اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في العالم الحديث وقد جُرِّد من الأسرار وصار اليقين فيه عسيرًا، كيف يمكن رسم مسارٍ للسّلوك الرّوحي؟ إنّه إذ ينقد الميتافيزيقا الأفلاطونيّة، يرى في «معرفة النّفس» الأصلَ الأصيل للسّلوك العرفانيّ، ويقدّم قراءةً جديدةً لمفاهيمَ كالعشق والفقر والفناء.

السؤال المطروح في هذا المقال هو: كيف يمكن، في العالم الحديث الذي أُزيح عنه السحر وتواضع فيه العلم والدين، وأضحى البحث عن اليقين الذي لا يتزعزع عسيراً للغاية، واعتبر الإنسان نفسه مختاراً وذو حقوق أكثر من أي وقت مضى، ولم تتغير لديه وسائل هذا العالم وغاياته فحسب، بل صارت أمام ناظريه تصورات وتصديقات جديدة، ومن ناحية أخرى، ومع تحول فهم البشر لعلم الكونيات، ضاق الفضاء ذرعاً بالميتافيزيقا الأفلاطونية الغليظة والمعقدة، كيف يمكن رسم سلوك روحي وعرفاني والتفتيش عن مؤلفاته؟
فكرُك حيثما يذهبْ، يجرّك إليه
تجاوز الفكرَ، وكُن كالقضاء سابقاً، سابقاً*
يختلف العالم الجديد عن العالم القديم ليس فقط في الوسائل والأدوات وكذلك في الغايات والأهداف، بل يختلف عنه أيضاً في المفاهيم والافتراضات المسبقة اختلافاً عميقاً. وبشكل عام، يمكن البحث عن السمة الأساسية لهذا الانتقال وتغير الطور في أمور كانت تبدو طبيعية وقاعدة في العالم الماضي، لكنها تحولت في العالم الجديد إلى أمور غير طبيعية واستثنائية. كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يضع إصبعه على محورية الحقوق للإنسان الحديث، هو من أبرز تجليات الاختلاف بين العالم الجديد والقديم [1]. كذلك، فإن تلقي بشر اليوم للعلوم التجريبية والإنسانية بوصفها برامج بحثية مدونة تُعرض على محك الاختبار، وتتطور، وتتعرض للنقد والجرح والرفض أو القبول من قبل المجتمع العلمي، وكذلك دخول العقلانية النقدية [2] وتضييق الخناق على الواقعية الساذجة [3]، قد ضيّق المجال بشدة أمام اليقين الذي لا يتزعزع والإمساك بالحقيقة. علاوة على ذلك، فإن تطور الفيزياء الحديثة وظهور نظرية الميكانيكا النيوتنية ومن بعدها ميكانيكا الكم، وكذلك نظريتا النسبية الخاصة والعامة ومفهوم انحناء الزمكان، الذي أدى إلى تحول في فهم البشر لمفهوم الجاذبية وعلم الكونيات، قد قلل بشدة من تعاطف الإنسان الحديث مع الميتافيزيقا الأفلاطونية المعقدة [4] التي تتلاءم مع علم الكونيات البطلمي [5].
السؤال المطروح في هذا المقال هو: كيف يمكن، في العالم الحديث الذي أُزيح عنه السحر وتواضع فيه العلم والدين، وأضحى البحث عن اليقين الذي لا يتزعزع عسيراً للغاية، واعتبر الإنسان نفسه مختاراً وذو حقوق أكثر من أي وقت مضى، ولم تتغير لديه وسائل هذا العالم وغاياته فحسب، بل صارت أمام ناظريه تصورات وتصديقات جديدة، ومن ناحية أخرى، ومع تحول فهم البشر لعلم الكونيات، ضاق الفضاء ذرعاً بالميتافيزيقا الأفلاطونية الغليظة والمعقدة، كيف يمكن رسم سلوك روحي وعرفاني والتفتيش عن مؤلفاته؟
من بين المفكرين والمتنورين الدينيين المعاصرين الذين عنوا، انطلاقاً من القطيعة بين العالم القديم والحديث، برسم معالم السلوك الروحي والعرفاني وعوائقه ودواعيه، يمكن الإشارة إلى محمد إقبال اللاهوري، وعبد الكريم سروش، وسروش دباغ. لقد صبّ محمد إقبال اللاهوري، الذي كان يولي إرادة الإنسان واختياره أهمية بالغة ومركزية، همّه على رسم عرفانٍ محوره الاختيار، ومن خلال تأكيده على معرفة "الذات"، أخضع الفكر الأفلاطوني والمفاهيم المتضخمة والجامدة في العرفان الإسلامي (كمفهوم الفناء) - التي قُدّمت لها في تاريخ التصوف تفاسير لا تنسجم مع إرادة الإنسان واختياره - للنقد والبحث، وبدلاً من أن يتحدث عن المحو في الله، شدّد على تألّه الوجود الإنساني واتصافه بصفات الباري (وفي المقام الأول صفة الاختيار) [6]. أما مشروع التنوير الديني عند عبد الكريم سروش، الذي يُدعى إحياء وتجديد تجربة الاعتزال، فيسعى إلى التوفيق بين الأبدية والتغيير، من خلال التمييز بين الدين والمعرفة الدينية، ونقدها وإحيائها من منظور وقاعدة العالم والعقلانية الحديثة [7]. وفي هذا السياق، عمد سروش دباغ أيضاً، بالنظر إلى التقليد الراسخ للسلوك العرفاني في الحقبة ما قبل الحديثة (العرفان الكلاسيكي) من منظار العالم الجديد وتأكيد مؤلفاته ومقوماته النظرية، إلى رسم مخطط للسلوك الروحي في العالم الجديد، معدّداً أبعاده الوجودية والمعرفية والأنثروبولوجية، ومعتنياً بفهم السالك الحديث للأخلاق والسياسة والأحكام التعبدية الفقهية. وبناءً على ذلك، حاول تنقيح قراءته لمفاهيم وجودية [8] مثل الغم، والموت، والدعاء والابتهال، ... [9].
على أية حال، وفي معرض الإجابة عن السؤال الذي طرحناه آنفاً، أعمد في هذا المقال إلى دراسة تصوري الشخصي للسلوك الروحي والعرفاني في العالم الحديث، وسبر حدوده وثغوره قدر طاقتي. من وجهة نظر الكاتب، إن الأصل الأصيل للسلوك الروحي والعرفاني في العالم الجديد هو "معرفة الذات"، وهو ما سأتناول فهمي وتصوري له في هذا المقال. لاحقاً، وبناءً على هذا الأصل، سأقدم قراءتي لمفهوم العشق المتضخم، ودوره العلاجي، وكذلك قراءة جديدة لمفاهيم العرفان الكلاسيكي الجامدة مثل "الفقر"، و"الفناء"، و"التسليم". ثم، وبالعدول عن التعاطف مع الثنائية الوجودية [10] الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة، وتبنّي ميتافيزيقا حدّ أدنى [11]، سأتناول علاقة السلوك العرفاني بالتدين. وفي هذا الصدد وفي هذا المقال، سأدرس تصور السالك الحديث للأمر اللا صوري، والنبي، والتجارب النبوية، تاركاً علاقة العرفان الحديث (في مقابل العرفان الكلاسيكي) بالأخلاق والفقه لمقالات مستقلة. كما سأحاول توضيح مواطن تعاطفي وانتقاداتي لمشروع سروش دباغ، بالقدر الذي يتصل بموضوع هذا المقال.
2-1. البحث في معرفة الذات، نظراً لديناميكية الإنسان وتعقيده، كان دوماً بحثاً صعباً ومبسوطاً، وارتبط عموماً بدراسة وتدقيق نظريات علم النفس [12]، والأنثروبولوجيا [13]، وعلوم الأعصاب [14]. ليس الهدف في هذا المقال الخوض في أيٍّ من هذه النظريات، بل يرغب الكاتب في التشديد على أن التسلح بنظريةٍ وافتراضٍ مسبقٍ بغية الخوض في بحر معرفة الذات العملية، ليس فقط غير مرغوبٍ فيه، بل هو آفةٌ للمعرفة. والسبب في ذلك أن النظر إلى الذات من خلال عدسة أي نظرية، سيكون في الحقيقة نظراً إلى صاحب تلك النظرية، وهو ما لن يؤدي عملياً إلى معرفة الذات، وقد يؤدي على أقصى تقدير إلى معرفة آراء صاحب تلك النظرية حول الإنسان [15]. ومن جهة أخرى، ينبغي التنبه أيضاً إلى أن الخوض في طريق معرفة الذات في بادئ الأمر، دون تدخل الفكر وأي صورة ذهنية أو افتراض مسبق أو نظرية، هو في حقيقة الأمر فوق الطاقة أو مستحيل؛ لأن كسر حصار الصور والافتراضات المسبقة الذهنية يتم بشكل مستمر خلال مسيرة معرفة الذات. كما أُذكّر بأن قصدنا من آفة التسلح بالافتراضات المسبقة والنظريات، هو فقط في مجال معرفة الذات العملية، وسريانها إلى الإبستمولوجيا والعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، المرتبطة جميعها بالتجربة [16] والرياضيات، ليس فقط غير مرغوبٍ فيه، بل هو مستحيل. لذلك، فرغم أن دراسة الإنسان ونفسه بناءً على نظريات علم النفس والأنثروبولوجيا وعلوم الأعصاب، هي جهدٌ جدير ومفيد وضروري، إلا أنها ليست مقصودنا في هذا المقال؛ بل مقصودنا في هذه الكتابة هو معرفة الذات العملية التي لا تتوقف إمكانيتها لأي إنسان على مقدار معرفته بتلك العلوم.
2-2. معرفة الذات لا تتم إلا في العلاقة والتفاعل مع سائر البشر والآراء والكائنات والأشياء. والسبب في ذلك أن الإنسان يُظهر في العلاقة والتفاعل ردود أفعالٍ، يساعده الانتباه الدقيق إليها على معرفةٍ أعمق. التفاعل مع سائر البشر والكائنات والأشياء، أشبه بضرب عودٍ على لبادٍ مغبر، يُمكن بواسطته نفض العادات الراسخة في النفس، والجلوس لفرجتها:
بر نمد چوبی که آن را مَرد زد
بر نمد آن را نزد، بر گَرد زد [17].
