اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
آدم سميث، إلى جانب كتابه «ثروة الأمم»، يبيّن في «نظرية المشاعر الأخلاقية» كيف تُبنى التفاعلات الاجتماعية على التعاطف الفطري. واستخلاص جوهر أعماله وربطها بتحديات الراهن يُنشئ حواراً بين الماضي والحاضر من أجل مستقبل أكثر عدالة.

آدم سميث: فيلسوف أخلاق اقتصاد السوق
المؤلف: سوياش راي / ترجمة وإعداد: جعفر خيرخواهان
المصدر: العدد 6028 من صحيفة دنياي اقتصاد
يُعرف آدم سميث، أبو علم الاقتصاد، بشكل رئيسي بتأليفه كتاب ثروة الأمم. غير أن له تحفة أخرى معروفة؛ كتاب «نظرية المشاعر الأخلاقية» الذي يتناول كيف يمكن للتفاعلات الاجتماعية أن تُبنى على تعاطفنا الفطري لتحقيق تقدم أخلاقي.
يعود تاريخ فحص وتحليل الاقتصاد السياسي إلى العصور القديمة. يمكن العثور على نقاشات مثيرة للاهتمام حول هذا الموضوع في أعمال كتّاب مثل أرسطو اليوناني أو تشاناكيا الهندي، وبينما تم إنجاز الكثير من التنظير والبحوث التجريبية المهمة حول الاقتصاد السياسي من خلال برامج بحثية شارك فيها عدد كبير من الباحثين والمفكرين على مدى فترات زمنية طويلة، إلا أن هناك قلة من المفكرين والباحثين تركوا أثراً لا يُنسى بفضل أصالة فكرهم وعمق رؤاهم. أحد هذه الشخصيات هو آدم سميث الذي تمر ثلاثمئة عام على ولادته، وبهذه المناسبة يُقدم في هذا المقال بعض الأفكار الرائدة لكتابَيه الرائعين «نظرية المشاعر الأخلاقية» و«ثروة الأمم». الكتاب الأول هو عمل في فلسفة الأخلاق وعلم النفس الاجتماعي، والكتاب الثاني هو عمل في مجال الاقتصاد السياسي وعلم الاقتصاد. نسعى في هذا المقال إلى استخلاص جوهر أعمال سميث وفهم ما يربط أعماله ببعضها من حيث المنهج الرفيع في شرح وتفصيل الأفكار والالتزامات الفلسفية. وهنا لا نحاول فقط استذكار آراء سميث التاريخية وتكريمها، بل نسعى أيضاً إلى ربطها بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، لينشأ عن ذلك حوار بين الماضي والحاضر، لكي نتصور مستقبلاً أكثر عدلاً ونتخيله.
يقول ألفريد نورث وايتهد في كتابه «العملية والواقع» الذي كُتب بناءً على سلسلة محاضرات أُلقيت بين عامي 1927 و1928: «إن الوصف العام الأكثر أماناً للتقليد الفلسفي الأوروبي هو اعتباره سلسلة من الهوامش على أعمال أفلاطون... إشارتي هنا هي إلى الكم الهائل من الأفكار العامة المبعثرة في ثنايا أعمال أفلاطون. إن عبقرية أفلاطون الشخصية، والفرص الواسعة التي أتيحت له لاكتساب الخبرة في حقبة مهمة من الحضارة الإنسانية، وإرثه من تقليد فكري لم يكن قد تصلب بعد بسبب الإفراط في التنظيم والنسق، كل ذلك جعل من كتاباته كنزاً لا ينضب من الأفكار».
لن يكون مبالغاً فيه كثيراً لو أدلينا بتصريح مماثل حول أهمية آدم سميث لدراسة الاقتصاد السياسي وعلم الاقتصاد. إن حدة ذكاء سميث الفكري التي استخدمها لمراقبة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في زمن حدوث تغييرات بالغة الأهمية قبل أن تنتظم الجدالات الأيديولوجية حول تلك التغييرات، تجعل من كتاباته، رغم مرور ثلاثة قرون على ولادته، كنزاً من الأفكار والمقترحات.
