اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
تسعى الوصاية إلى منع الإنسان من الإضرار بنفسه، بينما تحاول الأخلاقانية تجريم الأفعال غير الأخلاقية التي يستقبحها المجتمع؛ والأخلاقانية غير مبررة لتقييد حرية الأفراد، ولا ينبغي للدول أن تستخدمها في سنّ القوانين.

«الأخلاقانية» و«الوصاية»: إمكانية تقييد الحريات الفردية أم استحالتها؟
سيد محمد حسيني [1]
محمد يوسفزاده [2]
حسين دباغ [3]
ملخص
ما المقصود بـ«الوصاية الأخلاقية» وما هي الصياغات الممكنة لها؟ ما علاقة «الوصاية» وارتباطها بـ«الأخلاقانية» وما هي وجوه الافتراق والاشتراك بينهما؟ في «الوصاية»، على الأقل في نسختها الكلاسيكية، يُسعى إلى منع الشخص من إلحاق الضرر بنفسه، وليس بالضرورة إلحاقه بالآخرين. أما في «الأخلاقانية» فيُسعى إلى منع ارتكاب الأفعال «المنافية للأخلاق/اللاأخلاقية» التي يعتبرها المجتمع مرفوضة، ووفقًا لبعض القراءات على الأقل، ينبغي حتى تجريم مثل هذه الأفعال. من الواضح أنه في كلا التصورين، ستتعرض «حرية» الأفراد في نهاية المطاف للتغيير والتقييد. لكن السؤال هو: أي من هاتين النظرتين مبررة ومعقولة لتتبناها الدول و/أو الحكومات في سياساتها وتشريعاتها؟ سنجادل في هذه المقالة بأن «الأخلاقانية» غير مبررة، وتطبيقها لتقييد «حرية» المواطنين غير معقول. ولإثبات ذلك، سنشرح ونبين أولاً فكرة «الوصاية» ونعدد أنواعها، ثم نتناول «الأخلاقانية» ونجعل نقدها على رأس أولوياتنا. وفي الختام، سنجادل بأن «الأخلاقانية» لا تقوم على أساس متين.
.
.
.
.
الكلمات المفتاحية: الوصاية، الأخلاقانية، الإلزام القانوني للأخلاق، الأخلاقيات، الأخلاقانية القانونية، الأخلاق المتعارفة، اللورد باتريك ديفلين، مناهضة الأخلاق، منافاة الأخلاق، الأخلاق المعيارية، مبدأ لا ضرر، الحرية، الاستقلالية، الفاعل الأخلاقي.
“Paternalism” & “Moralism” on Limiting Citizen’s Freedoms
Abstract
What does moral paternalism entail? What about moralism? How do moral paternalism and moralism differ? In paternalism, at least in one interpretation, the aim is to prevent people from inflicting harm on themselves, not necessarily others. However, in moralism, the aim is to prevent people from committing what society regards as a wrongdoing to secure society’s understanding of morality. Some accounts of moralism argue that these wrongdoings ought to be criminalized. It is rather intuitive to claim that applying moral paternalism and moralism shall restrict people’s liberty. Which one of these two approaches is plausible to be applied by states? In this paper, we argue that moralism restricts people’s liberty unjustifiably, hence implausible. We will begin by explaining what paternalism amounts to. Next, we will critically evaluate moralism. We conclude by arguing that moralism is not a defendable approach.
Keywords: “Paternalism”, “Moralism”, “Legal Enforcement of Morality”, “Morals”, “Conventional Morality”, “Lord Patrick Devlin”, “Legal Moralism”, “Immoral”, “Amoral”, “Normative Ethics”, “The Harm Principle”, “Freedom”, “Autonomy”, “Moral Agent”.
مقدمة
«الإيمانوية الأخلاقية»[4] و«الوصاية الأخلاقية»[5] نظامان فكريان مختلفان، يعتقد بعض أصحاب الرأي أنهما على طرفي نقيض.[6] لا شك أن كلا النظامين الفكريين يفرضان قيوداً على «الحرية الفردية»، لكن شدتها وضعفها يختلفان بناءً على أي تفكير واتجاه نتبناه. وعلى هذا الأساس، فإن نطاق التدخل في «حرية الأفراد» سيتعرض بطبيعة الحال للقبض والبسط. المهم أن نعرف أيّاً من الاتجاهين المذكورين يكون تقييد «الحرية» فيه قابلاً للتبرير ومنطقياً.
نترك الشرح المفصل لكل من هذين النظامين الفكريين والقراءات المختلفة والمتنوعة التي تشكلت حولهما للنص الأصلي. ولكن هنا، لتنقيح ذهن القارئ بشأن ما نتحدث عنه، من الضروري أولاً أن نطرح بعض الأسئلة التمهيدية.
الأسئلة التي نسعى للإجابة عنها في هذه المقالة هي كما يلي:
1- ما هي «الوصاية الأخلاقية» وما صلتها ونسبتها بـ«الإيمانوية الأخلاقية»؟ الإجابة عن هذا السؤال رهن بطرح أسئلة أخرى:
1-1- هل يمكن إيجاد مكونات مشتركة بين هذين المفهومين أم ينبغي الحكم بانفصالهما المطلق؟
2-1- أي من هذين المفهومين أكثر تقييداً لـ«الحريات الفردية» من الآخر؟
3-1- في ظل أي من هاتين القراءتين والنظامين الفكريين يمكن أن يكون تقييد «حرية الأفراد» قابلاً للتبرير، وأي مفهوم هو الذي يقيد «حرية الأفراد» دون أي سبب وجيه ومقنع؟
2- «الوصاية الأخلاقية»[7]، التي هي أحد أنواع «الوصاية» نفسها، ما وجوه افتراقها واشتراكها مع «الإيمانوية الأخلاقية»؟ الإجابة عن هذا السؤال رهن أيضاً بطرح أسئلة أخرى:
2-1- الوصف الأخلاقي في هذين الاتجاهين، إلى أي قراءة في فضاء الأخلاق ينتمي؟ «الأخلاق المتعارفة والمرسومة/ الوصفية» [8] أم «الأخلاق المعيارية»؟ [9]
2-2- أي اتجاه أو اتجاهات يمكن نقدها من قبل أنصار «الوصاية الأخلاقية» من جهة، ومن جهة أخرى في حالة المؤمنين بـ«الإيمانوية الأخلاقية»؟
الإجابة المختصرة عن كل من الأسئلة أعلاه هي كما يلي:
1- في جميع أنواع «الوصاية»، على الأقل وفقاً لقراءتها الكلاسيكية، المهم هو عدم إضرار الشخص بنفسه وليس بالضرورة إضراره بالآخرين (قاعدة لا ضرر)[10] - يجب على «الوصي» أن يسعى فقط لمنع الضرر الذي يلحقه الشخص بنفسه، أما في «الإيمانوية الأخلاقية» فمعيار التدخل في «حرية المواطنين» هو منع فعل «لاأخلاقي/ منافٍ للأخلاق»[11] وليس إضرار الشخص بنفسه أو إضراره بالآخرين. ما يهم، بشكل عام، في «الإيمانوية الأخلاقية» هو مجرد ارتكاب فعل «لاأخلاقي/ منافٍ للأخلاق» يعتبره المجتمع مخالفاً لـ«أخلاقه السائدة». «الإيمانوية الأخلاقية»، وفقاً لتعبير ما، هي «الإلزام القانوني للأخلاق السائدة والمتعارف عليها في مجتمع معين»، وهي اعتقاد من جنس أخلاق مجتمع أو جماعة معينة يمكنه و/ أو ينبغي له أن يمنع ويقيد قسماً من «الحريات» التي تتعارض مع هذه الأخلاق. بناءً على هذا:
1-1- لا توجد صلة ونسبة منطقية بين هذين المفهومين، وكل منهما يسعى لتحقيق أهداف مستقلة ويمتلك أدلة خاصة لتقييد «الحرية».
2-1- محدودیت «آزادی عمل افراد» در خوانشهای «قیّمسالارانه» زمانی موجه است که عمل فرد ضرری به او برساند و او را در مخاطره قرار دهد. در واقع تلاش بر این است که از عمل مخاطرهآمیز شخص به خود جلوگیری شود. اما در نگرش «اخلاقباوران» همین که عملی برخلاف اخلاقِ رایج جامعه رخ داد، چه این عمل عامل اضرار به شخص یا دیگران باشد چه نباشد، باید «آزادی فرد» را محدود کرد و، بر اساس پارهای از قرائتها، حتی باید به جرمانگاری چنین اعمالی که خلاف «اخلاق رایج»اند، پرداخت.
3-1- پاسخی که در بالا بیان کردیم یقیناً میتواند در اینجا نیز پاسخی مناسب برای پرسش مورد نظرمان باشد. دلیل یا دلایل موجه برای مداخله در «آزادی افراد» در نگرشهای «قیّمسالارانه» این است که فرد متحمل ضرری بر خود نشود- ضرری که، برای مثال، در پارهای موقعیتها حتی میتواند منجر به مرگ فرد شود. در حالیکه در خوانش «اخلاقباوری» دلیلِ به-اصطلاح موجه برای مداخله در «آزادی فرد» فقط و فقط ارتکاب اعمالی است که بنیانهای اخلاقی جامعه را سست میکنند- بنیانهای اخلاقیای که خود میتوانند حتی سویهای «اخلاقستیز/ ضداخلاقی» [12] داشته باشد. ضرر به خود و دیگران به هیچوجه دغدغۀ «اخلاقباوران» برای مداخله در «آزادی» نیست.
2- در «قیّمسالاری اخلاقی»، هدفْ جلوگیری از اضرار اخلاقی شخص به خود است. این قسم از «قیّمسالاری»، کم-وبیش، قابل توجیه است، چراکه دلیل موجه اقدامات «قیّمسالارانه» جلوگیری از اضرار اخلاقیِ شخص به خود است. در سایر اقسام «قیّمسالاری»، «قیّمسالار» میکوشد که نه از جهت اخلاقی بلکه از سایر جهات مانع اقدام مضر شخص به خود شود. در این رویکرد، محدودیتِ «آزادی افراد» بسیار کمتر از آن چیزی است که در «اخلاقباوری» در مدنظر است. «اخلاقباوری» اما بر این پیشفرض مبتنی است که اضرار اخلاقیِ شخص به خود لزوماً ملاک و معیار مداخله در «آزادی فرد/ افراد» نیست بلکه به صِرف ارتکاب عمل یا اعمال «غیراخلاقی/ اخلاقگریز»، و نه لزوماً «اخلاقستیز/ ضداخلاقی»، خواه به واسطۀ ارتکاب چنین عمل یا اعمالی ضرری به فاعل برسد یا نرسد میتوان و/ یا باید حکم به ممنوعیت چنین اَعمالی داد و، مطابق برخی از قرائتها، باید چنین اعمالی را جرمانگاری کرد. در این نگرش حتی اگر هیچ عمل مضری هم وجود نداشته باشد به صِرف اینکه فعالیت فرد با «اخلاقیات رایج و متعارف جامعه» در تضاد و تقابل است باید از آن جلوگیری کرد.[13]
1-2- معنا، مفهوم و مصادیق «قیّمسالاری اخلاقی» نباید با مفهوم «اخلاقباوری» در معنا و مصداق خلط گردد. وصف اخلاقی در قلمرو «قیّمسالاری اخلاقی»، «اخلاق هنجارین» است. در حالیکه در قلمرو «اخلاقباوری» احکام اخلاقی فرامینیاند که جامعه بر حسب آداب و رسوم و عرفهای خود آنها را اخلاقی میپندارد و آنچه را که بر خلاف این اخلاق باشد «غیراخلاقی/ اخلاقگریز» به حساب میآورد. در تأیید این مدعا که رویکرد «اخلاقباورانه» اخلاق را صرفاً در آداب و رسوم اجتماعی میبیند و از دلِ این رسوم و باورهاست که احکام اخلاقی را بَرمیکشد (= «اخلاق متعارف و مرسوم»)، همچون ج. دِوُرکین (Dworkin, 2005: 305-19)، سی. ال. تِن [14] نیز «اخلاقباوری» را همان «الزام قانونی اخلاق متعارف» میداند و، در اینباره معتقد، است: ملاک و معیار در «اخلاقباوری» و الزام قانونیِ آن «اخلاق متعارف و مرسوم» است (Ten, 1971: 63). در حوزۀ «قیّمسالاری اخلاقی»، برخلاف «اخلاقباوری»، احکامِ «اخلاق هنجارین» برای جلوگیری از اضرار شخص به خود ملاک و معیار است نه «اخلاق متعارف و مرسوم».