ملاحظة ردود الأفعال التي تظهر في التفاعل مع الآخرين، سواء كانت من جنس الظن، أو الفعل، أو القول، تكتسب أهمية بالغة. وتكون هذه الملاحظة فاتحةً للطريق عندما تخلو من أي تقييم، أو حكم مسبق، أو تصوير، أو قياس، وألا يخالجها ميل للوصول إلى أية نتيجة.
من جهة أخرى، عادةً ما يُفكر الإنسان في تفاعله مع الآخرين وبناءً على ردود الأفعال التي يُظهرها، ويقوم بتصوير تلك الوقائع، ومن ثم يستبدل تلك الصور المُنشأة بذلك الإنسان، أو تلك الفكرة والرأي، أو ذلك الكائن، ويستعين بها كافتراضٍ مسبقٍ لتفاعلاته اللاحقة. بعبارة أخرى، ينتقي الإنسان من ظاهرةٍ سيالة وديناميكية ومتحركة، صوراً لحظية وجامدة وثابتة. على سبيل المثال، عندما ننظر إلى الماء، فإننا في الواقع ننظر إليه بناءً على الصور التي صنعناها عنه وخزناها في جعبة الذهن. يرى الفيزيائي أو الكيميائي الماء مجموعةً من جزيئات الهيدروجين والأكسجين، ويستحضر أمام عينيه كل ذرة من الذرات المكونة له، كيف وبفعل أي قوى تجاورت؛ أما الطبيب فبالإضافة إلى بنيته الجزيئية، يوليه عناية خاصة بوظيفته في الجسم؛ والإنسان الذي ليست لديه معرفة تذكر بتلك العلوم، ينظر فحسب إلى سائل لا لون له ولا رائحة، يغلي أو يتجمد في درجة حرارة معينة؛ وبالطبع فإنهم جميعاً، بصرف النظر عن مقدار معرفتهم، يعتبرون الماء مزيلاً للعطش. لذا فالماء يحمل لدى كل منهم معنى ومفهوماً وصورة خاصة [18]. تصور الآن شخصاً تائهاً في صحراء، وبجانبه جدول ماءٍ يجري وإمكانية الارتواء منه متاحة، لكنه غير قادر على رؤية ذلك الماء الزلال الجاري، ولذا يظل بلا صبر ولا قرار يطلب الماء ويسعى لإزالة عطشه. وفي هذا الطلب والبحث، يصادف سراباً كثيراً لا وجود له في الحقيقة، وما إن يدرك عدم انطباق السراب (صورة الماء) مع الصور والتعريفات الذهنية السابقة للماء، حتى يمضي ملولاً متألماً أشد قلقاً من ذي قبل بحثاً عن سراب آخر؛ وبتعبير مولانا:
خفته باشی بر لبِ جو خُشکلب
میدوی سوی سراب اندر طلب
دور میبینی سراب و میدوی
عاشقِ آن بینشِ خود میشوی
میزنی در خواب با یاران تو لاف
که منم بینادل و پردهشکاف
نک بدان سو آب دیدم هین شتاب
تا رویم آنجا و آن باشد سراب [19]؛
يعلّمنا مولانا أن وجود الصور المتعددة والسرابات المتنوعة الكامنة في قربة الذهن، يحجب في الحقيقة ذلك الماء الزلال الجاري، ويجعلنا نوجه كل طاقتنا نحو العدو خلف تلك السرابات، فنبقى أشد عطشاً، وأكثر مللاً، وأعظم قلقاً وحيرة في طلب الماء. حتى عزمنا وطلبنا في العثور على الماء هو نفسه سراب وصورة جديدة تتراكم فوق تلك الصور الذهنية السابقة، فتضلنا وتجعلنا نتصور الماء الذي هو على بعد خطوة واحدة، على مسافة فراسخ بعيدة:
میرود کآنجای بوی آب هست
زین تفکّر راه را بر خویش بست
عینِ آن عزمت حجابِ این شده
که به تو پیوسته است و آمده
بس کسا عزمی به جایی میکُند
از مقامی کان غَرَض در وی بُود
دید و لافِ خُفته میناید به کار
جز خیالی نیست، دست از وی بدار
فکرِ خفته گر دُوتا و گر سهتاست
هم خطا اندر خطا اندر خطاست
موج بر وی میزند بیاحتراز
خفته پویان در بیابان دراز
خفته میبیند عطشهای شدید
آب، أقرَب مِنهُ مِن حَبلِ الوَرید [20].
نحن في تعاملنا مع سائر البشر والكائنات ننخرط أيضاً في التفكير ونصنع عنها صوراً. فقبل التعامل معها، نستبطن في رؤوسنا توقعات لطائفة من السلوكيات، ثم نواجه البشر بتلك الصور المسبقة الصنع وندخل في تفاعل معهم؛ إن ردود أفعالنا في العلاقات والتفاعلات مع الكائنات الأخرى، تتشكل في الحقيقة بناءً على انطباق سلوكهم مع صورنا الأولية أو عدم انطباقه، وتخضع للتقييم، وتؤدي إلى بناء صور ونماذج جديدة ستشارك في تفاعلاتنا اللاحقة. وبتعبير آخر، إننا نراكم دوماً صوراً استاتيكية متعددة بعضها فوق بعض، كي نستخدمها في معرفة الظواهر الديناميكية. إن الأشياء التي تؤدي دوراً في تفاعلاتنا وعلاقاتنا وتتصارع فيما بينها، هي أفكارنا ونماذجنا الذهنية؛ لذلك، نحن نجول دوماً في ذكريات الماضي ونميل إلى صنع نماذج منها، كي ندرك ونقيم بمساعدتها الحدث الذي يجري الآن. وكأننا وقعنا دوماً في شرك دورة مجهولة لا نهاية لها، ولهذا نصاب بالملل ونسعى إلى كسر تلك الدورة والفرار منها لنبلغ الخلاص، غافلين عن أننا برغبتنا في الخلاص وطلبنا له، إنما نسكب الماء على تلك الدورة في الحقيقة ونزيد من سرعتها.
2-3. بصرف النظر عن دراسة ميكانيزم التفكير، فإن الإنسان نفسه يتنبه إلى أن فكره يصنع الصور والنماذج، ويحول الظاهرة الجديدة الديناميكية إلى صور ونماذج بالية ساكنة، وهو في تفاعلاته اليومية مع الآخرين يستعين دوماً بتلك الصور والنماذج. وبتعبير مولانا، فإن الفكر بمنزلة «الصبح الكاذب» الذي يأخذ به الإنسان من الظاهرة الجديدة السيالة المسماة «الصبح الصادق»، صوراً وتجليات ميتة ساكنة ويحفظها في قربة الذهن، كي يستطيع من خلالها أن يعرف الصبح الصادق [21]؛ لكنه غافل عن أن تلك الصور والتجليات، تحرمه من الصبح الصادق الذي هو على بعد خطوة واحدة منه، ولذلك فهو يأخذ الصبح الكاذب الذي ليس سوى تجلٍّ ميت من الصبح الصادق.
الآن، وبالتنبّه إلى سيرورة التصوّر ودور التفكير فيها، يمكننا أن نطرح سؤالاً آخر: لماذا يصنع التفكير الصور والنماذج أساساً؟ ولماذا يستعين الإنسان، في مواجهته للآخرين وسائر الظواهر، بالصور والافتراضات الذهنية المسبقة كي ينال المعرفة من خلالها؟ للإجابة عن هذا السؤال، يمكن اللجوء إلى نظريات متنوعة في علم النفس وعلوم الأعصاب، أو تناول التفاعل بين الذهن والجسد [22] بطريقة فلسفية؛ ولكن بما أن هدفنا في هذا القسم هو التعمّق في معرفة الذات العملية، فإن الخوض في تلك النظريات لن يكون مجدياً، لأن اقتراح أي إجابة (سواء أكانت إجابة نفسية، أم قائمة على علوم الأعصاب، أم إجابة فلسفية) يحتاج هو نفسه إلى تدخل مباشر من التفكير والفكر، وبالتالي فهي جميعاً من سنخ الصور والنماذج الذهنية. وبالتنبّه إلى هذا الأمر، نكون كمن جلس يشاهد سيرورة التفكير والتصوّر الذهني من مستوى أسمى، وإذا لم يكن ثمّة مسافة متصوّرة بين الإنسان والتفكير من قبل، وكان الإنسان يُعتبر عين الفكر، فقد أصبح النظر إلى سيرورة الفكر ميسوراً الآن.
