اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لماذا نشعر أحياناً بعد ساعات من العمل بأننا لم نُحرز أي تقدم؟ يكشف بحث صوفي لوروا عن «بقايا الانتباه» أن جزءاً من أذهاننا يظل عالقاً في المهمة السابقة حين ننتقل بين الأعمال، مما يُضعف تركيزنا وأداءنا. يستند هذا المقال إلى بحث لوروا لاستكشاف التكلفة الخفية لتشتت الانتباه وصعوبة الحضور الكامل في المهمة التي بين أيدينا.

بقايا الانتباه والتكلفة الخفية للتنقل بين الأعمال
تحرير صدانت | مقالة مستندة إلى بحث صوفي لوروا
تجلس خلف مكتبك، منهمكًا في كتابة تقرير يجب تسليمه اليوم. لم تكتب سوى بضعة أسطر حتى تتحرك يدك، تلقائيًا، نحو الهاتف. دقيقتان، ربما ثلاث، تتصفح فيها إحدى شبكات التواصل الاجتماعي؛ ولا ترى شيئًا ذا بال. تضع الهاتف جانبًا وتعود إلى التقرير. لكن شيئًا ما قد ضاع. الجملة التي كنت تنوي كتابتها لم تعد بتلك الدرجة من الوضوح. الذهن، رغم أن الجسد جالس خلف المكتب، يبدو وكأنه لا يزال هائمًا في مكان ما بين تلك الرسائل والصور.
هذه التجربة مألوفة لدرجة أننا غالبًا ما نعزوها إلى الضجر، أو ضعف الإرادة، أو الإدمان على الهاتف. والحل الذي يُقترح عادة بسيط: ضع الهاتف جانبًا، قوِّ إرادتك، كن مركّزًا. لكن ماذا لو كانت المسألة أعمق من الإرادة؟ ماذا لو كان ما يحدث في هذه اللحظات آلية معرفية لا علاقة لها بقوة إرادتنا؟
عالمة النفس التنظيمي صوفي لوروا، في بحث نُشر عام 2009، قدمت مفهومًا لتفسير هذه الظاهرة صار يزداد أهمية هذه الأيام: «بقايا الانتباه» (Attention Residue). يقول هذا المفهوم إننا عندما ننتقل من مهمة إلى أخرى، يبقى جزء من ذهننا عالقًا في المهمة السابقة؛ ليس لأننا مشتتون، بل لأن العقل البشري يحتاج، كي يترك مهمة، إلى ما هو أكثر من مجرد قرار بتركها. في تتمة هذا المقال، وبناءً على بحث لوروا، سنتناول لماذا صار التنقل بين المهام بهذه الصعوبة علينا، وما الذي يمكن أن يخفف من هذه الصعوبة.
صوفي لوروا، أستاذة السلوك التنظيمي في جامعة مينيسوتا، نشرت بحثها المعنون «لماذا صار إنجاز عملي بهذه الصعوبة؟ تحدي بقايا الانتباه عند التنقل بين المهام» عام 2009 في دورية Organizational Behavior and Human Decision Processes المرموقة. السؤال الذي وضعته في مركز هذا البحث يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكن الإجابة عليه تنطوي على عواقب وخيمة: عندما ننتقل من مهمة إلى أخرى، هل ينتقل انتباهنا كليًا أيضًا، أم يبقى جزء منه في المهمة السابقة؟
قبل لوروا، كانت هناك أبحاث كثيرة حول تعدد المهام وآثاره المدمرة على الأداء. لكن قلة هم الذين تساءلوا عما يفعله ذهننا بالمهمة السابقة عندما نتابع مهمة واحدة فقط ظاهريًا ونعبر من مهمة إلى أخرى -- ليس في آنٍ واحد، بل بالتتابع. للإجابة على هذا السؤال، صممت لوروا تجربتين مختبريتين سنتناولهما لاحقًا.
جوهر هذا البحث هو تمييز بسيط لكنه دقيق: التمييز بين «الحضور الجسدي» و«الحضور الذهني». قد يكون جسدنا جالسًا خلف مكتب المهمة الجديدة، وأيدينا على لوحة المفاتيح، وربما نكون قد كتبنا جملة -- وفي الوقت نفسه، يظل جزء من طاقتنا الذهنية منهمكًا في المهمة التي غادرناها للتو.
تسمي لوروا هذه الظاهرة «بقايا الانتباه»: أفكار تتعلق بالمهمة السابقة تبقى في الذهن بعد تركها وتظل نشطة، حتى حين لا يذكرها أي منبه خارجي. لا تُستشعر هذه الأفكار دائمًا على شكل قلق جلي أو توتر؛ أحيانًا تتجلى فقط في صورة تباطؤ في السرعة، أو تراجع في الدقة، أو نوع من الضباب الذهني الخفيف.
