اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يوضح أثر فورر لماذا يرى كثير من الناس الأوصاف الشخصية العامة والغامضة وكأنها تصفهم بدقة. يستعرض هذا المقال تجربة برترام فورر الشهيرة، ويبين كيف يمكن لعبارات تنطبق تقريبًا على جميع البشر أن تخلق إحساسًا بمعرفة عميقة وشخصية.

في عام ۱۹۴۸، برترام فورر، عالم النفس السريري في عيادة للصحة النفسية تابعة لوزارة شؤون المحاربين القدامى الأمريكية في لوس أنجلوس، أجرى تجربة في صفّه لمادة علم النفس التمهيدية، أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر النتائج رسوخًا في تاريخ علم نفس الشخصية. وتُعرف نتيجة هذه التجربة اليوم باسم «أثر فورر» (Forer Effect) أو «أثر بارنوم» (Barnum Effect)؛ وهي ظاهرة تفسر لماذا تبدو الأبراج اليومية، وعلم التنجيم، وتحليل الخط، واليوم حتى اختبارات الشخصية عبر الإنترنت، دقيقة جدًا و«مصممة خصيصًا لنا».
قبل هذه التجربة، صمّم فورر اختبارًا أطلق عليه اسم «استبيان الاهتمامات التشخيصي» (Diagnostic Interest Blank أو DIB)، وهو استبيان يتناول اهتمامات الأفراد وهواياتهم وسماتهم الشخصية وتطلعاتهم الخفية. وعندما قدم هذا الاختبار في الصف، طلب منه الطلاب أن يجريه عليهم وأن يقدم لهم نتيجة تحليل شخصياتهم. فوافق فورر.
ملأ ۳۹ طالبًا الاستبيان. وبعد أسبوع، تلقى كل واحد منهم ورقة تحمل اسمه، وتحت الاسم وصفًا للشخصية مكوّنًا من ۱۳ بندًا. لكن ما لم يكن أحد يعرفه هو: أن الأوراق الـ۳۹ جميعها كانت متطابقة كلمة بكلمة. بل إن فورر حرص، حتى لا يكتشف أحد هذا التشابه، على أن يجلس الطلاب في يوم كان لديهم فيه امتحان آخر متباعدين بمقعدين، حتى لا تتاح لهم فرصة مقارنة الأوراق.
كان نص هذا الوصف مزيجًا من عبارات قال فورر نفسه إنه أخذ معظمها من كتاب رخيص عن التنجيم؛ عبارات مثل:
لديك حاجة كبيرة إلى أن يحبك الآخرون ويعجبوا بك... وعلى الرغم من أنك تسعى إلى تحسين نفسك، فإن لديك قدرات كبيرة لم تستثمرها بعد... تبدو في الظاهر منضبطًا ومسيطرًا على ذاتك، لكنك في داخلك تميل إلى القلق والشعور بعدم الأمان... تفخر باستقلالك الفكري ولا تقبل كلام الآخرين من دون سبب كافٍ... الأمن والطمأنينة من بين أهدافك الأساسية في الحياة.
طُلب من الطلاب تقييم أمرين: الأول مدى نجاح اختبار DIB في إظهار شخصياتهم (من صفر إلى خمسة)، والثاني مدى دقة الوصف نفسه. كما طُلب منهم بعد ذلك أن يحددوا كل بند من البنود الـ۱۳ بشكل منفصل: «صحيح»، أو «خاطئ»، أو «غير محدد».
النتيجة؟ من بين ۳۹ شخصًا، أعطى شخص واحد فقط الاختبار درجة أقل من ۴؛ أما البقية فجميعهم أعطوه درجات بين ۴ و۵. أما بالنسبة إلى الوصف نفسه، فلم يعطِ درجة أقل من ۴ سوى خمسة أشخاص. وكان متوسط عدد البنود التي اعتبرها كل شخص «صحيحة عنه» هو ۱۰.۲ بندًا من أصل ۱۳ بندًا.
