اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سؤالٌ عن كفّارة الإفطار العمدي بالماء أو التراب في امتحان القبول بالجامعة يُعيد إلى ذهن الكاتب انتقادات النراقي للمباحثات الفقهية غير المعقولة؛ مقالةٌ عن الحدّ الفاصل بين المعارف الإسلامية وتنفير الجيل الشاب من الدين والعلم.

«ما الفرق بين كفارة من أبطل صومه عمداً بشرب الماء، ومن أبطل صومه عمداً بأكل التراب؟ ١) «يجب على الأول إطعام مسكين مُدّاً من طعام عن كل يوم، ويجب على الثاني إطعام ستين مسكيناً عن كل يوم» ٢) «لا يجب على الأول قضاء الصوم، ويجب على الثاني القضاء والكفارة معاً» ٣) «الأول مخير في نوع الكفارة، ويجب على الثاني كفارة الجمع» ٤) «يجب على الأول صيام شهرين متتابعين، ويجب على الثاني إطعام ستين مسكيناً»
*** ما قرأتموه أعلاه هو السؤال الأخير من أصل خمسة وعشرين سؤالاً تحت عنوان «الثقافة والمعارف الإسلامية» (الرقم التسلسلي ٧٥) والذي طُرح في الامتحان العام للقبول الجامعي لهذا العام ـ صباح الخميس ١٥/٤/٩٦ ـ لـ «الشعبة التجريبية لعلوم الرياضيات والتقنية» [الامتحان الوطني الشامل لدخول جامعات البلاد ـ عام ١٣٩٦]. وقد نُقشت هذه العبارة على لسان «الإمام الخميني (ره)» في الزاوية اليمنى العليا من الصفحة الأولى لكراس الأسئلة رقم ١ المتضمن لتلك الأسئلة: «إذا صلحت الجامعة صلحت البلاد.» يدل ظاهر الأمر على أن إصلاح الجامعة، بنظر واضعي هذه الأسئلة، وهم مدراء النظام التعليمي في البلاد ومدبروه والمتولون للإشراف على صحة ذلك النظام وسلامته، يتوقف على أن يكون الطالب، قبل دخوله الساحة المقدسة للجامعة، على دراية بالحد الأدنى من الثقافة والمعارف الإسلامية، وهذه الأسئلة هي نموذج من ذلك الحد الأدنى. وقولي «الحد الأدنى» مبني على ملاحظة أن الأسئلة صُممت لـ «الشعبة التجريبية لعلوم الرياضيات والتقنية»، وليس مثلاً لشعبة تروم التعمق في العلوم الإسلامية وتُعد متخصصة وصاحبة رأي في هذه العلوم. فلنعد إذن إلى السؤال الذي أوردنا نصه في صدر المقال: السؤال مبني على افتراض أننا في شهر رمضان، وأن شخصاً مسلماً في درجة حرارة الجسم الطبيعية البالغة ٣٧، وهو في كمال الصحة والسلامة بدنياً، يقرر أن يفطر عمداً. هذا الشخص المحترم لديه طبق من التراب وقدح من الماء أمامه، ويريد أن يفطر في صومه الواجب بتناول أحدهما، ولأنه حال ارتكابه معصية الإفطار، ملتزم بأحكام الشرع وذو ذهنية محسوبة، فإنه يريد أن يرى أيهما أوفر صرفاً: هل يشرب الماء أولاً ثم يأكل التراب؟ أم بالعكس، يفطر بتناول حفنة من التراب ثم يعب القدح من الماء؟ ارتكاب أي شقّي المعصية سيكون أسهل عليه وأوفر صرفاً؟ الطالب الذي يواجه مثل هذه المسألة، ينبغي له منطقاً أن يشك في سلامة عقل هذا الشخص؛ شخص يريد عالماً عامداً أن يأكل التراب لينال شرف الإفطار العظيم! مثل هذا الشخص مجنون قطعاً، والمجنون مرفوع عنه القلم. الشرع للعقلاء لا للمجانين. أجل، ينبغي وصف ذلك الشخص المفترض، ذلك العاصي سيئ الحظ، بالجنون؛ ولكن ماذا ينبغي أن نسمي أولئك الذين يصوغون مثل هذه المسائل باسم «الثقافة والمعارف الإسلامية» ويجعلونها شرطاً لدخول الناشئة إلى الجامعة؟
لما بلغ القلم هذا المقام يا ذا اللب فار دم القلب في صدري واضطرب إذ همس هاتف في أذن الروح لدي أنت أجهل من ذاك، أيها المحتقر صنت رأس مال العمر غالياً هات، ماذا جنيت منه، انظر بذلت عمرك، فنلت أيها الحزين جزء علم ملآن بالأوهام والظنون إن يكن العلم هذا، فدعه وانصرف لا تساوي مئة جمل من هذا العلم عندي حبتي شعير
