اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُسلّط تقريرٌ عن محاضرة بابك أحمدي حول فلسفة اللغة القارّية الضوءَ على الصلة بين المباحث الفلسفية المجرّدة والحياة الاجتماعية. ويتتبّع أحمدي، بالتركيز على أفكار دريدا وهايدغر، تطوّر الفلسفة باتّجاه اللغة من نيتشه وحتى القرن العشرين.

كتب ديريدا الشيخ في آخر حياته أن المستقبل وحش. فنحن دائماً نعيش مستقبلاً شبحياً ونتخيل مستقبلاً وحشياً. يتحدث عن وحوش غريبة تحكم الأحياء، مثل مصاصي الدماء أو دراكولا. دراكولا ميت، لكنه يأكل الأحياء ليصيروا مصاصي دماء فيموتوا، وهم بدورهم يفعلون الشيء ذاته. هذا الانتشار لمصاصي الدماء يشبه عمل الموتى (رأس المال) الذي يأكل العمل الحي، وبقي هو حياً وتوسع وأعاد إنتاج رأس المال. لم يعش ديريدا ليرى أفظع وحوش زماننا مثل داعش وطالبان. لم يرها، لكنه رأى جيداً وحوش المستقبل، لأنه كان يبحث عن آثار ما لا يوجد الآن في المستقبل. في كل ظلم وقهر يمكنك أن ترى أثراً من الظلم والقهر الآتيين. في كل وضع وحشي يمكنك أن ترى قدوم وحوش جديدة.
.
يبدو في البداية أن النقاش حول فلسفة اللغة بشكل عام، والحديث عن فلسفة اللغة في الفكر القاري بشكل خاص، وفي فكر ديريدا بشكل أخص، لا صلة له بالحياة الاجتماعية والسياسية، وهو ينبثق من اهتمام فلاسفة برج العاج بألاعيب ذهنية. لكن في هذا الحديث الحالي لبابك أحمدي، الكاتب والمترجم المعروف للآثار الفلسفية، يوضح كيف تترابط مباحث بهذا الحد من التجريد مع الحياة اليومية. الحديث التالي هو تقرير عن محاضرة بابك أحمدي التي ألقاها في مساء الأربعاء 16 من شهر اردیبهشت من السنة الجارية في معهد الدراسات الإنسانية والدراسات الثقافية، بالتعاون بين قسم علم اللغة بمعهد الدراسات الإنسانية وجمعية علماء اللغة الإيرانية حول فلسفة اللغة في الفكر القاري. في بداية الجلسة، أشار يحيى مدرسي، أستاذ معهد الدراسات الإنسانية والدراسات الثقافية، إلى العلاقة بين علم اللغة والفلسفة وقال: إن مجال اللغة والفلسفة جذب انتباه علماء اللغة والفلاسفة منذ القدم. كذلك تأثر الكثيرون من علماء اللغة بالفلاسفة واستفادوا منهم. والمثال الواضح هو نعوم تشومسكي الذي يعتبر نفسه دائماً من أتباع مذاهب ديكارت. ثم حاضر بابك أحمدي، وفيما يلي تقرير عن محاضرته.
طلب سارتر من المفكرين أن يعملوا أكثر على النصوص الأدبية. وفي سيرته الذاتية «الكلمات» في قسم «القراءة والكتابة»، وضع النص الأدبي في مركز فهمه وقرأ العالم لغة وكتب لهذا العالم وعاش في اللغة. يرى ليفي شتراوس أن لدينا معرفة عامة كبيرة اسمها السيميائيات لم تُبْنَ بعد. في هذه المعرفة يمكن تفسير العلامات المختلفة في مجالات ثقافية مختلفة. علم اللغة جزء من هذه المعرفة.
وسم بابك أحمدي نقاشه حول فلسفة اللغة في أوروبا القارية، وخاصة فلسفة اللغة في فكر جاك ديريدا، وقال: نقاشي يتركز بشكل أساسي على فلسفة اللغة القارية وخاصة أفكار جاك ديريدا، وبالتالي لن أدخل في نقاشات فلسفة اللغة التحليلية. وكشخص يملك آثاراً في مجال فلسفة اللغة، فإن عملي لا يتصل بعلم اللغة بوصفه علماً، لكنني لا محالة سأدخل في نقاشات لغوية عند الحديث.