عندما سأل فورر الصف من يعتقد أن الاختبار قد نجح، رفع الجميع تقريبًا أيديهم. ثم قرأ البند الأول من الوصف بصوت عالٍ وسأل من وجد شيئًا مشابهًا في ورقته. ارتفعت جميع الأيدي مرة أخرى — وفي تلك اللحظة أدرك الصف أن الجميع تلقوا النص نفسه. ووفقًا لتقرير فورر نفسه، طلب ثلث الطلاب على الأقل لاحقًا نسخة من النص منه لكي يجربوا «الخدعة نفسها» على أصدقائهم.
يوضح فورر أن سر الأمر يكمن فيما يسميه «وصفًا صالحًا للجميع» — وهو مأخوذ من مفهوم أطلق عليه عالم النفس الألماني أوتو بوبرتاخ اسم «يونيفرسال كاراكترستيك». ومنطق الأمر هو أن امتلاك عينين لا يخبرنا بأي شيء عن اختلاف إنسان عن آخر، لأن الجميع لديهم عينان. وبالمثل، فإن عبارة مثل «أحيانًا تشك في نفسك» أو «أحيانًا تحتاج إلى العزلة وأحيانًا إلى الآخرين» تصدق تقريبًا على كل إنسان على الأرض — ليس لأن ذلك الشخص مميز، بل لأن هذه الصفة أصلًا لا تميز أحدًا عن غيره.
يكتب فورر، نقلًا عن غوردون ألبورت، أحد رواد علم نفس الشخصية: «إحدى الطرق التي يكتسب بها محللو الشخصية الشهرة هي استخدام مصطلحات غامضة تنطبق على كل إنسان فانٍ». والنقطة المهمة هي أن الناس غالبًا ما يرون هذه الصفات بسهولة في أنفسهم — عندما لا تكون ضد مصلحتهم — بينما يتجاهلون الصفة نفسها عند الآخرين. ولهذا، مثلًا، يجد طلاب علم النفس عند قراءة كتب الطب النفسي غالبًا أعراضًا تشبههم في أوصاف الاضطرابات.
سمّى فورر هذه العملية «التحقق الشخصي» (Personal Validation): أي عندما تُقاس صحة تحليل ما من خلال سؤال الشخص نفسه عن رأيه. والمشكلة هنا أنه إذا كان الوصف في أساسه «صالحًا للجميع»، فإن الحصول على تأييد الشخص لا يحمل أي قيمة إثباتية — لأن هذا الوصف كان سيحصل على التأييد في كل الأحوال، بغض النظر عما إذا كانت أداة القياس قد اكتشفت شيئًا بالفعل أم لا. والخطر الأكبر يظهر عندما يمتد هذا التأييد، بصورة غير واعية، إلى الأداة كلها أو إلى الشخص الذي يقدم التحليل؛ أي أن الفرد لا يصدق الوصف فقط، بل يبدأ بعد ذلك في الثقة بالاختبار وبمن أجراه بدرجة أكبر.
وينقل فورر في مقاله تجربة شخصية أيضًا: فقد طلب منه أحد محللي الخط في نادٍ ليلي أن يقرأ خطه. وبدلًا من قبول ذلك، اقترح فورر أن يجري اختبار رورشاخ على محلل الخط نفسه. ونشأ بينهما نقاش ودي ادعى خلاله محلل الخط أن الأساس العلمي لعمله يمكن رؤيته من خلال تأييد زبائنه. فأجاب فورر بأن حتى عالم نفس معصوب العينين يمكنه الوصول إلى المستوى نفسه من «التأييد» — لأن الحصول على التأييد لا علاقة له بالدقة الحقيقية.
