اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُعدّد بابك أحمدي الأسئلةَ الأساسيةَ لفلسفة الفن ويرى أن التساؤل يتطلب حريةً أكاديمية وروحًا ديمقراطية. وهذه الشروط لم تكن متوفرة في إيران، حيث يقتصر نشاط المشتغلين في الغالب على ترجمة أفكار الآخرين وشرحها.

بحثي يدور حول الوضع الراهن لفلسفة الفن في إيران، ولهذا السبب ارتأيت أن أناقش بإيجاز المسائل المطروحة في فلسفة الفن، لأنه إذا اتضحت الأسئلة التي تطرحها فلسفة الفن، فقد نتمكن من فهم وضع فلسفة الفن على نحو أفضل. الأسئلة الرئيسية التي تواجهها فلسفة الفن هي أسئلة تأسيسية حول الفن. أي أنها تُطرح إلى جانب الخطابات والنظريات الفنية المختلفة والمسائل المتنوعة التي تُثار حول الفن في أي مجتمع. الادعاء الأول للفلسفة هو أنها تطرح مسائل دقيقة وتأسيسية، وادعاؤها الثاني هو أنها قادرة على تقديم إجابات واضحة وقابلة للنقاش على الأقل لهذه الأسئلة، تُعتبر صحيحة إلى إشعار آخر. وهكذا كانت الفلسفة دائمًا.
يمكن تقسيم الأسئلة الرئيسية المطروحة في فلسفة الفن إلى خمس فئات: الفئة الأولى هي الأسئلة الدلالية (semantics)، كأن نسأل: ما معنى الفن؟ وما معنى الواقع؟ لا يُتوقع من الفنان أن يجيب عن سؤال: ما معنى الواقع؟ صحيح أن الأعمال الفنية تتناول الواقع في أحيان كثيرة، لكنها لا تقدم إجابة فلسفية عن هذه القضية، أي لا تقدم إجابة تكون محلاً للنقاشات الفلسفية. العمل الفني، في ذاته وفي عالمه الخاص، أي عالم النص أو عالم الأثر، يقدم إجابة يعتبرها صحيحة بزعمه عن هذا السؤال، أما الفيلسوف فيتساءل: هل هذه الإجابة صحيحة من الناحية الفلسفية أم لا؟ ويقارنها ببقية الأعمال التي ظهرت عبر تاريخ الفن. سؤال آخر هو: ما الفن؟ عادة ما يبدأ الفنانون عملهم بافتراض أنهم يعرفون الجواب. يقدم الفلاسفة نظريات مختلفة حول هذا الأمر ويتناقشون فيما بينهم. الآن، في مطلع القرن الحادي والعشرين، لدينا عشرات النظريات الفلسفية ردًا على سؤال: ما الفن؟ وأيها صحيح وأيها أكثر دقة هو محل نقاش، ومهمة الفيلسوف هي أن يذكي مثل هذا النقاش. الفئة الثانية من الأسئلة التي تثيرها فلسفة الفن هي الأسئلة المنطقية، كأن نسأل: ما شروط صحة الاستدلال الفني؟ وهل يوجد أساسًا ما يسمى بالاستدلال الفني أم لا؟ هذه نقطة بالغة الأهمية طُرحت في مباحث العقد الأخير في فلسفة الفن، وخصوصًا في فرع فلسفة الفن التحليلية. الفئة الثالثة هي الأسئلة الأنطولوجية، مثل: هل الشخصيات التي تُطرح في سياق العمل الفني موجودة أم لا؟ لقد طُرحت أيضًا في الفلسفة التحليلية خلال العقد الأخير مباحث جذابة وجديرة بالقراءة حول الشخصيات الخيالية. الفئة الرابعة هي الأسئلة الإبستمولوجية. هل يوجد أساسًا ما يسمى بالمعرفة الفنية أم لا؟ هل المعرفة الفنية ممكنة أم لا؟ إذا كان الجواب سلبيًا، فلا فائدة من هذا القسم من فلسفة الفن، لكن الجواب عادة ما يكون إيجابيًا ويقول إن المعرفة الفنية ممكنة. هل يمكن اعتبار عمل فني معيارًا للحقيقة واستخلاص سلسلة من النظريات حول الواقع من داخله على الأقل؟
