اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يستعرض كتاب «مدخل إلى فهم الهرمنيوطيقا» للورنس شميت، بترجمة بهنام خدابنه، نظريات التأويل الحديث من شلايرماخر ودلتاي إلى هايدغر وغادامير في سبعة فصول، ويبسط الانتقادات الموجهة إلى الهرمنيوطيقا الفلسفية.

نظرة على كتاب «مدخل إلى فهم الهرمنيوطيقا» للورنس شميت، هو العنوان العربي لكتاب عنوانه الفارسي «درآمدی بر فهم هرمنوتیک» وعنوانه الأصلي Understanding Hermeneutics من سلسلة كتب التعريف بحركات الفكر الحديث [Understanding Movements in Modern Thought]، الصادرة عن دار آكيومن [Acumen]، والذي ألفه لورنس شميت [Lawrence K. Schmidt]، أستاذ الفلسفة في كلية هندريكس في أمريكا. صدر هذا الكتاب في 311 صفحة، بترجمة بهنام خداپناه، عن دار ققنوس للنشر.
كما هو واضح من عنوان الكتاب، يدور هذا العمل حول الهرمنيوطيقا والنظريات المهمة المتعلقة بالتأويل. يقدم شميت، من خلال الفحص المنهجي لأفكار المنظرين المهمين في مجال التأويل، مدخلاً إلى فهم الهرمنيوطيقا الحديثة. كُتب الكتاب في سبعة فصول، وبعد كل عنوان، ومن أجل مزيد من الإيضاح لمطالب الكتاب، تُذكر النقاط الأساسية لذلك القسم. وفي نهاية كل فصل، تُسرد النقاط الأساسية لذلك الفصل على شكل قائمة، مما يساعد على فهمه بشكل أفضل. سنلقي نظرة مختصرة على كل فصل من فصوله.
يتناول الفصل الأول من العمل دراسة آراء وأفكار عالم اللاهوت البروتستانتي في القرن الثامن عشر، فريدريش شلايرماخر. وفقاً لاستدلالات الكتاب، فإن الهرمنيوطيقا، من وجهة نظر شلايرماخر، هي فن فهم ما يُعبَّر عنه في اللغة المكتوبة أو المنطوقة. لكل تعبير في اللغة علاقة مزدوجة بكلية تلك اللغة وبالفكر الكلي للمؤلف، ومن ثم فإن للهرمنيوطيقا قسمين مترابطين، القسم النحوي (المرتبط بالمكونات اللغوية للنص) والقسم السيكولوجي (وهو فهم فكر المؤلف وطريقة تعبيره عن أفكاره في النص). المسألة التي يتعامل معها معظم منظري مجال التأويل تقريباً هي مسألة «الدائرة الهرمنيوطيقية». الدائرة الهرمنيوطيقية هي: أنه لكي نفهم النص (الكل) يجب أن نفهم معاني الكلمات (الأجزاء)، ولكي نفهم الكلمات يجب أن يكون لدينا فهم للنص. حل شلايرماخر في مواجهة مأزق الدائرة الهرمنيوطيقية بين الكل والجزء هو كسر هذه الدائرة بقراءة تمهيدية (عابرة) للنص بهدف الحصول على فهم كلي له، لكي يتحدد من خلال ذلك المعنى النسبي للكلمات. وفقاً لرأي شلايرماخر، يمكن للمؤول، باستخدام المنهجين التنبؤي والمقارن، أن يعيد بناء فكر المؤلف ومعنى نصه. من وجهة نظر شلايرماخر، تُلزم الهرمنيوطيقا المؤول بامتلاك موهبة اللغة وفهم الآخرين.
يتناول الفصل الثاني من العمل دراسة آراء وأفكار فيلهلم دلتاي. يستدل المؤلف على أن دلتاي، متبعاً شلايرماخر، عرّف الهرمنيوطيقا بأنها علم فهم الآثار المكتوبة، واعتبر أن مهمتها هي إثبات كيف يمكن للمرء أن يصل إلى فهم معتبر بشكل موضوعي في مجال العلوم الإنسانية. مشروع دلتاي الرئيسي هو تبرير المنهجية للعلوم الإنسانية في مقابل العلوم الطبيعية. وعلى هذا الأساس، يميز بين منهج العلوم الإنسانية (الفهم) ومنهج العلوم الطبيعية (التفسير). العلوم الطبيعية «تفسر» ظاهرة ما بإدراجها تحت قوانين سببية، بينما العلوم الإنسانية «تفهم» المعاني الذهنية أو الروحية التي يُعبر عنها في علامات خارجية وتجريبية. من وجهة نظر دلتاي، يمتلك البشر، على عكس الأشياء الفيزيائية، حياة داخلية ذهنية وعاطفية. لكننا لا نستطيع أن نلاحظ الحياة الداخلية للآخر بشكل مباشر وبلا وسيط، بل يجب أن نصل إليها من خلال تجلياتها التجريبية. الفهم المنهجي هو الإجراء الذي نصل بواسطته إلى تجليات حياة البشر الآخرين، سواء كانوا معاصرين لنا أم في سياق التاريخ. وبما أن اللغة هي التعبير الأكمل عن الحياة الداخلية للآخر، فإن الهرمنيوطيقا، باعتبارها فهماً تأويلياً للتعابير اللغوية، تمثل نموذجاً للإجراء الكلي للفهم في العلوم الإنسانية. رواية دلتاي لكيفية تمكننا من فهم الآخر تخضع للفحص الدقيق في هذا الفصل.
