اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
أغرق ديريك بارفيت، فيلسوف أكسفورد الشهير، الأوساط الفلسفية في ذهول برحيله. لقد كان من أهم أعمدة الفلسفة التحليلية، ووُصف كتابه «الأسباب والأشخاص» بالعبقري، وطرح بشخصيته المنعزلة والمتقبلة للنقد أفكاراً بديعة حول الهوية الشخصية والأخلاق المعيارية.

لم يبدأ عام 2017 بداية مواتية لمجتمع الفلاسفة. فقد دُقَّ طبل الرحيل فجأة لفيلسوف ذائع الصيت، وأغرق الأوساط الفلسفية في ذهول. ديريك بارفيت، الفيلسوف والشاعر والمصور الأكسفوردي الشهير، توقف عن متابعة «الوجود» في الثاني من يناير 2017 عن عمر يناهز 74 عامًا، تاركًا «هويته» خلفه. وقفت جامعة أكسفورد إجلالًا له، ونكست علمها حدادًا على هذا الفقد. باعتراف الجميع، كان بارفيت أحد أهم أعمدة الفلسفة التحليلية في إنجلترا. لقد اكتسحت أعماله أقسام الفلسفة إلى حد يصعب معه أن تجد طالبًا في فلسفة العقل أو الفلسفة الأخلاقية لم ينخرط، سلبًا أو إيجابًا، في مواجهة تعاليمه. كان عقله المنطقي والتحليلي آسرًا حقًا ونادر المثال. وأسلوبه في الكتابة الفلسفية، وإن كان مثيرًا للجدل ولا يروق لأذواق الكثيرين، فقد كان نابعًا من ذلك العقل المنطقي نفسه. لم يكن من العبث أن وصف آلان رايان، فيلسوف السياسة والمجتمع، كتاب بارفيت المؤثر أسباب وأشخاص (1984) بأنه عمل عبقري. وهو كتاب اختير ضمن أفضل عشرة أعمال فلسفية من حيث الطرح ومعدل الإحالة.
أنا الذي كنتُ تلميذَ تلميذِه، شرعتُ في كتابة سطورٍ لأداءِ دَينٍ له. في أيام دراستي تشرفتُ بأن نهلتُ من بحر علمه. في الوقت وغير الوقت، في الممرّ وفي القاعة، كنتُ أتوجّه إليه. وكان هو يتحمّلني أحيانًا ويجيب عن أسئلتي. إنني أشعر بأنني مدينٌ له بأكثر مما أستطيع كتابته. كانت طريقته وأسلوبه في التفكير والاستدلال الفلسفي آسرةً إلى حدٍّ يأسرُ كلَّ طالب فلسفة مثلي. لم يكن بارفيت فيلسوفًا من الطراز الأول فحسب، بل كان ذا شخصية مميزة أيضًا. شعره الأشعث وقميصه الأبيض الدائم لا يغيبان عن الذاكرة. حتى في أيام وليالي إنجلترا الباردة والماطرة كان يكتفي بقميص أبيض واحد. أتذكر حوالي يناير 2014 بعد انتهاء محاضرته وقفنا مع عدد من الطلبة والأساتذة في الشارع. كانت زوجته -جانيت رادكليف- وهي من فيلسوفات أكسفورد، قد اتخذت من برودة الجو ذريعةً لتجادله حول كونه "بلا معطف". كانت تُلحّ عليه أن يرتدي معطفًا لكن بارفيت، رغم ارتجافه، كان يأبى أن يرتديه! كانت شخصية بارفيت انعزالية جدًا. سمعتُ من زوجته أنه في أيام شبابه حين كان يدرس في جامعة أكسفورد كان يقطع فقط المسافة بين السكن الجامعي والكلية، وكان يقضي جلّ يومه تقريبًا في المكتبة. العزلة جعلته، مع طيبته، مرَّ المزاج بعض الشيء. كنتُ قد سمعتُ من زملائه أنه ذات مرة في قاعة الدرس، بسبب سؤال غير وجيه طرحه أحد الطلاب، صرخ في وجهه وسخر منه. ويبدو أنه في نهاية