المعرفة الفنية، في اعتقادي، يمكنها أن تخرج من نطاق الفن وتستعين به لطرح نقاط بديعة. مثل المحاضِر الذي تحدث قبلي، فقد طرح مثالاً أدبيًا من إحدى أعظم روايات اللغة الفارسية (بوف كور) واستخلص منه سلسلة من الأسئلة الفلسفية. هذه العلاقة التبادلية التي تتشكل بين الفلسفة والفن سببها أن فلسفة الفن كانت قد طرحت مسبقًا سلسلة الأسئلة المعرفية هذه وأرادت أن تعرف: هل المعرفة الفنية ممكنة أم لا؟
أخيرًا، الأسئلة الأخيرة التي تُعتبر ملحقة بتلك الفئات الأربع السابقة نسميها الأسئلة التمايزية أو التفارقية. أسئلة تفرق بين الفن والعلم، أو الفن والدين. في هذه الفئة يُناقش إلى أي حد يرتبط ما يُطرح في الفن بسائر المجالات الأخرى (مثل العلم، الفلسفة، الدين... إلخ). في هذه الفئة من الأسئلة يُناقش كيف يرتبط خطاب الفن في كل فرع من فروع الفنون ببقية المعرفة البشرية.
الاشتغال به هذه الأسئلة هو مهمة فيلسوف الفن، وقد أدى الفلاسفة هذه المهمة على أفضل وجه منذ زمن أفلاطون وحتى الآن. معنى هذا الادعاء ليس أن كل رأي قدموه كان صائباً، وإلا لتوقفت الفلسفة. معنى هذا القول هو أن تقليداً فلسفياً كبيراً قد نشأ في هذا المجال لتُطرح هذه الأسئلة: الأسئلة الجوهرية في مجال الفن.
إن طرح السؤال يتطلب فضاءً وحرية فكر وحرية أكاديمية ليتمكن المرء من الإجابة عن هذه الأسئلة. طرح السؤال يحتاج إلى روح ديمقراطية، أن يكون الفرد مستعداً للاستماع إلى رأي مخالفه والتحاور معه. وخاصة لأن هذه الأسئلة جوهرية، فهي بحاجة إلى حضور الجميع أكثر من غيرها من الأسئلة. للأسف، هذه الظروف غير متوفرة في إيران، وبالتالي لا يتم إنجاز عمل فلسفي. في أفضل الأحوال، من يعملون في إيران في هذه المجالات هم مترجمون وشارحون، يعرضون آراء الآخرين لمن يقرؤون باللغة الفارسية. وبما أننا لم نخلق الأرضية الأساسية والشرط الأولي للتفلسف الذي تشكل في القرون الأخيرة في الغرب، فإننا لم نطرح هذه الأسئلة أبداً.
في زمن شبابي، أي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، لم تكن فلسفة الفن ذات معنى في إيران على الإطلاق. في كلية الآداب كان هناك قسم للفلسفة، وفي دروس قسم الفلسفة، كان هناك درس واحد عن الفن، وكانت تقدمه المرحومة السيدة سيمين دانشور، وكان عملها أن تترجم كتاب أرنولد هاوزر فصلاً فصلاً وتشرحه بلغة أبسط. لعدة سنوات كان هذا الكتاب هو المصدر الرئيسي في هذا المجال. في الستينيات، التي هي عقد الازدهار الفني في إيران والتي نشهد فيها ظهور الحداثة في الفن الإيراني، لم يكن لدينا حتى كتاب قيم واحد في مجال فلسفة الفن. لقد قمت في كتاب "الحقيقة والجمال" بتقديم ونقد عدة كتب كانت موجودة سابقاً. كنت أريد أن أبين إلى أي درجة كان النقاش متخلفاً. دون أن أرغب في الاعتراض على الجهود التي بذلها الآخرون في ظروف متخلفة كهذه. لكن على أية حال، كانت النقاشات متخلفة جداً. لم تكن الكتب تُختار بشكل جيد وكانت مليئة بالأخطاء، سواء الأخطاء الفنية أو الأخطاء الفلسفية.