يمكن إضفاء عمق أكبر على الوعي بسيرورة الفكر، والتساؤل: من ذا الذي ينظر إلى سيرورة التفكير، وما هي نسبته إلى تلك الصور والنماذج الذهنية المصنوعة؟ بعبارة أخرى، وبناءً على التمثيل الذي استعرناه سابقاً من مولانا، أدركنا أن الإنسان الجالس بقرب جدول الماء لا يدرك ذلك الماء الجاري، ولذا ينهض من شدة العطش، وبناءً على الصور والافتراضات المسبقة التي يحملها عن الماء في جعبته الذهنية، باحثاً عنه، فيصادف سراباً كل لحظة، وبسبب عدم انطباق تلك الصور (السرابات) مع الصورة الذهنية المنشودة، يصبح قلقاً مضطرباً وينطلق بحثاً عن سراب آخر. الآن، أدرك ذلك الشخص العطشان أن كل تلك السرابات الذهنية هي نفسها مانع من إدراك الماء ومعرفته، وتحول بينه وبين العثور على جدول الماء الجاري. يدفعه هذا الأمر إلى قطع سلسلة السرابات الذهنية كي يصبح قادراً على إدراك جدول الماء واكتشافه. هنا يمكن اكتشاف نقطة لطيفة، وهي أن ثمّة تضاداً خفياً بين تلك الصور والنماذج الذهنية عن الماء من جهة، والرغبة في تحطيمها جميعاً بغرض إفراغ الجعبة الذهنية من جهة أخرى. في الحقيقة، نحن هنا أمام سلسلتين من الصور الذهنية المتضادة: إحداهما صور (سرابات) كان الذهن قد صنعها مسبقاً عن الماء، والأخرى صورة جديدة تربي هي نفسها الرغبة في إزالة تلك الصور السابقة. لفهم هذا التضاد بشكل أفضل، نعود إلى السؤال الذي طُرح قبل حين: من ذا الذي ينظر إلى تلك السرابات، وما هي نسبته إليها، ولماذا لا يستطيع، كالنائم، أن يدرك الماء الجاري الذي يبعد عنه خطوة واحدة؟
يرى النائم عطشاً شديداً
والماء أقرب إليه من حبل الوريد؛
ذلك المشاهد الذي يقدم على انتقاء السرابات الذهنية من الماء الجاري، ويجلس للحكم عليها وتقييمها، ويميّز – بزعمه – الجيّد من الرديء، ويقمع بعضها، ويُحدث تغييراً في بعضها الآخر، ثم يعتزم، من أجل العثور على الماء الجاري والارتواء منه، تحطيم كل تلك السرابات والتخلص منها، هو في الحقيقة نفسه رد فعل تجاه كل تلك الصور الذهنية، وهو نفسه العامل على إثارة ذلك التضاد الخفي. بعبارة أخرى، كل الصور والنماذج الذهنية لمعرفة الظواهر هي في الواقع عين فكر الإنسان وتفكيره الذي منشؤه ذكريات الماضي. ومن جهة أخرى، فإن تقييم تلك الصور، وتمييز الجيد من الرديء، وقمعها، وحتى الرغبة في التحرر منها، هو نفسه فكر وتفكير جديد لا يؤدي إلى التحرر فحسب، بل يساعد على تغليظ الموانع والحُجُب. وكذلك، فإن ذلك المشاهد الذي ينظر إلى الفكر وسيرورة التفكير، ويعتزم إخماد بعضها، والأخذ ببعضها الآخر، بل ويعتزم التحرر منها جميعاً، هو نفسه من جنس الفكر. من هذا المنظور، ليس لهذا الصراع إلا لاعب واحد، وهو فكر الإنسان وتفكيره نفسه؛ وفي هذه الحالة:
كان الزجاج واحداً فبدا له اثنين
فلما كسر الزجاج لم يعد هناك اثنان [23]؛
في مثل هذه الحالة، يتجه تيار التفكير نحو السكون وتتحول همهمة الفكر إلى صمت، وكأن الذهن يختبر كيفية سلبية [24]؛ لأنه، بتعبير كريشنامورتي، لم تعد كيفية الاختيار متصورة بالنسبة له [25] ولهذا السبب، لا يكمن أي تناقض في تلك الحالة، وبالتالي ستكون هذه الكيفية مصحوبة بيقظة وانتباه عميقين. وبتعبير مولانا، فإن مثل هذه الكيفية ترادف خلع لباس الفكرة والتفكير، والتعري منهما والتعرض لشمس الوعي:
لباس فكرة واندیشهها برون انداز
كه آفتاب نتابد مگر كه بر عوران [26]؛
2-4. عندما يهدأ غبار الفكر ويتحول مصاف الصور الذهنية إلى سكون وصمت وتشرق شمس الوعي أكثر، حينئذ ينكشف جدول الماء الجاري الذي كان على بعد خطوة واحدة و"يفهم" الشخص العطشان الماء. مثل هذا الشخص هو بتعبير مولانا "ابن الوقت" [27]، لأنه أحرق غابة الأفكار [28] ولا يأتي إلى الظواهر الجديدة والديناميكية بأنماط وصور ميتة وثابتة، ومن ثم، فالعالم يتجدد له في كل نفس [29]، والحياة "تتجدد له باستمرار" [30]، وبتعبير سبهري، يعيش في "بركة الآن" [31].
لإدراك "الآن" والحضور في "الحال" وإضفاء العمق على الوعي، ينبغي للإنسان أن يكون دائمًا في كيفية المراقبة [32]؛ بمعنى أن ينظر إلى ردود أفعاله في تفاعله مع سائر الموجودات والأشياء بوصفها "ما هو كائن" ويتقبلها [33]. في مثل هذه النظرة، لا يوجد أي تقييم أو تحكيم أو رغبة أو طلب، وبالتالي فهي خالية من أي تناقض [34]. مثل هذه النظرة إلى ردود الأفعال وتيار الفكر هي بمثابة صقل للروح، ويمكن للإنسان أن يحضر أكثر في "الحال"، ويدرك تجدد العمر المستمر، ويمنح وعيه عمقًا أكبر. ولهذا السبب، لا يتصور لمثل هذه العملية نهاية أو صدر، وهي دائمًا في جريان:
بینهایت حضرتَست این بارگاه
صدر را بگذار، صدرِ تُست راه [35].
في نهاية هذا القسم، أود أن أضع إصبع التأكيد على هذه النقطة وهي أن المراقبة بالمعنى الذي ورد، تتم في كل مكان وفي كل حال؛ من هبوب النسيم الذي يداعب الوجه أو استنشاق عطر زهرة عطّرت الفضاء، وصولاً إلى التفاعل والشؤون اليومية في المنزل وخارجه، والجلوس في المترو والحافلة، والحضور في قاعة الدرس والامتحان، والبيع والشراء، والبحث والتدريس و...، في كل هذه الأمور يمكن للإنسان أن يحضر في كيفية المراقبة ويدرك تيار التفكير، ويعمّق الوعي، ويمارس معرفة الذات. ومن ثم، فإن المراقبة ومعرفة الذات لا تحتاج إلى العزلة والخلوة، ولا حتى إلى البحث عن المرشد والمراد والشيخ الذي يكون وجودهم، بتعبير الغزالي، أندر من ماء الحياة [36]. في المراقبة ومعرفة الذات، إن الذي يربي الإنسان هو ذاته هو، الذي يهتم بمشاهدة ردود أفعاله في تفاعله مع سائر البشر والطبيعة والأشياء، ويدرك عملية التفكير والحضور في "الحال". ولهذا السبب، فإن السلوك الروحي والعرفاني في العالم الحديث، لا يرفض العالم المادي ولا يعتبره سجنًا، بل إن مجرى معرفة الذات والسلوك هو هذا العالم والبيئة المحيطة بالإنسان.
3-1. مفهوم "العشق" من أكثر المفاهيم تواترًا في الأدب، وقد تحدث عنه العرفاء بشكل موسع. كان فريد الدين العطار النيسابوري يرى أن جميع ذرات العالم سكرى بالعشق:
همه ذرّات عالَم مستِ عشقند
فرومانده میان نفی و اثبات [37]؛
وكان جلال الدين محمد البلخي يرى العشق ذا دور علاجي يطهر الإنسان من كل عيب:
هر که را جامه ز عشقی چاک شد
او ز حرص و عیب، کلّی پاک شد [38]؛
وكان سعدي يرى حديث العشق هو الكلام الوحيد الممكن في هذا العالم، ويسمي كل ما عداه قيلاً وقالاً:
سخن بیرون مگوی از عشق، سعدی
سخن، عشق است و دیگر قال و قیل است [39]؛
كان حافظ يرى أن مقصود الوجود هو العشق، ولهذا كان يدعو الجميع إلى العشق:
عاشق شو ار نه روزی کارِ جهان سرآید
ناخوانده نقشِ مقصود از کارگاه هستی [40].
يثير كلام حافظ الأخير سؤالاً مهماً: ما المراد من "عاشق شو" وما هي كيفية العشق؟ وسؤال آخر يطرح دوماً هو: من هو متعلَّق العشق؟ أهو الله الذي لا صورة له، أم الإنسان الترابي، أم كلاهما؟ ولهذا السبب، يُطرح دوماً الحديث عن العشق العرفاني، والعشق الرومانسي، والعشق الأفلاطوني، والعشق الوجودي... إلخ [41]، لكي يمكن تمييزها عن بعضها تبعاً لمتعلَّق العشق. لا يتعاطف الكاتب في هذه المقالة مع هذه التصنيفات المذكورة، ولذا سنتناول في ما يلي مفهوم العشق قليلاً، استناداً إلى مفهوم معرفة الذات الذي سبق شرحه.
3-2. كما أوضحنا، يقوم الإنسان، استناداً إلى معلوماته وافتراضاته المسبقة ونماذجه الذهنية التي تضرب جذورها جميعاً في الذكريات والماضي، بمعرفة الظواهر الديناميكية، ويصنع منها صوراً ونماذج استاتيكية، ويحلّلها ويقيّمها ويمنحها قيمة، كي يستفيد منها في المواجهة التالية. كل هذه الصور والنماذج الذهنية نابعة من فكر الإنسان وتأمّله، وفي هذه العملية، كما أشير، يكمن تضاد بين الصور السابقة والصور الأخيرة. لا يستطيع الإنسان أن يدرك أن الفكر هو الممثل الوحيد في هذه المواجهة إلا بالنظر في عملية تفكيره. في هذه الحالة، يخلع ثوب الفكرة والتأمل، ويزول ذلك التضاد الخفي، ويميل ذهنه إلى السكينة، ويمنح الوعيَ عمقاً أكبر، ويصبح حاضراً في "الآن"، ويفهمه ويحيا فيه. العشق كيفية تُختبر في مثل هذا الفضاء، ولهذا، فهو ليس تملكاً، ولا نوعاً من الإحساس، ولا يتحقق بالطلب والقصد؛ لأنه في التملك والإحساس والطلب، يكون الفكر جارياً، ولذا يكمن دوماً تضاد بين الصور والنماذج الذهنية. في العشق، لا وجود للتضاد، وبالتالي فالعشق وراء الفكر:
عشقِ تو چون درآمد، اندیشه مُرد پیشش
عشقِ تو صبحِ صادق، اندیشه صبحِ کاذب [42]؛
ولهذا، لا يمكن مقارنة أي لذة نابعة من إحساس به، وبتعبير العطار، العشق وراء اللذة:
چه داند آنکه نداند که چیست لذّت عشق
از آنکه لذّت عاشق، ورای لذّات است [43]؛
إن كيفية كهذه، تحل فجأة مع توقف الفكر وسكون الذهن، وتغمر الإنسان كسمكة في بحر من الوعي والانتباه، لا يمكن وصفها بأي كلام أو تعريف، لأن الكلام ينبع من الفكر، أما العشق فوراء الفكر، ولهذا يبدو العشق بلا لسان أطيب [44]. ولهذا السبب لا يمكن تصور متعلَّق للعشق، لكي يمكن تقسيمه بهذه الطريقة إلى أقسام مختلفة (العشق العرفاني، العشق الأفلاطوني، العشق الرومانسي، ...).