اشتهر اسميث بتأليف رائعتيه «نظرية المشاعر الأخلاقية» و«ثروة الأمم». صدرت الأولى عام 1759 وهي عمل في فلسفة الأخلاق وعلم النفس الاجتماعي، أما ثروة الأمم التي صدرت عام 1776 فهي عمل في الاقتصاد السياسي وعلم الاقتصاد. تعالج نظرية المشاعر الأخلاقية بشكل رئيسي كيف يمكن للتفاعلات الاجتماعية أن تُبنى على تعاطفنا الفطري لتحقيق تقدم أخلاقي، بينما تهتم ثروة الأمم بشكل أساسي بتحسين الرفاه والرخاء المادي من خلال إجراء مبادلات توافقية قائمة على المصلحة الذاتية في الأسواق التنافسية. وبالتالي، فإن الهمّ الأساسي في كلا العملين لسميث هو كيف يمكن تحسين حياة الفرد من خلال المبادلات الاقتصادية والاجتماعية، والهمّ الثانوي هو كيف تؤدي العمليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بتفاعلها معًا، إلى إحداث تغييرات بنيوية. لاحظ هذه النقطة المهمة: كيف يبني سميث حججه في نظرية المشاعر الأخلاقية على أساس تصور للتعاطف الطبيعي الموجود لدى البشر.
تستحضر الجملة الأولى في نظرية المشاعر الأخلاقية هذه الفرضية الأساسية لديه: «مهما تصورنا الإنسان أنانيًا، فمن الواضح أن في طبيعته مبادئ تثير اهتمامه بسعادة الآخرين، وتجعل سعادتهم ضرورية له، رغم أنه لا يجني من تلك السعادة شيئًا سوى لذة رؤيتها.» يسمي هذا المبدأ بالتعبير عن «المشاركة الوجدانية»، لكن معناه شبيه بما ننسبه اليوم إلى كلمة «التعاطف». يوضح سميث كيف أن وجود هذه القدرة على التعاطف فينا نحن البشر يجعلنا نتوقع أن يتعاطف الآخرون معنا أيضًا؛ فعندما نلاحظ ردود أفعالهم تجاه مشاعرنا وعواطفنا، فإننا نحب آراء أولئك الذين يتفقون معنا ويشاركوننا أحزاننا وأفراحنا، ونشعر بالانزعاج عندما يخالفنا شخص ما في أعماله وآرائه ولا يشاركنا مشاعرنا.
يجادل سميث بأن هذا التشابك ينطوي أيضًا على وظيفة تنظيمية. إذ يمكن أن يؤدي هذا التشابك إلى عملية نفسية اجتماعية نلاحظ فيها ردود أفعال الآخرين تجاه مشاعرنا، ثم نعدل أعمالنا ومشاعرنا بناءً على ذلك. أحيانًا نزيد من حدة هذه الأعمال والمشاعر، وأحيانًا نخففها لنقربها إلى ذلك المستوى الذي قد يقره «مشاهد محايد» يراقب وضعنا. هذا النوع من الفعل والانفعال يمكن أن يخلق أخلاقًا نافعة اجتماعيًا يشرحها سميث على هذا النحو: «إن فرط الحساسية تجاه الآخرين، وقلة الحساسية تجاه الذات، بحيث نكبح أنانيتنا ونغالي في عواطفنا الخيرية، يشكلان كمال الطبيعة الإنسانية، وهما وحدهما القادران على إحداث ذلك التناغم في المشاعر والرغبات النفسية بين البشر، الذي ينطوي على كل لطفها وجدارتها».