يُخصَّص الفصلان الثالث والرابع لدراسة آراء وأفكار هايدغر في كتاباته المبكرة والمتأخرة على التوالي. هايدغر، الذي حوّل الانتباه من تفسير النصوص إلى تفسير وجودي للإنسان، مستخدماً مفهوم «الهرمنيوطيقا» بطريقة مختلفة تماماً، يزعم أنه قبل أن نتمكن من مناقشة معرفتنا بالموجودات، ينبغي لنا أولاً أن نفهم معنى الوجود أو الكينونة، وبخاصة معنى وجود البشر. لذلك، يجب أن تبدأ الفلسفة بوصف دقيق لكيفية وجود البشر في الحياة الواقعية. هذا الوصف فينومينولوجي، لأنه يسعى إلى فهم الإنسان وبُنى وجوده دون إدخال الافتراضات المسبقة للميتافيزيقا التقليدية عنه، وفحصه هرمنيوطيقي لأن هذا النوع من الفحص هو الفهم الذاتي التأويلي الذي نمتلكه عن أنفسنا في الحياة. ومن ثم، فإن هرمنيوطيقا الواقعية تتمثل في الفهم الذي يمتلكه الدازاين (الإنسان) لكيفية وجوده: أي الوجود. يبلغ هذا التحليل ذروته في كتاب «الكينونة والزمان»، حيث يقدم شميت، في سياق شرحه لوجهات نظر هايدغر، وصفاً دقيقاً لأهم مضامين هذا الكتاب. ويتناول الفصل الرابع من الكتاب أيضاً دراسة وجهات نظر هايدغر المتأخرة حول الهرمنيوطيقا. وعلى هذا الأساس، بينما يتجاهل هايدغر المتأخر مصطلح «الهرمنيوطيقا»، تكتسب اللغة والشعر أهمية أكبر في فكره، ويُطرح السؤال حول مدى بقاء الهرمنيوطيقا جزءاً من فكره، حتى وإن لم يعد يُذكر.
يُخصَّص الفصلان الخامس والسادس لدراسة آراء غادامير. يجادل الكاتب بأن غادامير، وبطريقة استفزازية، يطلق على البُنى المسبقة للفهم، التي شخصها هايدغر، اسم «الأحكام المسبقة». لكن في استخدامه، ليست الأحكام المسبقة خاطئة بالضرورة؛ فهناك أحكام مسبقة إيجابية تؤدي إلى الفهم الصحيح. نحن نرث أحكامنا المسبقة من تقاليدنا. والمهمة الإبستمولوجية هي اكتشاف تلك الأحكام المسبقة الإيجابية. الفهم هو بالضرورة فهم هرمنيوطيقي لأنه، كما جادل هايدغر، لا يستطيع أحد الإفلات من الدائرة الهرمنيوطيقية. الفهم، من وجهة نظر غادامير، يحدث على شكل امتزاج لأفق النص الماضي مع الأفق الحالي الذي يفهم فيه الشخص. المسألة المحورية للهرمنيوطيقا، أي المهمة الضرورية للتطبيق، تتعلق بكيفية إنطاق النص في الأفق الممتد الحالي للمؤول. الفهم يشبه حواراً يجب على المؤول فيه أن يصغي إلى وجهات نظر الشخص الآخر ويحترمه. في هذا الحوار، الذي تُفحص فيه مواقف مختلفة، يتحقق الفهم الصحيح عندما يحظى موقف ما بقبول الجميع. لتوضيح كيفية حدوث ذلك، ينبغي على غادامير أن يفحص الوضع الأنطولوجي للغة. يجادل بأن «الكينونة التي يمكن أن تُفهم هي لغة». فاللغة في كينونتها النظرية تمتلك القدرة على أن تتألق من تلقاء نفسها وتقنع طرفي الحوار بصدقها وحقيقتها. يستنتج غادامير أن الفهم الهرمنيوطيقي يمكنه أن يكشف ويضمن حقائق يعجز المنهج العلمي عن تحقيقها.
أخيراً، يطرح الفصل الختامي أربعة إشكالات على الهرمنيوطيقا الفلسفية لغادامير. في هذا الفصل، نشهد انتقادات هيرش، وهابرماس، وريكور، ودريدا للهرمنيوطيقا الفلسفية لغادامير.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.