بدأ هذا المترجم للآثار الفلسفية حديثه ببيان مقدمتين، وقال: أولاً، حدث تحول فلسفي منذ منتصف القرن التاسع عشر في صميم الفلسفة. حتى ذلك الحين كانت الفلسفة أمراً موحداً إلى حد كبير، والفلسفات الموضوعية (مثل فلسفة الأخلاق وفلسفة الدين وفلسفة الفن وفلسفة التاريخ وغيرها) كانت لا تزال في طور التشكل وتنفصل عن جسم الفلسفة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي الميتافيزيقا (البحث الفلسفي والنظري عن الواقع). مع تقدم العلوم الإنسانية، تشكلت هذه الفلسفات بشكل مستقل عن تلك الفلسفة الأصلية. استقلال لا بمعنى أنها لا علاقة لها بها، بل بمعنى أنها سارت في مسارها التطوري الخاص بمساعدة العلوم الإنسانية بشكل أكثر سهولة. وصف أحمدي قصة الفلسفة واللغة بأنها قديمة جداً، وقال: أعظم فيلسوف في تاريخ الفلسفة، أرسطو، طرح أهم المسائل حول اللغة. قبله، طرح أفلاطون مسائل دقيقة جداً حول اللغة، بعضها مقبول وبعضها لا يزال موضوع نقاش، لكن هذا النهج اللغوي للفلسفة ظهر بشكل أساسي في القرن التاسع عشر في الفلسفة الألمانية. ربما كان نيتشه أعظم فيلسوف في تلك الفترة في المجال الألماني بعد شوبنهاور، وقد كان هو نفسه يدرس الفيلولوجيا (علم اللغة التاريخي). في آثاره يتناول مراراً الاشتقاق اللغوي والإتيمولوجيا، وعلمه الواسع بفلسفة اليونان ينبع من دراساته في علم اللغة التاريخي. ربما كان نيتشه أول من بنى جسراً بين الفلسفة وعلم اللغة في وقت لم تكن فيه مسائل فلسفة اللغة وعلم اللغة قد طُرحت بشكلها الحالي بعد، وكانت آثار سوسور لم تُنشر بعد.
رأى الكاتب حقيقت وجمال أن سبب هذا النهج الواسع للفلسفة نحو اللغة هو توسع العلاقات الدولية في القرن التاسع عشر والأحداث السياسية اليومية، مثل الدقة التي أولتها آخر القوى الاستعمارية للثقافات الأخرى، وقال: تدريجياً اكتسب التعرف على الثقافات الأخرى أهمية. كان هذا الاهتمام، مهما كان اسمه مثل الاستشراق، إيجابياً وفتح الطريق أمام الثقافات الأخرى، إلى درجة أن نوعاً من النسبية ظهر حتى داخل أوروبا نفسها تجاه ثقافتهم الخاصة. جعل هذا التفاعل مع الثقافات الأخرى قضية اللغة قضية محورية. علاوة على ذلك، طُرح الاشتقاق الفلسفي (البحث عن أصل الكلمات) منذ نيتشه فصاعداً، وغطى المجال الثقافي للغة الألمانية حوالي 20 سنة، وأخيراً ترك تأثيره المهم على شخصية مثل هايدجر. أدت هذه الأمور إلى وضع اللغة في مركز النقاشات الفلسفية. حتى إنه من الصعب جداً اليوم القول ما إذا كان بعض لغويي القرن العشرين فلاسفة أم لا. مثلاً، تشومسكي فيلسوف عظيم بكل تأكيد، وهذه النقطة صحيحة أيضاً بشأن آخرين مثل جاكوبسون.
