضارة» لأنني أعتبر الحضارة عملية وسيرورة - ليس تابعاً لوصفة أو تعليمات ولا تابعاً للرغبة، بل يقوم على عناصر، إذا ما تحققت هذه العناصر في أي مكان، يمكن للحضارة أن تظهر، وليس الأمر على هذا النحو من أن الحضارة يجب أن تنشأ فقط في الغرب. هذه نقطة مهمة، لأنه من الممكن في النقاشات اللاحقة أن نبحث ما إذا كان لدينا، إذا كان موضوعنا هو الحضارة الإسلامية، أي جغرافيا غير إيران نعرفها يمكنها أن تساعد في هذا الازدهار للإمكانات أو تفتح الإمكانات؟
الهاجس الثالث: عندما نتحدث عن الحضارة، ينبغي أن نولي اهتمامًا لأمرين بوصفهما المسألتين الأكثر جوهرية: الأول، أن الحضارة لا تنشأ ولا تظهر بدون إنتاج الفكر والمعرفة والعلم. والثاني، أن الحضارة مرتبطة بما يُسمى «الفاعلية». الفاعلية تقابل كلمة Bildung/ بمعنى البناء، لكنها تحمل معنى أوسع من ذلك بكثير، فكلمة Bildung تعني «الاستبطان والتكوين».
حسنًا، هذه نقاط مهمة حول بناء الحضارة. إذا نظرنا إليها بدقة، نجد أننا ما زلنا بعيدين جدًا عن أن نحكم بأن الادعاءات المطروحة حول الحضارة خاطئة، أو أن ثمة انحرافًا قد طرأ عليها. أعتقد أن علينا أولاً أن نفهم معنى الحضارة على نحو صحيح. لدى فريدمان كتاب بعنوان «العالم في المئة عام القادمة». يبحث في هذا الكتاب في ما ينبغي للغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة، أن يفعله إذا أراد أن يكون صاحب قوة في المئة عام القادمة. يقول: قد تقولون لي إنه لا ينبغي لنا في المجال الأكاديمي أن نلجأ إلى التكهن، لكن هذا ليس تكهنًا، بل هو «تنبؤ». استنادًا إلى المعرفة والعناصر المعرفية الموجودة، يمكنني أن أكون فهمًا بأن المحيط الهادئ، على سبيل المثال، سيكون أهم في المئة عام القادمة بدلاً من أن نركز في المجال البحري على المحيط الأطلسي. وبطبيعة الحال، ستختلف استثماراتكم ونمط تفكيركم. فبدلاً من أن أركز على الشرق الأوسط، أتجه نحو الشرق. هذا ما يمكننا أن نفعله أيضًا بشأن الحضارة.
بالطبع، للحضارة الإسلامية تعقيد وصعوبة ومعضلة، وتلك المعضلة تعود إلى التجزئة الذاتية للبلدان التي تعيش في نطاق الحضارة الإسلامية. أنا، خلافًا لادعاء الجابري، لا أعتقد أن النطاق العربي لديه فهم للحضارة. تمامًا كما أن النطاق العربي ليس لديه أي فهم للديمقراطية. ولا أعتقد أن النطاقات الأخرى، مثل آسيا الوسطى أو حتى تركيا، يمكنها أن تساعد في تقدم هذه المباحث. إذن، قد نقول في مواصلة النقاش إن ما نتحدث عنه بوصفه الأسس التي نملكها في أرضنا، سيكون مقصودنا هو إيران هذه. هذا يساعدنا على أن نحصل على المعنى «الصحيح» للحضارة. لا أعني المعنى «السليم» للحضارة، بل المعنى «الصحيح» للحضارة. هذان يختلفان، فعندما أقول المعنى السليم، أعني أن هناك معنىً ما موجودًا حول الحضارة. أنا أقول عن الحضارة «الازدهار الممتد». أما بشأن المعنى الصحيح الذي توجد فيه «النسبة الحرة»، فلم أعد أسمي الحضارة امتدادًا، بل قد أسمي الحضارة «الانسجام الداخلي للمجالات المختلفة مع النظام البالغ التعقيد الذي قد يوجد، ومع الوجه الكوني الذي قد يتشكل في هذه الحضارة». إذن، هذه معانٍ مختلفة موجودة عن الحضارة. أعتقد أنه من الضروري أن نقول في البداية، بمساعدة الدكتور عبد الكريمي، ما الذي نعنيه بالحضارة. إذا استطعنا مناقشة هذا، يمكننا بعدها أن نقول أي الادعاءات في الحضارة الإسلامية عقيم، وأيها مثمر، وما هي النظرية الموضوعية المنافسة التي يمكننا طرحها إزاء هذه الرؤية الإيديولوجية الموجودة حول الحضارة.
