لماذا، رغم كثرة الأخطاء، ما زلنا نستمع إلى كبار المتنبئين بالمستقبل العالمي؟ يستند هذا المقال إلى أبحاث فيليب تتلوك وكتابه «الحكم السياسي للخبراء» ليوضح كيف يمكن للسرديات الغامضة والثقة بالنفس والقصص الكبرى أن تجذب عقولنا.

لماذا عندما يتحدث شخص ما عن مستقبل العالم، أو سقوط الحضارات، أو ظهور قوى جديدة، أو نهاية حقبة تاريخية، فإننا غالبًا ما ننجذب إليه، حتى لو كانت كلماته غامضة إلى درجة يستحيل معها اختبارها؟
لقد سمعنا عبارات من هذا النوع مرارًا:
«سيدخل العالم مرحلة حاسمة.»
«النظام القديم ينهار.»
«ستكشف القوى الخفية عن نفسها قريبًا.»
تثير هذه العبارات فينا شيئًا يشبه الحماس الناتج عن سماع نبوءة مصيرية. لكن إذا توقفنا لحظة وسألنا أنفسنا: «ما الذي تقوله هذه العبارة تحديدًا ويمكن اختباره؟»، فسندرك أنها لا تقول شيئًا تقريبًا. متى تبدأ «المرحلة الحاسمة»؟ أي نظام قديم تحديدًا هو المقصود، وما الحدث الذي يعني «الانهيار»، وفي أي إطار زمني؟ ومن هم «القوى الخفية»؟
المشكلة الأساسية في هذا النوع من العبارات أنها تكاد تكون غير قابلة للدحض. فأي حدث يقع لاحقًا ــ حرب، أو أزمة اقتصادية، أو تغيير حكومي، أو حتى جائحة ــ يمكن تفسيره بوصفه «تحققًا» لهذه النبوءة. وهذه الخاصية بالذات هي التي تجعل هذه العبارات تبدو دائمًا «صحيحة» من دون أن تخضع يومًا لاختبار حقيقي.
لكن هذه الظاهرة ليست مجرد مزحة ثقافية أو ضعفًا بسيطًا في الذهن. فقد تكرر هذا النمط مرارًا، من التنجيم في العصور الوسطى إلى التحليلات الجيوسياسية المعاصرة في شبكات التلفزيون، وهناك أبحاث علمية كشفت هذه الظاهرة بدقة لافتة.
يعتمد هذا المقال على أبحاث فيليب تتلوك (Philip E. Tetlock)، عالم النفس السياسي في جامعة بنسلفانيا، وعلى كتابه الشهير الحكم السياسي للخبراء: ما مدى جودته؟ وكيف يمكننا معرفته؟ (Expert Political Judgment: How Good Is It? How Can We Know?، المنشور عام ۲۰۰۵).

قام تتلوك بما لم يجرؤ أحد تقريبًا قبله على القيام به: فعلى مدى ما يقارب عقدين من الزمن، من منتصف الثمانينيات حتى أوائل الألفية الثانية، دعا مئات الخبراء السياسيين والاقتصاديين والدوليين ــ من محللين وأساتذة جامعات وصحفيين ومستشارين حكوميين ــ إلى تقديم تنبؤات محددة وقابلة للقياس حول المستقبل: هل ستتجه دولة ما نحو الديمقراطية أم لا؟ هل سينمو اقتصاد معين أم ينهار؟ هل سيبقى زعيم سياسي معين في السلطة؟ ثم قارن تتلوك، بعد سنوات، هذه التنبؤات بما حدث بالفعل.
قدمت النتائج إجابة علمية صارمة عن مسألة كانت قبل ذلك مجرد تخمينات: هل تؤدي الشهرة والخبرة والثقة بالنفس والوصول إلى المعلومات السرية فعلًا إلى تنبؤات أكثر دقة؟ كان جواب تتلوك العام، الذي أصبح سريعًا أحد أشهر نتائج علم نفس الحكم واتخاذ القرار، مفاجئًا ومقلقًا إلى حد ما: في المتوسط، لم تختلف تنبؤات الخبراء السياسيين كثيرًا عن التخمين العشوائي. لكن النقطة الأهم كانت أن الخبراء لم يكونوا جميعًا سيئين بالقدر نفسه. فقد اكتشف تتلوك أن نمطًا معينًا من التفكير كان يؤدي باستمرار أداءً أفضل من نمط آخر، ولتوصيف هذين النمطين عاد إلى مقال فلسفي كلاسيكي.