بقدر ما يستطيع الإنسان أن يمنح الوعي والانتباه تعمقاً أكبر بمعرفة الذات، بقدر ما يكون قد أوقد النار في غابة الأفكار وابتعد عن الأوهام والصور. إن كيفية كهذه، بعيدة عن الصور والأوهام، هي في الحقيقة نور كلي، ولا تسعها قوالب أي كلام أو فكر:
از همه اوهام و تصویرات، دور
نورِ نورِ نورِ نورِ نورِ نور [45]؛
ولهذا السبب يمكن اعتبار العشق مرادفاً لـ "الفقر" أيضاً، وسر أن مثنوي مولانا تُقرأ من جهة ككتاب لمعرفة الذات [46]، وتوصف من جهة أخرى بصفة "دكان الفقر"، يتضح الآن:
هر دکانی راست سودایی دگر
مثنوی دکّانِ فقرست ای پسر [47]؛
«دكان الفقر» من منظور مولانا هو طريق يحتوي على كل ما هو جميل [48]، وعلى عكس الطرق الأخرى التي يسلكها المرء بقصد الوصول إلى غاية وطلب مطلوب، فيصيبه القلق [49] والخيبة [50] إذا لم يتحقق أو لم يتطابق المحصول مع الصورة الذهنية المفترضة، فإنه «ما سلك أحد هذا الطريق فشكا [51]». مفهوم الفقر من أكثر مفاهيم العرفان الكلاسيكي جوهرية، وقد قُدمت له عبر التاريخ تفاسير مدمّرة ومهلكة تتنافى بشدة مع إرادة الإنسان واختياره. بينما يمكن، استنادًا إلى مبدأ معرفة الذات وإدراك سيلان الفكر ومشاهدته والحضور في «الآن»، تقديم قراءة جديدة للفقر تُعتبر كيفيةً قوامها اليقظة والانتباه. في هذه الكيفية، وإن كان ذهن الإنسان منفعلًا، بمعنى أنه فقير من كل وهم وصورة وفكرة، إلا أن هذه الكيفية ملازمة لليقظة والوعي، وهذا ليس فقط غير منافٍ لإرادة الإنسان واختياره، بل لإرادة الإنسان واختياره مدخلية تامة فيه. ولهذا السبب، وبتعبير العطار، فإن العاشق يقظ [52]، وبتعبير كريشنامورتي، فإن العاشق يكون في انتباه عميق بحيث يشبه إنسانًا يقف على أطراف أصابعه [53] ويكون في حالة استعداد تام. أظن أن تعبير «الوقوف على أطراف الأصابع» يمكن أن يرادف تعبير «كون العاشق كالهرّة في الجوالق» عند مولانا:
أنا هرّة في جوالق في يد العشق
تارةً في الأعالي وتارةً في أسفل العشق [54].
3-3. إن كيفية اللاكيفية التي تتحقق بمعرفة الذات والتي نسميها عشقًا أو فقرًا، وهي يقظة وانتباه ووعي تام، يمكن التعبير عنها أيضًا بـ«اللاخودية». ما نعنيه بـ«الخود» [55] هنا هو في الواقع ردود الأفعال والأوهام والصور والافتراضات المسبقة والأنماط الذهنية، وبكلمة واحدة، هو فكر الإنسان وتفكيره. ما دام الإنسان، بتعبير إيكهارت تول، متحدًا بفكره [56] ويعتبر نفسه عين الفكر، فسيظل أسير الصور والتضادات الخفية، وبالتالي سيكون قلقًا خائبًا ويجلس مكتئبًا كالخريف [57] ولن تعبق أنفه رائحة العشق والوعي. أما عندما يستطيع الإنسان أن ينظر إلى سيلان فكره، ويتقبل ما هو كائن دون إصدار حكم [58]، ويخرج من الأوهام والصور ويصبح، اصطلاحًا، «بلا خود»، حينها تهجم عليه الحقيقة والعشق ويغدو وجوده كله وعيًا وانتباهًا.
وحيث بلغ الحديث «الخودية» و«اللاخودية»، يجدر بنا أن نتأمل قليلًا في مفهوم الفناء الذي يُعد من المفاهيم الغنية والمتواترة في العرفان الكلاسيكي. هذا المفهوم يُفهم لدى بعض أهل التصوف كما لو أن وجود الإنسان لا يتحول إلى درة ثمينة إلا حين يصبح لا شيء، وأن الرفعة والسمو من نصيب من يرى نفسه حقيرًا وضئيلًا أمام الوجود. على سبيل المثال، هذه الأبيات المشهورة لسعدي قابلة لمثل هذا الفهم لمفهوم الفناء:
قطرة مطر من سحابة هطلت
خجلت حين شاهدت سعة البحر
فقالت: حيث البحر من أكون أنا؟
إن كان هو موجودًا، فحقًا أنا لست بموجود
ولما رأت نفسها بعين الحقارة
ربّاها الصدف في حضنه بالروح
وبلغ الفلك بها شأنًا
حتى صارت لؤلؤة شهيرة تليق بالملوك
نالت الرفعة من تواضع
ودق باب العدم حتى صار وجودًا [59]؛
كان إقبال اللاهوري، وهو من أوائل المجددين والمتنورين دينيًا الذين شددوا على عنصر إرادة الإنسان واختياره، يرى هذا الفهم خاطئًا جدًا ومدمّرًا، وكان يثور عليه بجرأة، ولذلك قال ردًا على سعدي:
لي معنى جديد هو مدّعاي
فإن أعد قولًا فذلك جائز:
«قطرة مطر من سحابة هطلت
خجلت حين شاهدت سعة البحر
فقالت: حيث البحر من أكون أنا؟
إن كان هو موجودًا، فحقًا أنا لست بموجود»
ولكن من البحر انبعث هدير
ز شرم تُنُکمایگی رو مپوش
تماشای شام و سحر دیدهای
چمن دیدهای، دشت و در دیدهای
به برگ گیاهی به دوش سحاب
درخشیدی از پرتو آفتاب
گهی همدم تشنه کامان راغ
گهی محرم سینه چاکان باغ
گهی خفته در تاک و طاقتگداز
گهی خفته در خاک بیسوز و ساز
ز موج سبکسِیر من زادهای
ز من زادهای، در من افتادهای
بیاسای در خلوت سینهام
چو جوهر درخش اندر آئینهام
گهر شو در آغوش قُلزُم بزی
فروزانتر از ماه و انجم بزی [60]؛
يقول إقبال: إن ما يرفع الإنسان إلى السموّ والأوج الأنور ليس الحقارة والضعة أمام الوجود، بل إن الإنسان، بما أنه محرمٌ للوجود، صاحب عزّة وإرادة واختيار، ولا يمتّ إلى الحقارة والضعة بصلة؛ ولهذا السبب، فإن طريق التقرّب والوصال يمرّ عبر «الذات»، لا أن يُعتبر الوجود الإنساني عائقاً في إدراك الوجود. ونحن هنا، وبناءً على مبدأ معرفة الذات، يمكننا أن نسمّي الخروج من «الذات» (اقرأ: الفكر) والخطو نحو «اللاذات» (اقرأ: الوعي والانتباه) فناءً. إن قراءةً كهذه لذلك المفهوم المتخم من العرفان الكلاسيكي، تتوافق مع إرادة الإنسان واختياره، وتتصالح مع رأي إقبال [61].
4-3. مع التوضيح الذي قُدّم عن معرفة الذات والعشق، يمكن الآن أن ندرك لماذا العشق هو الشافي، وبتعبير مولانا، دواء النخوة والناموس وطبيب جميع العلل. ولهذا الغرض، أودّ أن أبدأ بمثال، وأن أتأمل قليلاً في الحرص والطمع من خلال النظر إلى ردود أفعالي في التعامل مع سائر البشر والأشياء:
عندما يكون همّي وغمّي منصبًّا على كسب المال والثروة، أسأل نفسي: هل المال والثروة والدخل الوفير في حدّ ذاته هو المهم بالنسبة لي، أم أن نظري متّجه إلى آثاره ونتائجه؟ بالنظر إلى تصوراتي وأفعالي، أكتشف أن فعل اكتناز المال يخلو من الأهمية بالنسبة لي، بل ربما بدا مملاً؛ إنما المهم لي هو آثاره ونتائجه، كالقوة والشهرة، وما أتوهمه من رفاه وحرية ونوع من الشعور بالأمان الداخلي والرضا. إذن، لقد أقدمت على اكتناز المال بافتراضات مسبقة، وانتزعت من المال والثروة صورًا متعددة كالقوة والحرية والشعور بالأمان الداخلي والرضا، وأحللتها محلها. وأثناء تكديس الثروة وعدم انطباق بعض الصور السابقة مع الصور الجديدة التي أستخلصها من الوقائع، أجلس للحكم بين تلك الصور والنماذج المصطنعة، فأحذف بعضها وأصلح بعضها الآخر، أو أضيف صورًا جديدة إلى تلك المجموعة. وكذلك كلما ضقت ذرعًا بهذه العملية وهذا الصراع الداخلي ورغبت في «كبت» تلك المشاعر لأتخلص منها، فإني في الحقيقة بهذه الرغبة والأمنية أكون قد لجأت إلى صورة ونموذج جديدين يتعارضان مع الصور السابقة. والآن أسأل نفسي: لماذا لجأت إلى بناء كل هذه الأوهام والصور؟ انتبهوا إلى أن الوصول إلى هذا السؤال هو بحد ذاته خطوة كبيرة ومهمة في المعرفة، ولا ينبغي الاستهانة بها. بطرح هذا السؤال على ذاتي، أكون في الحقيقة قد أدركت أني قد أحللت صورًا جامدة ومتجمدة محل ظواهر ديناميكية وسيّالة، وأدركت أيضًا أن العامل الموجد لهذه الصور هو فكري وتفكيري، وتنبهت إلى أن وجود هذه الصور صار عائقًا أمام معرفة تلك الظواهر ومواجهتها. والسؤال التالي الذي أضعه أمامي هو: لماذا يلجأ الفكر والتفكير إلى بناء تلك الصور؟ وما هو العامل الذي ينظر إلى هذه الصور ويجلس للحكم فيما بينها؟ أكتشف أن أي إجابة عن هذا السؤال عن سبب لجوء الفكر إلى صنع الصور، هي في الحقيقة مقترحة بواسطة فكري وتفكيري أنا، ومن ثم فإن إجابتي تضيف صورة جديدة إلى الصور القديمة السابقة. كما أكتشف أن فكري وتفكيري هو الذي يجلس للحكم بين الصور المختلفة، ويقوم بتقييمها وفصل الجيد عن الرديء. لذا أكتشف أن هذا الصراع ليس له إلا لاعب واحد، وهو فكري وتفكيري أنا. وبالإدراك العميق لهذه الدقيقة، يتجه صخب الفكر والتفكير نحو السكون، ويدرك المرء أنه لم يعد متحدًا بفكره، لأنه صار قادرًا على النظر إليه من منظور أسمى. هنا يتوجه إلى المرء وعي وانتباه ويقظة عميقة، فيصير «حرًّا»، وينتقل من «الأنائية» إلى «اللاأنائية»، وكما سبق أن بُيّن، فإن المرء في مثل هذا الفضاء اللامُتصوَّر يصاب بالعشق والفقر. في مثل هذا الفضاء، لا يبقى شيء اسمه الحرص والطمع، لأنهما في الحقيقة لم يكونا سوى فكر المرء وتفكيره، وعندما تتجه أمواج التفكير إلى شاطئ السكون، ويصغي المرء، بتعبير إيكهارت تول، إلى همس ذاته الداخلي [62] ويحضر في «الآن»، يكون الحرص والطمع قد ارتحلا. ومن هنا، فإن العشق هو العلاج الوحيد للحرص والطمع، ولجملة العلل عمومًا. وهنا، وعلى خلاف أولئك من أهل التصوف الذين يشددون على كبت الرغبات، أرى أن المرء بمعرفة الذات يستطيع أن يجلس لمشاهدة «ما هو كائن»، وعندما يتجه تيار التفكير إلى شاطئ السكون ويصير المرء عاشقًا واعيًا، لا يبقى ثمة طغيان حتى يسعى إلى كبته.