أشار أحمدي بعد ذلك إلى شخصيتين بارزتين أو عملاقين فلسفيين في القرن العشرين، هما هايدجر وفتجنشتاين، اللذان جعلا اللغة محور بحثهما، وقال: بالنسبة لهايدجر، خاصة في المرحلة الثانية من عمله الفكري، أصبحت اللغة مهمة. في المرحلة الأولى، أي كينونة وزمان، لم تكن للغة دور حاسم وحساس، على الرغم من أنه عالج هذا الموضوع في الأقسام 31 فما بعده من كينونة وزمان (المتعلقة بتأويل النصوص). لكن في الفترة الثانية أصبحت اللغة أساس عمله، والفيلسوف من خلالها يعرف العالم وبها يفكر في الكينونة. حتى الكلمات التي يخترعها لها ارتباط عميق داخلي مع الكينونة الموضوعية التي يبحث عنها، مثل الحدث من حيث إنه يُظهر ذاته، أو العبارة الشهيرة اللغة هي مسكن الكينونة أو العالم يُعرّف لنا بشكل أساسي باللغة، أو الإنسان يتشكل في اللغة. هذا البحث لهايدجر يشابه إلى حد كبير فتجنشتاين الثاني في البحوث الفلسفية.
أحدث ثورة مرتين في فلسفة القرن العشرين؛ الأولى في الرسالة المنطقية-الفلسفية حيث اعتبر اللغة تصويراً للواقع، والثانية في البحوث الفلسفية حيث اعتبر فهمنا للواقع لغوياً. هذان المنظوران مختلفان عن بعضهما بل متناقضان، والثاني أثرى فلسفة اللغة الأنجلوسكسونية (التحليلية) والمدرسة الأكسفوردية قدمته إلى الأمام.
أكّد أحمدي في مقدمته الثانية للبحث على اقتصار النقاش على أوروبا القارية وقال: السبب الرئيسي هو أن دراستي في هذا المجال. لكن الحقيقة أن الفلاسفة التحليليين قدّموا أعمالاً مميّزة في مجال فلسفة اللغة. علاوة على ذلك، حدثت نقاشات جادة بين هذين التيارين، مثل النقاش بين ديريدا وجون سيرل الذي يعتبر في غاية الأهمية، ولا يمكن فهم أعمال سيرل ومن قبله أوستين وغيرهم من أساطين فلسفة اللغة الأنغلوساكسونية (التحليلية) بمعزل عنها. وفي السنوات الأخيرة، أظهرت الفلسفة التحليلية اهتماماً كبيراً. نرى بوادر ذلك بعين القناعة بأنه في السنوات القادمة ستُنجز أعمال أكثر أهمية، وأنا واثق من أن ساحة البحث المستقبلية في فلسفة اللغة لن تكون خالية من هذا النقاش حول الفلسفة التحليلية. الفلسفة التحليلية التي بدأت من البداية برد فعل حاد وانتقادي على هيغل في إنكلترا، واستمرّت مع راسل وهوايتهيد و«برينسيبيا ماثيماتيكا» (كتاب هذين الرجلين)، وأدت إلى ظهور الوضعية المنطقية، ثم تابعتها أعمال مور وفتغنشتاين حتى جاءت سنوات السبعينيات من القرن العشرين، وقتئذ ازدهرت الفلسفة التحليلية للغة، وأثرى ذلك تأثير أوستين وجون سيرل وديفيدسون. وقُدّمت أعمال عظيمة أيضاً في مجال هذه الأعمال. وعليه، فإن أهمية نقاش فلسفة اللغة التحليلية لا تقبل الإنكار. لذا فإن السبب في الاشتغال بفلسفة اللغة القارية هو نقص التخصص في المجال الأنغلوساكسوني من ناحية، والإلمام التفصيلي بفلسفة اللغة القارية من ناحية أخرى. وعلى الرغم من وجود بحوث حول فلسفة اللغة التحليلية في إيران، فإن النقاش حول فلسفة اللغة القارية، خاصة في أواخر القرن العشرين، لم يكن مطروحاً كثيراً في بلادنا. بالطبع، في السنوات الأخيرة كُتبت وتُرجمت أعمال، لكنها ليست بالضرورة ترجمات دقيقة وجيدة. من المهم أيضاً ملاحظة