يشير سميث في نقاش شديد الاستنارة حول الأسس النفسية للأنشطة الاقتصادية إلى عدم التناظر في قدرتنا على التعاطف: «لأن الجنس البشري يميل إلى تفهّم سعادتنا ومشاركتنا إياها أكثر من ميله إلى تفهّم أحزاننا وأتراحنا؛ لذا فإننا نستعرض ثروتنا ونخفي فقرنا.» وهكذا، في حين أن الثروة قد لا تمنحنا من السعادة بالقدر الذي توقعناه عبر شراء الأشياء التي تتيحها لنا، فإنها تجازينا أكثر من حيث الإعجاب المفرط (والغيرة والحسد) الذي تثيره بين الآخرين. وبما أن إثارة هذا الشعور تغذي الأنشطة الاقتصادية التنافسية والتسابقية التي يمكن أن تمهد الطريق لمزيد من النمو الاقتصادي، فإنها قد تخلق منافع لأولئك المنهمكين في خدمة تحقيق هذه الأهداف. يستشهد سميث في الجزء الرابع من كتاب نظرية المشاعر الأخلاقية بفكرة «اليد الخفية» الشهيرة ليبين كيف أن سعي الأثرياء وراء الثروة يمكن أن يكون مفيدًا للآخرين، حتى لو لم يكونوا يقصدون إحداث مثل هذه المنافع. يكتب: «إنهم تُساقهم يد خفية لتحقيق نفس توزيع ضروريات الحياة تقريبًا بين سكان كوكب الأرض، الذي كان ليتحقق لو قسمنا الأرض بين جميع سكانها إلى أجزاء متساوية، وهكذا دون قصد منهم ودون معرفة بذلك، يقدمون مصلحة المجتمع ويهيئون الوسائل لتكاثر الجنس البشري وتزايده.»
يناقش سميث في السياق ذاته كيف ينبغي وضع قوانين عامة نستطيع بناءً عليها مكافأة الأفعال النافعة اجتماعيًا ومعاقبة الإجراءات الضارة التي تُرتكب عن عمد، لكنه يبين أيضًا كيف يلعب ضميرنا دورًا منظمًا في أخلاقياتنا الاجتماعية، ومع ذلك يكتب: «إن كلمة الضمير لا تدل فورًا على أية قوة أخلاقية نقر بها أو نرفضها بواسطتها»، لذا فإن الضمير يحتاج إلى خلق وتوسيع مضمون أخلاقي ليتمكن من العمل بناءً عليه. وفقًا لتصريح سميث، يمكننا شرح وتفصيل هذا المضمون الأخلاقي حتى يتخذ شكل قوانين عامة تظلل أفعالنا. وتستند هذه العملية مجددًا إلى قدرتنا على التعاطف؛ إذ يمكننا إدراك آثار أفعالنا وأفعال الآخرين، واستخدام هذه المجموعة من المعلومات لسن قوانين تهدف إلى الإجراءات المناسبة. إن سن هذه القوانين يتيح لنا إمكانية اتخاذ القرار كلما واجهنا موقفًا ما، دون الحاجة إلى تفكير عميق.
تتوزع هذه الأفكار حول التعاطف في الفصول الأربعة الأولى من نظرية المشاعر الأخلاقية. كانت هذه النظرية التي ترى التعاطف الطبيعي للكائنات البشرية بوصفه منشئًا لقابلية يمكن أن تتحول إلى أخلاقيات عملية، تقدمًا نظريًا كبيرًا، لكن من المثير للاهتمام أن سميث لا يعتبر حتى بعض حدود قدرة التعاطف هذه -على سبيل المثال، ميلها إلى المبالغة في تقدير أفراح الآخرين ومسراتهم- مضرة بالضرورة، لأنها يمكن أن تؤدي إلى نتائج مفيدة للمجتمع، وبالتالي يمكن تحويل هذه الحدود إلى مزايا.
بالمقارنة مع نظرية المشاعر الأخلاقية، يُعد كتاب ثروة الأمم عملًا مختلفًا للغاية، لكنه أيضًا يستخدم بشكل أساسي وإلى حد كبير هذه الرؤية الجوهرية القائلة بأن عمل الإنسان وحرفته وانشغالاته، وإن كانت تحفزها وتستحثها تصورات غريبة بل ووهمية للمصلحة الشخصية، فإنها لا تزال قادرة على إحداث نفع للمجتمع. في نظر سميث، يوجد نزوع طبيعي بين البشر لأن يتعاملوا مع الآخرين بما يحقق مصالحهم الشخصية، وطالما أن التعامل قائم على الرضا المتبادل، فسوف ينتفع كلا الطرفين.