4-1. عمومًا، إن السعي لتصنيف أنواع التدين وتمييز أصنافها عن بعضها البعض، لا يضيّق الطريق أمام المغالطات المنطقية فحسب، بل يلقي ضوءًا على مفهوم التدين المتضخم حتى يمكن النظر إليه بشفافية أكبر ومن مناظير مختلفة. وهذا الأمر يبدو ضروريًّا للمنورين الدينيين الذين يحملون همّ الدين وفي الوقت نفسه منفتحون على المنجزات المعرفية الحديثة، ويرغبون في إدراك دواعي التدين وموانعه في العصر الراهن، والقيام بغسل تلك الموانع.
في هذا السياق، كان العارف والمُحيي الديني كالإمام محمد الغزالي الذي عاش في قلب التقليد الراسخ للعرفان الكلاسيكي، يضع نصب عينيه أساساً ثلاثة تصورات للتدين: التدين الفقهي، والتدين الأخلاقي، والتدين العرفاني الذي يتربع على قمة التدينين الآخرين. ويمتد هذا التصنيف في آثار الغزالي إلى الأعمال التعبدية أيضاً؛ فعلى سبيل المثال، يرى الغزالي في الصوم ثلاث مراتب [63]: صوم العوام وغايته حفظ البطن والفرج، وشروط صحته وبطلانه مذكورة في الفقه؛ وصوم الخواص الذي تُكف فيه، إضافة إلى حفظ البطن والفرج، جميع جوارح الإنسان عن العمل غير اللائق؛ وبما أن كل حركة تصدر عن جوارح الإنسان، من منظور الغزالي، تخلق فيه صفة تصبح مصاحبة له وتسمى هذه الصفات أخلاقاً [64]، لذا فإن صوم الخواص هو صوم قائم على المبادئ الأخلاقية ويتربع على قمة القسم الأول؛ وأخيراً، المرتبة الثالثة والأسمى التي تُسمى صوم خاص الخاص وغايته حفظ القلب عن كل فكرة غير إلهية؛ ففي هذه المرتبة من الصوم، يبدو كيان الصائم بأكمله ممتلئاً بالله، ويرى الغزالي أن القسم الأخير خاص بالأنبياء ومن شاركوهم في أذواق التجارب النبوية.
ويمكن تلمس تصنيف مشابه نسبياً في المثنوي؛ إذ يعدد مولانا في قصة أهل سبأ في الدفتر الثالث من المثنوي ثلاثة أقسام من الأصول، هي: الأصول الاعتقادية، والأصول الأخلاقية، وأخيراً القسم الثالث الذي هو أصول معرفة الذات، ويتربع على قمة الأصول الأخرى ويُعتبر روح جميع العلوم:
روحُ جميعِ العلومِ هذا هو
أن تعلم من أكون في يوم الدين
تلك أصول الدين قد عرفتها لكن
انظر في أصلك، إن كان حسناً
من أصوليك، أصلك خيرٌ
أن تعرف أصلك، أيها الرجل العظيم [65]؛
وبين الفلاسفة والمفكرين الدينيين المعاصرين، قدم عبد الكريم سروش أيضاً تصنيفاً آخر للتدين، ورغم أنه يشبه تصنيف الغزالي ومولانا، إلا أنه لا ينطبق عليهما تماماً ويتضمن نقاطاً بديعة [66]. في هذا التصنيف، يُسمى التدين الذي تُوضع فيه الغاية والمصلحة والنتائج الدنيوية أو الأخروية نصب عين المتدين، بالتدين المصلحي، وهو ينقسم بدوره إلى شقين: عامي وعالمي (دنيوي النزعة وأخروي النزعة). في التدين المصلحي العامي، يختار الإنسان ديناً لسبب وعله (وليس لدليل)، وبما أن المعيار والميزان فيه هو مقدار وحجم أعمال المتدين، فإن الشريعة والفقه والتقليد والعاطفة تتربع على قمة الأمور. في التدين المصلحي العالمي، إما أن تُنتقى مفاهيم من الفقه والأخلاق لتنظيم الدنيا والسياسة (دنيوي النزعة)، وإما أن يُظن بالفقه والأخلاق جميعاً أنها تحوي مصالح خفية وأن لها غايات غيبية وسرية ينكشف سرها جميعاً في الآخرة (أخروي النزعة). القسم الثاني يُسمى التدين المعرفي، ومحوريته للعقل النظري، ولذا نواجه فيه إدراكات وتفسيرات متكثرة ومتنوعة للدين. ولهذا السبب، فإن التدين المعرفي جمعي وتعددي وديناميكي وسيال. القسم الثالث يُسمى التدين التجربي، وفيه لا يكون الله مسألة، بل معشوقاً مهيباً [67]؛ والنبي فيه ليس مجرد آمر وناهٍ بالأحكام الفقهية، بل قائد القافلة ونموذج التجارب النبوية، والاقتداء به يُعتبر مشاركة في تجاربه وبسطاً لها (على قدر مراتبهم). وبما أن الكشف والشهود والذوق في هذا القسم من التدين هي تجارب ذات أولوية معرفية [68]، فإن نافذة هذا التدين مفتوحة بالكامل على تعددية النجاة [69].
من مقارنة أصناف التدين عند الغزالي وسروش يمكن أن نستنتج أن كليهما، بالاعتماد على العرفان الكلاسيكي، يشددان على نوع من التدين جوهره الامتلاء بالفكر الإلهي والمشاركة في التجارب النبوية وبسطها، ومن مقارنتهما بتصنيف مولانا ندرك أن المراد من الامتلاء بالفكر الإلهي ومشاركة النبي في أذواقه هو في الحقيقة معرفة الذات.
كما سبق توضيحه، فإن السلوك الروحي في العالم الحديث، بحسب تصور الكاتب، يقوم على مبدأ معرفة الذات، وقد سعيت في هذا المقال إلى عرض تصور الكاتب لهذا المبدأ. وبناءً على هذه القراءة، فإن مثل هذا السلوك لا يستند منطقياً إلى اعتناق دين من الأديان، ويستطيع البشر الذين، لأي سبب كان، لم يعلّقوا قلوبهم بدين من الأديان، أن ينظّموا سلوكهم الروحي في أيامنا هذه على أساس مبدأ معرفة الذات. لكنني أرغب في الاستمرار بمزيد من التحليل للعلاقة بين السلوك الروحي والتدين في العالم الحديث. ولهذا السبب، ومنعاً للالتباس، أسمي السلوك الروحي للإنسان الذي علّق قلبه بدين ما «السلوك العرفاني». وأود أن أؤكد على أنني لا أقصد من هذه التسمية أي حمل دلالي، وهذا الأمر هو فقط من أجل تجنب الالتباس في الشروحات القادمة. على أية حال، فإن السؤال المطروح أمام الكاتب هو: بالنظر إلى مبدأ معرفة الذات الذي سبق شرحه بالتفصيل، ما هي العلاقة القائمة بين السلوك العرفاني والتدين في العالم الحديث، وما هو إدراك السالك الحديث، الذي ليس على وفاق كبير مع الميتافيزيقا الأفلاطونية، لله، والنبي، والتجربة النبوية وآليتها، والأخلاق، والفقه، والسياسة. سأحاول في ما يلي دراسة تصور السالك الحديث لله، والنبي، والتجربة النبوية، وسأدرس مسألة آلية التجربة الدينية، والأخلاق، والفقه، والسياسة في مقالات مستقلة أخرى.
4-2. للسلوك العرفاني (السلوك الروحي للفرد المتدين) في أيامنا هذه صلة وثيقة بالتدين القائم على المعرفة والتجربة. إن البعد الأنطولوجي لمثل هذا السلوك، بتعبير سروش دباغ، واقعي [70]. بعبارة أخرى، يزيح السلوك العرفاني الستار عن الوجود اللا-صوري والحقيقة المتعالية وفوق المقولية [71] التي تكون تجلياتها وتعيّناتها مستقلة عن السالك. بحسب تصور الكاتب، تبدأ مواجهة الأمر اللا-صوري من معرفة الذات، وكلما عمّق الإنسان معرفة ذاته ووعيه (بحسب الشرح الذي سبق)، كلما أضرم النار في غابة الأفكار وأذاب فيها المزيد من الصور والتصورات. وكما سبق توضيحه أيضاً، لا يُتصور لمعرفة الذات والمراقبة صدر ولا نهاية؛ ومدلول هذا الكلام هو أنه أولاً، مواجهة الأمر اللا-صوري أو التجارب الدينية والعرفانية لا متناهية، ولهذا السبب، لا توجد أي تجربة عرفانية ودينية خالصة. ثانياً، إن مواجهة الأمر اللا-صوري، المسبوقة بميتافيزيقا حدّية ونحيفة [72] والتي يعلّق فيها السالك قلبه بدين من الأديان، تحدث في مستويات مختلفة. بعبارة أخرى، بقدر ما تتجه الصور والأوهام الذهنية، التي هي أمواج فكر الإنسان، نحو ساحل السكينة ويصبح الإنسان حاضراً في «الآن» ويعمّق وعيه، بقدر ما تغدو التجارب الدينية والعرفانية أكثر عمقاً [73]. ولهذا السبب، ينخرط السالك مثلاً في طور في المناجاة والحوار، وفي طور يغمره صمت عميق ويسوق الكلام «بلا حرف» [74]، وفي طور يستغرق في القبض، وفي طور يبلغ الطرب والوجد.