أنه في كثير من الحالات، لا يمكن فهم بحوث فلسفة اللغة القارية بدون الإلمام ببحوث فلسفة اللغة التحليلية. مثلاً، تمييز أوستين بين القضايا الإخبارية أو الوصفية والقضايا التي يحدث فيها فعل، له أهمية كبرى لفهم ديريدا. هذا النقاش لأوستين الذي نُشر في كتاب «كيف نفعل الأشياء بالكلمات»، فتح الطريق أمام كثير من البحوث. لذا لا يجب بأي حال أن يُتصوّر أنني، لميلي واتجاهي نحو الفلسفة القارية، غافل عن أهمية الفلسفة التحليلية. أكّد أحمدي: في الفلسفة التحليلية، طُرحت العلاقة بين القضية والفعل من الثمانينيات فما بعد. ديفيدسون خاصة طرح هذا الموضوع، ومن هنا وصلنا إلى المجال، وهذا أتاح حواراً بين الفلسفة القارية (الألمانية والفرنسية) والفلسفة التحليلية (الأنغلوساكسونية أي إنكلترا وأمريكا). نقطة أخرى كانت غائبة في الفلسفة التحليلية حتى السبعينيات وحظيت باهتمام قليل، وكثُر النقاش عنها بعد ذلك، وهي مسألة الجانب الاستعاري للتعبير والاستعارة. لكن في الفلسفة القارية، بسبب منطلقها، وخاصة نيتشه، كانت مسألة الاستعارات في غاية الأهمية. مثلاً، في الفلسفة القارية لدينا الكتاب المهم «الاستعارة الحية» لبول ريكور، الذي يبرز التعبير الاستعاري منذ التقليد النيتشوي، لكن في المجال التحليلي لم تكن لدينا في الماضي آثار بهذه الدرجة من التأثير والأهمية، غير أنه في العقدين أو العقود الأخيرة حدثت نقاشات في بيئة الفلسفة التحليلية تشي بأنه في هذا المجال أيضاً ستحدث تطورات أكثر أهمية.
مؤلف كتاب التردد واصل نقاشه الأساسي إلى فلسفة اللغة بعد الأحداث الفلسفية في النصف الأول من القرن العشرين، وقال: لا بد من الإشارة إلى كيفية تعامل الفلاسفة القارّيين مع اللغة؛ أولاً الفرع الظاهراتي الذي وصل إلى الأنطولوجيا عند هايدغر، وثانياً فلسفة الذهن في آخر أعمال مرلو بونتي الذي أراد من منظور الظاهراتية وبتعديلات طفيفة على منهج هوسرل أن يناقش العلاقة بين الفلسفة وما كان يطرح في علم النفس آنذاك مثل علم النفس الجشطالتي باللغة. والمصدر الثالث للغة في الفلسفة القارّية بصيغة الشكر للظاهراتية هو ساترت الذي لم يقم بعمل جوهري في هذا المجال إلا في أعمال شبابه القليلة، لأنه تأثر برًا بهايدغر ودخل نقاشات الأنطولوجيا سريعاً، فهو جان بول سارتر الذي وجّه متفكري الظاهراتية إلى أهمية النصّ الأدبي. طلب سارتر من المتفكرين أن يعملوا أكثر على النصوص الأدبية. لم يكن لديه وجهة نظر متطرفة في إبراز اللغة، لكن لأنه كان أديباً عظيماً في عصره وكان يؤكد على النص الأدبي، في سيرته الذاتية «الكلمات» (التي تذكرنا بالكلام عن اللغة)، في قسم «القراءة والكتابة» أدرج النص الأدبي في مركز فهمه، وقرأ العالم باللغة وكتب لهذا العالم وعاش في اللغة. في هذا الاتجاه الوجودي، طُرحت اللغة كعلاقة معنوية مع الآخر وعلاقة معنوية مع الموت. اشتغل مفكران بارزان وشهيران في هذا المجال: أولاً إيمانويل ليفيناس الذي كان نقاشه الأساسي يتعلق بالعلاقة بين اللغة والموت، وثانياً جورجيو أغامبن الذي هو أصغر بكثير من ليفيناس، وله عمل مهم وهو «اللغة والموت» ترجم إلى الفارسية بترجمة جيدة.
