المعسكر ليس واقعة تاريخية بسيطة أو انحرافاً عن الماضي، بل هو المصفوفة الخفية واللامرئية للفضاء السياسي للحداثة التي نعيش فيها.
جورجو أغامبين فيلسوف ومنظّر سياسي إيطالي بارز، يُعرف قبل كل شيء بأبحاثه في مجال السياسة الحيوية وحالة الاستثناء ومفاهيم مثل «الحياة المجرّدة». وقد ترك مؤلفه المرجعي متعدد الأجزاء «هومو ساكر» (Homo Sacer) أثراً عميقاً في الفلسفة السياسية والقانون والدراسات الثقافية المعاصرة. يحلل أغامبين في أعماله، بالاعتماد على آراء وأفكار مارتن هايدغر وفالتر بنيامين وميشيل فوكو، بنى السلطة والسيادة الحديثة.
وُلد جورجو أغامبين عام 1942 في روما. درس الحقوق في جامعة روما، وكتب أطروحة الدكتوراه حول الفكر السياسي لسيمون فايل. وفي عامَي 1966 و1968، شارك في حلقات مارتن هايدغر الدراسية في لو تور، وهي تجربة تركت أثراً تأسيسياً في فكره الفلسفي ومنهجيته. انصرف أغامبين بعدها إلى البحث في السيميولوجيا وعلم الجمال والنقد الأدبي، وعمل سنواتٍ محرراً لأعمال فالتر بنيامين باللغة الإيطالية؛ وهو المفكر الذي يشكل فكره، إلى جانب فوكو وهايدغر، الضلع الثالث لمثلث المؤثرين في أغامبين.
تعود شهرة أغامبين العالمية أساساً إلى مشروعه الضخم متعدد الأجزاء «هومو ساكر» الذي بدأ تأليفه في منتصف تسعينيات القرن العشرين. يعيد أغامبين في هذا المشروع قراءة القانون الروماني القديم ويمزجه بنظرية السياسة الحيوية عند ميشيل فوكو ومفهومَي السيادة وحالة الاستثناء عند كارل شميت، ليُظهر كيف تتشكل السلطة السيادية الحديثة على أساس تضمين «الحياة المجرّدة» (الحياة البيولوجية المحضة المجرّدة من الحقوق السياسية) في نطاق القانون عبر تعليق القانون نفسه. فالمعسكر (كمعسكرات العمل القسري) ليس، من وجهة نظره، حالة استثنائية عابرة، بل هو مصفوفة الفضاء السياسي للحداثة ونموذجه الأساسي.
إلى جانب الفلسفة السياسية، خلّف أغامبين أعمالاً قيّمة في مجالات اللاهوت السياسي وعلم الجمال واللسانيات وأركيولوجيا (أنساب) المفاهيم الفلسفية. وهو إذ ينقد بنى الديمقراطية الغربية والتكنولوجيا ومجتمعات المراقبة، يشدد على ضرورة إعادة التفكير في مفاهيم مثل الفعل وشكل الحياة والتحرر. ومن أعماله المهمة الأخرى: «حالة الاستثناء»، و«بقايا أوشفيتز»، و«المجتمع الآتي»، و«اللغة والموت».