عبد الكريمي: إذا قبلنا أنه ما لم يتضح معنى ومفهوم الحضارة، فلن يكون واضحًا ما الذي نتحدث عن بنائه وتأسيسه، لذا أعتقد أن حكم الدكتور بورحسن بأنني تعاملت مع مسألة الحضارة بشكل أيديولوجي ــ بما أنه لم يستمع بعد إلى معنى ومفهوم الحضارة من وجهة نظري ــ كان متسرعًا بعض الشيء. في رأيي أن أهم موضع للنقاش هو أن نحدد أصلًا مفهوم الحضارة. رأيي هو أن مفهوم الحضارة «غير قابل للتعريف». عندما نتحدث عن الحضارة، عن أي شيء نتحدث حقًا؟ هناك تعريفات كثيرة جدًا جدًا. حتى أنه يقال إن هناك حوالي 250 تعريفًا في مجال الثقافة والحضارة. بطبيعة الحال، لا نريد هنا أن نفحص هذه التعريفات واحدًا تلو الآخر. بالنسبة لي، الحضارة مفهوم «متعالٍ/ أمر محيط». إنها شيء يشبه مفهوم الوجود، الحياة، الواقع، التاريخ. لو طُلب منك تعريف «الحياة»، بأي مقومات وبكم مقومًا تريد تعريف الحياة؟ كم مقومًا يوجد داخل الحياة؟ نحن داخل الحياة ونلمس الحياة، لكن لأن الحياة تحيط بنا، لا يمكننا أبدًا أن نجعل الحياة موضوعًا (أُبجِه) ونفكر في الحياة مثل سائر الأشياء والموضوعات وندرجها في تعريف ونعبر عنها في قالب قضية. ولهذا السبب أعتقد أن الحضارة مفهوم تركيبي شديد التعقيد. إنها كلية نحن غارقون فيها، وتعريفها بوصفها مفهومًا يشمل جميع وجوه الحياة وحياتنا كلها أمر بالغ الصعوبة وربما مستحيل. تذكروا قصة مولانا تلك حين كانت الأسماك تبحث عن معنى الماء، فوصلت إلى سمكة كبيرة حكيمة وسألتها: ما هو الماء؟ فأجابت السمكة الكبيرة الحكيمة: أنتم أخبروني أي شيء ليس بماء؟ في البحر كل شيء ماء. الحضارة هي ذلك البحر الذي نحن أسماك البشر غاطسون فيه. تعريف الحضارة صعب للغاية. ليس للحضارة بأي حال من الأحوال معنى واحد. أحيانًا تكون لدينا معانٍ واستخدامات مختلفة جدًا للحضارة. أحيانًا نستخدم كلمة الحضارة والإنسان المتحضر بمعنى معيار وقاعدة، أي أننا نعتبر «السلوك المتحضر» بمعنى «السلوك الإنساني». وبالمناسبة، كان هذا المعنى شائعًا في القرن السابع عشر. فمنذ القرن السابع عشر فصاعدًا، السلوك المتحضر يعني السلوك القائم على القوانين الرومانية. أحيانًا نضع الحضارة في مقابل البربرية. يقولون إن الدولة تقوم ببناء الحضارة، أي يجب أن نقف في وجه بربرية الأفراد. الشرطة تقوم بعمل حضاري. لأنه إذا كان من المفترض أن يحكم الناس بأنفسهم وينفذوا الحكم بأنفسهم، فهذا عمل غير متحضر. انظروا، في النقاش حول