أشار أحمدي إلى فرع آخر مهم من فلسفة الفكر القاري في مجال اللغة الذي كان قريباً من علم الاجتماع، وهو مدرسة فرانكفورت، وقال: كان لديهم جذور ماركسية ويسارية، وكانوا معترضين على الوضع الراهن وجمهورية فايمار الألمانية، وتشتتوا لاحقاً في أنحاء العالم وعملوا. كانت اللغة مهمة جداً بالنسبة لهم. أحد أعظم مؤيديهم كان والتر بنيامين الذي كتب أعمالاً مهمة في مجال اللغة، وقد فُهمت أهميتها أكثر مؤخراً. فرع آخر في أوروبا القارية اهتم باللغة هم البنيويون الفرنسيون. تأثروا بالشكليين الروس (ولا سيما رومان جاكوبسن) وإلى حد ما بالنقد الأدبي الأنغلوسكسوني. من أعظم شخصياتهم كلود ليفي شتراوس الذي له كتاب مهم بعنوان «الأنثروبولوجيا البنيوية» يحتوي في قسمه الأول بعنوان «اللغة والقرابة» على أربع مقالات مهمة عن اللغة. مقالات تشكل الأساس الأصلي لموضوع اللغة والبنية، ويمكن قراءة هذه المقالات كبيان البنيوية. في هذه المقالات يُناقش الارتباط الوثيق بين علم اللسانيات والأنثروبولوجيا. أكمل أحمدي نقاش ستراوس الأساسي الذي يشبه الكلام الأول لسوسير، وقال: يعتقد ستراوس أن لدينا علماً عاماً كبيراً يسمى السيميولوجيا لم يتم بناؤه بعد. في هذا العلم يمكن تفسير العلامات المختلفة في المجالات الثقافية المختلفة للحياة. علم اللسانيات جزء من هذا العلم وجميع العلامات تتجاوز العلامات اللغوية. هذا الرأي رفضه أحد طلاب ستراوس الذي كان يعمل في مجال النقد الأدبي، وهو رولان بارت. يقول بارت لأستاذه في «عناصر السيميولوجيا» أن الكل الأكبر في الواقع هو علم اللسانيات وأن من خلال علم اللسانيات يمكن فهم قوانين السيميولوجيا. كان هذا ادعاءً كبيراً. هذا يعني أن البنيوية تعني استخدام منهجيات اللسانيات. تُطرح هذه النقطة في أعمال ليفي شتراوس نفسه مثل تحليله للقصيدة عن القطة مع جاكوبسن. يدّعي في هذا النص أنهم كشفوا المعنى بوصفه كنزاً مخبأ في هذا النص باستخدام المنهجيات اللسانية وأنه لا توجد طريقة أخرى لهذا الكشف.
دخل المؤلف في بحث دريدا من هذه النقطة الأخيرة، وتحدث عن كيفية بدء دريدا عمله الفلسفي بنقد لفي شتراوس. وإن كانت لديه أعمال أخرى سابقة، إلا أن ما جعله مشهوراً كان خطاباً احتجاجياً ألقاه في جلسة عام 1966 حضرها شتراوس، ينتقد فيها أفكاره. بعد سنة واحدة، نشر ثلاثة كتب مهمة. في أحدها، وهو «الكتابة والاختلاف»، نُشر هذا الخطاب. الانتقاد الأساسي لدريدا على شتراوس هو أن طرحه يوحي بأن المعنى كامن في بنية العبارات، وأننا إذا أصبنا النحو (syntax)، سيتشكل المعنى. أي أن المعنى عند شتراوس أمر حاضر في قلب العبارة، فإذا تُرجمت إلى اللغة حضرت، وإذا لم تُترجم غابت. وحسب شتراوس، فإن حضور المعنى أمر لا يمكن إنكاره. يتقدم دريدا في نقده لشتراوس ويتناول معلمه، قائلاً إن لاهوتية سوسيور حول العلامة هي النموذج الكلاسيكي للمركزية الكلامية (logo centrism)، التي تعتبر المعنى مرتبطاً بالصوت بوصفه دالاً والفكرة أو الصورة بوصفها مدلولاً. قال مؤلف كتاب «الارتياب»: إن المركزية الكلامية، من وجهة نظر دريدا الشاب، هي الاعتقاد بأن ما نقوله لا يملك معنى فحسب، بل في التحليل الأخير يحمل معنى واحد فقط، وعلينا أن نكتشفه بالطريقة الصحيحة. يسميها لاحقاً ميتافيزيقا الحضور. سبب استخدام دريدا لمصطلح اللاهوتية هو أنه برأيه كان سوسيور يرى المعنى كأمر متعالٍ مخفي داخل العبارة، تماماً كما يرى المؤمن الإله أمراً متعالياً مخفياً داخل الوجود والعالم ونظامه. وبالتالي فإن النقد الأساسي لدريدا موجه إلى الفهم المتعالي. استخدام دريدا لمصطلح الميتافيزيقا هو استخدام ساخر. أصلاً، في الفلسفة في القرن العشرين، يُستخدم مصطلح الميتافيزيقا بالمعنى السلبي في الأساس.