2-2- للإجابة عن السؤال 2-2، ينبغي التمييز بين قراءتين لـ«الإيمانوية الأخلاقية». فبحسب «القراءة الدنيا»، التي يمكن أن يُشار إلى جيمس فيتزجيمس ستيفن[15] وروبرت ب. جورج [16] بوصفهما من أبرز ممثليها الفكريين، يُعتقد أن بعض الأفعال «اللاأخلاقية/المتجاوزة للأخلاق»، مثل «المثلية الجنسية»، ينبغي منعها لأنها مضرة بالفاعل أو الفاعلين. وبالقيام بذلك ومنع ارتكاب مثل هذه الأفعال، تتحسن شخصية الأفراد أو يُحال، على الأقل، دون تدهور شخصيتهم وانحطاطها أكثر، وبالتالي تعود عليهم بمنافع قيّمة.[17] أما بحسب «القراءة القصوى»، التي يُعد دِفلين أبرز ممثل فكري لها، فيُعتقد أن الضرر الأخلاقي الذي يلحق بالفاعل هو أمر غير ذي صلة أساسًا بمنعه من القيام بفعل ما. المهم هو منع أنشطة مثل «المثلية الجنسية» – ليس لأن هذه الأفعال تلحق ضررًا بالشخص أو بالآخرين، بل لأنها توهن الأسس الأخلاقية للمجتمع. يعتقد دِفلين أن فعلًا «لاأخلاقيًا/متجاوزًا للأخلاق» مثل «المثلية الجنسية»، بما أنه يوهن أساس المجتمع ويُعد إجراءً مخالفًا لـ«الأخلاق المتعارَف عليها في المجتمع»، ينبغي منعه وتجريمه أيضًا. يبدو أن قراءة المجموعة الأولى أكثر شبهًا بالتعريف الذي قدمناه لـ«الوصاية الأخلاقية» – أي منع الضرر الأخلاقي الذي يلحقه الشخص بنفسه. لكن الفارق بين هذه القراءة و«الوصاية الأخلاقية» هو أن ماهية الضرر الأخلاقي في «القراءة الدنيا» يحددها ويرسمها المجتمع بناءً على معتقداته. في حين أن قراءة المجموعة الثانية لا تعتبر الضرر الأخلاقي الذي يلحقه الشخص بنفسه معيارًا لمنع فعل لاأخلاقي على الإطلاق، ومن ثم فإن هذه القراءة هي مصداق بارز لـ«الإيمانوية الأخلاقية القانونية» لا لـ«الوصاية الأخلاقية». ومع ذلك، فإن الفارق الموجود بين كلتا القراءتين مقارنة بـ«الوصاية الأخلاقية» هو أنه في هاتين القراءتين والنسق الفكري، يكون منع أفعال الأفراد والمواطنين قائمًا على معايير ترسمها «الأخلاق المتعارَف عليها والمألوفة»، أما في «الوصاية الأخلاقية» فإن منع الأفعال «المناهضة للأخلاق/المضادة للأخلاق» هو ما تحدده «الأخلاق المعيارية» – وبناءً على هذه الأخلاق تكون تقييدات «الحرية» قابلة للتبرير.
كذلك، من أجل فهم جملة من المسائل وفي سياق ما قيل، وسنفصّل فيها لاحقًا، يبدو من الضروري ذكر بضع نقاط أخرى:
1- - في القراءة القصوى لـ«الإيمانوية الأخلاقية»، على الأقل ما كان يعتقده دِفلين، لا علاقة للضرر أساسًا بسن القانون، ويُصان أساس المجتمع من خلال «الأخلاق المألوفة المقبولة عمومًا».[18] فالتماسك الاجتماعي يتآكل عند ارتكاب الأفعال والأعمال «اللاأخلاقية/المتجاوزة للأخلاق»، حتى لو حدثت مثل هذه الأفعال اللاأخلاقية في الخلوات وحتى لو لم يلحق القيام بها ضرر بأحد.[19] وهكذا، فبمجرد أن يكون فعل ما «لاأخلاقيًا/متجاوزًا للأخلاق»، سواء حدث في الخلوة أم في الجلوة، ودون أن يلحق ضررًا بالفاعل أو بالآخرين، ينبغي منعه وتجريمه.
2- - للنزعات «الإيمانوية الأخلاقية» صلة وثيقة بـ«الأخلاق كما هي كائنة لا كما ينبغي أن تكون». والسبب في أننا تحدثنا عن منع الأفعال «اللاأخلاقية/المتجاوزة للأخلاق» هو أن المجتمع، في معظم قراءات «الإيمانوية الأخلاقية»، هو من يحدد أخلاقية أو لاأخلاقية ماهية فعل ما. وبهذا المفهوم، فإن للأخلاق وجهة «نسبوية»[20] وكل ما يعتبره المجتمع، وفقًا لمألوفاته، أخلاقيًا أو «لاأخلاقيًا»، هو معيار لضرورة التعامل قانونيًا مع الأفراد الذين لا يذعنون لأحكام هذه الأخلاق وأوامرها ولا يؤمنون بها. من الواضح أن هذه القراءة للأخلاق تختلف تمامًا عما هو «الصدق الأخلاقي»، المتجذر في النظريات المعيارية العقلانية الأخلاقية والذي يتمتع بوجهة فوق اجتماعية وفوق ثقافية.
3- ما يكتسب أهمية في القراءة القصوى لـ«الإيمانوية الأخلاقية»، على عكس «القراءة الدنيا»، هو أن «الضرر» يُعتبر أمراً لا صلة له أساساً بتبرير تدخل الدولة و/أو الحكومة في «حرية الأفراد» – يجب منع الأفعال «اللاأخلاقية/المتجنبة للأخلاق» حتى لو لم يترتب على ارتكابها أي ضرر بالفاعل أو بأشخاص آخرين. فعلى سبيل المثال، يعتبر دِفلين ارتكابَ بعض الأفعال والأعمال «لاأخلاقياً/متجنباً للأخلاق» لا من حيث إنها تلحق ضرراً بفاعلها أو بالآخرين، بل من حيث إن ارتكاب مثل هذه الأفعال يُضعف بنيان المجتمع ويشكل تهديداً للمعتقدات و«الأخلاقيات السائدة في المجتمع». وهو يعتقد أنه يجب منع ارتكاب مثل هذه الأفعال. هذه القراءة هي النقطة المقابلة لـ«القراءة الدنيا» التي ترى فقط الإضرار الأخلاقي للشخص بنفسه مبرراً لمنع فعل ما – طبعاً الأخلاق التي يحددها المجتمع وهي من صنيعه وبنائه.
4- من مجموع النقاط الثلاث أعلاه يمكن إدراك أي فهم وقراءة تكون فيها إمكانية تقييد «الحريات الفردية»، بأي ذريعة كانت وأحياناً حتى بناءً على ذرائع واهية، أكثر إمكانيةً مما هي عليه لدى الآخرين. في المقارنة بين مفهومي «الوصاية»، وخاصة «الوصاية الأخلاقية»، من جهة، و«الإيمانوية الأخلاقية» من جهة أخرى، وبما أنه لا يوجد أي مبدأ عقلي عام ومقبول من الجميع[22] يشكل الخلفية للأحكام الأخلاقية في قراءات «الإيمانوية الأخلاقية»، فإن الأحكام الأخلاقية ستتعرض، بالتبعية، لتحولات مفهومية في أزمنة وأمكنة مختلفة. وبعبارة أخرى، لا يوجد أي مبدأ أخلاقي ثابت، وبما أن الحفاظ على المجتمع، خاصة في «القراءة القصوى»، ذو أهمية جوهرية، فعندما تضعف الأسس الأخلاقية للمجتمع يمكن لـ«الإيمانوية الأخلاقية» أن تلجأ حتى إلى ترويج أعمال «مناهضة للأخلاق/معادية للأخلاق» لإنقاذ المجتمع من الدمار. من الواضح أنه في هذه الحالة من عدم الاستقرار، فإن أول ما يُضحى به هو الأخلاق نفسها بمعناها الحقيقي. والضحية الثانية ليست سوى «حريات الأفراد وحقوقهم الأساسية».
5- يسعى «الوَصِيّ» في سبيل صيانة رفاه الشخص إلى منعه من ارتكاب الإجراءات المضرة بنفسه. فإذا كان هذا الإضرار إضراراً «مناهضاً للأخلاق/معادياً للأخلاق»، حينها يُطرح الحديث عن مفهوم «الوصاية الأخلاقية». وبهذا، ففي «الوصاية الأخلاقية» أيضاً، ينصب اهتمام «الوَصِيّ» أولاً على منع الإضرار الأخلاقي للشخص بنفسه، وثانياً على الارتقاء بـ«سلوكه أو خلقه الأخلاقي» من خلال منع الإضرار الأخلاقي للشخص بنفسه.
6- نقطة أخرى بشأن «الوصاية» هي أنه في هذا المنظور، تسعى الدولة/أو الحكومة و/أو الشخص/الأشخاص إلى منع إضرار الفرد بنفسه. الاهتمام الرئيسي في معظم أنواع «الوصاية» هو رفاه الفرد وخيره[23]، وهو ما سيتحقق من خلال منع إضرار الشخص بنفسه. كما أن المهم في هذا النظام الفكري هو منع إضرار الشخص بنفسه، وليس بالضرورة منع إضرار الشخص بالآخرين. وهذا في حين أنه في القراءة القصوى لـ«الإيمانوية الأخلاقية»، وبحسب اعتقاد دِفلين، فإن الإضرار بأسس المجتمع وتقاليده، والتي هي «الأخلاق المتعارَف عليها والسائدة» وتحظى بمكانة رفيعة في «إيمانوية دِفلين الأخلاقية»، هو العامل الداعي إلى منع «الحرية» وتقييدها، وليس الإضرار بالنفس أو بالآخرين.
7- رغم أنه قيل إن الإجراءات «الوصائية» يمكن أن توجد من جانب الشخص/الأشخاص إلى جانب الحكومات و/أو الدول، إلا أن نقاشنا هنا ينصب فقط على الإجراءات «الوصائية للحكومات و/أو الدول».
