اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لا الثقافة ولا السياسة ولا الاقتصاد تمتلك الأصالة بمفردها، بل الأخلاق هي القادرة على رفع الخلاف بين هذه الظواهر؛ مقالة لحسين دباغ حول تقدّم أخلاقيات 'الآخر' على السياسة والثقافة والاقتصاد.

دعوني أقول الكلمة الأخيرة في البداية. أنا لا أؤمن بأصالة الثقافة، ولا بأصالة السياسة، ولا بأصالة الاقتصاد. صحيح أن الثقافة تتفوق على السياسة في كثير من الحالات، ويبدو أن القضايا الثقافية أكثر جوهرية. فعلى سبيل المثال، وفقاً للمقولة المشهورة «الحكام وليد شعوبهم»، يمكن القول إنه من أجل سياسة أفضل ينبغي البدء بثقافة الناس. لكن في مقابل هذه الحجة، يمكن للمرء أن ينفخ في البوق من الطرف الآخر ويقول: المشهور أن «الناس على دين ملوكهم» أو «الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم». أي أن السياسة والحكام هم من يؤثرون في ثقافة الناس، لذا ينبغي البدء بالسياسة. بل ربما يمكن تجاوز ثنائية الثقافة/السياسة وإظهار أن الاقتصاد يتفوق على الثقافة في بعض الأحيان. لقد صدق سعدي حين قال: «حين أعقد صلاة العشاء ليلاً/ أفكر ماذا سيأكل طفلي صباحاً»؛ فما دامت معيشة الناس في ضيق فلن يطلب أحد الثقافة. علاوة على ذلك، قد يستطيع أولئك الذين يقرعون طبول أصالة السياسة أن يبينوا أنه في بعض الظروف، ما لم تُحل المسائل السياسية، لن يتحرك الاقتصاد، وما لم يتحرك الاقتصاد، لن يحين دور الثقافة. لكن ربما يمكن تصور أمر رابع، وهو أن ظواهر مثل السياسة والثقافة والاقتصاد وحتى الدين لا تتفوق إحداها بالضرورة على الأخرى في كل زمان ومكان، بل إن بينها علاقة جدلية فحسب. أي أن هذه الظواهر تدخل معاً في ميدان حوار وتنافس، ويحدث كسر وانكسار، وفي النهاية ما يخرج من الميدان منتصراً يصبح هو الأصل. قد تسألون: ما هو معيارنا لهذا الكسر والانكسار، ووفق أي مقياس يجري التنافس؟ جوابي هو شيء واحد: الأخلاق. ما أراه مهماً في هذا السياق، وقادراً على حل الخلاف بين هذه الظواهر، هو الأخلاق. فالأخلاق هي التي تتقدم على الثقافة، وعلى السياسة، وعلى الاقتصاد معاً.
لقد تحدث جون رولز، فيلسوف السياسة والأخلاق الأمريكي الشهير، ببلاغة عن هذا الحوار والكسر والانكسار. فبحسب الطريقة التي يسميها التوازن التأملي (Reflective Equilibrium)، يمكننا أن نصل إلى نوع من التبرير بين معتقداتنا المختلفة. ووفقاً لرولز، فإننا نسعى عموماً إلى تحقيق التوازن التأملي، أو بتسامح، الاستدلال القائم على الاتساق بين مبادئنا ومعتقداتنا وأحكامنا بدرجات متفاوتة من العمومية. في الحقيقة، لكي نصل إلى تبرير مبادئنا وأحكامنا العامة، ينبغي أن تكون متسقة مع بقية معتقداتنا وأحكامنا الخاصة. كان رولز يظن أنه في الاستدلال القائم على الاتساق، لا توجد نقطة ثابتة يمكن الانطلاق منها وقياس الأمور بها. لكنني أعتقد، خلافاً لرولز، أنه يمكن اعتبار القضايا البديهية والحدوس الأخلاقية معياراً ومقياساً أولياً، وجعل نقطة الانطلاق هناك. ويكفي الآن أن نطبق كلام رولز على الظواهر المختلفة كالسياسة والثقافة والاقتصاد والدين بدلاً من المبادئ والمعتقدات المختلفة. فهذه الظواهر نفسها مشتملة على قضايا تتشكل منها معتقداتنا. وهكذا، فإن النزاع بين أصالة السياسة والثقافة والاقتصاد يشبه محكمة تكون الأخلاق فيها هي القاضي. فالأخلاق هي التي تحكم أين تكون الأصالة لأي ظاهرة.
لكن قد يعترض أحد بأن الثقافة، وفقًا لتعريف عام، تشمل الأخلاق أيضًا. فعلى سبيل المثال، يرى معظم علماء الأنثروبولوجيا الثقافةَ بوصفها مجموعةً من المعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات والتقاليد أو حتى دين مجتمع ما. وبناءً على هذا الفرض، فإن من يقول بأصالة الثقافة يحمل الأخلاق معه ضمنًا. غير أن هذا الاعتراض ليس ذا قوة كبيرة في اعتقادي. فاقتداءً بعدد من فلاسفة الأخلاق مثل برنارد ويليامز، وجيفري وارنوك، وجي. إل. ماكي، وديفيد غوتييه، وتيم سكانلون، يمكن التمييز بين نوعين من الأخلاق. أحد نوعي الأخلاق (Ethics) يُستخدم بمعنى عام جدًا بحيث يشمل جميع الأذواق والمعتقدات الشخصية وحتى الذاتية. أما النوع الآخر من الأخلاق (Morality) فهو أضيق نطاقًا بكثير ويتعلق بمبادئ موضوعية وعقلانية لها مقتضى أساسي، وهو أن الأخلاق ينبغي أن تكون متعلقة بـ«الآخر». فبالمعنى الحاضر، تنتمي الأخلاق إلى السلوكيات التي ترتبط بالآخر وتؤثر فيه: «لا تُؤذِ أحدًا في ديارك ما دمت تسعى لراحتك وحدك». وبهذا التمييز يمكن أن ندرك بسهولة أنه حتى في صميم الثقافات توجد سلوكيات تكون أخلاقية بالمعنى الأول ولكنها تُعتبر غير مشروعة بالمعنى الثاني. وهذا المعنى الثاني للأخلاق هو ما أعتقد أنه أصيل ومبدع للأصالة، ويمكنه أن يكون مرشدًا ومعينًا إلى حد كبير في النزاع بين السياسة والثقافة والاقتصاد أو حتى الدين.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سپاس.