أود أن أضع إصبع التأكيد على نقطة أخرى، وهي أن الحديث عن «الأمر المتعالي»، و«الحقيقة فوق المقولية»، و«الله»، ... هي في الواقع جميعها تعابير مشوبة بفكر الإنسان وتأمّلاته، وقد حُمّلت عليها صور ذهنية كثيرة، والإنسان، بتعبير التوراة، يتخذ اسم الرب باطلاً أداةً له مراراً [75]. ومن هنا، فإن سالكاً حديثاً مثل إيكهارت توله، يستبدل كلمة «الوجود» [76]، التي تحمل صبغة فلسفية أيضاً، بكلمة «الله» كي يتمكن من التحرر، إلى حد ما، من القيود والصور الذهنية المتعددة التي حُمّلت عليها [77]. وفي مقام النظر، لا مناص من مثل هذه الإطلاقات والإشارات، لكن ينبغي الانتباه إلى أن المواجهة مع الأمر المتعالي والحقيقة فوق المقولية (أو أي تعبير آخر يُعبّر به عنها)، هي غريبة كل الغرابة عن سيل الفكر والذهن الإنساني. بعبارة أخرى، تلك الحقيقة هي التي تُقبل على وجود الإنسان، ومثل هذا الانكشاف يحدث في الوعي العميق والحضور في «الآن» حيث تهدأ سيلانات التفكير والتصويرات الذهنية. لذلك، وبناءً على التوضيح الذي سبق بيانه بشأن العشق، فإن الكاتب يرى أنه بدلاً من الأمر اللا صوري، والحقيقة المتعالية وفوق المقولية، يمكن الاستعانة بتعبير «العشق» أيضاً؛ عشق لا متعلَّق له ولا صورة، ومواجهته التي تمر عبر طريق معرفة الذات، تنتمي إلى فضاء يكون فيه السالك في وعي وانتباه عميقين. ومثل هذه المواجهة والحقيقة، بتعبير كريشنامورتي، تعلن عن وجودها لحظة بلحظة [78]، وكلما عاش السالك في «الحال» وتحقق بالحضور، منح مواجهته وتجربته مزيداً من التعمق. ومن هنا، فإن التدين التجربتي العرفاني في العالم الراهن، هو بمثابة فتح كوّة نحو تلك الحقيقة الحاضرة دوماً، والتي يمكن التعبير عنها بأنها عشق واعٍ:
دلبر تو دایما بر در دل حاضر است
رو در دل برگشا، عاشقِ هُشیار باش [79]؛
وبتعبير آخر، ينبغي إضافة نقطة أخرى إلى القول بأن البعد الأنطولوجي للسّلوك العرفاني في العالم الحديث واقعي، لكي تتضح حدود وثغور تلك الميتافيزيقا الدنيا التي تكون أمام السالك الحديث؛ إن تصور النسبة بين السالك والأمر اللا صوري، بوصفهما وجودين مستقلين متباعدين يسعى أحدهما إلى التقرب من الآخر بالسلوك، هو تبسيط شديد ومضلّل. وكذلك ذلك التصور الذي يُعتبر فيه السالك عديم الإرادة والاختيار أمام تلك الحقيقة اللا صورية، بحيث لا يتسنى سموّه ورفعته إلا بالضعة والحقارة أمام الأمر اللا صوري، فهو تصور غير مقبول. في الحقيقة، السالك ليس وجوداً مستقلاً خارجاً عن الأمر اللا صوري، إما أن يقلّص المسافة بينه وبين تلك الحقيقة المتعالية، أو يدرك وجوده على أنه حقير ووضيع فيتصل ببحرها اللامتناهي؛ بل إن السالك الذي وقع في أسر بيت ذهنه وفكره، بمعرفة الذات والمراقبة، يشرع باستمرار في فتح كوى في ذلك البيت، وكلما ازداد يولّي وجهه شطر شمس الوعي. السالك وبيت ذهنه ليسا وجوداً مستقلاً، منفصلاً وخارجاً عن تلك الحقيقة، بل إن دخان الفكر والتفكير وحده هو الذي جعل الفضاء مغبراً، وعندما تهدأ سيلانات التفكير المزبدة، ويغوص السالك في بحر «الآن» ويختبر الوعي، يكون في الحقيقة قد شرع في فتح كوّة؛ بتعبير مولانا:
زین دودناک خانه گشادند روزنی
شد دود و اندر آمد خورشید روشنی
آن خانه چیست؟ سینه و آن دود چیست؟ فکر
ز اندیشه گشت عیش تو اشکسته گردنی
بیدار شو، خلاص شو از فکر و از خیال
یارب، فِرِست خفته ما را دهلزنی [80]؛
وبتعبير الشيخ العطار البليغ، فإن الأمر اللا صوري حاضر دائماً ولحظة بلحظة، وكل ما هنالك هو فتح كوّة بين بيت الفكر وشمس الوعي وتولية الوجه شطر الشمس. ولبّ التدين التجربتي العرفاني في العالم الحديث ليس سوى «صنع الكوى»:
دوزخست آن خانه کان بی روزن است
اصلِ دین ای بنده روزن کردن است [81].
4-3. السالك الحديث والمتدين ذو التفكير التجريبي الذي يشتغل بمعرفة الذات والمراقبة، ويضفي دوماً عمقاً على الوعي والحضور في «الآن»، لديه فهم خاص للنبي. فهو لا يرى أن الدور الرئيسي للنبي هو واضع الأحكام الفقهية والحقوقية، ذلك لأن النبي أيضاً بدأ حركته بمعرفة ذاته، وخاض مواجهة عميقة وعظيمة ومعززة لليقين مع الأمر اللا صوري. ومن هنا، فإن إيمان السالك الحديث بالنبي ليس إيماناً تقليدياً، بل هو إيمان تسبقه تجارب عاشقة. وبتعبير الغزالي الحكيم: «لا يمكن للإنسان أن يؤمن بشيء لا يكون له جنسه؛ فكل ما لا يكون له فيه أثر، لا يتصور له صورته [82]»؛ وبعبارة أخرى، كلما كانت هناك خصوصية في النبي، ولكن لم توجد عينة للوصول إليها وإدراكها، فلن يكون الإنسان قادراً على تصديق النبي [83]. ومدلول هذا الكلام هو أن معرفة الذات مقدمة على معرفة النبي، وأن التصديق الواعي للنبي قائم على تجربة الوعي والحضور في «الحال». ولهذا السبب، فإن النبي لدى السالك الحديث المتدين هو مُذكِّر كي يخلع الإنسان لباس الفكرة والتأمل ويواجه الشمس، إذ «إن استطعت أن تكون عارياً أمام الشمس فهو أفضل؛ لأن تلك الشمس لا تسوّد، بل تبيّض؛ وإلا، فعلى الأقل خفف من ثيابك لتذوق طعم الشمس [84]». إن رسالة النبي، المتجذرة في مواجهته العظيمة والمعززة لليقين مع الأمر اللا صوري، هي تذكير بمعرفة «الذات»، والتذكير بهذه المعرفة المستمرة هو في الواقع دعوة لأن يصبح المرء شريك الأذواق للنبي وأن يواجه شمس الوعي. إن معرفة النبي وبسط التجربة النبوية، كلاهما حركة تستلزم الخطو في طريق معرفة الذات، ومن هنا، في العالم الحالي، وبتعبير شيخ الإشراق البليغ، لن يبقى العلم والمعرفة حكراً على أي جماعة، وأسوأ العصور هو عصر يكف فيه الإنسان عن الاجتهاد والجهد، ويوقف تقدم المعرفة، ويظن أن طريق وكوة الكشف والشهود قد أغلقت [85].
4-4. في نهاية هذا القسم، أرى من الضروري أن أذكر نقطتين بخصوص التجارب الروحية والعرفانية؛ أولاً، كما مر، فإن التجارب الروحية والعرفانية ذات مستويات وأعماق مختلفة، وبقدر ما تخف حدة عاصفة التفكير والتأمل ويحضر السالك في «الآن»، بقدر ما يزداد عمق وعيه وانتباهه، وتصبح المواجهة مع الحقيقة اللا صورية في التجارب العرفانية أكثر لا صورية وأكثر نقاءً. وبما أن مثل هذه التجارب، على الأقل، تقف بقدم واحدة في فضاء ما وراء التأمل والذهن، فهي بالتالي تستلزم التعبير والتأويل ونوعاً من الترجمة الثقافية [86]. كذلك، وبما أن تشكلها الصوري أو جعلها ذات صورة يتم عبر قناة ذهن السالك، فإن هذا الأمر لا يستلزم لغة خاصة [87] [88]. ثانياً، أتعاطف مع سروش دباغ في أن مثل هذه التجارب للسالك الحديث تمتلك حجية معرفية أولية [89]؛ وبعبارة أخرى، فإن التجارب الروحية والعرفانية التي يحرزها السالك بإدراك شهودي وغير استنتاجي، تقع في تلاؤم وتفاعل مع سائر معارفه البشرية وشهوداته ومبادئه الأخلاقية، ومن هذا المنفذ تزداد حجيتها المعرفية أو تنقص. لكن، بما أن التجارب الروحية والعرفانية تخطو خطوة واحدة على الأقل إلى ما وراء التأمل والذهن، فيبدو أن تفاعلها وتلاؤمها مع سائر معارف السالك ومبادئه الأخلاقية يتم بعد تعبيرها وتأويلها. ومن ناحية أخرى، فإن عملية التعبير والترجمة الثقافية لتلك التجارب، تتحقق هي نفسها عبر قناة التفاعل والتلاؤم مع سائر معارف السالك ومبادئه. ولهذا السبب، فإن هناك تلاؤماً وتفاعلاً مستمراً بين تعبير وتأويل وترجمة التجارب الروحية والعرفانية ثقافياً من جهة، وسائر معارف السالك ومبادئه وشهوداته الأخلاقية من جهة أخرى؛ وفي هذا الحوار والأخذ والعطاء المستمرين، يقع التدين ذو التفكير المعرفي والتفكير التجريبي أيضاً في تفاعل مستمر ومستمد.