بالنظر إلى المقدمة المفصلة نسبياً أعلاه، سنسعى في هذه المقالة أولاً إلى وضع التعريفات المختلفة التي قُدمت لمفهوم «الوصاية» أمام القارئ، وإلقاء نظرة على مسألة إمكانية أو امتناع «تقييد الحرية» في هذا النظام الفكري (1). ثم سنناقش الأنواع المختلفة لـ«الوصاية» (2). بعد ذلك سنتناول دراسة مفهوم «الإيمانوية الأخلاقية»، والتصورات المختلفة التي أُقيمت حول هذا المفهوم، وفي إطار ذلك سنعبر عن آرائنا التقييمية/النقدية[24] حول هذا المفهوم (3). وفي خاتمة البحث ونتيجته سنعرض خلاصتنا حول أي المفهومين أكثر تقييداً لـ«الحريات الفردية» من الآخر (4).
1- الوصاية
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن التوجهات القائمة على «الوصاية» قد وُجّهت إليها انتقادات كثيرة، سواء من المتأخرين أو المتقدمين. على سبيل المثال، يكتب جويل فاينبرغ[25]، الذي له أعمال وتقريرات عديدة ومهمة حول «الوصاية» والمفاهيم المناظرة لها: إن التدخل «الوصائي» يقيد «الحرية» ويشكل انتهاكاً غير مبرر لحق الأفراد في السيادة على تقرير مصيرهم. كما أن تقييد «الحرية الفردية» وفقاً لأسباب «وصائية» يُعد مهيناً أخلاقياً لأنه يتعدى على حيز الاستقلالية الشخصية - حيث ينبغي لكل إنسان بالغ وكفؤ ومسؤول أن يمارس سلطانه في هذا الحيز (Feinberg, 1986: 25). لا شك أن ما هو جليّ هو أن الإجراءات «الوصائية» مقيدة لـ«لحرية»، ولكن، لأسباب سنذكرها، ليس من الجائز أخلاقياً أيضاً أن نترك الأفراد (ولا سيما أولئك الذين لا يتمتعون بإرادة مستقلة في اتخاذ القرار) وشأنهم، وأن نشارك، بشكل غير مباشر، في الضرر الذي يلحقونه بأنفسهم بعدم تقديم الدعم لهم. في اعتقادنا «على الرغم من أن انتهاك حرية الأفراد خطأ أخلاقي، إلا أنه في الظروف التي يكون فيها الأفراد في خطر ويحتاجون إلى المساعدة، يكون انتهاك حريتهم جائزاً أخلاقياً».
على أية حال، ثمة استدلالات كثيرة بين طائفة من فلاسفة القانون والأخلاق والسياسة حول فلسفة وجود «الوصاية» - ومن أبرزهم وأشهرهم إيمانويل كانط. يعارض كانط «الحكومات الوصائية» لأنه يعتقد أنها تحد من «حرية الأفراد واستقلاليتهم»، ويرى أن وجود مثل هذه الحكومات يحول دون ممارسة الإرادة الحرة للأفراد وسعيهم لتحقيق أهدافهم الشخصية، بشكل مستقل. [26] وبتعبير آخر، يقول كانط إن «الحكومة الوصائية» هي حكومة تنظر إلى مواطنيها نظرة طفولية - مواطنون قاصرون لا يستطيعون تشخيص وتقرير ما هو مفيد لهم أو ضار، لكنهم مكلفون بشكل سلبي بانتظار ما ترتئيه النخب الحكومية و/أو الرسمية ليحكم هؤلاء على الكيفية التي ينبغي أن يكون بها هؤلاء الفاعلون الأخلاقيون سعداء - وهذا هو أعظم استبداد[27] يمكن تصوره.[28] ومع ذلك، لا تزال هناك آراء مستدلة وجديرة بالتأمل حول مفهوم «الوصاية» يلزم أن نكون على إلمام بها، ولو بشكل مقتضب. طُرحت تعريفات وتبيينات مختلفة لمفهوم «الوصاية». سنسعى في هذا القسم إلى شرح أهم التعريفات المطروحة من قبل مجموعة من الفلاسفة، ومن ثم تقديم تعريفنا الخاص لـ«الوصاية» ليكون معياراً نعتمده في شرح وتبيين الأجزاء التي ستلي.
يعتقد داني سكوشيا[29] أن معظم المنظرين الأخلاقيين والسياسيين يعرّفون هذا المصطلح وفق الصياغة التحليلية التالية:
«أ» يتصرف بشكل وصائي تجاه «ب»، أي:
1- «أ» يقيد حرية «ب» أو يتدخل في اتخاذ قراره.
2- «أ» يتدخل في حريته خلافاً لرغبة «ب» ودون رضاه وخلافاً لتفضيلاته.
3- «أ» يتدخل لصالح منفعة «ب» (Scoccia, 2018: 11).
بعبارة أخرى، وفق التحليل أعلاه، فإن الإجراء الوصائي من «أ» تجاه «ب» يكون لصالح منفعة «ب» - والذي يتم عبر تقييد «حريته» وكذلك التدخل في اتخاذ قراره وأيضاً خلافاً لرغبته ورضاه. على سبيل المثال، إذا أجبر أب أو أم طفلهما على تناول دواء مرّ للحفاظ على صحته، فإنهما، وفق التعريف أعلاه، قد قاما بإجراء «وصائي».
أما ج. دوركين، وبتقرير شبيه بالصياغة أعلاه، فيعتقد: أولاً أن أحد العناصر الدنيا لهذه النظرية هو «إيجاد نوع من التقييد على حرية الفاعلين أو استقلاليتهم»، وثانياً أن التحليل المنطقي لها يكون على النحو التالي:
أعمال «أ» تتم بشكل وصائي لصالح «ب» وبهدف إزالة «ج»، أي:
1- حذف «ج»، آزادی یا خودآیینی «ب» را محدود میکند.
2- «الف» این کار را بدون رضایت «ب» انجام میدهد.
3- «الف» این کار را فقط به این دلیل انجام میدهد که او باور دارد حذف «ج»، رفاه «ب» را بههمراه دارد و ارتقا می-دهد یا، به نوعی، حذف «ج» عامل بهبود و ارتقای منافع، ارزشها یا خیرهای [30] خیرهای «ب» است (Dworkin, 2020: § 2, para. 4).
ج. دِوُرکین معتقد است «قیّمسالاری» عبارت از مداخلۀ دولت و/ یا حکومت یا فرد/ افراد در فعالیتهای دیگران برخلاف میل و ارادۀ آنان است؛ با این ادعا که فرد/ افراد یا دولت و حکومتِ مداخلهگر در «آزادی شخص/ اشخاص»، منافع ایشان را بهتر از خودشان تشخیص میدهد و با اقدامات خود، از اضرارشان به خود جلوگیری میکنند. به باور او «قیّمسالاری»، در سطح نظری، با این پرسش سروکار دارد که چگونه و چطور با افراد در شرایطی که کاملاً عقلانی نیستند و عقلانی عمل نمیکنند باید رفتار کرد (Dworkin, 2020: preface).
برایان بیکس[31] نیز در تعریف «قیّمسالاری» اینگونه مینویسد: «این اصطلاح [...] به موقعیتهایی اشاره میکند که حکومت به روش حمایتگرایانه [= قیّمسالارانه] با شهروندانش رفتار میکند؛ به همان روشی که والدین با فرزندان نابالغشان که قدرت محافظت از خود را ندارند، برخورد میکنند [...] بر اساس [این نظر]، اقدامات حمایتی دولت را میتوان بر این پایه توجیه کرد که این نهاد بهتر از خودِ افراد میتواند منافع آنان را حفظ کند.» (بیکس، 1393: 9-178) بر اساس تقریری دیگر، تِن معتقد است: «قیّمسالاری» شامل محافظت از افراد برای جلوگیری از اضرار به خودشان است؛ در شرایطی که تصمیماتشان دچار اختلال شده است [...]» (Ten, 1971: 63). او میگوید، «قیّمسالاری» دخلی به شرارتهای اخلاقی ندارد- مداخلۀ «قیّمسالارانه» تنها زمانی مصداق مییابد که تصمیم عامل دچار اختلال شده است. اما اینکه چرا تصمیمات مختلشدۀ فرد تجویزی برای مداخلات «قیّمسالارانه» بهشمار میآید، او در اینباره چهار احتمال را ذکر میکند:
1- ممکن است با گروههای خاصی از افراد، مانند افراد کمهوش یا افراد غیرعادی از نظر ذهنی و نیز بیماران روانی، سروکار داشته باشیم. این افراد از ظرفیتهای یکسانی بسان افراد بالغ عادی برخوردار نیستند و تصمیماتشان تحت عوامل آسیبزاست؛
2- ممکن است در تصمیمگیرهایشان فقدان یا کمبود دانش وجود داشته باشد؛ چه اینکه محتمل است عامل کاری را انجام دهد که از عواقب آن ناآگاه است و یا اینکه نسبت به ماهیت عمل آگاه است اما در خصوص عواقب آن بیاطلاع؛
3- احتمال دیگر این است که او از عواقب و پیامدهای عمل خود آگاه باشد اما بهدلیل عدم تعادل احساسی نتواند اهمیت کامل این پیامدها را درک کند و در موردشان قضاوتی عقلانی انجام دهد. این عدم تعادل احساسی میتواند ناشی از غم و اندوه، ناراحتی و پریشانی و یا فشارهای شدید باشد؛ و
4- تصمیمات فرد ممکن است دچار اختلال شوند آن هم به دلیل تأثیرات ناروای بیرونی بر عامل. تأثیرات ناروا و بیمورد، اَشکال مختلفی دارند: از جمله فشارهای اقتصادی و، در مواردی، رسوم و عرفها. [32] بدینسان مطابق تعریف تِن، «قیّمسالاری» و اقدام «قیّمسالارانه»، زمانی عینیت مییابد که تصمیمات فرد بر اساس فروض چهارگانۀ فوق دچار اختلال شده باشد.
يعتقد آخرون أن «الوصاية» هي نوع من الفعل والإجراء (أو العمل، أو القانون، أو السياسة، إلخ) يكون الدافع وراءه الإيثار/الغيرية [33]، والاعتقاد بأداء واجب خيري، ودوافع من هذا القبيل. يؤمن «الوصي» بأن تدخله يصب في مصلحة هدفه، وأن هذه المصلحة تبرر التدخل (Scoccia, 2018: 12). لكن من منظور سكوتشيا، فإن الدوافع الخيرية وحدها، وفقًا للتقرير أعلاه، لا تفي بالغرض على النحو المطلوب. لنفترض أن شخصًا عطشان ويطلب مني أن أمنحه جرعة ماء من إنائي. أفعل ذلك، ولا شك في أن فعلي الخيري قد جلب له منفعة، لكن فعلي ليس فعلًا «وصائيًا»، لأنه لا «يتداخل» مع أي من خياراته. بناءً على ذلك، لا يوجد سبب مبرر «وصائي» لفعلي (Scoccia, 2018: 12). وكما جادل كال غيرل[34]، فإن مفهوم السبب المبرر في «الوصاية» يجب أن يكون «مركبًا» من فعل (= تدخل) وتبرير.[35] في هذه الحجة، يشير التبرير إلى خير ومصلحة الشخص الذي يُتدخل في اختياره، لا إلى خير ومصلحة الآخرين. هذه المسألة، أي مصلحة الشخص الخاضع للحماية لا مصلحة الآخرين، هي سبب «وصائي» يميزه عن منطق تدخل الفرد والدولة و/أو الحكومة «لمنع الإضرار بالآخرين»[36] (Scoccia, 2018: 12).