استعار تتلوك هذا التمييز من المقال الشهير لإيزايا برلين، الفيلسوف السياسي البريطاني، بعنوان «القنفذ والثعلب»، وهو مقال استلهم بدوره جملة قصيرة للشاعر اليوناني القديم أرخيلوخوس: «الثعلب يعرف أشياء كثيرة، أما القنفذ فيعرف شيئًا واحدًا كبيرًا.»
القنافذ (Hedgehogs) هم الذين يمتلكون فكرة كبرى ومنسجمة عن العالم، ويفسرون تقريبًا كل حدث من خلال تلك الفكرة الواحدة. بالنسبة إلى القنفذ، العالم ليس معقدًا؛ بل هو انعكاس لقوة أساسية واحدة، قد تكون الاقتصاد أو الأيديولوجيا أو القوة الجيوسياسية أو أي «مفتاح ذهبي» آخر. يتحدث القنفذ عادة بثقة وحسم كبيرين، لأنه يرى أن نظرية واحدة قادرة على تفسير كل شيء. وقد تكون العبارة النموذجية لهذا النمط: «كل تحولات العالم هي في النهاية نتيجة لقوة خفية واحدة»، سواء سميت تلك القوة «الرأسمالية العالمية» أو «صدام الحضارات» أو أي عامل كلي آخر.
الثعالب (Foxes) تقف في الطرف المقابل. فهي تستخدم مصادر متعددة ومتعارضة أحيانًا، وتجمع بين وجهات نظر مختلفة بدل إطار واحد، وتقيس الاحتمالات بدل اليقينيات، والأهم أنها تصحح آراءها عندما لا تنسجم الأدلة الجديدة مع توقعاتها. تتحدث الثعالب عادة بحذر وبشروط: «على الأرجح»، «في الظروف الحالية»، «لكن إذا حدث كذا فقد يكون...». وهذا النوع من الكلام يبدو أقل جاذبية وأقل «حسمًا» للوهلة الأولى.

كان الاكتشاف المركزي لتتلوك هو أن الثعالب، بصورة مستمرة، أدت أداءً أفضل من القنافذ في التنبؤات السياسية والاقتصادية. فقد كانت أكثر دقة في رصد التغيرات المستقبلية، وأقل عرضة لخطأ الثقة الزائدة، وأكثر قدرة على الاعتراف بأخطائها. لكن تتلوك لم يدّعِ أبدًا أن الثعالب «تتنبأ دائمًا بشكل صحيح». بل على العكس، من الرسائل الأساسية للكتاب أن حتى أفضل المتنبئين يواجهون حدودًا جدية أمام التعقيد المتأصل في العالم السياسي؛ فالمستقبل، خصوصًا على المدى الطويل وعلى نطاق واسع، ليس شيئًا يمكن التنبؤ به بيقين، مهما كان المتنبئ ذكيًا أو مطلعًا.
إذا كنت تعرف مسبقًا مفهوم «تأثير فورر» ــ الظاهرة التي توضح كيف يقبل الناس أوصافًا عامة وغامضة للشخصية باعتبارها أوصافًا دقيقة وخاصة بهم ــ فيمكنك أن تدرك أن الآلية النفسية نفسها لا تعمل فقط في مجال الشخصية؛ بل تعمل أيضًا في مجال المستقبل.
يمكن لتنبؤ سياسي غامض، مثل «تنتظرنا فترة من الفوضى وإعادة البناء»، أن يبدو ذا معنى و«دقيقًا» تقريبًا لأي مجتمع وفي أي فترة، للسبب نفسه الذي يجعل عبارة «تحتاج أحيانًا إلى الوحدة وأحيانًا إلى الصحبة» تبدو صحيحة بالنسبة إلى معظم الناس. فالعقل البشري يبحث بطبيعته عن الأنماط والمعاني؛ وحتى عندما لا يوجد نمط حقيقي، فإنه يصنع واحدًا. وهناك ثلاث آليات نفسية تلعب دورًا خاصًا في هذه العملية:
الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) يجعلنا، بعد سماع تنبؤ ما، نبحث لا شعوريًا عن الأدلة التي تؤكده، ونتجاهل الأدلة المناقضة أو نقلل من أهميتها. فإذا قال شخص «النظام القديم ينهار» ثم وقعت أزمة سياسية في مكان ما من العالم، يسجل عقلنا ذلك فورًا بوصفه «تأكيدًا» للتنبؤ، من دون أن ينتبه إلى كل الأمثلة المناقضة التي حدثت في الفترة نفسها.