إمكانية أو استحالة «بناء الحضارة»، ليس محل النزاع حول الحضارة بهذه المعاني أصلًا. ما أقصده أنا بالحضارة هو «الحضارة بوصفها عالمًا وعالم حياة تاريخيًا». بهذا المعنى، أي الحضارة بمعنى عالم حياة تاريخي هو مفهوم تركيبي شديد التعقيد يشمل نمطًا من الحياة وعلاقات اجتماعية واسعة ومعقدة للغاية، أي يشمل العلاقات الأسرية، علاقات الإنتاج، النظام القانوني، النظام الاقتصادي، النظام السياسي، العلم والتكنولوجيا، النظام الأخلاقي وأشياء أخرى كثيرة. هذه الكلية في الواقع تشمل في حقبة تاريخية مجموعة من البشر في منطقة جغرافية أو في مجال ثقافي حتى يستطيع البشر أن يفكروا داخل هذا الأفق وأن يفعلوا داخل هذا الأفق. ما هي أسس الحضارة؟ بطبيعة الحال، النقاش كثير. لكن من وجهة نظري، لكل حضارة أسسها الأنطولوجية الخاصة. لكل حضارة نظامها الوجودي، نظامها المعرفي، فهمها الخاص للحقيقة، فهمها الخاص للإنسان، المعرفة والتاريخ. الآن، عندما يقول قائل إنه يريد أن يشرع في تأسيس حضارة إسلامية حديثة، فإن هذا الادعاء له في أذني رجع صدى هذا القول: إنني أريد أن أشرع في تغيير عالم حياتنا التاريخي؛ أريد أن أغير عالمية عالم المسلمين. أريد أن أبدأ فصلًا جديدًا في كتاب الحياة التاريخية للبشر. باعتقادي، إن ادعاءً كبيرًا كهذا هو نتاج العقل المتوهم. بمعنى، في الواقع، لو سألوني هل تأسيس حضارة إسلامية جديدة ممكن أساسًا أم لا؟ أعتقد أنه، سواء أكانت إسلامية أم غير إسلامية، أي أن مسألة الإسلام ليست مطروحة أصلًا، لا يمكن من الأساس تأسيس حضارة ببرنامج وبطريقة إرادوية.
بورحسن: النقطة الأولى التي ينبغي أن أنبّه عليها هي أن علينا النظر إلى الحضارة من منظور «البرساختگي» (البناء الاجتماعي). الحضارة ليست متعالية، الحضارة ليست مقدّسة وليس لها وجه قدسي. الحضارة، بالتمام، هي نتاج تعيّن عقلانية المجتمع. إذا اعتبرنا الحضارة متعالية، فإن ذلك الفعل الواعي الذي أتحدث عنه، وذلك الوجه العقلاني الذي يسهم في تلك العملية، يضرّ بفهمنا لمعنى الحضارة. أنا لا أعتبر الحضارة متعالية. أعتبر الحضارة مبنية بالكامل. ولهذا السبب فإنني أقول في شأن الحضارة «بنظرية العملية». طبعاً نظرية العملية هذه يمكن ألا تكون نظرية خطّية. أي أن الأمر ليس بحيث إذا اعتبرنا الحضارة نتاج تعيّن العقل، نقول العقل بمعنى العقل التاريخي الخاص الذي ظهر في رؤية في الغرب، مثل هيغل وهردر وغيرهما. هذه نقطة مهمة.