ولأنه لم يكن كاتب رسائل همه الوحيد كسب الجدال، فإن أفكاره تتسم بالتعقيد. إنه يحلل آليات عمل اقتصاد السوق بطرق مختلفة، لكنه يبرز بوضوح مزايا اقتصاد السوق الجيد الأداء، ويدّعي أن اقتصاد السوق لم تكن له آثار سلبية استثنائية على الأخلاقيات. كانت كلتا المجموعتين من الحجج مهمتين. فلو كان سميث قد أشار فقط إلى هذه المزايا من حيث منافع الكفاءة الناشئة عن المنافسة في السوق، لما كان ذلك كافيًا على الإطلاق. وذلك لأن معظم وجهات النظر السائدة عن اقتصاد السوق كانت مشككة ومترددة إزاء العواقب الأخلاقية السلبية لتوسع الاقتصاد السوقي.
يشرح سميث كيف أن الاعتماد المتبادل القائم على السوق والذي ينشأ مع الغرباء يمكن أن يكون مفيدًا في مجتمع تجاري: «بمجرد أن يتم ترسيخ تقسيم العمل بشكل كامل، فإن جزءًا ضئيلًا جدًا من حاجات الإنسان يمكن توفيره من نتاج عمله الخاص. إنه يوفر الجزء الأكبر بكثير من حاجاته عبر مبادلة ذلك الفائض من نتاج عمله الذي يزيد عن استهلاكه الخاص، بأجزاء من نتاج عمل الآخرين التي تتاح له فرصة مبادلتها، وهكذا فإن كل إنسان يعيش عن طريق المبادلة، أو يصبح تاجرًا إلى حد ما، ويتحول المجتمع نفسه، عن حق، إلى مجتمع تجاري.» السوق هو ما يجعل هذا التناغم والتعاون بين الأفراد الغرباء، المتخصصين كلٌ في أعمال وأنشطة معينة، أمرًا ممكنًا. وكما يلاحظ سميث، فإن هذا التخصص يزيد الكفاءة بالسماح لهم بتطوير المهارات عبر التكرار، وتوفير الوقت اللازم للانتقال من عمل إلى آخر، والسماح باستخدام آلات متخصصة لكل مهمة مما يحسن من أداء الفرد الذي يقوم بها.
أظهر سميث كيف أن الجمع بين التجارة والمنافسة، من خلال التخصص الذي نراه في الاقتصاد الحديث، يؤدي إلى زيادة الكفاءة، فبينما كانت التجارة موجودة منذ زمن طويل، إلا أنها كانت تُمارس عادة عبر الاحتكار، وكثيرًا ما كانت تُفرض القيود أو الضوابط التعريفية عندما تبدأ الواردات في منافسة الإنتاج المحلي. كان حكم سميث بأن التجارة مفيدة لكلا الطرفين نقدًا مباشرًا للفكرة المركزية للمذهب التجاري التي ترى أنه ينبغي على الدولة تقييد وارداتها من الدول الأخرى. يكمن في صميم الفكر التجاري اعتبار المال هو ثروة الأمة، بينما جادل سميث بضرورة النظر إلى الثروة من حيث الإنتاجية الاقتصادية، وهكذا، بينما كان أنصار المذهب التجاري يؤيدون تقييد الواردات لمنع خروج المال، جادل سميث بأن المال ليس أكثر من وسيلة للتبادل بغرض تسهيل التجارة داخل الدولة وعبر الحدود. تستند حجة سميث لصالح التجارة بشكل رئيسي إلى المزايا الناجمة عن التخصص؛ فكلما كان السوق أكبر، تحققت كفاءة أكبر.
في كتاب ثروة الأمم، عارض سميث بشدة منح الاحتكارات أو فرض الحمايات أو الضوابط التعريفية. وحتى في حالة الأدوات الأكثر اعتدالًا، مثل استرداد الرسوم الجمركية، يحذر سميث من احتمال إساءة الاستخدام. وقد عمم هذا حتى على المستعمرات التي كانت تُجبر عادة على التجارة فقط مع الدولة المستعمرة. إحدى الحجج الرئيسية القائمة على «المصلحة الذاتية» التي يسوقها ضد هذه القيود هي أنها توجه رأس مال الدولة المستعمرة نحو المستعمرة، بينما كان يمكن استخدامه بكفاءة أكبر في مكان آخر.