هذه الأبيات ليست مني، بل هي للعالم المجتهد صاحب الرأي علامة الفقهاء الملا أحمد النراقي صاحب المثنوي الشهير «طاقديس». إنه يشكو من أن «علم فقه الأحكام» صار عرضة للتخيلات وتحول إلى «سد» وعائق في طريق الكمال. لماذا يضيعون وقت الطلبة وأعمارهم بطرح مثل هذه المسائل؟
إن تطاير بعر من دبر عنز فعميت به عين رجل هرمزي أتلك الدية على صاحب العنز أم الدية على الخواجة هرمز إن سقط العنقاء من جبل قاف في بئر فكم دلواً تستقي منه إن كنت ذا خبرة إن خرج دم الحيض من أذن امرأة فما حكمه، قل لي يا أبا الحسن إن حملت امرأة من جني فما ميراثه من الجني يا ذا المئة حيلة هذا غلط، غلط في غلط أن تصرف عمرك على هذا النمط
لنتذكر أيام النراقي حين كان الفقه يبسط هيمنته على جميع مناحي حياة الناس، وكان الفقيه يرى من واجبه أن يكون له، في خضم المناقشات وتفريع المسائل، جواب حتى عن أكثر الفروض لا معقولية ولا واقعية. ومن هذا القبيل السؤال عن ميراث امرأة تضاجع جنياً وتحمل منه، أو حكم دم حيض المرأة إن خرج لا من مجراه الطبيعي بل من ثقب أذنها، في الأبيات المنقولة عن النراقي، أو جملة مسائل أخرى من هذا الطراز وردت في الألفية المشهورة لحجة الإسلام نيّر التبريزي ـ تلك التحفة الملمّعة بالتركية والفارسية والعربية ـ حيث يقول:
اختلفوا فی فضلات الجن طهّرها معظم اهل الفنّ و یظهر المیل الی النجاسه من ابن یحیی و فقیه الخمسه و رقصه البرغوث فی السّروال محظورة عندی بلااشکال و خرخر البوقات فی الاسحار لیس من الغنا علی المختار و هل تضرّ عرعر السّلطان من الغناء فی الرئا قولان فقال قوم فیه باللحوق و الحق عندی انّه کالبوق
إذا كان الفاضل النراقي يسأل عن حكم ميراث امرأة تزوجت أحد الجن، فإن حجة الإسلام نيّر يسأل عن طهارة أو نجاسة فضلات الجني! الرقص للإنسان غير جائز بالطبع، أما ذلك البرغوث الذي سقط في سروال طالب العلم، فيمكنه أن ينهض طرباً ويرقص فرحاً. بوق الحمام الذي كان يدوي في الأسحار لا يُعتبر غناءً وهو جائز؛ ولكن سلطان الذاكرين ـ المرثيَّة خوان الشهير في عصره ـ الذي يصرخ صراخاً أجش (يُعَرْعِر) فما الحكم فيه؟ هل يمكن اعتبار صوته وصوت بوق الحمام من نوع واحد وإلحاق حكمهما ببعض؟ مثنوي "فسوة الفصيل" لحجة الإسلام مفعم كله بهذا الهجاء الحاد اللاذع، طافح بنبرة ساخرة ومؤذية وجريئة. عاش النراقي ونير كلاهما في القرن التاسع عشر، وكانا لا يحتملان تضييع العمر في هذه الترهات؛ فلماذا لا ينبس فقهاء عصر الكمبيوتر والإلكترونيات ببنت شفة ويسمحون بطرح هذا النوع من المسائل باعتبارها "ثقافة ومعارف إسلامية"، فينفّرون الجيل الشاب من الدين والعلم أكثر مما هو عليه؟
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الفلسفة
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.