النقطة الثانية هي أن العالم الإسلامي، تقريباً منذ زمن السيد جمال وحتى الآن، يميل إلى «العودة»، باستثناء واحد اسمه إيران. إيران تميل إلى «البازجُست» (إعادة البحث). هذان الأمران مختلفان. عندما أطرح أن نقوم بإعادة قراءة فلسفية للحضارة، فإن إعادة قراءة الحضارة هذه تخبرنا ما هي أساساً العناصر الأساسية لحضارة ما. يمكننا في الحضارة أن نقول بالسيطرة؛ السيطرة على الطبيعة، وعلى المجتمعات و... . هذه خصائص نعهدها عن الحضارة. ليس من الضرورة أن نقدّم بالضرورة تعريفاً حدّياً فنقول إن تعريفاً كهذا غير ممكن. أعني أنني أعتقد أنه ينبغي أولاً أن نتعرّف على الخصائص والمميّزات الموجودة في شأن الحضارة. ومن خلال هذا يمكننا القول إن هذا هو الفهم الإجمالي الذي نملكه عن الحضارة. نحن نريد في الحضارة مهارة. نريد في الحضارة نظرية للعمل. نريد في الحضارة نظرية للسكان. نريد في الحضارة نظرية للثروة. والأهم من كل ذلك، نريد في الحضارة نظرية للمعرفة. البلدان والأقاليم التي لا تستطيع إنتاج الفكر، حتى لو أنتجت أكواماً من الثروة، لا تملك القدرة على بناء الحضارة. إذن، ينبغي أن يكون هناك انسجام داخلي بين هذه الأمور. إذن إحدى الخصائص المهمة للحضارة هي الانسجام الداخلي. أي أن الأمر ليس بحيث تكفي الثروة وحدها، أو المعرفة وحدها، أو القوة وحدها.
انظروا، هذه الأمور ينبغي تعدادها على نحو استقرائي. أنا أعتقد أننا نستطيع أن نساعد بإعادة القراءة الفلسفية ونزيح جانباً ما لا ينبغي أن يتشكّل حول فهمنا للحضارة. هذا فن مهم أن نشخّص ما هي الأشياء التي لا ينبغي لنا مطلقاً أن نتّجه نحوها. ذاك الخطأ والزلل الذي وقعنا فيه بخصوص العلوم الإنسانية، أي أننا تبنّينا ذلك التلقّي الخاطئ بأن العلوم الإنسانية الغربية والعلوم الإنسانية الإسلامية منفصلتان. العلوم الإنسانية هي العلوم الإنسانية. العلوم الإنسانية يمكنها، بتغيّر «المنشأ المعرفي» و«الغاية»، أن تتحول إلى وجه آخر من العلوم الإنسانية نفسها. الحضارة هي كذلك أيضاً. أنا لا أضع الحضارة الإسلامية في مقابل الحضارات الأخرى من حيث الجوهر فحسب، بل إن الحضارة هي بما هي أن نستطيع رؤية أقصى درجات البسط في المعرفة والقوة والفكر لمجتمع ما.
وليس الأمر أن هذه العملية تتشكل دفعة واحدة. أعني أن تشكل هذه العملية يستند إلى إرادات معقدة قائمة، من قبيل إرادة السيطرة، وإرادة المهارة... إلخ. حين أقول المهارة، أعني أنه إذا لم تستطع إيران، أو أي أرض تدّعي الحضارة، أن تصنع سلعة وتقدم فكراً ذا وجه كوني، أي أن يريده العالم، فلن تكون قادرة على بناء الحضارة أيضاً. هناك مفكر مغربي اسمه الجابري له فهم خاص للحضارة ومعنى الحضارة. وهو يعتقد أنه بشكل عام، إذا أردنا الحديث عن الحضارة في العالم الإسلامي، فعلينا أن نقسمها إلى شطرين: شرق الحضارة الإسلامية وغرب الحضارة الإسلامية. وهو يعتقد أن مشروعنا في البداية ينبغي أن يكون «مشروع الانحطاط». وأنا أعتقد أن هذا الفهم خاطئ. فمشروع الانحطاط يؤدي إلى أن تعودوا إلى الوراء. لذا أعتقد أن فكر غرب الحضارة الإسلامية، بشكل عام، هو نظرة «سلفية». النظرة السلفية تعني أنكم لا تفهمون العقل الجديد. نظرة العودة تعني أنه ليس لديكم أي فهم للعصر الحديث. وهذا ما أؤكد عليه: إذا لم تستطيعوا إنتاج فكر يحظى بالاهتمام والتطبيق في المجال العالمي، فلن يكون له أي جدوى. أعني أنه لا يمكن أن تنتجوا أكواماً من المقالات، بينما لا تستطيعون حتى خلال 30 عاماً تقديم نظرية واحدة تُدرَّس في العالم وتحظى بالاهتمام وتكون أساساً للدراسة. إذن، كما ترون، ليست قضية الحضارة قضية بسيطة وساذجة، وليس لنا أن نتبنى نظرة متساهلة أو متفائلة أو تبسيطية إزاء الحضارة، فنحكم بأنها مستحيلة أو ممكنة. تصوري هو أننا نعاني قليلاً من فهوم خاطئة عن الحضارة. كما كان الحال في العلوم الإنسانية، حيث أننا، لعدم امتلاكنا فهماً صحيحاً عنها، انخرطنا في مناقشات عقيمة، مما حال دون أن نعبر عن تلك النظرة الصحيحة للعلوم الإنسانية القائمة على مقتضياتنا وأسئلتنا ومطالبنا.