الدرس اعتذر لذلك الطالب عن سلوكه. كان بارفيت يولي الشؤون الخيرية أهمية بالغة، وكان الهمّ بمساعدة الآخرين يتدفق فيه. سمعتُ من أستاذي -براد هوكر- أنه من أجل نشر كتابه الأخير، أي "في ما يهم"، تحدث مع منشورات أكسفورد كي لا يحتسبوا له حقوق التأليف وأن يستخدموا أوراقًا منخفضة الجودة كي ينخفض سعر الكتاب ويتمكن الطلاب من شرائه بسهولة أكبر. إن عنايته بتقليد النقد وروح تقبّله للنقد كانت مدهشة حقًا. لطباعة كتابه الثاني "في ما يهم" قام قرابة خمس سنوات بتوزيع الكتاب على ثلاثمئة فيلسوف مشهور ليسمع نقدهم وآراءهم قبل النشر ويطبقها ربما. أسماء جميع هؤلاء الفلاسفة وردت في بداية كتابه. ومع ذلك لم يُستقبل هذا الكتاب بقدر ما استُقبل كتابه الأول -"الأسباب والأشخاص"-. كُتبت عنه نقود لاذعة متنوعة. حتى أن البعض اعتبر كتاب "في ما يهم" أشبه بفقرات مشوشة من "مسودة". مع كل هذا كان صبره وأناة نفسه في الرد على النقود فائقين. أتذكر مرة أن بيتر سينغر، فيلسوف الأخلاق الشهير في جامعة برينستون، كان في محاضرة بحضور بارفيت ينتقد وجهة نظره حول التعاقدية الكانطية والنفعية القائمة على القواعد. ولما جاء الدور على بارفيت قال بهدوء: أظن أن بيتر على صواب، وهذا الجزء من استدلالي ضعيف! وبهمة بيتر سينغر كان من المقرر أن يُنشر المجلدان الثالث والرابع من كتاب "في ما يهم". كان بارفيت في المجلد الثالث -مثل المجلد الثاني- قد حاول الرد على النقود المختلفة. يبدو أن الكتاب سيُنشر قريبًا لكن بارفيت كان مستعجلًا ألا يراه! يمكن تلمّس أثر عقله الخلاق في ابتكاره للتجارب الذهنية. ربما يمكن القول إن إحدى أهم مآثره في أسلوب الاستدلال الفلسفي هي التجارب الذهنية المتنوعة التي بقيت من بعده. التجربة الذهنية الشهيرة "النقل عن بُعد" في فلسفة الهوية الشخصية أو التجربة الذهنية "النتيجة المتناقضة" في أخلاقيات السكان تُعتبر من استدلالاته المهمة. آراء بارفيت في مجالي فلسفة الذهن وفلسفة الأخلاق كانت أكثر إثارة للجدل بكثير من المجالات الأخرى. أحاول أدناه، كخاتمة حسنة، أن أطرح بإيجاز بعض أفكاره الفلسفية الخالصة. ينبغي لطلاب الفلسفة أن يتخذوا من كتابة بارفيت وأسلوب استدلاله، بغض النظر عن محتواه، نموذجًا يُحتذى. كتابته المنظمة والواضحة هي بالضبط ما تحتاجه الكتابة الفلسفية. من نحن؟ (فلسفة الهوية الشخصية) وجهة نظر بارفيت حول هويتنا نحن البشر تشبه من بعض الوجوه وجهة نظر جون لوك السيكولوجية. باختصار، كان لوك يعتقد أن هوية البشر تتشكل من ذاكرتهم. لكن بارفيت يفترق عن لوك حيث يضيف قيد "الديمومة والاتصال" إلى الذاكرة. ومع ذلك يذهب بارفيت إلى أبعد من ذلك ويصرح بأنه بما أنه لا يمكن إيجاد معيار حاسم للهوية الشخصية، فإن مسألة الهوية لا أهمية فلسفية لها! يستخدم بارفيت التجربة الذهنية "النقل عن بُعد" ليبين أن المهم هو "اتصالنا وديمومتنا الذهنية-السيكولوجية".