وبالمثل، بينما كانت الأسواق المحلية موجودة منذ سنوات، إلا أن بعضها قد شابته قوى مضادة للمنافسة مثل الطوائف الحرفية والجمعيات التجارية. وكما جادل سميث، بما أن الأسواق هي آليات للتخصيص الكفء للموارد والتنسيق التلقائي بين مختلف المنتجين والمستهلكين من خلال معلومات الأسعار، فإن أي تشويه يمكن أن يؤدي إلى عدم الكفاءة، وبالتالي فإن حجة سميث هي أن تحسين الكفاءة يتطلب تحرير التجارة الخارجية وكذلك إزالة الحواجز أمام المنافسة داخل الاقتصاد المحلي بحيث يتعرض المنتجون للمنافسة الداخلية والخارجية على حد سواء.
يرى سميث أن تطهير الأرض للزراعة هو الأولوية الرئيسية عند دخول أسواق المنتجات. في زمنه، الذي سبق الثورة الصناعية، كانت المنتجات الغذائية من بين المنتجات القليلة التي تُعتبر ضرورية، وكانت جميع المنتجات المصنّعة تقريبًا تُعتبر «وسائل راحة ورفاهية» (حتى أن سميث يصف لحم الدجاج بأنه سلعة كمالية). وبما أن المنتج الاستهلاكي والمعيشي، كما يجادل سميث، له الأولوية على وسائل الراحة والرفاهية، فيجب أن تكون الزراعة في المقام الأول. علاوة على ذلك، فقد جادل بحق في تلك الفترة الزمنية التي عاشها بأن الزراعة هي المصدر الرئيسي للفائض الذي يمكن استثماره في قطاع الإنتاج، ومع ذلك كان سميث من أوائل الذين جادلوا بأن منتجات المصانع هي نشاط منتج. بالإضافة إلى ذلك، كان يرى أن للخدمات قيمة، رغم أنه اعتبرها غير منتجة. فمعظم الخدمات في زمنه، باستثناء الهندسة والعمارة والتدريس وغيرها، لم تكن تنتج شيئًا دائمًا. لقد زادت قابلية دوام وبقاء المنتجات الخدمية في مجالات مثل صناعة الترفيه بسبب التغيرات التكنولوجية، وظهرت أنواع جديدة من الخدمات مثل تكنولوجيا المعلومات التي تخلق قيمة للعديد من عمليات الإنتاج.
يتضمن فكر سميث حول مصادر النمو أفكارًا تتوافق مع جوانب معينة من نظريات النمو الحديثة. بالإضافة إلى الدور الذي لعبته التجارة والذي ارتبط به سميث منذ زمن بعيد (يسمي جويل موكير هذا النوع من النمو بالنمو السميثي)، فقد أكد أيضًا في حجة سولووية (منسوبة إلى روبرت سولو) على كيف أن زيادة الاستثمار، من خلال زيادة إنتاجية العمل، تؤدي إلى زيادة النمو (يستخدم كلمة المخزون أو الرصيد بدلاً من رأس المال). ورغم أن سميث كان يكتب في عالم ما قبل الثورة الصناعية، ولهذا السبب قدم أمثلة كثيرة من الزراعة، إلا أن نموذجه العام لكيفية اجتماع عوامل الإنتاج - الأرض والعمل ورأس المال - لأغراض إنتاجية كان مناسبًا ولا تشوبه شائبة. ولم يؤكد فقط على أهمية زيادة المشاركة في القوى العاملة، بل أيضًا على دور المهارات في تعزيز الإنتاجية.
يُبرز سميث أيضًا الدور الذي تلعبه المؤسسات. ففي نقاش حول التجارة في المدن، يُظهر كيف تزدهر التجارة بإرساء الأمن والنظام. وفي الكتاب الثالث من ثروة الأمم، يُجري نقاشًا موسعًا حول السياسات العامة التي تؤثر على الإنتاجية الاقتصادية، مع أمثلة عديدة عن كيف تعيق بعض السياسات الإنتاجية، ويجادل سميث ضد أنواع كثيرة من التدخلات الحكومية في الاقتصاد التي تقلل المنافسة لتنتهي لصالح قلة محدودة، ولكن لها في النهاية تأثير سلبي على الكفاءة والإنتاجية. أما الكتاب الخامس من ثروة الأمم فيدور بشكل رئيسي حول دور الدولة. يدافع سميث عن الدور الأساسي للدولة في ضمان الدفاع عن البلاد، وإقامة العدل داخلها، وضمان توفير البنى التحتية (التي تُمول من الرسوم أو الضرائب المحلية أو الضرائب العامة)، والتعليم العام. كان يكتب بوضوح لزمانه، لكن الموضوع الرئيسي لهذا النقاش في الكتاب الخامس هو تحديد الوظائف التي تؤديها الدولة على أفضل وجه.