هذه التجربة مألوفة لدى معظم الناس، حتى لو لم يسموها باسم: رسالة لا تزال بلا رد وترن في خلفية الذهن؛ مشروع غير مكتمل تركناه لكنه لم يتركنا؛ قرار لم يُتخذ بالكامل بعد ويعود إلينا مراراً؛ حوار لم ينتهِ يستمر في الذهن، حتى بعد أن غاب الطرف الآخر. في كل هذه الحالات، يحتفظ العمل السابق، دون إذن منا، بجزء من حصة الانتباه التي ينبغي أن تُكرس للعمل التالي.
من النتائج الأساسية لهذا البحث أن الأهداف غير المكتملة، خلافاً للتصور الشائع، لا تُمحى ببساطة من قائمة مهام الذهن. يُظهر لوروا، بالاعتماد على تقليد أقدم في علم النفس – تعود جذوره إلى أبحاث كورت لوين حول الدافع – أننا حين نبدأ عملاً، يتشكل لدينا نوع من «دافع الإنجاز» يبقى نشطاً حتى إتمام العمل. هذا الدافع، على عكس ما قد نتوقع، لا ينطفئ ببدء العمل التالي. بل على العكس، تماماً كما يميل الهدف غير المُشبع إلى جذب الانتباه نحوه، يبقى العمل غير المكتمل بالطريقة نفسها، حتى في غياب أي إشارة خارجية، نشطاً في خلفية الذهن.
لكن النقطة الأهم تكمن في تتمة هذه النتيجة: إن إتمام العمل، وحده، ليس ضماناً لانتهاء هذا الانشغال الذهني. هنا يرسم لوروا حداً فاصلاً بين مفهومين كثيراً ما يُخلط بينهما: «إتمام العمل» و«الإغلاق المعرفي». إتمام العمل يعني أننا أنهينا العمل؛ أما الإغلاق المعرفي فيعني أن ذهننا قد قبل أيضاً بأن هذا العمل قد انتهى ولم يعد ثمة حاجة لمعالجته. قد نكون قد حللنا مسألة وكتبنا إجابتها، لكننا لا نزال نفكر في أذهاننا إن كان ثمة حل أفضل. في هذه الحالة، العمل منتهٍ، لكن الذهن لم ينغلق بعد.
لاختبار هذه الأفكار، صمم لوروا تجربتين عمل فيهما المشاركون أولاً على مهمة (المهمة أ) ثم انتقلوا إلى مهمة أخرى (المهمة ب). تلاعب بمتغيرين أثناء المهمة أ: هل أتيحت للمشاركين فرصة إنهاء المهمة أم لا، وهل عملوا تحت ضغط زمني أم بهدوء.
جاءت نتيجة كلتا التجربتين متسقة: أولئك الذين تركوا المهمة أ غير مكتملة، بقي في أذهانهم أثر أوضح لتلك المهمة، وكان أداؤهم في المهمة ب أضعف. لكن النقطة الأهم كانت أن مجرد إنهاء المهمة أ لم يكن كافياً؛ فأولئك الذين أنهوها دون أي ضغط زمني، أي ببال مطمئن، أظهروا مع ذلك بقايا انتباه ملحوظة. ما أحدث فارقاً حقيقياً هو اجتماع إتمام المهمة مع الضغط الزمني. يُظهر لوروا في هذا البحث أن الضغط الزمني يدفع الأفراد إلى فحص خيارات أقل، وهذا التحديد للخيارات، بعد انتهاء العمل، يجلب معه ثقة أكبر بالنفس – تلك الثقة التي تسمح للذهن بتجاوز العمل فعلاً، لا مجرد إنهائه.
يمكن تلخيص النتيجة الرئيسية لهذا البحث على النحو التالي: الانتقال السريع بين الأعمال لا يعني دوماً انتقالاً كاملاً للانتباه؛ والعمل غير المكتمل، كما هو متوقع، يقترن ببقايا انتباه أكبر.
ثمة إغراء كبير هنا لاختزال بقايا الانتباه إلى قصة مألوفة عن الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي. لكن التدقيق في بحث لوروا يُظهر أن الأمر أبعد من ذلك. لم تكن لتجاربه أية صلة بالهاتف أو الإنترنت؛ كان المشاركون ينتقلون ببساطة من مهمة ورقية إلى مهمة أخرى. بقايا الانتباه ظاهرة ترتبط بأي نوع من الانقطاع بين عملين، لا بمجرد التقنيات المشتتة للانتباه.