بعض الأعمال التي كانت قابلة للاستخدام إلى حد ما، كانت تتناول فلسفة الفن غالباً من زاوية اليسار. على سبيل المثال كتاب "ضرورة الفن في مسيرة التطور الاجتماعي" لإرنست فيشر الذي ترجمه المرحوم فيروز شيروانلو. كان فيشر ماركسياً، لكنه كان ماركسياً مثقفاً ومنبثقاً من التقليد النقدي الأوروبي. كان الكتاب جيداً لكن فهمه كان صعباً ويحتاج إلى مباحث جانبية. لكنه على أية حال كان كتاباً معتبراً وقد حظي بالاهتمام في زمنه في الغرب أيضاً. كتاب أرنولد هاوزر الذي كانت تدرسه السيدة دانشور كان أيضاً من تقليد اليسار، أي أن هاوزر كان مقرباً من مدرسة فرانكفورت. عدا هذه الأعمال لم يكن هناك كتاب آخر في هذا المجال بالفارسية؛ أي فقط كتابان أو ثلاثة وأستاذ في كلية واحدة. طبعاً كانت الأستاذة مثقفة، درست في أمريكا، وكانت روائية بارزة وشخصاً متنوراً وطيب الفكر، لكن الجو لم يكن مؤاتياً على الإطلاق. في الوقت نفسه كان الفن يقوم بعمله. أبرز فناني القرن العشرين في إيران كانوا منهمكين في العمل في ذلك الزمن بالذات. أحمد شاملو كان ينظم الشعر، بهرام بيضائي كان قد دخل الساحة المسرحية الإيرانية في بداية الستينيات بـ "آرش". في كثير من الفروع الفنية مثل التصوير الفوتوغرافي والرسم وغيرها... كانت قد ظهرت إبداعات. كانت الستينيات غريبة من هذه الناحية أيضاً حيث وفرت الحكومة إمكانيات، مثل التلفزيون و"كارگاه نمايش" (ورشة العرض) وغيرها...
في ذلك العقد الذي نسميه العقد الذهبي الثقافي لإيران، لم يكن هناك أي أثر لفلسفة الفن. في الواقع، لم يكن هناك أي أثر للفلسفة. إذا راجعتم قائمة بالأعمال المنشورة في مجال الفلسفة، سترون أنه لم يكن هناك أي عمل يُعتد به. لم يكن هناك أي أثر من عظماء تاريخ الفلسفة. كان المرحوم محمد حسن لطفي يترجم أعمال أفلاطون تدريجياً، ومن أرسطو لم يكن هناك أي أثر تقريباً، ومن هيغل لم يكن هناك أي أثر بالفارسية. عندما صدر كتاب فلسفة هيغل بقلم و. ت. ستيس بترجمة المرحوم حميد عنايت بالفارسية، لم يكن هناك أي أثر لهيغل نفسه متوفراً بالفارسية. ومن كانط لم يكن هناك أي أثر أيضاً. كان المرحوم منوجهر بزركمهر قد ترجم مقالاً قصيراً. ونتيجة لذلك، لم نكن نتعامل مع أي مصدر فلسفي باللغة الفارسية. كان أفضل طلاب الفلسفة هم أولئك الذين يعرفون لغة أوروبية (الإنجليزية، الفرنسية...)، ولم يكن عددهم كبيراً. هذا هو الوصف المحزن لتاريخ فلسفة الفن في إيران. لكن في ذلك الوقت نفسه، كان الفن في أوجه.