على أية حال، وبالنظر إلى التعريفات المقدمة من بعض الفلاسفة، فإن تعريفنا الإجمالي للنظام الفكري «الوصائي» هو على هذا النحو: «الوصاية» هي فعل وإجراء يتم بالتدخل في «حرية الشخص/الأشخاص» وبهدف تحسين ظروف الشخص الذي تم التدخل في أنشطته. السبب الرئيسي والأساسي للقيام بهذا الإجراء التدخلي، والذي هو على أية حال «مقيد للحرية الفردية»، هو منع الشخص من الإضرار بنفسه. بعبارة أفضل، «الوصاية» ليست إجراءً لمنع فعل أو أفعال تضر بالآخرين (= قاعدة لا ضرر)، بل إن منع الشخص من الإضرار بنفسه هو موضوع مباحث «الوصاية» فحسب. كذلك، عندما يختار الفرد من بين الخيارات المختلفة ذلك الخيار الذي يسبب له الضرر، يمكن و/أو ينبغي «للوصي» أن يتدخل لمصلحته في «حرية» اختياره وأن يحذف أو يمنع الخيار/الخيارات الضارة التي لا منفعة فيها للفاعل. بالطبع، نظرتنا إلى مقولة «الوصاية» موجهة فقط إلى إجراءات الدول و/أو الحكومات لا الأشخاص. النقطة الأخرى المهمة هي أنه في بعض أنواع «الوصاية»، مثل «الوصاية المعتدلة»[37]، التي سيأتي شرحها قريبًا، قد لا يؤدي منع الشخص من الإضرار بنفسه إلى نتيجة، وقد لا يفضي منع الشخص من إلحاق الضرر بنفسه إلى النتيجة التي يسعى إليها «الوصي».
2- أنواع مختلفة من الوصاية
لـ«الوصاية» أنواع وأقسام، القاسم المشترك بينها جميعًا هو منع الشخص من الإضرار بنفسه. وهكذا، قام بعض فلاسفة الأخلاق والسياسة والقانون، بناءً على تصورهم الخاص لمفهوم «الوصاية»، بتقسيم هذا المفهوم من منظورات مختلفة، ذات طبيعة «معيارية»، إلى أنواع مختلفة. فيما يلي نشرح ونبين بعضًا من هذه التقسيمات.
1-2- «الوصاية المعتدلة» في مقابل «الوصاية المتشددة»[38]: يكون الإجراء «الوصائي» في «الوصاية المعتدلة» مبررًا عندما نعلم ما إذا كان الشخص الذي يتم التدخل في أنشطته يتصرف طوعًا وعن وعي أم لا. على سبيل المثال، شخص ينوي عبور جسر متهدم (المثال الشهير لجون ستيوارت مل)[39] ولا نستطيع التحدث معه وإبلاغه بالخطر بسبب لغته اليابانية. هنا يجب على «الوصي» أولاً أن يمنعه قسرًا وبالقوة من عبور الجسر حتى يتمكن من إطلاعه على حالة الجسر. لكن إذا كان هذا الشخص على علم بتهدم الجسر وينوي الانتحار، فلا يحق «للوصي» منعه من هذا الفعل (Dworkin, 2020: § 2.1). هذا هو نفس القسم من «الوصاية» الذي يشير إليه التعريف الذي قدمناه لـ«الوصاية» في نهاية القسم السابق. في هذه الحالة، قد لا يؤدي الإجراء «الوصائي» إلى نتيجة ومنع الشخص من إيذاء نفسه. يرى فاينبرغ، على عكس ج. دوركين، أنه عندما يكون هناك شخص مخمور وقد تقبل مخاطر القيام بأعمال خطيرة، أو مريض فصام بارانويدي يشرب سائلًا سامًا خلال فترة ذهانه بسبب عدم وعيه، فإنه يمكن منع الشخص من القيام بذلك، لأننا في مثل هذه المصاديق نواجه اختيارات غير إرادية بالأساس. يُدرج فاينبرغ هذا النوع من «الوصاية» تحت «الوصاية المعتدلة» (Feinberg, 1986: 12).[40]
في مثال العابر الذي يسير على جسر متهدم، تقول «الوصاية المتشددة» إنه يمكن، على الأقل في بعض الحالات، منعه من السير عليه حتى مع علمه بحالة الجسر. وبذلك يمكننا منع انتحاره الطوعي (Dworkin, 2020: § 2.1). ويعتقد فاينبرغ أيضًا أننا في «الوصاية المتشددة» نتعامل مع اختيارات الفرد الإرادية (Feinberg, 1986: 12).
على الأقل بخصوص «الوصاية المعتدلة»، يمكن الإشارة إلى مسألة «التطعيم العام» في زمن «جائحة كورونا» في معظم البلدان، حيث أجبرت الحكومات و/أو السلطات عمومًا الأفراد على التطعيم، وفي حال عدم امتثال الأفراد ومنعهم من تلقي اللقاح، كانت حكوماتهم تحرمهم من بعض الخدمات الاجتماعية. بغض النظر عن مدى تنفيذ هذا الإجبار وضماناته التنفيذية ونجاحه، ودون النظر إلى أن معظم الحكومات الليبرالية كانت في المقام الأول تفعّل التطعيم «لمنع الإضرار بالغير»، يمكن اعتبار هذا الإجراء من الحكومات و/أو السلطات نوعًا من الإجراء «الوصائي»، وبالطبع من نوع «الوصاية المعتدلة»؛ أي أنه كان من المهم في المقام الثاني منع الشخص من إيذاء نفسه، لأن الفرد في «الوصاية المعتدلة» لا يميل ولا يريد، بسبب حالته الجسدية أو النفسية، أن يتدخل أحد في حريته في التصرف ويمنع أفعاله الضارة.
2-2- «الوصاية الضيقة» [41] في مقابل «الوصاية الموسعة»[42]: النوع الأول يتعلق فقط بمسألة الإكراه من قبل الدولة و/أو السلطة، أي الإلزام والإجبار القانوني، والثاني يتعلق بأي نوع من الإجراءات «الوصائية» بغض النظر عن هوية «الوصي». الإجراء الإجباري الذي يتم في النوع الثاني يوسع نطاق شمول المتدخلين ليشمل الإكراه الحكومي و/أو السلطوي، والمؤسسي (مثل سياسة مستشفى)، وكذلك إجراءات الشخص/الأشخاص (Dworkin, 2020: § 2.2). بعبارة أخرى، تشمل «الوصاية الموسعة» الإكراه من أي مصدر، بما في ذلك المؤسسات الخاصة والعائلات والأفراد، «لتقييد الحرية» أو مراقبة أفعال الفرد، بينما تشمل «الوصاية الضيقة» فقط الإكراه من قبل الدولة و/أو السلطة.
3-2- «الوصاية الضعيفة»[43] في مقابل «الوصاية القوية»[44]: في «الوصاية الضعيفة» ينصبّ التركيز على تدخّل «الوصيّ» في فعالية الأساليب والوسائل التي يستخدمها الفاعلون. على سبيل المثال، إذا كان شخص ما يفضّل السلامة حقاً على الراحة، فإن إجباره على ربط حزام الأمان (= التدخل في الأسلوب والوسيلة) يُعدّ مشروعاً. بعبارة أخرى، إن التدخل في الأسلوب يمنع الشخص من الإضرار بنفسه (Dworkin, 2020: § 2.3). ومع أننا لسنا هنا بصدد بيان «قاعدة لا ضرر»، إلا أنه في المثال الذي أورده ج. دوركين، فإن عدم ربط حزام الأمان يمكن أن يكون عاملاً للإضرار بالآخرين أيضاً. من بين الأمثلة على ذلك أن عدم القيام بهذا الفعل وعدم ربط حزام الأمان يضغط على النظام العلاجي للدولة و/ أو الحكومة ويُحمّلها تكاليف – وبهذا الفرض، فإن الإضرار بالآخرين متصوَّر يقيناً.[45]
أما «الوصيّ القوي»، بتعبير ج. دوركين، فيعتقد أنه عندما يُحتمل أن تكون لدى الأفراد أهداف خاطئة أو مبهمة أو غير منطقية، فإنه من المشروع والمبرَّر أن نتدخل لمنعهم من بلوغ هذه الأهداف. إذا كان سائق دراجة نارية يفضّل حقاً هبوب الريح في شعره على زيادة السلامة، أي وضع خوذة السلامة، فإن من المبرَّر أن يستخدم خوذة السلامة أثناء قيادة الدراجة النارية، لأن أهداف هؤلاء الأشخاص غير منطقية أو خاطئة (Dworkin, 2020: § 2.3). بعبارة أخرى، هنا يؤدي التدخل في الهدف إلى منع الشخص من الإضرار بنفسه.
لبعض الكتّاب الآخرين رأي مختلف حول هذين القسمين من «الوصاية» عمّا بيّناه عن ج. دوركين. فبحسب اعتقاد هؤلاء الكتّاب، في مجال المسائل الطبية، تنطبق «الوصاية القوية» على الشخص/ الأشخاص الذين يتمتعون بالاستقلال الذاتي، وتكون «الوصاية» ذات مصداق حيث يمكن لهؤلاء الأشخاص المستقلين ذاتياً، في اختياراتهم وإجراءاتهم، أن يلحقوا الضرر بمصالحهم الفضلى بفعل القرارات التي يتخذونها. كما أن الإجراء «الوصائيّ» في هذه الحالة ينتهك اختيارات وإجراءات الشخص المستقل ذاتياً. في المقابل، وفي «الوصاية الضعيفة»، تكون اختيارات أو إجراءات الشخص المعنيّ غير مستقلة ذاتياً أساساً. على سبيل المثال، المريض الذي يفتقر إلى الاستقلال الذاتي الكامل ولا يستطيع أن يقرر بشكل مستقل وبإرادته، فإن «مبدأ الإحسان»[46] لا يتعارض البتة مع احترام استقلالية الفرد. لننظر إلى مريض نفسيّ في وضع لا يستطيع فيه القيام بإجراء عن إرادة حرة ويفتقر إلى القدرة الذهنية لتقديم الموافقة الواعية بغرض العلاج. قد يعترض هذا المريض على علاج معين يعتقد الطبيب أنه ضروري له. بناءً على ذلك، فإن «مبدأ الإحسان» الذي لا ينفي استقلالية هذا الفرد/ هؤلاء الأفراد، يقدم تبريراً واضحاً وسهلاً للتغلب على اعتراض المريض على العلاج – لا سيما إذا كان الإجراء «الوصائيّ» يؤدي إلى فائدة كبرى في صحة المريض، تكون ضرورية جداً أيضاً (Childress, 2015: 37-8).
ومع ذلك، وبحسب اعتقاد البعض، وعلى خلاف المقاربة السابقة، فإن التدخل في اختيارات وأعمال الشخص/ الأشخاص في «الوصاية الضعيفة» يؤدي إلى انتهاك استقلاليتهم الذاتية، وذلك لأن الشخص الذي يُتدخَّل في نشاطه قد استخدم وسائل وأدوات غير صحيحة للوصول إلى مقصده. بينما في «الوصاية القوية» يتم التدخل فقط في أهداف الشخص عندما تكون هذه الأهداف مغلوطة ومعيبة، وليس في الوسائل والأدوات التي اعتبرها الشخص للوصول إلى الهدف (Birks, 2014: 485). ومن هنا، فإن التدخل في الأهداف أساساً لا يؤدي إلى انتهاك استقلالية الفرد الذاتية، بل إن التدخل في الأدوات والوسائل التي يفضّلها الشخص للوصول إلى هدفه هو ما يُعتبر ناقضاً للاستقلال الذاتي.