5-1. سعى هذا المقال إلى أن يبحث، استنادًا إلى الأصل الأصيل لمعرفة الذات، في حدود وثغور السلوك الروحي والعرفاني في العالم الحديث الذي تسود فيه العقلانية النقدية على الواقعية الساذجة، وحيث أفسحت الثنائية الأنطولوجية الأفلاطونية المجال لميتافيزيقا حدّية. ووفقًا لتصوّر الكاتب لهذا الأصل، يمكن النظر إلى تيارات الفكر والصراعات الفكرية والتنبّه إلى أن الفاعل الرئيسي في بيت ذهن الإنسان هو التفكير والفكر الذي يصنع باستمرار من الظواهر الجديدة والسيّالة صورًا ونماذج ميتة وجامدة، ويكدّسها بعضها فوق بعض، ويوقع الإنسان في شراك ذكريات وصور تضرب جذورها جميعًا في الماضي. إن النظر إلى جريان الفكر وقبول "ما هو كائن"، يحوّل ذلك التلاطم والتصادم إلى صمت عميق، فيفهم الإنسان "الآن" ويصير حاضرًا فيه. والخروج من "الذات" (الذهن) والخطو نحو "اللا-ذات" (الوعي والانتباه)، هو ذاك العشق اليَقِظ الذي يرتبط أولًا ارتباطًا وثيقًا بإرادة الإنسان واختياره، ويكون ثانيًا متحررًا من أي تعلّق، وثالثًا هو وحده الشافي لجملة العلل. كما قُدّمت، استنادًا إلى أصل معرفة الذات، قراءات جديدة للمفاهيم المثرية في العرفان الكلاسيكي، مثل "الفقر" و"التسليم" و"الفناء"، وهي قراءات لا تضرب بجذورها في الميتافيزيقا الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة الغليظة، ولا تنفي إرادة الإنسان واختياره. كما تم التطرق إلى النسبة بين السلوك العرفاني والتدين القائم على التجربة، وبحث تصوّر السالك الحديث للأمر المتعالي اللا-صورة، والنبي ودوره، والتجربة العرفانية والدينية، وإنكار لغة خاصة لتلك التجارب، وحجيتها المعرفية الأولية، وتلاؤمها وتفاعلها مع سائر المعارف البشرية والأصول والبديهات الأخلاقية. علاوة على ذلك، وبناءً على قراءة الكاتب للعرفان الحديث، فعلى الرغم من أن الأمر المتعالي اللا-صورة يمتلك بعدًا أنطولوجيًا واقعيًا، إلا أن النسبة بين السالك والأمر المتعالي وفوق المقولي، ليست كنسبة بين موجود حقير وأمر عظيم، ولا كنسبة بين وجودين مستقلين يقترب أحدهما من الآخر؛ وبعبارة أخرى، فالسالك ليس وجودًا مستقلاً خارج تلك الحقيقة، وبمعرفة الذات يمكن فتح كوّة من بيت الذهن إلى شمس الوعي والتوجّه إليها. ولبّ لباب التدين القائم على التجربة العرفانية، هو في الحقيقة "فتح الكوّة" ذاك.
5-2. قد يخطر ببال القارئ أن قراءة الكاتب لمعرفة الذات العملية، التي ترى أن الإنسان يستطيع أن ينظر من منظور أسمى إلى بيت ذهنه وفكره حتى تتجه الأمواج الفكرية المتلاطمة إلى ساحل السكينة والصمت، لا تنسجم مع الحياة في العالم الحديث. فعلى سبيل المثال، كيف يمكن للفيزيائي أو المهندس أو الطبيب الذي يتعامل في حياته اليومية مع نظريات وافتراضات مسبقة وتجارب وتفاسير مختلفة لها، ويكون في حالة دائمة من التفكير والفكر، أن يمارس معرفة الذات والسلوك الروحي أو العرفاني مع الحفاظ على وظيفته وانشغالاته العلمية؟ وفي معرض الجواب، لا بد من التشديد على أن ما قيل في الفقرة السابقة كان بصدد معرفة الذات العملية فحسب، وتعميمه على الإبستمولوجيا والعلوم التجريبية والعلوم الإنسانية ليس فقط غير مرغوب فيه، بل هو مستحيل؛ وذلك لأنه في عالم الإبستمولوجيا والعلوم التجريبية، تكون كل مشاهدة مسبوقة ومصبوغة بنظريات وافتراضات مسبقة تكون متلائمة ومتفاعلة مع علوم أخرى، وتطور تلك العلوم رهين بنظريات وبرامج بحثية مدوّنة توضع في بوتقة الاختبار، ومن هذا الطريق تشق طريق تطورها وتتعرض للنقد والجرح والرفض أو القبول من قبل الجماعة العلمية. كما أن السالك الحديث الذي يجلس لمراقبة جريان الفكر والتفكير ويمارس التأمل، يدرك أن الجلوس في بيت الذهن واستخدام التفكير والفكر كأداة مهمة ومفيدة للمعرفة في مجال العلم والفلسفة والمعيش اليومي، ليس مذمومًا فحسب، بل هو عين العقلانية. وتبدأ المشكلة من حيث يعتبر الإنسان نفسه واحدًا مع بيت الذهن ويستعين به لمعرفة ذاته. ويرى السلوك الروحي والعرفاني في العالم الحديث أن الإنسان ليس عين الذهن والفكر، وأنه يستطيع أن ينظر من منظور أسمى إلى كل تلك التيارات ويختبر وعيًا وانتباهًا عميقين.
5-3. إنَّ النظر إلى بيت الذهن والفكر، وإقبال تلاطم التفكر على صمتٍ عميق، وإدراك هذه الدقيقة بأنَّ «الإنسان ليس عين الفكر»، فضلاً عن كونه جوهر المراقبة ومعرفة النفس العملية، يمكنه أن يسلط الضوء على السؤال الفلسفي المهم والعريق المتعلق بالذهن-الجسد [90]، وأن يصبح مجرىً لفهمٍ أفضل وأعمق له [91]. آمُل أن أتناول هذا الأمر المهم في مقال مستقل. كما أنَّ العلاقة بين السلوك العرفاني في العالم الحديث والأخلاق والفقه والسياسة، وكذلك الدراسة الفينومينولوجية للتجارب الروحية والعرفانية، هي من بين هواجس الكاتب الأخرى التي يستدعي كلٌّ منها مقالات مستقلة.
.
.
*. ديوان شمس، الغزل رقم 2131.
1) للاطلاع على شرح موسع لمؤلفات العالم الجديد، انظر على سبيل المثال: التقليد والعلمانية، ص 1-66، الأسس الميتافيزيقية للعلوم الحديثة، وكذلك دروس عبد الكريم سروش بعنوان السلوك التديني في العالم الحديث، الملقاة في مدرسة مولانا.
2) critical rationalism
3) naïve realism
4) وغني عن البيان أنَّ طائفة من الباحثين المعاصرين قد قدموا شواهد من الحكمة الخسروانية لإيران القديمة وما قبل عصر أفلاطون، تدل على إدراكٍ مشابهٍ نسبياً لثنائية أفلاطون الوجودية. على سبيل المثال، انظر: مع قافلة الفكر، وكذلك الحكمة الخسروانية.
5) للاطلاع على شرح موسع للنموذج البطلمي والثورة الكوبرنيكية، انظر على سبيل المثال: الأسس الميتافيزيقية للعلوم الحديثة، وكذلك
T.S. Kuhn, The Copernican Revolution;
6) يبرز هذا الأمر بشكل خاص في أشعار إقبال؛ انظر على سبيل المثال: أسرار خودي، رموز بي خودي، پيام مشرق، جاويدنامه، كلشن راز نو؛ وانظر أيضاً دروس إقبال الشاعر لعبد الكريم سروش الملقاة في مدرسة مولانا.
7) انظر على سبيل المثال: القبض والبسط النظري للشريعة، ص 47-62.
8) existential
9) انظر: في فلك سبهري، فلسفة سبهري اللازوردية، وحريم أعشاب القرب.
1) ontological dualism
11) minimal؛ سأسعى خلال هذا المقال إلى توضيح تصوري لمثل هذه الميتافيزيقا.
12) psychology
13) anthropology
14) neuroscience
15) انظر أيضاً: النظر في الصمت، ص 23.
16) experiment
17) المثنوي، الدفتر الثالث، البيت 4011.
18) ليس المقصود هنا طرح بحث فلسفي ودلالي.
19) المثنوي، الدفتر الرابع، الأبيات 3227-3230.
20) المثنوي، الدفتر الرابع، الأبيات 3305، 3232-3234، 3238-3240.
21) إشارة إلى بيت من الغزل 306 في ديوان شمس: عشق تو چون درآمد، انديشه مُرد پيشَش / عشق تو صبح صادق، انديشه صبح كاذب.
22) mind-body interaction
23) المثنوي، الدفتر الأول، البيت 332.
24) passive
25) النظر في الصمت، ص 236.
26) ديوان شمس، الغزل 2073.
27) إشارة إلى البيت 133 من الدفتر الأول للمثنوي: صوفي ابن الوقت باشد اي رفيق / نيست فردا گفتن از شرط طريق.
28) مستفاد من بيت في الغزلية 1 من ديوان شمس: أي قيامة بغتة، يا رحمة لا منتهى لها / يا نارًا موقدة في غابة الأفكار.
29) إشارة إلى البيت 1147 من الدفتر الأول للمثنوي: كل نَفَس يصير العالم جديدًا ونحن / غافلون عن التجدد في البقاء.
30) إشارة إلى البيت 1148 من الدفتر الأول للمثنوي: العمر كالنهر يأتي جديدًا جديدًا / ويبدو مستمرًا في الجسد.
31) إشارة إلى مقطع لسهراب سبهري في "صوت خطى الماء": الحياة هي أن تتمسح بالماء في حوض "الآن".
32) meditation
33) انظر أيضًا: نظرة في الصمت، ص 231، شرح الحياة، ص 11-18، التحرر الأول والأخير، ص 265-272.
34) من هذا المنطلق، يمكن للانخراط في تفاعلات الحياة وتحدياتها أن يضفي عمقًا أكبر على الوعي. للاطلاع على شروح مسهبة حول هذا الموضوع، انظر:
35) المثنوي، الدفتر الثالث، البيت 1961.
36) رسالة أيها الولد، ص 44.
37) غزليات العطار.
38) المثنوي، الدفتر الأول، البيت 22.
39) غزليات سعدي، الغزل 80.
40) غزليات حافظ.
41) انظر على سبيل المثال: حريم أعشاب القرب، ص 198-205.
42) ديوان شمس، الغزل 306.
43) غزليات العطار، الغزل 43.