يمكن قراءة هذه الحجج حول مصادر النمو بشكل متكامل: فالاستثمارات الخاصة تُشجَّع عبر تحسين المؤسسات وتوفير البنى التحتية العامة الكافية، وفي سياق تنافسي تتيحه مشاركة المنتجين المحليين والأجانب، تُمكِّن هذه الاستثمارات من استخدام عوامل الإنتاج الأخرى نحو أكثر الأهداف كفاءة وإنتاجية. كانت أفكار سميث حول نتائج اقتصاد السوق أكثر تعددًا في أوجهها وتنوعًا مما نُسب إليه من فضل، فبينما اشتهر بتفسيره لمنافع الكفاءة الناشئة عن التخصص الذي تفرضه المنافسة في السوق، كان يرى بوضوح أيضًا كيف يمكن لهذا التخصص أن يخلق مشكلة فقدان العمل لمعناه بالنسبة للعمال. ففي الكتاب الخامس من ثروة الأمم، يكتب: «إن الرجل الذي يقضي حياته كلها في أداء بضع عمليات بسيطة، والتي ربما تكون آثارها دائمًا واحدة، أو متطابقة تقريبًا، لا يجد أي فرصة لاستعمال فهمه وإدراكه، أو، بنفس القدر تقريبًا، لاستعمال قدرته الإبداعية في إيجاد السبل والحيل لتذليل الصعوبات التي لا تطرأ أبدًا.» وهذا يشبه تمامًا القلق الذي عبر عنه ماركس بعد سنوات في فكرته عن الاغتراب. وكان اقتراح سميث للتغلب على هذه المشكلة هو الاستثمار في التعليم الذي يُعرِّف كل إنسان على التعلم ويساعدهم على التقدم.
يتضح تمامًا من ثروة الأمم أن سميث قلق على رفاهية العمال. يجادل سميث بأن النمو الاقتصادي شرط ضروري لتحسين الوضع الرفاهي للعمال. ويجادل بأنه لزيادة أجور العمال، يجب أن تزداد دخل الشركات التي يعملون فيها. إذا لم ينمُ الاقتصاد ولم تزد دخل المؤسسات، فسيكون التفاوض لزيادة الأجور صعبًا لأنه في اقتصاد لا ينمو، يكون أصحاب رأس المال في موقع أقوى، وبالتالي تكون هناك فرص أقل للعمال، ومع ذلك، وكما يكتب في الكتاب الأول من ثروة الأمم؛ حتى لو كان الازدهار الاقتصادي ضروريًا لزيادة أجور العمال، فإن العمال غالبًا ما لا يكونون في موقع يمكنهم من إدراك هذه الحقيقة واقتراح سياسات قد تحسن هذه الرفاهية التي يمكن أن تزيد الأجور. علاوة على ذلك، كان يلاحظ أنه بالنظر إلى الطريقة التي كانت تُصاغ بها السياسات في زمنه، نادرًا ما كانت تُعطى أهمية لوجهات نظر العمال. كان لدى سميث أيضًا بصيرة واضحة تمامًا حول القوة غير المتناسبة التي يمكن لأصحاب رأس المال التمتع بها في عملية صنع السياسات. فبعد أن يبين لماذا لا يريد الملاك والعمال أو لا يستطيعون في كثير من الأحيان التأثير على السياسات، يبين كيف أن أصحاب رأس المال لديهم القدرة والدافع للقيام بذلك.