قال مؤلف «الحداثة والفكر النقدي» في شرح معنى لوغوسسنتريسم أو المركزية الكلامية: الكلمة اليونانية لوغوس لها معانٍ متعددة، وأهمها العقل والآخر الكلام (وليس اللغة التي تشمل الكتابة أيضاً). في الترجمة اليونانية الأصلية لإنجيل يوحنا أيضاً، يُقال إنه في البدء كان الكلام. هذا التفسير اللاهوتي يجعل استخدام مصطلح لاهوتية سوسيور أكثر وضوحاً. يطرح دريدا في مقابلة شتراوس وبشكل عام هذا التفسير الكلامي المركزي السؤال: من أين بالأساس نعلم أن النص له معنى، ومن أين نعرف أن هذا المعنى الموجود (على أساس ميتافيزيقا الحضور) واحد، ولماذا يجب أن نصل إلى دال متعالٍ؟ النقد الأكثر أهمية لدريدا على سوسيور وشتراوس هو المركزية الصوتية. يقول إن فهمهما للغة كان يقوم على تفوق مطلق الصوت والكلام المنطوق على الكتابة. في مقالة نُشرت عام 1972، يظهر أن الفلسفة الغربية منذ البدايات، مثل حوار أفلاطون الشهير «فايدروس»، كانت دائماً تعتقد بتفوق الكلام المنطوق على الكتابة. يبين دريدا في أطروحة عن هوسرل أن فهم هوسرل للغة هو في الأساس فوني ولا يستطيع إعطاء أهمية لأنواع الكتابة المختلفة ولا يستطيع اكتشاف قوانينها.
أكد مؤلف «لغز الحداثة»: في الواقع، الذنب ليس من هوسرل، لأنه فقط منذ منتصف القرن العشرين بدأ تاريخ الكتابة بالمعنى الذي يقصده دريدا بـ «الغراماتولوجيا»، يصبح موضوع بحث. الغراماتولوجيا بوصفها الأنظمة الكتابية المتنوعة وتأثير الكتابة على العقل والحضارة والحوارات اللاحقة من هذه الفترة تصبح مهمة. يقول دريدا في موضع: إن مهمتي هي اكتشاف تاريخ الكتابة. إنه لا يعطي الكتابة تفوقاً على الكلام، بل يقول إن الكلام لا يتفوق على الكتابة. يقول إن التقابلات الثنائية (العقل مقابل الحس، الخير مقابل الشر، الطبيعة مقابل الثقافة، الوجود مقابل العدم، الذهن مقابل المادة، الحضور مقابل الغياب، الذكر مقابل الأنثى، الكلام مقابل الكتابة) أصبحت الأساس الجوهري لميتافيزيقا الغرب، وهي دائماً تميل لصالح أحدهما. لا يطرح دريدا نقاشاً نيتشوياً عن القوة الاجتماعية التي صنعت هذا التفوق ولماذا صنعته، بل يبدو أن أحد هذين الطرفين أقوى. بالتالي، فإن نقاش دريدا ليس أن النظام الكتابي يوفر فرصة أكبر لاكتشاف الحقيقة، بل هو أن النظام الكلامي لا يفعل هذا أيضاً.