في كتابه «الأسباب والأشخاص» يستخدم «مفارقة تَل شَن» ليبين غموض الهوية وإشكاليتها. بالنسبة لبارفيت، نحن البشر لسنا سوى أدمغتنا وأجسادنا، وإن كان لا يمكن القول إن هويتنا قابلة للاختزال إلى هذين فحسب. فتح قمة واحدة؟ (النظريات المعيارية في فلسفة الأخلاق) ربما يمكن القبول بشيء من التسامح أن فلسفة الأخلاق التحليلية الراهنة تستند إلى أكتاف ثلاثة: ديريك بارفيت، وتيم سكانلن، وتوماس نيغل. كان بارفيت من أنصار مذهب المنفعة المتشددين. رفع مستوى اللذة والسعادة والرفاه وخفض مستوى الألم كان معياره لصحة الأفعال. تلميذه براد هوكر، لجعل مذهب المنفعة أكثر تبريراً، دمجَه مع مذهب الواجب الكانطي-الروسي وروّج لمذهب المنفعة القائم على القواعد. سكانلن دمج التعاقدية الرولزية بنوع من الكانطية وروّج للتعاقدية الكانطية. أما نيغل فهو -بمد وجزر كبيرين- يدافع عموماً عن نوع من مذهب الواجب الكانطي. ورغم الاختلاف بين هؤلاء الفلاسفة في تبنّي النظريات المعيارية، فإنهم يشتركون في أمر واحد على الأقل، وهو أنهم حدسيون. يعتقد هؤلاء الفلاسفة أن هناك قضايا أخلاقية بديهية يمكن تصديقها بالنظر في القضايا ذاتها ودون حاجة إلى قضايا أخرى. سعى بارفيت، لجعل النظرية الأخلاقية المعيارية أكثر قوة، إلى أن يبيّن أن مذهب المنفعة القائم على القواعد، والتعاقدية، والكانطية، كلها تفتح قمة واحدة. إنه يجادل في كتابه «حول ما يهم» بأن مذهب المنفعة القائم على القواعد والتعاقدية الكانطية يقتربان في الحقيقة أحدهما من الآخر إلى درجة يلتقيان فيها. ولهذا السبب كان يدافع عن نظرية معيارية بديلة ناتجة عن تركيب هذه النظريات الثلاث. وفقاً لهذه النظرية، فإن معيار صحة الأفعال، شأنه شأن كل النظريات العواقبية، هو رفع مستوى السعادة وخفض مستوى الألم. لكن، بما أن مذهب منفعته قائم على القواعد، فإنه يمكن رفع مستوى السعادة (أو خفض الألم) حينما يمكن، وفقاً لما قاله كانط، جعل ذلك الفعل كونياً. أي أن نسأل أنفسنا: ماذا يحدث لو وقع هذا الفعل من الجميع؟ لكن نظرية بارفيت المعيارية تمر عبر مصفاة أخرى هي التعاقدية الكانطية. باختصار، وفقاً للتعاقدية الكانطية، يكون الفعل مبرراً حين لا يوجد سبب قوي ضده. عدالة للأجيال القادمة (أخلاقيات السكان) أحد النقاشات الشائقة جداً التي طرحها بارفيت في كتاب «الأسباب والأشخاص» ويُعد من روادها، هو نقاش أخلاقيات السكان. يُطرح في هذا النقاش سؤالان على الأقل: أولاً، ما هو واجبنا الأخلاقي تجاه الجيل الذي يأتي بعدنا؟ ثانياً، هل زيادة السكان أمر معقول وأخلاقي؟ بارفيت، في إجابته عن هذين السؤالين، يواجهنا بمفارقتين شائقتين: بخصوص السؤال الأول، افترض أن امرأة تنوي الحمل. ينصحها الطبيب بأن تعالج نفسها قبل الحمل. وإلا فسيولد طفلها كفيفاً. إذا عالجت هذه المرأة نفسها فسيولد طفل بهوية «أ»، لكن إذا لم تعالج نفسها فسيولد طفل بهوية «ب». افترض الآن أن هذه المرأة لم تعالج نفسها وولد الطفل «ب» كفيفاً. هل يحق للطفل «ب» أن يلوم أمه؟ يبدو أن نعم، يحق له! لكن بارفيت يبيّن أنه لو كانت الأم عالجت نفسها لما كان الطفل «ب» قد وجدت هويته ووجوده أصلاً كي يعترض. بافتراض أن الوجود أفضل من العدم، يبدو أن الطفل «ب» لا يمكنه الاعتراض لأنه مدين بهويته لأمه. بخصوص السؤال الثاني -زيادة السكان- يبدو أن هناك أدلة كثيرة في متناول اليد على أن الزيادة العشوائية للسكان في كوكب الأرض يمكن أن تحدّ من موارد الحياة بشكل مؤلم. ولهذا السبب، يؤيد حدس الكثير منا أن وجود عالم بعدد سكان أقل ومستوى سعادة أعلى هو «أفضل» من عالم بعدد سكان أكثر لكن مستوى سعادة أقل. لكن بارفيت، بطرحه لحجة، يرينا أن هذا الحدس ربما لا يكون صحيحاً تماماً: افترض أن العالم «أ» فيه مليار نسمة بمستوى عالٍ من السعادة. العالم «ب» تماماً مثل العالم «أ» فيه مليار نسمة بنفس مستوى السعادة، مع فارق أن العالم «ب» فيه مليار نسمة إضافيون مستوى سعادتهم أقل من مستوى السعادة في العالم «أ». بمقارنة العالم «أ» والعالم «ب» يمكن أن نفهم أن مجموع السعادة في العالم «ب» أكبر. في الحقيقة، رغم أن العالم «ب» فيه عدد سكان أكبر مستوى سعادتهم أقل مقارنة بالعالم «أ»، إلا أن مجموع السعادة في العالم «ب» أكبر من مجموع السعادة في العالم «أ». إذن العالم «ب» «أفضل» من العالم «أ».يكفي الآن أن تضيف عدد العوالم لتصل إلى عالم يبلغ عدد سكانه مليارات البشر لكن مستوى السعادة فيه ضئيل جداً (مثل العالم ص). مجموع السعادة في هذا العالم أكبر من عالم يبلغ عدد سكانه مليار نسمة ويتمتع بمستوى عالٍ من السعادة. تبدو نتيجة هذه الحجة غريبة بعض الشيء. غريبة إلى درجة أن بارفيت نفسه لا يملك جواباً لهذه المفارقة! فعلى الرغم من معتقداتنا الأولية القائلة بأن العالم الأقل ازدحاماً «أفضل» من العالم المزدحم والمكتظ بالسكان، صار بين أيدينا الآن تجربة ذهنية تُظهر أن العالم الأكثر ازدحاماً يمكن أن يحوز مجموعاً أكبر من السعادة.

.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
مفید و جالب بود ممنون
احتمالا تفاوت جهان الف و ب همان تفاوت نسبی میان سوسیالیسم و لیبرالیسم باشد. اما خوشبختی بیشتر هم حدی سقفی خواهد داشت و نمیتواند تا بی نهایت کشدار شود. لذا یافتن آن نقطه اوج بهینه کار علوم اجتماعی ست تا با آمار و ارقام واقعی و صحیح نشان دهند و کلی گویی کافی نیست.