الحقيقة هي أننا عندما نتحدث عن فلسفة الفن، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار جزأي هذا المفهوم (فلسفة الفن)، أي أن فلسفة الفن مرتبطة من جهة بالفلسفة ومن جهة أخرى بالفن. فلسفة الفن هي بمثابة جسر بين الفلسفة والفن، عبر طرحها للأسئلة المذكورة. كان وضع الفلسفة في ذلك الوقت في إيران يرثى له، وهو ليس أفضل حالاً الآن. في الفكر، شهدنا مع المرحوم الفرديد هيمنة نوع من الفكر الإقطاعي القروسطي، كان هو المعرّف الأساسي للفلسفة، وكان الوحيد الذي كان يخلق شيئاً في كلامه، لأنه لم يكتب شيئاً. إذا نظرنا إلى القضية من منظور جيل دولوز، يمكننا القول إنه كان الوحيد الذي صنع مفهوماً، هذا المفهوم كان التغرب، بالمعنى الذي تعلمه من هايدغر، أو الذي، في رأيي، لم يتعلمه جيداً. أعتقد أن هذه النظرة النقدية إلى الماضي، الموجودة دائماً في كلامي، ضرورية. لا ينبغي المجاملة، ويجب تجاوز خواص المجتمع القديم. الفلسفة في جوهرها فكر نقدي، والفلاسفة يعترضون على بعضهم البعض. أعظم فيلسوف في تاريخ الفلسفة، على الأقل في ظني، أرسطو، يقول عن أستاذه أفلاطون: إني أحبه، لكني أحب الحقيقة أكثر. إذا قلبنا هذه العبارة، تصبح: إني أكرهه، لكني أكره الكذب أكثر. الفلسفة هي الفرع الوحيد من المعرفة البشرية الذي تحمل تسميته لفظ الحب، فالفلسفة في اللغة تعني حب الحكمة. لذا، نحن أمام مزيج من حب الحكمة وكراهية الكذب.
لم يكن لدينا شيء في الفلسفة. وكون بضعة أشخاص يمارسون عملاً فلسفياً ليس مدعاة للعجب، ففي كل مكان يوجد أفراد يقومون بعمل ما، وهؤلاء الأفراد يتعرضون بالقدر الكافي للسخرية والاستهزاء والضغط والتحقير. إذا أردنا الحديث عن الفلسفة وعلاقتها بالفن، فهذا يعني أن الفلسفة يجب أن تمتلك مؤسسات تعليمية. الفلسفة بحاجة إلى حرية أكاديمية حتى يمكن الاعتراض عليها. بعلاقات الأستاذ والتلميذ والنظرة العرفانية التي تسربت إلى كل الفلسفة الإيرانية المعاصرة، لا يتشكل الفكر النقدي، والفلسفة لا تنمو بدون فكر نقدي. التربة التي تزدهر فيها الفلسفة هي الفكر النقدي.
لقد تحسّن النشر الفلسفي في زماننا بلا شك تحسّناً كبيراً ولا يُقارن بفترة شبابي. ثمة جموع من الشباب يترجمون الأعمال الفلسفية. العناوين كثيرة وأرقام التوزيع منخفضة. وهذا يدل على أن كل شخص يقوم باختياراته الخاصة. كثير من الترجمات ليست دقيقة، لا بأس، ستصبح دقيقة لاحقاً. لم يبدأ نقد الترجمة بعد. إنه يتشكل تدريجياً وهذا أمر جيد. شريطة ألا يكون مقروناً بقلة الأدب والوقاحة في الكلام، وأن يكون فيه حب للحقيقة، وألا يكون الحسد والمباهاة دافعه، أي ألا يكون ذلك الداء القديم، التنافس، حاضراً، بمعنى أن ما أقوله أنا هو الصواب وما تقوله أنت هو الخطأ! قال أحد الطلاب، وهو الآن في المراحل النهائية لدراسة الفلسفة في إنجلترا، إن الفلسفة التحليلية هراء من ألفها إلى يائها. هذا الكلام محزن. أن يتحدث طالب في مرحلة الدكتوراه في الفلسفة عن أحد الفرعين الرئيسيين للفلسفة في القرن