قال الكاتب بشأن العلامات البصرية وحتى النص: لحسن الحظ، فإن هذه المباحث الشهيرة والمألوفة لديريدا معروفة في إيران. وعلى الرغم من أن ديريدا تعرض للنقد أيضاً. خاصة أن هذه المباحث في مجال ما بعد الحداثة تحمل نتائج تتجاوز البحث ذاته عند ديريدا. إن مباحث ديريدا بشكل عام مبتكرة وجديدة. فمثلاً، بحث ديريدا عن الكتابة في المجتمعات البدائية جادّ وجدير بالملاحظة. يقول إن الكتابة لدى هذه القبائل تختلف عن الكتابة في الغرب، وأن الكتابة تحمل مشروعية مختلفة. وقد قبل لفي شتراوس هذا التوسيع لمفهوم الكتابة من قبل ديريدا. النقطة المهمة الأخرى عند ديريدا تتعلق ببحث سوسور. لقد علّمنا سوسور أن الصلة بين الدال والمدلول ليست طبيعية ولا جوهرية وحتى ليست عقلية، وأن هذه الصلة تقريبية واعتبارية فحسب. كذلك يقول سوسور إن كل كلمة تُبنى وتكتسب معناها على أساس الاختلاف عن الكلمات الأخرى. يقول ديريدا: إذا كانت كل علامة تستمد قيمتها من شدة اختلافها عن الكلمات الأخرى، فإن العلامات الأخرى ستطبع بلا محالة علامتها على هذه العلامة، لأنها بدورها تحدد ذلك الاختلاف الجوهري الذي يشكل هوية العلامة؛ كل علامة تحمل أثراً (trace) من العلامات الأخرى، تلك التي ليست بعلامات. يقول ديريدا: لا شيء في العالم إلا وعليه أثر ما ليس عليه، وبالتالي فإن كل أثر هو أثر من أثر آخر ولا يملك منبعاً ولا أصلاً. يعمل هنا قانون الاختلاف (différance). الاختلاف العادي هو الاختلاف السوسوري، لكن الاختلاف الديريدي ليس فقط مختلفاً، بل المعنى فيه يؤجّل. ينبثق هذا المصطلح من معنيي الاختلاف والتأجيل. كل علامة تحمل أثراً من جميع العلامات الأخرى. كل استعمال للعلامة حدث، حدث قابل للتكرار، مثل التوقيع الذي هو فريد وقابل للتكرار في آن. التوقيع لأنه فريد، فهو قابل للتكرار، والعكس بالعكس.
قال الكاتب إنه يتذكر ظلام بحث الهامش وعلاقته بالنص من بين النقاط المبتكرة الأخرى في فكر ديريدا، وأضاف: الهوامش في النص ليست عديمة الأهمية من وجهة نظر ديريدا. إنه يعتقد أن الهوامش تكون دائماً داخل النص وهناك عبور دائم بين النص والهامش. الهامش يكون دائماً في تبادل مع النص، تماماً كما هو الحال مع العبور بين الكتابة والكلام. إن هذا السحب والتبادل بين الهامش والنص يجعل من الثاني والأول لا يبقى. في الواقع، الحاشية ليست إضافة إلى النص، بل هي جزء من النص، هي النص ذاته، النص لا يمكن أن يستقيم بدون حاشية ونحن في تبادل دائم بين النص والهامش. يتحدث ديريدا في "أطياف ماركس" من آخر أعماله في مدح ماركس الفائض الإنتاجي الاجتماعي. يقول إن قيمة الفائض موجودة في نص نظام الرأسمالية. ما أضيف هو جزء من السلعة ذاتها. وفي الحياة الاجتماعية أيضاً توجد فوائض.
قال الكاتب عن الكتابات المتفرقة: كتب ديريدا الشيخ (وفي رأيي لم يشيخ أبداً) في أواخر حياته أن المستقبل هو شبح. الحياة المستقبلة دائماً وتصور المستقبل بالنسبة لنا شبحاني. يتحدث عن أشباح غريبة تحكم الأحياء، مثل المصاص والدراكولا. الدراكولا ميت، لكنه يلتهم الأحياء ليصبحوا مصاصي دماء ويموتوا، وهم بدورهم يفعلون الشيء ذاته. هذا الانتشار للمصاص يشبه عمل الميت (رأس المال) الذي يلتهم العمل الحي ويبقى حياً ويتوسع وإعادة إنتاج رأس المال. لم يعش ديريدا حتى يرى أفظع أشباح عصرنا مثل داعش وطالبان. لم يرها، لكنه رأى بوضوح أشباح المستقبل، لأنه كان يبحث عن أثر ما ليس موجوداً الآن في المستقبل. في كل ظلم وقهر يمكنكم أن ترى فيه أثراً من الظلم والقهر القادمين. في كل موقف شبحاني يمكنكم أن ترى قدوم أشباح جديدة. قال بابك أحمدي في النهاية: هذه كانت فقط بعض النقاط البارزة من آراء ديريدا. تحولت هذه المباحث تدريجياً إلى أساس لفهم الموقف الأنطولوجي للإنسان المعاصر. فلسفة اللغة لم تبقَ مقتصرة على فرع من فروع علم من العلوم الإنتيكية مثل اللسانيات. بل هي أبعد من ذلك؛ إنها أمر يمكن أن يساعد الإنسان على محاربة أشباح العصر وأثار أشباح المستقبل. هذا هو الجانب الراديكالي من فكر ديريدا الذي أعتقد أنه أبقاه حياً.