انحياز السرد (Narrative Bias) يشير إلى ميل الدماغ البشري إلى رؤية الأحداث المتفرقة وغير المرتبطة ضمن قصة منسجمة وذات معنى، حتى عندما لا توجد علاقة حقيقية بينها. فالتنبؤ الكبير يمنحنا الهيكل الأولي لهذه القصة، ثم ينسج عقلنا بقية الحكاية حولها.
وربما الأهم من ذلك هو إعادة التفسير بعد وقوع الحدث (Retrofitting)، أي قدرة العقل البشري المدهشة على العودة بعد وقوع حدث ما وإعادة قراءة تنبؤ قديم كما لو أنه توقع بالضبط ما حدث. وهذا ما نراه مرارًا في تحليل أعمال نوستراداموس، المنجم الفرنسي في القرن السادس عشر: فقد قيل إن كل حدث تاريخي كبير، من الثورة الفرنسية إلى الحرب العالمية الثانية، قد «تنبأ» به في إحدى رباعياته الغامضة، لكن بعد وقوع الحدث فقط، حين يقوم المفسرون بمواءمة اللغة المرنة للنص مع الحدث المقصود.
إذا كانت نتيجة تتلوك صحيحة، وأن الثعالب عادة أكثر دقة في التنبؤ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه فورًا هو: لماذا تحظى القنافذ، لا الثعالب، بأكبر قدر من الاهتمام في وسائل الإعلام وبرامج التحليل السياسي والنقاشات التلفزيونية؟
يشير تتلوك نفسه إلى هذا التناقض في كتابه، ويرى أن جوابه يكمن في طبيعة الإعلام وعلم نفس الجمهور. فالمحللون الذين يتحدثون بثقة كاملة أكثر قابلية للاستماع والتذكر. الجمهور يبحث عن اليقين لا الاحتمال؛ وعن قصة بسيطة لا عشرة متغيرات متشابكة؛ وعن عدو واضح وبطل واضح لا شبكة معقدة من العوامل التي لا يحدد أي منها النتيجة وحده. فالقنفذ الذي يقول بصوت واثق: «سيحدث هذا بالتأكيد، وأنا أعرف السبب»، أكثر جاذبية في مقطع قصير من ثعلب يقول: «احتمال وقوع هذا السيناريو نحو ۴۰ في المئة، لكن هناك ثلاثة سيناريوهات منافسة أخرى يجب أخذها في الاعتبار».
المستقبل الذي يرسمه القنفذ يشبه مسرحية لها بداية وذروة ونهاية واضحة. أما المستقبل الذي يرسمه الثعلب فيشبه خريطة جوية لمدينة مزدحمة: طرق محتملة لا حصر لها، ولا طريق منها مؤكد. العقل البشري ينجذب طبيعيًا إلى القصص، لا إلى الخرائط. وهذا التفضيل المعرفي هو السبب الأساسي في أن الأصوات الحاسمة والمبسطة تُسمع دائمًا بقوة أكبر في المجال العام، بغض النظر عن دقتها الفعلية.
لكن هذا لا يعني أن كل محلل حاسم مخطئ بالضرورة، أو أن كل محلل حذر مصيب بالضرورة. لم يدّعِ تتلوك ذلك أبدًا. فالمسألة تتعلق بأسلوب التفكير لا بمجرد أسلوب الكلام: القنفذ الذي يعتمد فعلًا على نمط صحيح ومختبر مرارًا يمكن أن يكون دقيقًا ضمن مجال تخصصه المحدود. تبدأ المشكلة عندما يُفرض الإطار نفسه على كل موقف، من سقوط حكومة إلى تقلبات سوق الأسهم، من دون الانتباه إلى الظروف المتغيرة.
ربما كان أكثر ما يمنحنا إياه كتاب تتلوك فائدة هو معيار التمييز بين النبوءة والتنبؤ العلمي، وهو تمييز يضيع غالبًا وسط الضجيج الإعلامي.
النبوءة عادة استعاريّة: «عاصفة قادمة»، «النظام القديم ينهار». وهي غامضة: بلا إطار زمني محدد وبلا معيار قابل للقياس. وهي غير قابلة للاختبار: فلا يوجد حدث ممكن يمكنه دحضها بشكل قاطع، لأن لغتها مرنة بما يكفي لتناسب أي نتيجة. وفي النهاية، يمكن تفسيرها بعد وقوع الحدث؛ إذ يستطيع المفسرون إعادة قراءتها بوصفها «تحققًا» للنبوءة.