ويجادل بأن مصالحهم قد لا تكون دائمًا متوافقة مع مصالح المجتمع. في نقاش يحتوي على بصيرة أساسية حول «التدمير الخلاق» الذي كتب عنه شومبيتر بعد عقود، يبين كيف أن الاقتصاد الديناميكي يشجع المزيد من الاستثمار في السلع الرأسمالية مما يعني منافسة أكبر يمكن أن تؤثر على أرباح أولئك الذين استثمروا في وقت سابق، وبالتالي فإن أصحاب رأس المال يدعمون في معظم الأوقات توسيع الأسواق مع تقليل المنافسة في الوقت نفسه. يكتب سميث: «إن اقتراح أي قانون أو لائحة تجارية جديدة صادرة عن هذه الفئة أو الطائفة، يجب دائمًا الاستماع إليه بقدر كبير من الحذر، ولا ينبغي أبدًا إقراره، إلا بعد فحوصات طويلة ودقيقة، ليس فقط بأقصى درجات الوسوسة والتدقيق، بل بأكثر النظرات والتعليقات ارتيابًا.» ويكتب سميث بعبارة مشابهة؛ كيف أن أفراد مهنة أو طائفة ما غالبًا ما يتآمرون لزيادة دخلهم على حساب تحميل التكاليف لعامة الناس. يكتب: «إن الزملاء المنتمين إلى طائفة ومهنة واحدة حين يلتقون، حتى لو كان بهدف المرح والتسلية، نادرًا ما ينتهي حديثهم إلا بمؤامرة ضد مصالح عامة الناس أو بحيلة لرفع الأسعار.»
يبدو أساساً أن سميث يجادل بأن اقتصاد السوق الذي يعمل بشكل جيد يتطلب تبنّي سياسات تصب في المصلحة العامة عبر عملية لا تحتكرها أي طبقة من الطبقات. والوصول إلى مثل هذه الظروف يستلزم مستوى معيناً من الاستقلالية والشفافية والحياد في عملية صنع السياسات، وهو ما تبنته العديد من الحكومات النزيهة في العقود الأخيرة. يكتب أمارتيا سن في مقدمته الرائعة لطبعة كلاسيكيات بنغوين من كتاب «نظرية المشاعر الأخلاقية»: «ينصب تركيز سميث على الإمكانيات القابلة للتحقق فعلاً (وليس فقط على المؤسسات والترتيبات) وعلى المقارنات بدلاً من الأمور المتعالية. يتمحور التركيز الأولي في المنهج السميثي حول أسئلة من قبيل: كيف يمكن النهوض بالعدالة؟»
بدلاً من صيغة نظرية رولز التي تتساءل: «كيف ستكون المؤسسات العادلة تماماً؟» هذا تمييز جوهري في الطرق المختلفة التي يفكر بها الأشخاص في العدالة. ولأن سميث بدأ عمله بملاحظة التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية، فقد كان بوسعه أن يرى كيف يمكن جعلها أكثر نفعاً؛ أحياناً بالتدريج وأحياناً بسرعة. إن مثل هذا المنهج الترميمي الذي يقدم مقترحات معيارية وقيمية بناءً على ملاحظة الممارسات، هو شيء يمكن لكل المهتمين بالاقتصاد السياسي أن يتعلموه من سميث.
يكتسب هذا النوع من التعلم المنهجي أهمية خاصة عندما نصل إلى أعمال سميث، لأنه كان يؤكد دائماً على فهم تاريخي محدد للاقتصاد السياسي. فعلى سبيل المثال، روايته في ثروة الأمم عن كيف أن زيادة إنفاق الأسياد الإقطاعيين على الكماليات أضعفتهم ومهدت الطريق لتطور حكم القانون الذي أسهم في ولادة الحرية الحديثة، قُدمت بشكل خاص في سياق أوروبا زمانه. والأشخاص الذين يجرون أبحاثاً لبيئة اقتصاد سياسي معينة، من الأفضل لهم أن يتعلموا من المنهج الذي اتبعه سميث في أبحاثه، بدلاً من الاعتماد على قراءات أيديولوجية لأعماله، لأن مثل هذه القراءات تقدم وصفات جذابة لكنها جوفاء وكاذبة في نهاية المطاف.
العلوم الاقتصادية
العلوم السياسية
العلوم الاقتصادية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.