درس فورر البيانات أيضًا بدقة. وتبين وجود ارتباط ذي دلالة إحصائية عند مستوى واحد بالمئة بين تقييم الوصف (مدى دقته) وعدد البنود التي وضع عليها الفرد علامة «صحيح» — أي كلما وجد الشخص عددًا أكبر من البنود التي تنطبق عليه، اعتبر الوصف أكثر دقة. لكن اللافت أنه لم يظهر أي ارتباط ذي دلالة بين تقييم اختبار DIB نفسه وعدد البنود الصحيحة. وبعبارة أخرى، كان قبول الاختبار ظاهرة «كلية أو لا شيء»: فعندما يتجاوز الفرد عتبة معينة من الأدلة، يقبل الأداة كلها، بغض النظر عن النسبة الدقيقة من الوصف التي تنطبق عليه.
بعد ثلاثة أسابيع، أجرى فورر تجربة صغيرة أخرى: طلب من الـ۳۲ شخصًا المتبقين أن يتذكروا الدرجة التي منحوها للاختبار والوصف. وأظهرت النتائج أن الدرجات التي تذكرها الأشخاص للوصف نفسه كانت أقل بشكل ملحوظ من درجاتهم الفعلية — فقد تذكر سبعة أشخاص ممن أعطوا الدرجة ۵ أنهم أعطوه الدرجة ۴. واعتبر فورر ذلك دليلًا على وجود آلية دفاعية في الذاكرة: فعندما تتعرض صورة الشخص عن ذاته للتهديد (في هذه الحالة، عند اكتشافه أنه قد خُدع)، تقوم الذاكرة بصورة لا واعية بتحريف الواقع قليلًا لتخفيف أثر الصدمة.
ما أثبته فورر عام ۱۹۴۸ بالورق والقلم يتكرر اليوم على نطاق ملايين الأشخاص وباستخدام أدوات رقمية. فاختبارات الشخصية عبر الإنترنت، وتطبيقات الأبراج اليومية، ومواقع التنجيم، وحتى بعض المنتجات التي تقدم نفسها بوصفها «علمية»، تستخدم التقنية نفسها: «العبارة الصالحة للجميع» — ولكن بتغليف أكثر حداثة: خوارزمية، أو ذكاء اصطناعي، أو تحليل بيانات.
على سبيل المثال، تخيل نصًا كهذا يمكن أن يكون اليوم نتيجة اختبار إلكتروني لـ«تحليل الشخصية»:
تميل إلى انتقاد نفسك، وأحيانًا تراودك شكوك جدية حول ما إذا كنت قد اتخذت القرار أو الاختيار الصحيح... تبدو في الظاهر شخصًا منضبطًا وقادرًا على التحكم بذاته، لكنك قد تشعر في داخلك بالقلق وعدم الأمان... تحتاج إلى أن يحبك الآخرون ويعجبوا بك ويقبلوك... أحيانًا تكون اجتماعيًا ومنفتحًا، وفي أوقات أخرى تحتاج إلى العزلة والخصوصية... تحب التغيير والتنوع، وقد تسبب لك القيود الكثيرة عدم الرضا.
إذا قارنت هذه العبارات بالنص الأصلي لفورر، فلن تجد فرقًا كبيرًا — سوى أن النبرة أصبحت أكثر حداثة والصياغة أكثر سلاسة. وهذه النصوص عادة تشترك في ثلاث خصائص، وكل واحدة منها هي بالضبط ما شرحه فورر:
۱. الازدواجية الداخلية في كل جملة. عبارات مثل «أحيانًا أنت منفتح اجتماعيًا وأحيانًا تميل إلى الانطواء» أو «أنت منضبط، لكنك أحيانًا تشعر بعدم الأمان»، تغطي طرفي الطيف في الوقت نفسه. وكل من يقرأها يمكن أن يتذكر لحظة عاش فيها تلك الحالة — لأن جميع البشر يختبرون طرفي الطيف في مواقف مختلفة.