أما التنبؤ العلمي، كما طلب تتلوك من الخبراء في أبحاثه، فلديه إطار زمني محدد: «خلال السنوات الخمس القادمة». وهو قائم على الاحتمالات: ليس «سيحدث بالتأكيد»، بل «هناك احتمال بنسبة ستين في المئة لحدوثه». وهو قابل للدحض: يحدد مسبقًا ما الأدلة التي ستشير إلى خطأ التنبؤ. كما أنه يتضمن قبول الخطأ: فالمتنبئ العلمي يقيّم أداءه بصدق بعد انتهاء الفترة الزمنية ويتعلم منه، بدل أن يخفي خطأه بإعادة تفسير الكلمات.
وهذا هو بالضبط ما اختبره تتلوك لاحقًا عمليًا في مشروع أكبر حمل اسم مشروع الحكم الجيد (Good Judgment Project)، حيث قدم آلاف المتطوعين تنبؤات احتمالية دقيقة وقابلة للقياس حول الأحداث الجيوسياسية، وأظهرت النتائج أن أصحاب الأسلوب الفكري الشبيه بالثعلب أدوا أداءً أفضل بكثير من بعض محللي أجهزة الاستخبارات المحترفين.
يجب توضيح أن رسالة تتلوك، ورسالة هذا المقال، ليست أبدًا أن «التحليل السياسي عديم الفائدة» أو أن «لا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل». فهذا الفهم نفسه نوع من التبسيط الشبيه بالقنفذ، وهو بالضبط ما يسعى هذا المقال إلى نقده.
الرسالة الحقيقية أكثر دقة: يمكن تمييز المحلل الحقيقي من المتنبئ. فالمحلل الحقيقي يقبل حدود معرفته، ويقدم الاحتمالات بدل اليقينيات، ويراجع آراءه عندما تظهر أدلة جديدة، والأهم أنه مستعد لاحقًا للاعتراف بصدق عندما يتبين خطأ تنبؤه. أما المتنبئ، فعلى العكس، يبقى دائمًا في موقع المنتصر: إذا وقع الحدث قال «لقد أخبرتكم»؛ وإذا لم يقع قال إن التوقيت تغير، أو إن قوى خفية منعته، أو إن مقصوده كان شيئًا آخر.
يمثل هذا التمييز أداة ثمينة في عالم نواجه فيه كل يوم موجات من التحليلات الواثقة حول «مستقبل العالم». والسؤال الذي يمكننا أن نطرحه على أنفسنا في كل مرة هو: هل هذا التنبؤ محدد بما يكفي لكي يمكن أن يثبت خطؤه؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فنحن على الأرجح أمام نبوءة استعاريّة ستظل تبدو «صحيحة» مهما حدث.
المستقبل في جوهره غامض ومخيف؛ فهو مليء بالصدفة والتعقيد والأحداث التي لا يستطيع أحد، حتى أذكى المحللين، التنبؤ بها بالكامل. إن العيش في مثل هذا الغموض مرهق للعقل البشري. فلا يمكننا أن نبقى هادئين أمام مستقبل مجهول من دون نوع من السرد، ومن دون نوع من المعنى.
هنا بالذات يظهر سر استمرار جاذبية القنافذ الكبار في التاريخ ــ من المنجمين القدماء إلى المحللين الجيوسياسيين المعاصرين. فهم لا يبيعون لنا مجرد تنبؤ؛ بل يبيعوننا قصة، قصة تتحول فيها الفوضى الظاهرة للأحداث إلى سرد منسجم وقابل للفهم. وهذه القصة، حتى لو كانت خاطئة، تمنحنا إحساسًا بالسيطرة؛ إحساسًا بأن المستقبل، مهما كان مظلمًا، يمكن على الأقل تفسيره وفهمه.
الحقيقة النهائية هي أن الإنسان لا يبحث فقط عن معرفة المستقبل؛ بل يبحث عن قصة تجعل قلق المستقبل قابلًا للتحمل. فالنبوءات الكبرى تكشف حاجتنا العميقة إلى المعنى أكثر مما تكشف المستقبل نفسه؛ وهي حاجة نملؤها، في غياب اليقين الحقيقي، بيقين مستعار، بل حتى بيقين مصطنع. والدرس الأكبر من كتاب تتلوك هو أننا لا ينبغي أن نرفض الاستماع إلى من يتحدث بثقة عن المستقبل، بل أن نتعلم ألا نخلط الثقة، في ذاتها، بالدقة.
علم النفس
علم النفس
علم النفس
علم النفس
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.