4-2- «الوصاية الخالصة»[47] في مقابل «الوصاية غير الخالصة»[48]: يشير ج. دوركين في معرض حديثه عن هذين القسمين من «الوصاية» إلى نقطة مفادها أن «الوصاية» لا تتضمن بالضرورة منع الأنشطة التي يتضرر من خلالها شخص/ أشخاص ثالثون. يكتب ذاكراً مثالاً: «لنفترض أننا نمنع الأفراد من إنتاج السجائر، لأننا نعتقد أن تدخين السجائر مضر بالمستهلكين. المجموعة التي نسعى لحمايتها هي المستهلكون وليس المنتجون الذين قد لا يكونون أصلاً من مدخني السجائر. سبب تدخلنا في نشاط المنتج هو أنه يلحق الضرر بالآخرين. ومع ذلك، فإن التبرير الأساسي لهذه المسألة هو تبرير ‹وصائيّ› (وليس مبدأ الإضرار بالغير الذي يستلزم التدخل في خيارات المنتج)، لأن المستهلك هو الذي يرضى بالضرر [ويجب حمايته منه]» (Dworkin, 2020: § 2.4). وهو يعتقد أن هذه المسألة ليست كالحالة التي نمنع فيها نشاط منتجي السجائر بسبب تلوث الهواء (Dworkin, 2020: § 2.4). وبناءً على هذه الإيضاحات، يرى أنه في «الوصاية الخالصة» يكون أولئك الذين قُيّدت «حريتهم» هم أنفسهم الذين تتم حمايتهم في مسألة الإضرار بالذات - مثل منع السباحين من السباحة في الأوقات التي لا يتواجد فيها منقذ. وفي النقطة المقابلة، وفيما يخص «الوصاية غير الخالصة»، فإن الفارق الوحيد عن الحالة السابقة هو أن طبقة الأفراد الذين يُتدخل في نشاطهم أوسع من طبقة الأفراد الذين تشملهم الحماية (Dworkin, 2020: § 2.4).
وبعبارة أوضح، في «الوصاية الخالصة»، تكون طبقة الأفراد الذين قُيّدت «حريتهم» مساوية لطبقة الأفراد الذين ترتقي مصالحهم بفعل القيود. أما في «الوصاية غير الخالصة»، فإننا إذ نسعى لحماية طبقة من الأفراد، نجد أن السبيل الوحيد للقيام بذلك هو «تقييد حرية أفراد آخرين» عدا أولئك الذين ينتفعون من هذا التقييد. قد يُتصور الآن أنه لا توجد أي حالة أو مصداق من «الوصاية»، لأن مثل هذه الحالة يمكن دوماً تبريرها بأسباب «غير وصائية»، أي منع الإضرار بالآخرين. وهكذا قد نمنع منتجي السجائر من مواصلة إنتاج منتجاتهم، بداعي أننا نريد منع إصابة الآخرين بالمرض. في هذا الفرض، وعلى عكس انبعاث الملوثات في الجو من قِبل المنتج (وهو عامل لإحداث مخاطر تضر بالبيئة)، فإن هذا الضرر يكون على نحو يمكن للأفراد المتضررين، أي مستهلكي السجائر، تجنبه. إن الفارق بين الإضرار بالغير والإضرار بالذات، حيث لا يكون الإجراء «الوصائيّ» مبرراً إلا في الحالة الأخيرة، يظهر بوضوح في تقرير ج. دوركين هذا حين يقول: «إن إلحاق الأذى والضرر [...] يستلزم تعاون الضحية [أي المستهلك] الفاعل.» (Dworkin, 1972: 67-8) وبكلمة أخرى، إن المستهلك نفسه هو الذي: أولاً، يرضى بضرر نفسه، وثانياً، يشارك بنفسه في هذا الفعل الضار ويصبح عاملاً في الإضرار بنفسه. ومن هنا، فإن منع نشاط منتجي السجائر ليس بسبب الضرر الذي تلحقه هذه المنتجات بالآخرين، بل إن هذا المنع، من منظور «الوصاية»، هو لمنع المستهلكين من إلحاق الضرر بأنفسهم. ومن الخطأ، نظرياً وعملياً، أن ندّعي أن تدخلنا في مثل هذه الحالات هو تماماً كتدخلنا للحماية من الإضرار بالآخرين.[49]
5-2- «الوصاية العواقبية/ المصلحية»[50]: في هذه القراءة، يكون الهدف هو حماية مصالح الشخص على المدى البعيد. فعلى سبيل المثال، يُبرر منع العقاقير المنشّطة شديدة الإدمان من هذا المنظور بأن استخدام هذه العقاقير، وإن كان يسبب السعادة[51] ، إلا أن منع استخدام مثل هذه العقاقير سيؤدي، في المقابل، إلى زيادة استقلالية الأفراد على المدى الطويل؛ أي «التقييد المقطعي لاستقلالية الفرد لصالح اكتسابها (= الاستقلالية) على المدى البعيد» (Scoccia, 2018: 16). ويعتقد ج. دوركين بخصوص المثال أعلاه أيضاً أنه من خلال الإجراءات «الوصائية»، يكون ضمان الاستقلالية على المدى البعيد رهناً في بعض الأحيان بتقييد استقلالية الفرد على المدى القصير (Dworkin, 2020: § 3).
6-2- «الوصاية القانونية»[52]: يُعرّف هربرت هارت مفهوم «الوصاية القانونية» من خلال بيان قاعدة قانونية في القانون الجنائي الإنجليزي على النحو التالي: «[...] هذه القاعدة القانونية في قانوننا الجنائي والتي تقضي بأن رضا الضحية لا يُعتبر دفاعاً في مواجهة تهمة القتل العمد أو الضرب والجرح العمد [من قِبل المتهم] [...] يمكن شرحها كمثال على الوصاية القانونية: استخدام القانون لمنع الشخص من إيذاء نفسه أو [إعطاء] رضا مؤثر للآخرين لإلحاق الضرر والأذى به.» (Hart, 1963: viii) يقدم هارت مثالاً آخر لصالح «الوصاية القانونية». يقول: إن عرض وبيع الأدوية أو المواد المخدرة والمسكنة، حتى للبالغين، لا يجوز إلا بوصفة طبية ولأغراض علاجية، وهذا الأمر يعاقب عليه القانون الجنائي. يعتقد هارت أنه من الدوغمائية الشديدة القول بأنه «يوجد تفسير واحد فقط» للقانون الذي أوجد هذه الجريمة، وهذا التفسير هو أن القانون ليس معنياً بحماية المشترين من إيذاء أنفسهم، بل يهتم فقط بمعاقبة البائع بسبب فعله اللاأخلاقي. لذلك، إذا كانت «الوصاية» تفسيراً وشرحاً ممكناً في تبرير مثل هذه القوانين، فإن «الوصاية القانونية» يجب أن تنطبق أيضاً، من حيث المبدأ، على قاعدة عدم رضا الضحية (Hart, 1963: 32).[53] ومع ذلك، يقدم هارت في القانون والحرية والأخلاق[54] تفسيراً غامضاً لـ«الوصاية». فهو من جهة يُعرّف «الوصاية» بأنها «لحماية الشخص ومنع إيذاء النفس» (Hart, 1963: 31)، وهو التعريف المبرر لـ«الوصاية» الذي يتفق عليه معظم المنظرين، ومن جهة أخرى يعتبر «الوصاية» بأنها «منع إيذاء الغير وليس منع إيذاء الشخص لنفسه». تفسيره الخاطئ لـ«الوصاية»، أو ما يسميه «الوصاية القانونية»، يظهر في المثال الذي يسوقه حول قوانين منع القسوة على الحيوان. وهو يعتقد في هذا الصدد: أن الإجراء «الوصائي» بشأن القسوة على الحيوان يعود إلى أن هذا المنع هو بسبب معاناة الحيوانات وليس بسبب كون تعذيبها لا أخلاقياً (Hart, 1963: 34). لكن السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل الحيوان هو الفاعل لإيذاء نفسه حتى يمكن اعتبار منع معاناته إجراءً «وصائياً»؟ من حيث المبدأ، في هذه الحالة، الآخرون هم الذين يؤذون الحيوان، وبناءً على منطق «قاعدة لا ضرر» يجب منع مثل هذا الفعل.[55]
أما رأي فاينبرغ بشأن «الوصاية القانونية» فهو أن قسماً من الممنوعات المتعلقة بالانتحار، والموت الرحيم، والسُكر، وحيازة واستخدام العقاقير المهلوسة، وأنواع المقامرة والمراهنة المختلفة، وكذلك الإلزامات المفروضة بواسطة ضمانات التنفيذ الجنائية، مثل ربط حزام الأمان، واستخدام خوذة الأمان، ومسائل من هذا القبيل، هي بعض المصاديق التي تُناقش في مجال «الوصاية القانونية»؛ وهو يعتقد أن هناك دائماً سبباً مبرراً وصادقاً لدعم القوانين الجنائية لكي تمنع بطريقة منطقية الشخص/ الأشخاص الذين يضرون بأنفسهم من خلال مثل هذه الأفعال (Feinberg, 1984: 12-13). ومن البديهي أن هذا النوع من الوصاية يتداخل مع ما ذكرناه من «الوصاية الموسعة»: «وصاية الدولة من خلال أداة القانون».
أما النوع الأخير من الوصاية الذي نعتبره في هذه المقالة أهمها، فهو «الوصاية الأخلاقية»، وهي خلافاً لسائر أنواع «الوصاية»، تحتاج إلى مزيد من الشرح والإيضاح، لأن هذا المفهوم يُخلط أحياناً بـ«الإيمانوية الأخلاقية»، أو ما يُعرف بـ«الإيمانوية الأخلاقية القانونية» [56]. وذلك في حين أن ثمة فروقاً شاسعة وجوهرية بين مفهومي «الوصاية الأخلاقية» و«الإيمانوية الأخلاقية القانونية». في القسم التالي، سنناقش بإيجاز القراءات التي أُنجزت حول هذه المفاهيم والمصطلحات، كما سنقدم نقداً موجزاً لرؤية باتريك دفلن. وسبب نقد ودراسة رؤية دفلن هو أنه أدرج، بعبارة غامضة ومبهمة، «الإلزام القانوني للأخلاق»[57]، أي «الإلزام القانوني للأخلاق العرفية»[58] تحت «الوصاية الأخلاقية»، في حين أن قراءته لهذا الإلزام لا تمت بصلة لما قصدناه من «الوصاية».
3- الإيمانوية الأخلاقية
«الإيمانوية الأخلاقية» التي يُشار إليها عادةً بـ«الإيمانوية الأخلاقية القانونية» أيضاً، والتي يدافع أنصار هذا التوجه عن «القوانين الأخلاقية»[59]، هي، وفقاً لرأي الفلاسفة، إجراء يتدخل بموجبه المشرعون في سبيل «تقييد حرية الأفراد» لأن نشاطهم يُعتبر غير أخلاقي من منظور «الأخلاق المتعارفة والمألوفة في المجتمع» – بغض النظر عن عدم وجود أي عامل مضر أو ضار حتى بالشخص نفسه. أما في «الوصاية الأخلاقية»، فالهدف هو مجرد منع الضرر الأخلاقي الذي يلحقه الشخص بنفسه، ويمكن و/ أو ينبغي منع هذا الضرر. لدى ليو زايبرت[60] وفاينبرغ تصور مختلف لـ«الإيمانوية الأخلاقية القانونية». فبحسب اعتقاد هذين المفكرين، كل ما هو خاطئ ومخطئ أخلاقياً، بغض النظر عما إذا كان هذا الفعل الخاطئ أخلاقياً يضر بأحد أم لا، ينبغي منعه (Feinberg, 1988: ix; Zaibert, 2011: 142). وهذا التعريف بالطبع ينطبق على ما كان في نظر دفلن، لا على ما يعتقده ستيفن وجورج، لأن هذين المفكرين يعتبران منع إضرار الشخص بنفسه أيضاً مصداقاً من مصاديق «الإيمانوية الأخلاقية».