44) إشارة إلى البيت 113 من الدفتر الأول للمثنوي: وإن يكن تفسير اللسان منيرًا / فحب بلا لسان أنور. انظر أيضًا: شرح الحياة، ص 212-222.
45) المثنوي، الدفتر السادس، البيت 2146.
46) على سبيل المثال، انظر المقدمة النثرية التي كتبها مولانا على الدفتر الأول من المثنوي: «هذا كتاب المثنوي وهو أصول أصول أصول الدين» حيث إن مقصوده من هذا التركيب الثلاثي هو في الحقيقة أصول معرفة الذات.
47) المثنوي، الدفتر السادس، البيت 1525.
48) فيه ما فيه، ص 173.
49) إشارة إلى بيت من الغزل 323 في ديوان شمس: كل اضطرابك من طلب قرارك / كن طالبًا مضطربًا، حتى يأتيك القرار.
50) إشارة إلى بيت من الغزل 323 في ديوان شمس: كل حرمانك من طلب مرادك / وإلا فكل المرادات تأتيك نثارًا.
51) فيه ما فيه، ص 183.
52) إشارة إلى شطر من الغزل 418 في غزليات العطار: افتح باب القلب، وكن عاشقًا يقظًا.
53) to be on the toes؛ انظر: نظرة في الصمت، ص 192.
54) المثنوي، الدفتر السادس، البيت 908.
55) ego
56) انظر:
57) إشارة إلى شطر من الغزل 323 في ديوان شمس: ذلك النفس الذي أنت فيه بنفسك، كالخريف متجمد.
58) من وجهة نظر الكاتب، يمكن تقديم قراءة جديدة للمفهوم الثري «التسليم» في العرفان الكلاسيكي، وهو «قبول ما هو كائن، دون حكم الفكر». وهنا أجد من الضروري أن أذكر مجددًا أن هذه القراءة تمت في مجال معرفة الذات العملية؛ لذا فإن تعميمها على مجالات أخرى (بما في ذلك السياسة) هو مغالطة عظيمة ومدمرة. سأناقش العلاقة بين السلوك الروحي والعرفاني في العالم الجديد والسياسة في مقال مستقل.
59) بوستان سعدي، الباب الرابع.
60) إقبال لاهوري، رسالة المشرق، قطرة ماء.
61) تفادياً للغموض، أود أن أشير بإيجاز إلى أنه يمكن استخلاص تأويلين على الأقل من «الذات»؛ أحدهما «الذات» بوصفها فكر الإنسان وتأمله، والآخر «الذات» بوصفها كيفية تتحول فيها تيارات الفكر إلى سكينة؛ والحقيقة أن «الذات» في القسم الأخير، هي بمعنى «اللا-ذات» الذي نتحدث عنه في هذا المقال.
62) انظر:
63) كيمياء السعادة، كتاب أركان الإسلام، الركن الأول، الأصل السادس.
64) كيمياء السعادة، العنوان الأول (في معرفة النفس)، الفصل الثامن.
65) المثنوي، الدفتر الثالث، الأبيات 2656-2654.
66) أخلاق الآلهة، ص 155-143 والتقليد والعلمانية، ص 209-129.
67) هذا التعبير لعبد الكريم سروش؛ انظر: حديث العبودية والوله، ص 155.
68) prima facie justification
69) للشرح المبسوط لـ«تعددية النجاة»، على سبيل المثال، انظر: الصراطات المستقيمة.
70) في فضاء سبهري، ص 100.
71) transcategorial reality
72) minimal
73) وعلى هذا القياس، فإن السلوك الروحي الذي لا يسبقه بالضرورة ميتافيزيقا ولا يدين السالك فيه بدين من الأديان، هو أيضاً ذو بطون ومراتب مختلفة.
74) إشارة إلى البيت 3097 من الدفتر الأول للمثنوي: إلهي أرِ النفوسَ ذاك المقام / الذي ينمو به القولُ دون كلام.
75) بالتعبير الجميل لإحدى الوصايا العشر في التوراة، لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً:
“Thou shalt not take the name of the Lord thy God in vain.”
76) Being
77) انظر:
78) التحرر الأول والأخير، ص 255.
79) غزليات العطار، الغزل 418.
80) ديوان شمس، الترجيعات، رقم 3497.
81) المثنوي، الدفتر الثالث، البيت 2404.
82) كيمياء السعادة، العنوان الأول، الفصل الرابع عشر.
83) فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج فلا تفهمها أصلاً، فكيف تصدق بها؟، المنقذ من الضلال، حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها.
84) فيه ما فيه، ص 188.
85) حكمة الإشراق، المقدمة.
86) للشرح المبسوط لـ«الترجمة الثقافية»، انظر: بسط التجربة النبوية، ص 82-29.
87) private language
88) للشرح المبسوط لـ«اللغة الخاصة»، على سبيل المثال، انظر:
89) في فضاء سبهري، ص 81. انظر أيضاً:
90) mind-body problem
91) للتعرف على إيضاحات موجزة جداً حول مسألة العقل-الجسد في الفلسفة، على سبيل المثال، انظر:
.
.
1_ مثنوی معنوی، مولانا جلال الدین محمد بلخی، بتصحیح وتمهید عبد الکریم سروش، شرکت انتشارات علمی و فرهنگی، الطبعة السادسة، 1380.
2_ غزلیات شمس تبریزی، مولانا جلال الدین محمد بلخی، تصحیح بدیع الزمان فروزانفر، مؤسسة انتشارات أمیر کبیر، الطبعة الرابعة عشرة، 1376.
3_ فیه ما فیه (مقالات مولانا)، مولانا جلال الدین محمد بلخی، تحریر جعفر مدرس صادقی، نشر مرکز، الطبعة الثانیة عشرة، 1392.
4_ غزلیات عطار، تصحیح سعید نفیسی، کتاب آبان، الطبعة السابعة، 1392.
5_ غزلیات سعدی، تصحیح محمد علی فروغی، انتشارات هرمس، الطبعة الأولى، 1385.
6_ بوستان سعدی (سعدی نامه)، تصحیح وشرح الدکتور غلام حسین یوسفی، انتشارات جمعیة أساتذة اللغة والأدب الفارسی، الطبعة الأولى، 1359.
7_ غزلیات حافظ، بناءً على نسخة قزوینی-غنی، نشر دوران، الطبعة الثامنة، 1383.
8_ أشعار إقبال اللاهوری الفارسیة، مقدمة وحواشی محمود علمی، منظمة انتشارات جاویدان، الطبعة الثالثة، 1366.
9_ کیمیاء السعادة، أبو حامد الإمام محمد الغزالی الطوسی، بتحقیق حسین خدیو جم، شرکت انتشارات علمی و فرهنگی، الطبعة الثانیة عشرة، 1384.
10_ المنقذ من الضلال، أبو حامد الإمام محمد الغزالی، ترجمة سید ناصر طباطبایی، انتشارات مولى، الطبعة الأولى، 1390.
11_ رسالة أیها الولد (هکذا قال الغزالی)، الإمام محمد الغزالی، ترجمة زاهد ویسی، نشر نگاه معاصر، الطبعة الأولى، 1388.
12_ حکمة الإشراق، الشیخ شهاب الدین یحیى السهروردی، ترجمة وشرح الدکتور سید یحیى یثربی، بوستان کتاب، الطبعة السابعة، 1392.
13_ مع قافلة الفکر، عبد الحسین زرین کوب، مؤسسة انتشارات أمیر کبیر، الطبعة الرابعة، 1380.
14_ الحکمة الخسروانیة: حکمة الإشراق والعرفان من زرادشت إلى السهروردی، هاشم رضی، انتشارات بهجت، الطبعة الثالثة، 1384.
15_ ثمانیة کتب، سهراب سپهری، گفتمان اندیشه معاصر، الطبعة الأولى، 1389.
16_ نظرة فی الصمت، جیدو کریشنامورتی، ترجمة محمد جعفر مصفا، نشر قطره، الطبعة الخامسة، 1393.
17_ شرح الحیاة، جیدو کریشنامورتی، ترجمة محمد جعفر مصفا، نشر قطره، الطبعة الأولى، 1384.
18_ التحرر الأول والأخیر، جیدو کریشنامورتی، ترجمة الدکتور قاسم کبیری، انتشارات مجید، الطبعة الثامنة، 1391.
19_ القبض والبسط النظری للشریعة: نظریة تکامل المعرفة الدینیة، عبد الکریم سروش، مؤسسة صراط الثقافیة، الطبعة الثالثة عشرة، 1393.
20_ التقلید والعلمانیة، عبد الکریم سروش، مؤسسة صراط الثقافیة، الطبعة الثانیة، 1382.
21_ بسط التجربة النبویة، عبد الکریم سروش، مؤسسة صراط الثقافیة، الطبعة السادسة، 1392.
22_ أخلاق الآلهة، عبد الکریم سروش، انتشارات طرح نو، الطبعة الثامنة، 1389.
23_ الصراطات المستقیمة، عبد الکریم سروش، انتشارات صراط، الطبعة التاسعة، 1393.
24_ حدیث العبودیة وسلب القلوب، عبد الکریم سروش، انتشارات صراط، الطبعة السابعة، 1388.
25_ الأسس المیتافیزیقیة للعلوم الحدیثة، إدوین آرثر برت، ترجمة عبد الکریم سروش، شرکت انتشارات علمی و فرهنگی، الطبعة الأولى، 1369.
26_ فی فضاء سپهری، سروش دباغ، نشر نگاه معاصر، الطبعة الثانیة، 1394.
27_ فلسفة سپهری اللازوردیة، سروش دباغ، انتشارات صراط، الطبعة الأولى، 1394.
28_ حمى أعشاب القرب: السلوک الروحی فی الزمن الحاضر، سروش دباغ، انتشارات H&S، الطبعة الأولى، 1396.
29_ L. Wittgenstein, Philosophical Investigations (Wiley-Blackwell, 2009).
30_ S. Mulhall, Wittgenstein’s Private Language (Oxford University Press, Oxford, 2007).
31_ R. Audi, Epistemology: A Contemporary Introduction to the Theory of Knowledge (Routledge, 2011).
32_ T. Nagel, What Does it All Mean? (Oxford University Press, 1987).
33_ T.S. Kuhn, The Copernican Revolution (Harvard University Press, Cambridge,1995).
34_ A. Koestler, The Sleepwalkers (Penguin Books, 1986).
35_ S. Hawking (ed.), On the Shoulders of Giants (Running Press, 2002).
36_ E. Tolle, The Power of Now (Namaste Publishing, 2004).
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
علی جان عالی است