هذه النقطة مهمة لأنها تقدم صورة أكثر واقعية عن الحياة العملية المعاصرة. فالحياة اليوم، حتى بغض النظر عن الهاتف، مليئة بالتنقلات المتتابعة: اجتماع يعقبه اجتماع آخر، بريد إلكتروني يجب الرد عليه في منتصف كتابة تقرير، قرار بشأن مشروع لم يُحسم بعد ويجب التفكير في مشروع آخر في الوقت نفسه. الذهن في مثل هذه الظروف، في حالة تنقل مستمر -- حتى لو كان ظاهرياً لا يقوم إلا بعمل واحد في كل لحظة. المشكلة، أكثر من كونها «تشتتاً خارجياً»، هي شكل من أشكال التمزق الداخلي للانتباه تفرضه بنية العمل نفسه والحياة اليومية.
النقطة التي توضحها نتائج هذه المقالة ضمناً، هي مراجعة للمعنى الشائع لـ«تعدد المهام» (Multitasking). ما يُسمى غالباً بتعدد المهام، نادراً ما يكون، في واقع الذهن البشري، إنجازاً متزامناً لعدة أعمال. فعقلنا، على عكس الحاسوب، لا يستطيع أن يدفع بعمليتين معرفيتين معقدتين قدماً في اللحظة نفسها حقاً. ما يحدث هو تنقل سريع للانتباه بين المهام -- الذهاب إلى مهمة، والعودة إلى أخرى، ثم الذهاب إلى المهمة الأولى مجدداً.
وهنا يكتسب بقايا الانتباه معناه: فكل تنقل له تكلفة معرفية، حتى لو لم نشعر بهذه التكلفة. إن الإحساس بالسرعة والكفاءة الذي ينتابنا أحياناً من التنقل السريع بين المهام، خادع؛ لأن ما يحدث في الواقع ليس إنجازاً متزامناً لعدة أعمال، بل دفع متكرر لتكلفة خفية عن كل مرة نترك فيها مهمة ونعود إليها.
ما يمكن تعلمه من بحث لوروا، ليس توصية تحفيزية سطحية من قبيل «ركز!»؛ بل هو دعوة إلى إعادة التفكير في كيفية تنقلنا بين المهام.
أولاً، قدر الإمكان، ألا نترك المهام غير مكتملة -- ليس بمعنى أن كل شيء يجب أن يمضي قدماً دفعة واحدة وبلا توقف، بل بمعنى أننا حين نريد أن نضع عملاً جانباً مؤقتاً، من الأفضل أن نفعل ذلك في نقطة تحمل معها شعوراً بالإنجاز إلى حد ما، لا في منتصف جملة أو فكرة غير مكتملة.
ثانياً، قبل تغيير المهمة، أن نحدد لأنفسنا نقطة توقف واضحة. يمكن لنقطة التوقف هذه أن تؤدي الوظيفة نفسها التي كان يؤديها الضغط الزمني في تجارب لوروا: إنها تتيح لنا الانفصال عن العمل بنوع من الحسم، مهما كان صغيراً -- لا مع ذلك الإحساس المعلق بأن «لا يزال هناك الكثير ولا أعرف أين أتركه».
ثالثاً، أن نمنح الذهن فرصة لما يسميه لوروا «الإغلاق المعرفي». يمكن أن يكون هذا ببساطة تدوين أين تركنا العمل، أو تحديد خطوة تالية واضحة لوقت عودتنا إليه. مثل هذا الفعل، يسمح للذهن ألا ينسى العمل، بل أن يضعه جانباً مؤقتاً -- دون أن يبقى نشطاً في الخلفية.
رابعاً، أن نبني خلال اليوم فترات للتركيز المتواصل؛ فترات لا نسمح فيها، ولو لوقت قصير، لمهام أخرى بدخول مجال الانتباه.
لكن ربما يكون التأمل الأخير هو أن مشكلتنا، كما نتصور غالباً، ليست مجرد نقص في الوقت. فالكثيرون منا لديهم الوقت الكافي لإنجاز أعمالهم، لكن انتباههم مشتت بين المهام غير المكتملة لدرجة أن أياً من ذلك الوقت لا يكون في متناول العمل القائم بين أيدينا حقاً. فلكي نكون حاضرين فعلاً في مهمة ما، يحتاج الذهن إلى أكثر من مجرد قرار؛ إنه يحتاج إلى أن ينفصل فعلاً عن المهمة السابقة. ولعل هذا الانفصال بالذات، هو ما نفكر فيه أقل من أي شيء آخر، وسط كل الخطط وقوائم المهام -- وهو أكثر ما نحتاج إليه.
ربما لا تكون المسألة مجرد إدارة للوقت؛ بل هي علاقتنا بالانتباه. الانتباه، هو أحد أشكال حضور الإنسان في العالم. فالإنسان الذي يتنقل باستمرار بين الأمور، لا يشتت أعماله فحسب، بل يصعّب أيضاً تجربة العيش في الآن.
المصدر
Sophie Leroy, "Why is it so hard to do my work? The challenge of attention residue when switching between work tasks", Organizational Behavior and Human Decision Processes, 109(2), 2009, pp. 168–181.
الفلسفة
علم الاجتماع
الفلسفة
علم النفس
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.