.
.
.
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٧ تعليق
عمیق، ولی پیچیده بود.. ممنون از صدانت.......
فیلم قابل دانلود نبود
اصلاح شد
دوستان اگر وقت کردید، نگاهی هم به این نوشته بیندازید. نگاهی به کتاب تردید بابک احمدی نویسنده: شاهرخ حقیقی . نقدی بر کتاب تردید بابک احمدی پیوستی ازکتاب گذار از مدرنیته؟ نیچه، فوکو، لیوتار، دریدا ،شاهرخ حقیقی، استاد فلسفه دانشگاه کالیفرنیا. شاهرخ حقیقی در دیباچۀ چاپِ اول کتابش می گوید: آخرین بخش کتاب، «ملاحظاتی در بارۀ کتاب تردید» در بهار سال 99 نگاشته شد . غرض من در ابتدا فقط اشاره به این نکته در پانویس بود که کتاب تردید کوششی است ناموفق در دفاع از نسبیت باوری به زبان فارسی. در عمل اما حتی توضیح محتصر چند نکتل کلی در بارۀ این کتاب در حد یک پانویس ناممکن بود و سرانجام به مقاله ای بلند تبدیل شد که زیر عنوان «پیوست» در پایان کتاب آمده است. چه بسا کتاب تردید بهترین کار نویسندۀ آن، بابک احمدی، نباشد. اما حقیقت آن است که این کتاب بیانگر و رواج دهندۀ بعضی از عادت های فکری است که به گمان من منفی و مضر است و باید موضوع بخث انتقادی قرار گیرد. از جمله عادت های فکری که با آثاری نظیر کتاب تردید تشدید و تأیید می شود این هاست: یکی دانستن مبهم گویی با ژرف اندیشی؛ استناد به نام های مشهور و دهن پرکن به جای استدلال؛ تکرار احکام به شکل های گوناگون و به ویژه با زبان استعاره برای جاانداختن آن احکام به جای ارائۀ دلیل با بیان روشن و مستقیم در دفاع از آن ها؛ درهم کردن دلبخواهانۀ وجه نظری و وجه اخلاقی و وجه سیاسی عقاید و پریدن از وجهی به وجهی دیگر، بدون در نظر گرفتن میانجی های این وجوه یا حوزه های به گوهر متفاوت. (شاهرخ حقیقی در دیباچۀ کتاب می افزاید: یکی از هدف های اصلی کتاب حاضر، افزون بر معرفی اندیشۀ پست- مدرن و طرح نکاتی انتقادی در بارۀ آن، تأکید بر وجهی از اندیشه و نگارش فلسفی است که در فرهنگ ما حتی برای بسیاری از دست اندرکاران نیز بیگانه یا بی اهمیت است- یعنی همان روشن اندیشیدن و تعهد بر وجه استدلالی در اندیشۀ فلسفی. http://www.mediafire.com/download/pwo7y877nd98s8y/negahi+be+ketabe+tardid.pdf
سلام صوتی ها را سریع دانلود و در پخش اعلام خطا می کند. لطفا راهنمایی کنید. با تشکر از شما
سلام و درود بدون فیلترشکن امتحان کنید
عالی بود کاش جنبه نقادی داشت به باور هابرماس و کالینیکوس دریدا تمام فلسفه رو چیزی جز یه متن نمیدونه(چیزی بیرون متن وجود ندارد il n'y a pas d'hors texte)که باید مثل ادبیات باهاش برخورد کرد این نگاه نهایتا منجر به انفعال آدم و پذیرش وضعیت موجود میشه نه طغیان علیه اون ممنون از زحمات دوستان صدانتی