۲. التوازن بين الإيجابي والسلبي. غالبًا ما تضع الأوصاف نقطة ضعف إلى جانب نقطة قوة («رغم بعض نقاط الضعف، يمكنك عمومًا تعويضها»). وقد أظهرت الدراسات اللاحقة لفورر أن الناس يصدقون الأوصاف التي تحمل طابعًا مديحيًا أو إيجابيًا نسبيًا أكثر من الأوصاف المحايدة أو السلبية — ولهذا تعرض هذه النصوص الأخطاء ونقاط الضعف عادة باعتبارها «فرصًا للنمو» لا عيوبًا حقيقية.
۳. سياق يوحي بالمصداقية. عندما يقدم النص «خوارزمية ذكية»، أو اختبارًا يبدو علميًا، أو منجمًا ذا خبرة، يكون عقلنا مستعدًا لقبوله قبل قراءة كلمة واحدة. وقد أشار فورر إلى النقطة نفسها بشأن محلل الخط في النادي الليلي: فالموقع الاجتماعي «الشبيه بالمصداقية» يسهل الاعتقاد، بصرف النظر عن الدقة الفعلية للادعاء.
يعمل التنجيم بالطريقة نفسها تمامًا، مع اختلاف واحد: ففيه حتى المدخل الذي يفترض أنه شخصي ليس سوى تاريخ الميلاد أو البرج الفلكي — وهو أمر لا يحمل في ذاته أي معلومات نفسية حقيقية عن الفرد. وتُكتب نصوص الأبراج اليومية لـ«برج الأسد» و«برج الجوزاء» عادة بعمومية شديدة تجعلها قابلة للانطباق على أي شخص، بصرف النظر عن برجه: «اليوم قد تظهر أمامك فرص جديدة، لكن عليك أيضًا الانتباه إلى علاقاتك القريبة». لا يكاد يوجد يوم لا تصدق فيه مثل هذه العبارة على أي إنسان.
والنقطة المهمة التي يؤكد عليها فورر في خاتمة مقاله هي: أن التقييم العام للوصف يكون أكثر عرضة للخطأ من تقييم كل جملة على حدة. أي عندما تسأل شخصًا: «إلى أي مدى هذا الوصف دقيق بشكل عام؟»، فغالبًا ستكون إجابته أكثر إيجابية مما لو قام بفحص كل جملة على حدة وبعناية. ولهذا فإن القراءة السريعة والعامة لنتيجة فال أو اختبار شخصية تخلق إحساسًا أكبر بالتطابق من مقارنة كل جملة على حدة مع واقع حياة الشخص.
يستخلص فورر في نهاية مقاله ست نتائج لا تزال تمثل دليلًا مفيدًا حتى اليوم:
أولًا، يمكن إعادة إنتاج ادعاء المصداقية لأي أداة أو شخص شبه علمي — من قارئ الطالع إلى تطبيقات اختبارات الشخصية — أو حتى التفوق عليه، من دون أي أداة قياس حقيقية، بل بمجرد استخدام نص واحد مكتوب مسبقًا. ثانيًا، فإن التحقق عبر تأييد الشخص لنفسه طريقة ناقصة بطبيعتها، لأنها تفترض أن تقييمنا الذاتي موضوعي ومحايد — بينما هو ليس كذلك غالبًا. ثالثًا، يمكن حتى لوصف مختلق أن يقنع الناس بقبول أداة ما، حتى لو لم يقبلوا الوصف نفسه بالكامل؛ إذ يكفي وجود قدر ضئيل من التطابق.
النصيحة العملية هي: كلما قرأت نصًا عن «شخصيتك الحقيقية» وشعرت بأنك تقول: «هذا أنا تمامًا!»، جرّب تمرينًا بسيطًا: اقرأ كل جملة على حدة واسأل نفسك: «هل كان يمكنني أن أقول هذا عن ثلاثة أشخاص آخرين أعرفهم بالدرجة نفسها من الصدق؟» إذا كانت الإجابة نعم — وهذا هو الحال في معظم هذه النصوص — فما قرأته ليس مرآة؛ بل لوحة ضبابية يرى كل شخص فيها وجهه الخاص.
علم النفس
علم النفس
علم النفس
علم النفس
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.