العشرين بهذه الطريقة، فهذا يعني أنه لم يتعلم شيئاً من الفلسفة. في حين أنه منذ عقدين أو ثلاثة عقود انفتح حوار بين الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية. فهناك موضوعات مشتركة بينهما وأعمال عظيمة أُنجزت في هذا المجال. مثال ذلك النقاشات التي طُرحت حول الفعل الكلامي، ويمكن تقديم عشرات الأمثلة من عظماء مثل غادامير ودولوز وفوكو. ونتيجة لذلك، يجب أن أقول إن النشر في مجال فلسفة الفن آخذ في التحسن، إنه جيد لكنه قليل جداً. إنها آلة بدأت بالعمل، لكنها آلة بالية. يجب الاعتناء بها. وللاعتناء بها نحتاج إلى مؤسسات تعليمية جامعية. لطالما ارتبطت الفلسفة بالمؤسسات التعليمية، ارتبطت بأكاديمية أفلاطون وليقيون أرسطو. احتاجت الفلسفة إلى جماعة يتحاورون مع بعضهم البعض. نحتاج إلى الحرية للنقاش الفلسفي، وفي غيابها يكون المشتغلون بالفلسفة، في أحسن الأحوال، شارحين ينقلون فكر الآخرين إلى حقلهم الفكري.
نحن نعظم تقاليدنا الفكرية، لكن أولئك الذين يُفترض بهم أن يعظموها أفضل منا لا يعرفونها أصلاً، وبالتالي لا نجني منها شيئاً. في الختام، أشير إلى هوية الفلسفة في المجتمع. في الفيلم الذي عُرض في بداية الجلسة، قالت طالبة إن من يأتي ويدرس الفلسفة لا يدري ماذا يفعل، والذين يتمتعون بنسبة ذكاء (IQ) عالية لا يختارونها، وشهادتها لا تنفع، ومن يحصل على دكتوراه في الفلسفة إما أن يُدرّسها أو يترجم أو يجد عملاً شخصياً غير العمل الفلسفي، في الصحافة أو... بشكل عام، الفلسفة لا تحظى بالاحترام في مجتمعنا. المجتمع الذي لا يحترم الفلسفة ليس مجتمعاً محترماً. لأن الفلسفة هي تقوى الفكر وعفته. الفلسفة هي أشرف عمل يمكن أن يقوم به إنسان، الفلسفة هي أهم حقل معرفي أنتجته الثقافة والحضارة على مدار تاريخها البالغ ٢٥٠٠ عام، وهي في إيران بلا أهمية، والفلاسفة لا شأن لهم. هذا إذا استخدمنا لفظ فيلسوف بشكل صحيح.
لكن ما علاقة فلسفة الفن بالفن؟ ينبغي أن تكون مؤسسات إنتاج الأعمال الفنية مزدهرة. وهي ليست كذلك في إيران. لقد أثقلت قبضة السلطة الثقيلة عليها. فهي تخضع للرقابة المالية والمضمونية على حد سواء. ونتيجة لذلك، تُنتج الأعمال الفنية الإيرانية في أسوأ الظروف. مخرجو المسرح والسينمائيون والكتاب وغيرهم تحت الضغط. هذا الضغط الثقافي يمنع الفن الإيراني من النمو. وكأن حب الفلسفة موجود في الفن أيضاً. أولئك الذين يعملون في الفن يعشقون عملهم، ولذلك عملوا في أصعب الظروف. لكن من المحزن أن أحد أعظم السينمائيين الإيرانيين لم يُعرض له فيلم في إيران منذ ٢٠ عاماً، وآخر ملازم لبيته، وآخر لم يجد حلاً سوى الهجرة. من المحزن أن الروايات تخضع للرقابة، فيُحذف من كتاب يقع في ٨٠ صفحة ٤٠ صفحة. في مثل هذه الظروف، الفن في خسوف، وهو في الأساس ليس فناً، وما هو موجود هو تضحية فنان ومخاطرته، وهو ما يؤدي في النهاية إما إلى الهجرة أو الوحدة أو الفقر والجوع. ونتيجة لذلك، فالفن تحت ضغط من السلطة ومن المؤسسات ورأس المال على حد سواء.