أنا بشكل عام أعرّف الحضارة بأنها «انسجام عقلاني باطني» يستلزم عملية معقدة، وفي الوقت نفسه أعتبرها نتاجاً وبناءً لتَعَيُّن العقلانية. إن بناء الحضارة الإسلامية في أيامنا هذه لا أراه ممكناً فحسب، بل أعتقد أن علينا أن ننتبه إلى هذه المسألة.
عبد الكريمي: كان لدى الدكتور بورحسن سوء فهم لمصطلح «التعالِي». حين قلتُ إن الحضارة أمرٌ تعالِي، كنت أعني أنه أمر محيط. أي أن الحضارة لا يمكن جعلها موضوعاً (أُبْيِه)، ولم أعنِ أن الحضارة أمر مقدس.
نکته دیگر این که مراد ما از «بازجُست تمدن اسلامی» چیست؟ در این مورد من و آقای دکتر پورحسن با یکدیگر توافق داریم که تمدّنها را ما تأسیس نمیکنیم، یعنی نمیتوانیم یک پروژۀ تمدّنسازی را طراحی کنیم. اما بازجست تمدّن اسلامی چیست؟ ببینید، یک موقع هست که ما داریم از سنت تاریخی صحبت میکنیم، من هم میپذیرم که تفکر بدون سنت تاریخی امکانپذیر نیست. تفکر در خلأ امکانپذیر نیست. تفکر امری نیست که شما بخواهید از صفر آغاز کنید. مگر مسلمانی میتواند فلسفۀ اسلامی را نادیده بگیرد؟ مگر صاحب فکری میتواند مآثر فرهنگی و تاریخی خود را نادیده بگیرد و از صفر شروع کند؟ اینکه بدویت است. پس محل صحبت اینجا نیست. ایشان میگویند این بازجست تمدّن اسلامی امکان پذیر است. یک مقدار به نظر من این مفهوم هم متناقض است و هم نا روشن: «بازجست تمدّن اسلامی»؟ ایشان میگویند مفهوم تمدن را خیلی متعالی و تاریخیاش نکنیم، خیلی مشخص است ما نظریۀ مهارت میخواهیم، نظریۀ کار میخواهیم، نظریۀ جمعیت میخواهیم، نظریۀ ثروت و نظریۀ دانش میخواهیم و این نظریات البته باید دارای سازگاری درونی و نه فقط سازگاری شکلی نیز داشته باشند. اما در اینجا چند پرسش وجود دارد: به نظرم میآید در اینجا یک نوع بازی لفظی وجود دارد. تا به حال میگفتیم تمدّن میخواهیم، حالا میگوییم سازگاری درونی میخواهیم. نکتۀ دیگر این که ایشان میگویند ما به اشتباه طرح مسأله کردیم و گفتیم علوم انسانی اسلامی می خواهیم. علوم انسانی علوم انسانی است و ما علوم انسانی اسلامی و غربی نداریم. ایشان خواهانند از موضع «عینیّتگرایی» و نه نسبیت گرایی دفاع کنند. بسیار خب، بر اساس نظریه عینیت گرایی ایشان نظریۀ مهارت نظریۀ مهارت است، نظریۀ جمعیت، نظریۀ جمعیت است. نظریۀ کار نظریۀ کار است، یعنی اسلامی و غیر اسلامی و غربی و شرقی ندارد. اما اسلامیت این تمدن جدید و حاصل عینیت گرایی شما از کجاست؟ این تمدن که مبتنی بر سازگاری درونی نظریه های علمی و عینی است اسلامیتاش را از کجا آوردید؟ اگر قرار است ما به یک نظریۀ کار برسیم و اگر عینیّتگرا هم باشیم، از آقای پورحسن پدیدارشناس غیرایدئولوژیک عینیّتگرا میپرسم، اگر علوم انسانی علوم انسانی است، خب نظریۀ ثروت هم نظریۀ ثروت است، نظریه جمعیت هم نظریه جمعیت است و الی الآخر. اما این پسوند اسلامیاش را شما از کجا آوردید؟ این مفهوم اسلامیت در اینجا چه میکند؟ شما نظریۀ جمعیت میخواهید، طرفدار نظریۀ جمعیت عینیّتگرا هم هستید، وجه اسلامیت این بازجست تمدّن چیست؟ این اسلامیت قرار است با ما چه بکند؟ نکتۀ دیگری که در اینجا وجود دارد و خود دکتر پورحسن نیز در خصوص آن با من همدل اند این است که تمدّن را در گذشته نباید جستوجو کردو تمدن فرآیندی است که در آینده باید جست و جو شود. حال یک بحث عمده داریم که آیا ما امکانات تاریخی را میتوانیم پیشبینی کنیم و آیا تاریخ یک امر تعین پذیر و پیشبینی پذیر هست یا نه؟ ولی اگر از این بحث هم بگذریم، به اعتقاد من، تحولات تاریخیای که در دوران ما شکل گرفته، به هیچ وجه امکان بازگشت به گذشته را به ما نمیدهند. به هیچ وجه ما نمیتوانیم به گذشته و به عالمیت عالم اسلام، آن گونه که در گذشته بود، بازگردیم. تمدّن اسلامی مبتنی بر متافیزیکی است که این متافیزیک سوبژکتیویسم جدید را تجربه نکرده بود. حال اگر قرار است آن تمدّن بتواند با متافیزیک جدید نسبت برقرار کند، باید با این سوبژکتیویسم یک نسبتی برقرار کند. نظام اپیستمه، نظام معرفتی، نظام دانشی که در گذشته بوده مبتنی بر یک زیستجهان دیگری بوده است. اگر بخواهید آن را تکرار کنید اساساً امکان پذیر نیست. آن تلقّی ذیل بازگشت قرار میگیرد. حرف این است، ما میتوانیم به سنت مان رجوع کنیم و بصیرتهای بنیادینی را بگیریم و مشروط بر این که آنها را به همان شکل تکرار و بلغور نکنیم، آن بصیرت ها را در جغرافیای زیست جهان کنونیمان بازفهم و بازتفسیر. لیکن به هیچ وجه مشخص نیست که نتیجۀ این فرآیند چه خواهد بود و به هیچ وجه معلوم نیست در آینده پسوند اسلامیت در واقع قرار است در کجای فرهنگ و تمدن آینده قرار گیرد و چه کارکردی داشته باشد؛ به خصوص که با مرگ متافیزیک و فروپاشی بنیانهای مقولات متافیزیکی در جهان پسانیچهای نظام های تئولوژیک نیز دیوارشان فرو ریخته است و آنها هم دچار نوعی فروپاشی شدهاند.