لفهم التمايز القائم بين «الإيمانوية الأخلاقية القانونية» و«الوصاية الأخلاقية» بشكل أفضل، دعونا نشرح بإيجاز التقرير الذي قدمه فاينبرغ في أحد مجلدات الحدود الأخلاقية للقانون الجنائي[61]. إنه يعتقد أنه في «الإيمانوية الأخلاقية القانونية» تكون مسألة امتلاك الدولة و/ أو الحكومة للشرعية الأخلاقية لمنع أنواع معينة من الأعمال والإجراءات التي ليست ضارة ولا مهينة، مسألة مشروعة. أما «الوصاية القانونية الإيمانوية الأخلاقية»[62]، أو ما يُعرف بـ«الوصاية الأخلاقية»، فهي في سياق دعم منع ما لمنع الضرر الأخلاقي (لا الضرر الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي) الذي يلحقه الشخص بنفسه (Feinberg, 1984: 27).
النقطة المهمة في تعريف «الإيمانوية الأخلاقية» هي أن طائفة من الأعمال «اللاأخلاقية/ المنافية للأخلاق»، سواء أكانت ضارة بالفاعل أم لم تكن، ينبغي منعها. هذه المسألة بالذات، أي كون الفعل ضاراً بالفاعل أو غير ضار، تقسم «الإيمانويين الأخلاقيين القانونيين» إلى فئتين؛ وإن كانوا جميعاً يلتفتون إلى أخلاقية الفعل أو لا أخلاقيته بناءً على «الأخلاق المتعارفة». فئة منهم، مثل ستيفن وجورج، تعتقد أن بعض الأعمال «اللاأخلاقية/ المنافية للأخلاق»، كـ«المثلية الجنسية» مثلاً، ينبغي منعها لأنها مضرة بالفاعل و/ أو الفاعلين. وبالقيام بهذا العمل ومنع مثل هذه الأفعال، تتحسن شخصية الأفراد أو، على الأقل، يُمنع المزيد من تدهور وانحطاط شخصياتهم، وبالتالي، تعود عليهم بفوائد قيّمة (Scoccia, 2000: 53). أما الفئة الثانية، وأبرز ممثل لها هو دفلن، فتعتقد أن الضرر الأخلاقي للفاعل هو أمر غير ذي صلة أساساً بمنعه من القيام بعمل «لاأخلاقي/ منافٍ للأخلاق»، والمهم هو منع أنشطة مثل «المثلية الجنسية»، ليس بسبب إضرار الشخص بنفسه، بل بسبب الضرر الذي تلحقه مثل هذه الأعمال بمعتقدات المجتمع المتعارفة، التي هي عامل للتضامن.
يعتقد دفلن أن فعلاً «غير أخلاقي/ منافٍ للأخلاق» مثل «المثلية الجنسية»، بما أنه يقوّض أسس المجتمع ويُعد إجراءً مخالفاً لـ«الأخلاق المتعارَف عليها» في المجتمع، يجب منعه وتجريمه. إن أخلاق دفلن لا تعتبر إضرار الشخص الأخلاقي بنفسه معياراً لمنع فعل «غير أخلاقي/ منافٍ للأخلاق» على الإطلاق، ومن ثم فإن هذه القراءة هي مثال بارز على «الإيمانوية الأخلاقية القانونية» لا «الوصاية الأخلاقية».
ومما يجدر ذكره أيضاً أنه بخصوص مسألة «الموت الرحيم»، يعتقد هارت أنه يمكن منع هذا الإجراء استناداً إلى «الوصاية القانونية» والحيلولة دون إضرار الشخص بنفسه. كما يستخدم هارت مصطلحاً آخر لتبرير عدم قانونية هذه المسألة، أي «الموت الرحيم»، ألا وهو: «الوصاية الجسدية». وهو يعتقد أنه ينبغي منع الفرد من فعله لأنه في هذه المسألة هو المتسبب في الإضرار بجسده (Hart, 1963: 33-38; Rose, 1966: 148; Finnis, 2009: footnote 73). من فوائد «الوصاية الجسدية» التي يقصدها هارت، والتي يمكن أن تُساق ضد حجج دفلن أيضاً، هي أنه مثلاً في مسائل مثل «المثلية الجنسية» أو «الإباحية»، بما أن الإضرار الجسدي بالشخص غير متصور، لا يمكن اللجوء إلى مفهوم «الوصاية» لمنع هذه الإجراءات، لكن دفلن للأسف يُدرجها تحت «الوصاية الأخلاقية» ويعتقد بوجوب منعها قانوناً.
على أية حال، يضع دفلن نفسه في مواجهة قراءة هارت ويعتقد أن منع فعل كهذا (= الموت الرحيم) يُعرّف ضمن إجراءات «الوصاية الأخلاقية». يكتب دفلن في كتاب إلزام الأخلاقيات[64] هكذا: «[... عقاب الموت الرحيم] أي عقاب سلوك يعتقد المجتمع أنه مضر من الناحية الأخلاقية، وهذا [يعني ...] تطبيق للقانون الأخلاقي [= الإيمانوية الأخلاقية القانونية].»[65] من الواضح أن منع فعل كهذا، حسب تعريف دفلن، قائم على أساس «كون الفعل غير أخلاقي/ منافٍ للأخلاق» وليس بهدف منع الإضرار الجسدي للشخص بنفسه. وبناءً على ذلك لا يمكن قبول ادعائه غير المدروس والسطحي بأنه يقدم نفسه «وصياً أخلاقياً». وهكذا، وبالنظر إلى السياق الذي يدافع فيه دفلن عن موقفه في مواجهة قراءة هارت، ينبغي وضع أربع نقاط مهمة في منظور دفلن بعين الاعتبار:
1- قراءته، خلافاً لادعائه، ليست «وصائية»، لأن الشخص في هذه القراءة ليس هو المتسبب في الإضرار بنفسه.
2- بما أن معيار وملاك منع بعض الأفعال في نظره ليس عدم إضرار الشخص بنفسه، فإن قراءته هي قراءة «إيمانوية أخلاقية» لا «وصائية».
3- الأخلاق في نظر دفلن هي ما يقوم المجتمع بتعريفه ورسم حدوده. المهم بالنسبة لدفلن هو أن إضرار الفرد بنفسه ليست له أية أهمية، بل ما يجب أن يبقى صامداً بأي ثمن هو «المعتقدات الأخلاقية المتعارَف عليها والسائدة في المجتمع».
4- لا يمكن حتى تسمية دفلن «وصياً جسدياً»، وذلك لأن منع مسائل مثل «الموت الرحيم» أو «المازوخية»، حتى لو كانت برضا الشخص، هو حسب تعريفه ليس من جنس «الوصاية الجسدية» بل من جنس «الوصاية الأخلاقية».
وبالنظر إلى النقطة الثالثة، هناك مسألتان بخصوص أخلاق دفلن و«الإيمانوية الأخلاقية القانونية» التي يقصدها، بحاجة إلى إيضاح:
1-3- إن نظرة دفلن «الإيمانوية الأخلاقية» تكتسب معناها تحت تأثير «الأخلاق المتعارَف عليها والسائدة». كان دفلن مهتماً بـ«الأخلاق المتعارَف عليها»؛ الأخلاق التي هي عامل للتضامن الاجتماعي وعامل لإبقاء المجتمع واقفاً على قدميه، ولا ينبغي المساس بأسس هذه الأخلاق مطلقاً. إن منع الأنشطة «غير الأخلاقية/ المنافية للأخلاق»، مثل «المثلية الجنسية» التي تعتبرها أخلاق دفلن «مناهضة للأخلاق/ مضادة للأخلاق» (!)، وليس حتى «غير أخلاقية/ منافية للأخلاق»، ليس بسبب الضرر الذي يلحق بالفاعل (على افتراض أن وقوع الضرر في مسألة مثل «المثلية الجنسية» متصور أصلاً) بل لأنها تُعتبر إهانة للمعتقدات الأخلاقية السائدة والمتعارَف عليها (شريطة أن يُعتبر فعل كهذا إهانة بالطبع). استناداً إلى رؤية دفلن:
يرى دفلن أن من حق المجتمع أن يعاقب أي نوع من السلوك الذي يعتبره الأفراد العاديون في المجتمع «غير أخلاقي/ منافٍ للأخلاق» بشدة. كان يعتقد أن الضرر لا علاقة له أساسًا بسن القانون، وأن أساس المجتمع يُصان من خلال الأخلاق التقليدية المقبولة عمومًا. فالتماسك الاجتماعي يتآكل عند ارتكاب أفعال وسلوكيات «غير أخلاقية/ منافية للأخلاق»، حتى لو حدثت هذه الأفعال في الخلوة، وحتى لو لم يتسبب القيام بها في ضرر لأي شخص.[66]
كذلك، وتأكيدًا مجددًا على أن نظرة وقراءة دفلين هي «إيمانوية أخلاقية» وليست «وصائية»، وأن الضرر الأخلاقي الذي يلحق بالأفراد ليس ذا أهمية على الإطلاق من منظوره، يكتب كريستيان يوبكه[67] في هذا الشأن: من وجهة نظر دفلين، فإن جعل المجتمع أخلاقيًا من خلال القانون لا يهدف حتى في المقام الأول إلى منع الضرر عن المواطنين (وهو ما يؤكد عليه ميل)، بل هدف القانون هو حماية الأخلاق وصيانتها - أخلاق هي أسمى وأسبق من الأفراد (Joppke, 2014: 594).