أما فلسفة الفن، فماذا عساها أن تقول عن الفن الإيراني؟ لقد كتب الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي كتاباً مفصلاً عن سينما عباس كيارستمي. لكن كيارستمي لا يستطيع أن يصنع الأفلام في بلده، والإيرانيون تعاملوا مع سينما كيارستمي بدافع الحسد غالباً، وعرضوها لشتّى أنواع التهم والتحقير، واتهموها بأنها سينما مهرجانات. حتى الكتّاب الذين يدّعون اليسارية، حتى الكتّاب الذين نشأوا على مدرسة فرانكفورت، هم من يكتبون أكثر الكتب إهانةً عن كيارستمي. لا توجد كلمة منطق واحدة في هذا الكتاب. لا يقدم مؤلفو هذا الكتاب أي دليل، ويكيلون له التهم والإهانات فحسب. إنهم يدّعون أن كيارستمي يصنع الأفلام للباريسيين فقط. لكن الباريسيين يعتقدون أن كيارستمي يُظهر إيراننا. من الضروري أن أؤكد أنني لست شديد الوله بكيارستمي وأفلامه. لكنني أحترمه كفنان. السينمائي الذي أكنّ له اهتماماً كبيراً هو بهرام بيضائي، الذي غاب عن إيران منذ سنوات. قال مرةً: لن أذهب كي لا يفرح كثيرون. وفي النهاية ذهب، ففرح كثيرون.
ولكن ما هو وضع مؤسسات التعليم الفني؟ أما وضع الجامعات فتعرفونه، وليس لدي ما أضيفه. ويبقى وضع المؤسسات الأكثر خصوصية. هي الأخرى تحت الضغط. لكن مع ذلك، انتقلت كثير من المباحث التي لا يمكن طرحها في الجامعات إلى هذه المؤسسات. غير أن هذه المؤسسات تتقاضى رسوماً باهظة. هذا أمر مخجل. في وقت ما، كان أفلاطون ينتقد السفسطائيين لأنهم يتقاضون المال مقابل التعليم. والآن حدث هذا الأمر. كثير من طلاب صفي لم يعودوا يسجلون أسماءهم لأنهم لا يملكون المال، وهذه الدولة بهذا الحجم من الثروة ملزمة بأن تُدرّس هؤلاء الطلاب مجاناً. هذا في الوقت الذي تتعرض فيه العلوم الإنسانية للضغط.
في هذه الظروف، أخلص إلى أننا لا نعيش وضعاً مرضياً. لا وضع الفيلسوف جيد، ولا وضع فيلسوف الفن. لم نبدع فلسفة فن ولا فكراً فلسفياً. ما لم نغير هذه الظروف، فلن نحظى بعالم أفضل. لا يبقى سوى سعي وجهد وهمة وتضحية أناس يتجاوزون حياة الرفاه ويسعون لتعليم الآخرين شيئاً، ويتعلموا هم أنفسهم شيئاً من الحياة. بعد هذه الكلمات المرة التي قلتها، أعود إلى تلك الآلة التي بدأت للتو بالحركة. إنها مهمتكم أيها الطلاب. أما نحن فقد مضينا، مهما كان فقد عشنا أعمارنا، وسنكون ضيوفاً على هذه الدنيا لعقد آخر على الأكثر. لكن مهمتكم أنتم، أيها الجيل الشاب، هي ألا تقبلوا بهذه الظروف، وأن تسعوا لتغييرها وتحسينها، وأن تطالبوا بحقكم، وأن تعيشوا بطريقة أخرى وتفكروا بطريقة أخرى، وأن تبدعوا فناً آخر وفلسفة جديدة. هذه مسؤولية الشباب، أما نحن فقد انتهى أمرنا، بذلنا جهدنا، ولم نكن نعرف أفضل مما فعلنا، ونحن نخجل أمام التاريخ!
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.