بورحسن: عندما نقول الماضي، يمكننا أن نقصد من عبارة «الماضي» معنيين. المعنى الأول للماضي هو معنى «النظر إلى». هذا النظر إلى هو الوجه الوجودي والأنطولوجي للماضي. أي الماضي الذي يصنع الهوية، الماضي المرتبط بنا. لا أعتقد أن الدكتور عبد الكريمي يقبل وجهة النظر القائلة بأن المستقبل هو مستقبل فراغي دون سند من الماضي بمعنى «النظر إلى». المعنى الثاني للماضي هو «القطيعة والانفصال». لا شأن لي بهذا المعنى الثاني. عندما أتحدث عن الماضي أتحدث عن إعادة قراءة هذا التراث، ولا أعتقد مطلقاً أننا نستطيع القول إن المستقبل في هذه الجغرافيا، أي في إيران، أي في حضارة تريد أن تنبثق، هو بلا نسبة إلى الماضي. بل لا أعتقد مطلقاً أن الحضارة في الغرب أيضاً قد تحققت بقطيعة عن الماضي. نعم، لقد حدثت الحضارة الجديدة بفهم جديد، وهذا نقبله. ولهذا السبب يجري باستمرار إعادة قراءة الماضي، اليونان وحقبة ما بعد اليونان، في الغرب. إما على نحو نقدي أو بأساليب أخرى. انظروا، لا يزال لدينا جدل طويل كي نتحدث عن إسلامية الحضارة. أنا لم أستخدم مثل هذه الكلمة (وصف الإسلامية) في هذه المرحلة، أي أنني لم أقل إننا إذا أردنا لحضارة أن تنبثق، فإنها ستقف في تقابل جوهري مع الغرب. لقد رفضت هذا ولا أقبل أن نقول إن هذه سمة خاصة بالإسلامية. كلامي هو: عندما أقول إن حضارة نابعة من مقتضيات أرض، ومن أسئلة تلك الأرض، فإنها تكتسب لون ورائحة رغبات تلك الأرض، والغاية التي ستحظى بها، والفاعلية التي ستحظى بها، ستكون مرتبطة بأسئلة ذلك المجتمع. إذا كان الأمر كذلك، فمن الطبيعي أن الجدل نفسه الذي لدينا الآن حول الفلسفة، أي أنكم عندما تقولون الفلسفة الإسلامية لعل أدق تعبير هو أن هذه الفلسفة نشأت في مثل هذا الفضاء، نحن في العالم الإسلامي قمنا بإعادة قراءة الفلسفة اليونانية وفصلنا لباسنا المناسب. مع أننا فهمناها. كنا في أخذ وعطاء فكري معها. برأيي، ينبغي ألا نتعجل، أي أنه قد يبعدنا قليلاً عما هو موجود في منطق الحوار. فأنا الآن لا أعتبر الحضارة الغربية غربية بالضرورة، وأتحدث عن الحضارة الإنسانية.
عبد الكريمي: ما يركز عليه الدكتور بورحسن هو أن التفكير يحدث داخل التراث. هذه النقطة صحيحة تماماً وليست محل نقاش أساساً. لكن ماضينا ليس إسلامياً فحسب، ماضينا هو أيضاً الميتافيزيقا اليونانية، وماضينا هو التراث العرفاني والتفكر الهندي الإيراني أيضاً. نقطة أخرى هي أنه لو كان الدكتور بورحسن قد طرح هذه المباحث قبل حوالي 400 عام لكان جيداً. لكن الدكتور بورحسن والأصدقاء الذين يركزون على الحضارة الإسلامية والعودة إليها واستعادتها، لا يرون في الواقع الحداثة، وظاهرة العولمة، والتحولات الأخيرة في العالم ما بعد الحداثي، وكيف أنها أنهت التواريخ المحلية، وأضفت على بزوغ تاريخ وحضارة معولمة سرعة وحدة غير مسبوقتين. في عالم كهذا تتجه فيه التواريخ المحلية نحو الاندثار والانحلال في التاريخ العالمي، يبدو الحديث عن التواريخ المحلية، كما في الماضي، أمراً عسيراً. لا تزال فكرة تأسيس أو استعادة الحضارة الإسلامية في فضاء تاريخي يقوم على التواريخ المحلية، لكن هذا الفضاء التاريخي قد انتهى منذ زمن بعيد.
.
.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.