كان دفلين يعتقد أن أحد الأفعال «غير الأخلاقية/ المنافية للأخلاق» التي تتناقض وتتعارض بشدة مع الأخلاق المقبولة في مجتمع زمانه، والتي يجب تجريمها، هي مسألة «المثلية الجنسية» - حتى لو وقع الفعل «المثلي» في الخلوة وبالتراضي بين شخصين بالغين.[68] في هذا الصدد، دعوني أعود مجددًا إلى نقاش تِن الذي كان يعتقد أن تجويز التدخل في «حرية الأفراد» والإجراءات «الوصائية» يكون مبررًا عندما يحدث خلل في عملية اتخاذ القرار لدى الفاعل. يكتب تِن عن وجهة نظر دفلين: «[...] منع المثليين البالغين، برضاهم الحر، من ممارسة مثل هذا النشاط في الخلوة [...]، بما أن هذا النشاط ينتهك الأخلاق المقبولة في المجتمع، يعني إلزامًا بالأخلاق، لكن هذا المنع لا يمكن تبريره على أساس الوصاية.» (Ten, 1971: 63) يوضح تِن نقده لدفلين بافتراض. يقول: افترض أن شخصين «مثليين»، كلاهما من أعضاء مجتمع تعتبر فيه «المثلية الجنسية» أسمى وأكثر أشكال الرغبة الجنسية احترامًا، يأتيان إلى بلد دفلين، وبعد دخولهما البلاد يواصلان أنشطتهما الجنسية في الخلوة. لنفترض أنه لا يوجد أي اختبار نفسي موثوق علميًا يُظهر أي علامة على الجنون أو الحالات النفسية غير الطبيعية لدى هذين الشخصين، وأنهما على دراية كاملة بالقانون الإنجليزي المتعلق بالعلاقات «المثلية» والأفكار الأخلاقية والدينية ذات الصلة. وأخيرًا، لنفترض أيضًا أن هذين الشخصين لا يعانيان من أي خلل عاطفي، ولا يخضعان لأي نفوذ أو تأثير لعوامل اقتصادية غير مرغوب فيها أو قسرية بشكل واضح. يعتقد تِن أن هذه الشروط واقعية تمامًا، ويمكن أن تحدث وتقع بسهولة في ظروفنا الراهنة، وليست بعيدة عن الذهن على الإطلاق. ثم يستشهد بقول لغلانفيل ويليامز[69] ويكتب أنه من المحتمل أن ويليامز قد سلك الطريق الخاطئ في هذا الشأن أيضًا حين يقول: «المثليون، بشكل عام، هم بوضوح أقل رضىً من المغايرين جنسيًا، ويبدو أن هذا الأمر لا يعود حصرًا إلى نظرة وموقف المجتمع [منهم]، بل إنه ناتج عن عدم قدرتهم على إنشاء علاقات وارتباطات مستقرة، وهو [أي عدم الاستقرار هذا] ما يمكن أن يُعزى بدوره إلى غياب الأطفال بوصفهم [عامل] ترابط وعلاقة.» [70]
على عكس تصوّر ويليامز، يكتب هاري نقلاً عن بعض الخبراء: إنّ العجز عن إقامة علاقات مستقرة وغياب الأطفال، وهي مشكلة يمكن حلّها عبر التبنّي في حال السماح به، يتوقّفان إلى حدّ كبير على نظرة القانون والمجتمع ومواقفهما. من الواضح تماماً أنّ السريّة المفروضة على «المثلية الجنسية» تعود إلى القوانين التقييدية والضغوط الاجتماعية التي دفعت بهؤلاء الأفراد، بدلاً من شركاء ثابتين ودائمين، نحو عدد من الأشخاص المجهولين والمغفلين. ونتيجةً لذلك، ورغم أنّ «المثليين جنسياً» في بلد ديفلين أقلّ رضىً من «المغايرين جنسياً»، إلا أنّ هذا الوضع يمكن أن يتغيّر بتغيير القانون ومكافحة التحيّزات السائدة في المجتمع. وبأخذ هذا الفرض في الاعتبار، فإنّ اختيار نمط حياة «المثليين جنسياً» لا يؤدّي إلى خلق حالة من عدم الرضا، بحيث يدفعنا التصوّر الخاطئ القائل بحماقة هذا القرار إلى الاعتقاد بأنّ هذا الاختيار، أي «المثلية الجنسية»، يعاني من خلل في الأساس والجوهر (Häyry, 1992: 199)- وأن نقول كما يقول ديفلين إنّه من منظور أخلاقي، ينبغي للقانون أن يمنع «المثلية الجنسية» ويقيّد «حرية الأفراد». ومن المفارقات أنّ من واجب القانون أن ينبذ المعتقدات العرفية «المناهضة للأخلاق/اللا أخلاقية» وأن «يكسو قباء القانون» «المبادئ الأخلاقية الحقيقية والصادقة»، بمعناها «المعياري/المثالي»، لأنّ القانون قادر و/أو ينبغي له أن يؤثّر على «الأخلاق المتعارَف عليها»- بالطريقة نفسها التي «يؤثّر بها منع التمييز العنصري بوساطة القانون على مواقف العامّة ويغيّر الحساسيات المتعارَف عليها والمرعية بخصوص أنّ الجلوس إلى جانب شخص أسود البشرة في طاولة الغداء يُعدّ إهانة.» (Fletcher, 1987: 534)
2-3- على عكس مقاربة ديفلين التي تنظر إلى «الإيمانوية الأخلاقية القانونية» من علياء «الأخلاق المتعارَف عليها»، فإنّ «الوصاية الأخلاقية» تُبرَّر على أُسس «الأخلاق المعيارية». «الأخلاق المتعارَف عليها» ذات صبغة «وصفية»؛ «الأخلاق المتعارَف عليها» هي أخلاق «من صُنع البشر»[72] يمكن أن تتضمّن أحكاماً مختلفة ومتباينة من مجتمع إلى آخر (= «النسبوية الأخلاقية»). إنّ أخلاق ديفلين، بحسب ادّعائه هو، لا تقوم على مقدّمات كلامية/لاهوتية وفلسفية، بل هي أخلاق قائمة على التجربة- يمكن العثور على تجلّيها في فهم أعضاء المجتمع. وما يكتسب أهمّية أكبر في هذه الأخلاق هو «قوّة الفهم الشائع والمرعي» لا «قوّة العقل والمنطق» (Devlin, 1965: 15, 17). يقول ديفلين في موضع آخر، مستعيراً من وجهة نظر دين روستو[73] ، إنّ «الأخلاق الشائعة والمرعية في المجتمع»، في أيّ زمان، هي تركيب وتوليف لهذه المفاهيم الثنائية، بشكل متزامن وإلى جانب بعضها البعض: العرف والاعتقاد؛ العقل والعاطفة؛ والتجربة والتّحيّز/الانحياز.[74]
لكنّ السؤال لا يزال مطروحاً: لماذا لا ينبغي لسلوك مثل «المثلية الجنسية» أن يُعتبر تهديداً لـ«الأخلاقيات المرعية» ويكون عاملاً لـ«تقييد حرية» هؤلاء الأفراد؟ للإجابة عن هذا السؤال، نوجّه ثلاثة نقدات إلى نظرة ديفلين «المناهضة للحرية»:
1- يعتقد رونالد دوركين أنّه لا يوجد في قراءة ديفلين أيّ دليل على أنّ «المثلية الجنسية» تتسبّب في أيّ خطر أو تهديد لوجود المجتمع. فديفلين، من دون تقديم أيّ أدلّة أو شواهد، يؤمن فحسب بأنّ الانحراف عن الأخلاق المتعارَف عليها قادر في ذاته على تهديد وجود المجتمع، وبالتالي، لا يمكن إخراج هكذا انحرافات من نطاق القانون (Dworkin, 1966: 922).
2- هذا الادّعاء نفسه طرحه هارت أيضاً، ومفاده أنّ مثل هذه الأفعال لا تعرّض وجود المجتمع للخطر. يقول هارت: «لم يؤيّد أيّ مؤرّخ معتبر هذا الرأي، وفي الواقع ثمّة أدلّة كثيرة ضدّ ادّعاء ديفلين [القائل بأنّ مثل هذه الأفعال تشكّل تهديداً لوجود المجتمع].» (Hart, 1963: 50)
3- يكتب هارت أيضاً في نقد هذه النظرة غير المعقولة و«المناهضة للحرية»: «[...] حين ندرك حقيقة أنّ الأخلاق [المتعارَف عليها] ضرورية لوجود المجتمع، يتّضح أنّ أيّ نوع من الفعل غير الأخلاقي، مهما حدث في الخفاء، ينبغي اعتباره ضارّاً على المدى الطويل، لأنّ هذه الأفعال غير الأخلاقية تدفع بالمبادئ الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع إلى المحاق، ومن ثمّ [فإنّ الأفعال غير الأخلاقية مثل المثلية الجنسية، رغم حدوثها في الخفاء] تعرّض وجود المجتمع للخطر.» (Hart, 1963: 53)
كان دِفلين يرى أن ثلاثة عوامل هي «الغضب» و«الكراهية» و«عدم التسامح» في المجتمع، الناشئة عن «المشاعر والنزعات الأخلاقية» للمجتمع، وليس عن «التفكرات الأخلاقية»، تشكل أسباباً مبررة في يد القانون الجنائي لمنع «المثلية الجنسية» التي تحدث في الخلوة بين بالغين راضين (Devlin, 1965: 17-8). وكأن الأمر من منظور دِفلين أن «صيانة القيم السائدة في المجتمع، وبالتالي صيانة حرية الآخرين» رهنٌ بـ«انتهاك حرية أفراد مثل المثليين جنسياً». وخلاصة القول إنه حتى «الكمالويين» [75] أمثال جوزف راز[76] الذين يعتقدون أن على الحكومة، إلى جانب تهيئة ظروف قيّمة لعيش مواطنيها وتقديم نموذج أمثل للحياة، أن تتخذ إجراءات إيجابية في سبيل إزالة «الخيارات غير المرغوبة»، لا يعتقدون البتة بوجوب التعدي على «الاستقلال الذاتي للأفراد» و«حريتهم»، أو حتى اللجوء إلى إكراه الحكومة لإزالة «الخيارات غير المرغوبة» (Raz, 1986: 417). هذه المسألة هي بالضبط النقطة المقابلة لموقف دِفلين: أي إزالة «الخيارات غير المرغوبة» على حساب «انتهاك حرية الأفراد واستقلالهم الذاتي».
النتيجة
في جميع صور «الوصاية» يجب أن يكون تقييد «حرية» الأفراد قابلاً للتبرير. إن قابلية تبرير تقييد «الحرية» في الإجراءات «الوصائية» تقوم فقط على أساس أن ضرراً ما يهدد الفرد. في «الوصاية»، وإن كان انتهاك «حرية» الأفراد خطأً أخلاقياً، لكن عندما يكون الأفراد في خطر ويحتاجون إلى المساعدة، فعلى الأقل في مثل هذه الحالات، يكون انتهاك «حريتهم» جائزاً أخلاقياً. عموماً، التبرير الذي يُطرح لصالح تقييد «حرية» الأفراد في مجال الإجراءات «الوصائية» هو أن إجراء «الوصي» يصب في مصلحة الفرد الشخصية وبالتالي مصلحة المجتمع. وهناك سبب تبريري آخر للإجراء «الوصائي»، بحسب اعتقاد بعض المفكرين، هو أنه ينبغي الإسراع لمساعدة الفرد ومنعه من إيذاء نفسه حين يكون في ظروف يفقد فيها القدرة على حماية ذاته. إن الحفاظ على مصالح الفرد، وصيانة أولئك غير القادرين على حماية أنفسهم، والتدخل في الأدوات والوسائل التي تعرض الفرد للخطر، أو منع الفرد من استهلاك المواد المخدرة والمنشّية (التي وإن كانت تمنح الفرد سعادة مؤقتة لكنها على المدى الطويل تعرض استقلاليته وإرادته الحرة للخطر) هي من جملة المسائل التي طُرحت لتبرير الإجراءات «الوصائية» ومنع إيذاء الفرد لنفسه وكذلك انتهاك «الحرية الفردية». لا يبدو أنه من الجائز أخلاقياً، على سبيل المثال، ترك الفرد الذي يعاني من مشاكل نفسية ولا يتمتع بعقل سليم ويُقدم على عمل محفوف بالمخاطر. أما في قراءة «الإيمانوية الأخلاقية» فلا يوجد سبب مبرر للتدخل في «حرية الفرد/ الأفراد» – لا إضرار الشخص بنفسه مهم للتدخل في «حريته»، ولا إضراره بالآخرين، وفقط بمجرد أن يقوم الفرد بعمل يخالف «الأخلاق المتعارفة للمجتمع»، يستحق أن يُحرم من «حق الحرية». إن الممثلين الفكريين لـ«الإيمانوية الأخلاقية» يهتمون بالحفاظ على عادات المجتمع وتقاليده؛ مجتمع تبقيه أخلاقه المتعارفة والعرفية قائماً، وأي تعرض لهذه الأخلاق، حتى لو حدث في الخلوة، قابل للعقاب. يمكن بسهولة تصور إلى أي مدى تكون «حرية» الأفراد في هذا التصور مهددة ومُهدرة في كل لحظة. إذا افترضنا أن الحكومة و/ أو الدولة، من أجل الحفاظ على كيان المجتمع، دفعت الأوامر الأخلاقية نحو أحكام «مناهضة للأخلاق/ معادية للأخلاق» وحكمت بأن أعمال وسلوكيات «المثليين»، و«الملونين»، و«الأقليات الدينية»، و«المفكرين المغايرين»... إلخ، تخالف «الأخلاق السائدة والمتعارف عليها»، فهل يمكن عندئذ تصور أي أمان لمثل هذه الجماعات؟ إن أقل رأس مال سيفقده هؤلاء الأفراد هو «الحرية». في «الإيمانوية الأخلاقية»، تحظى الأخلاق المتعارفة بأهمية بالغة حتى لكأن صيانة «حرية» المؤمنين بهذه الأخلاق رهنٌ بانتهاك «حرية» أولئك الذين لا يتعاطفون مع هذه الأخلاق ولا يأبهون لأحكامها. تقوم «الإيمانوية الأخلاقية الديفلينية» على مبدأ أن «اللامبالاة»، و«الغضب»، و«الكراهية»، النابعة جميعها من مشاعر وميول أعضاء المجتمع، إذا ما تفجرت بين أعضاء المجتمع وثقل شيء يشبه هذه المشاعر حول مسائل «الانفلات الأخلاقي» مثل «المثلية الجنسية» في المجتمع، فهي سبب مبرر لتقييد «حرية» الأفراد؛ إن «اللامبالاة»، و«الغضب»، و«الكراهية» من جانب المجتمع، على الأقل بالنسبة لديفلين الإيمانوي الأخلاقي، هي إحدى التبريرات الراسخة لاستخدام القانون الجنائي في منع الأنشطة «المثلية» بين البالغين الراضين في الخلوة.
إن «الوصاية» و«الإيمانوية الأخلاقية»، رغم أن كلتيهما تقيدان «حريات الأفراد/ المواطنين»، لكن بناءً على ما جادلنا به في هذه المقالة، فإن «الإيمانوية الأخلاقية» لا تسوغ هذا التقييد بشكل مبرر. إن توسيع وترويج «الإيمانوية الأخلاقية» كنظرية سياسية للدول و/ أو الحكومات يمكن أن يسفر عن نتائج منافية للبداهة. إن نظرية كهذه ستطلق يد الدول و/ أو الحكومات لتتخذ ما هو غير مبرر أخلاقياً بشكل بديهي، كأداة للحفاظ على السلطة. فعلى سبيل المثال، يمكن لدولة مثل الصين أن تقصي وتطرد أقلية الإيغور المسلمة؛ بحجة أن وجودهم وحضورهم يقوض دعائم المجتمع وبنيته. من الواضح أن مثل هذا الاستدلال مغلوط من أساسه وجذوره في «الإيمانوية الأخلاقية». وبما أن همنا الرئيسي في هذه المقالة كان رد «الإيمانوية الأخلاقية»، فإننا لم نناقش ونبحث في الخيار البديل لـ«الإيمانوية الأخلاقية» أو إجلاس «الوصاية الأخلاقية» على العرش، ولم نتناول الاستدلال الإيجابي. وسنتابع هذا الأمر في مقالة أخرى.
.
.
المصادر الفارسية
.
كتاب
- بيكس، برايان. (1393). معجم النظرية القانونية. ترجمة محمد راسخ وآخرين. طهران: ني، الطبعة الثانية.
- واكس، ريموند. (1400). القانون: مدخل موجز. ترجمة سيد محمد حسيني ومحمد نجفي كلياني. طهران: نگاه معاصر، الطبعة الأولى.
.
مقالة
- بوتشفيست، كريستر. (1399). «جون ستيوارت ميل». ترجمة محمد زندي، في كبار مفكري فلسفة الأخلاق. جمع وتأليف: توم أنجير، بمسعى وتحرير كاوه بهبهاني. طهران: نشر لِگا، الطبعة الأولى، ص ص. 266-245.
- نجفي كلياني، محمد وآخرون. (1401). «ثوب القانون على قامة الأخلاق؛ نظرة نقدية على قراءة باتريك دفلين بشأن الإلزام القانوني للأخلاق العرفية». مجلة پژوهشهای فلسفی، المجلد 16، العدد 32، ص ص. 532-514.
.
.
المصادر الإنجليزية
Book
- Beiser, F. C. (1992). Enlightenment, Revolution, and Romanticism: The Genesis of Modern German Political Thought, 1790-1800. Cambridge: Harvard University Press.
- Devlin, P. (1965). The Enforcement of Morals. Oxford University Press.
- Feinberg, J. (1984). The Moral Limits of the Criminal Law. Vol. 1: Harm to Others. Oxford University Press.
- _________ (1986). The Moral Limits of the Criminal Law. Vol. 3: Harm to Self. Oxford University Press.
- _________ (1988). The Moral Limits of the Criminal Law. Vol. 4: Harmless Wrongdoing. Oxford University Press.
- George, R. (1993). Making Men Moral. New York: Oxford University Press.
- Hart, H. L. A. (1963). Law, Liberty, and Morality. Oxford University Press.
- Raz, J. (1986). The Morality of Freedom. Oxford: Clarendon Press.
- Regan, T. (1984). The Case for Animal Rights. University of California Press.
- Riley, P. (1983). Kant’s Political Philosophy. Lanham: MD: Rowman and Littlefield.
- Singer, P. (1975). Animal Liberation. New York: Random House.
- Stephen, J. F. (1993). Liberty, Equality, Fraternity. Indianapolis: Liberty Fund Inc.
- Timmons, M. (2021). Kant’s Doctrine of Virtue. Oxford University Press.
Essay
- Anderson, E. (1999). “What Is the Point of Equality?”. Ethics. 109 (2). 287–337.
- Arneson, R. (1980). “Mill vs. Paternalism”. Ethics, 90. 470–89.
- Birks, D. (2014). “Moral Status and the Wrongness of Paternalism”. Social Theory and Practice, 40 (3). 483-498.
- Childress, James F. (2015). “Moral Considerations: Bases and Limits for Public Health Interventions”. in Ruth Gaare Bernheim & et. al. (eds.) Essentials of Public Health Ethics 1. Oxford University Press. 21-44.
- Cholbi, M. (2018). “Paternalism and Duties to Self”. in Kalle Grill & Jason Hanna (eds.) The Routledge Handbook of the Philosophy of Paternalism. New York: Routledge. 108-118.
- de Marneffe, P. (2006). “Avoiding Paternalism”. Philosophy & Public Affairs, 34 (1). 68–94.
- Demenchonok, E. (2009). “The Universal Concept of Human Rights as Regulative Principle: Freedom versus Paternalism”. The American Journal of Economics and Sociology. 68(1). 273-302.
- Dworkin, G. (1972). “Paternalism”. Monist, 56 (1). 64-84.
- _________ (2005). “Moral Paternalism”. Law and Philosophy, 24 (3). 305-19.
- Dworkin, R. M. (1966). “Lord Devlin and the Enforcement of Morals”. The Yale Law Journal, 75 (5). 986-1005.
- Finnis, J. M. (2009). “H. L. A. Hart: A Twentieth-Century Oxford Political Philosopher”. The American Journal of Jurisprudence, 54 (2). 133-68.
- Fletcher, G. P. (1987). “Law and Morality: A Kantian Perspective”. Columbia Law Review, 87 (3). 533-58.
- Grill, K. (2007). “The Normative Core of Paternalism”. Res Publica, 13 (4). 441-58.
- Hart, H. L. A. (1967). “Social Solidarity and the Enforcement of Morality”. University of Chicago Law Review, 35 (1). 1–13.
- Häyry, H. (1992). “Legal Paternalism and Legal Moralism: Devlin, Hart and Ten”. Ratio Juris, 5 (2). 191-201.
- Joppke, C. (2014). “Islam and the Legal Enforcement of Morality”. Theory and Society, 43 (6). 589-615.
- Kresting, W. (1992). “Kant’s Concept of the State”, in Howard L. Williams (Ed.) Essay on Kant’s Political Philosophy. Chicago: University of Chicago Press. 143-165.
- Mill, J. S. (1977 [1859]). “On Liberty”. in J. Robson (ed.) The Collected Works of John Stuart Mill. Toronto & London: University of Toronto Press and Routledge: Vol. 18.
- Rose, D. J. (1966). “Devlin P: The Enforcement of Morals”. Federal Law Review 144, Vol. 2 (1). 144-159.
- Rostow, E. V. (1960). “The Enforcement of Morals”. The Cambridge Law Journal, 18 (2). 174-198.
- Scoccia, D. (2000). “Moral Paternalism, Virtue, and Autonomy”. Australasian Journal of Philosophy, 78 (1). 53-71.
- _________ (2018). “The Concept of Paternalism”. in Kalle Grill & Jason Hanna (eds.) The Routledge Handbook of the Philosophy of Paternalism. New York: Routledge. 11-23.
- Shiffrin, S. (2000) “Paternalism, Unconscionability Doctrine, and Accommodation”. Philosophy & Public Affairs, 29 (3). 205–50.
- Sinclair, K. & M. Ross (1986). “Consequences of Decriminalization of Homosexuality: A Study of two Australian States”. Journal of Homosexuality, 12 (1). 119-27.
- Ten, C. L. (1971). “Paternalism and Morality”. Ratio (Misc.), 13 (1). 56-66.
- Williams, G. (1966). “Authoritarian Morals and the Criminal Law”. Criminal Law Review, 132-147.
- Zaibert, L. (2011). “The Moralist Strikes Back”. New Criminal Law Review, 14 (1). 139-161.
Website
- Dworkin, G. (2020). “Paternalism”. Stanford Encyclopedia of Philosophy
- Singer, P. (2021). “Why Vaccination Should be Compulsory”.
- Guyer, P. (2004). “The Final Decade of Kant’s Public and Private Career”. In Kant, Immanuel (1724–1804). In The Routledge Encyclopedia of Philosophy. Taylor and Francis.
.
.
[1]. سيد محمد حسيني، طالب دكتوراه في القانون العام، جامعة العلامة الطباطبائي (المؤلف المسؤول).
Seyed Mohammad Hosseini, PhD Student of Public Law at Allameh Tabatabaei University (Corresponding author).
[2]. محمد يوسف زاده، طالب دكتوراه في القانون العام، جامعة طهران (فارابي).
Mohammad Yousefzadeh, PhD Student of Public Law at Tehran University (Farabi).
[3]. حسين دباغ، مدرس فلسفة في جامعة أكسفورد ومدرس في معهد التعليم العالي للعلوم المعرفية.
Hossein Dabbagh, Philosophy Tutor of Oxford University & Faculty Member of Higher Education Institute for Cognitive Science Studies.
[4]. moralism
[5]. paternalism
[6]. على سبيل المثال، يذكر جيرالد دوركين (Gerald Dworkin) في أحد كتاباته، من خلال مثال «المثلية الجنسية»، أن هناك فرقًا واضحًا وذا دلالة بين «الإيمانوية الأخلاقية» و«الوصاية». يقول: إن القوانين التي تنظم أنواعًا معينة من الأنشطة الجنسية، كـ«المثلية الجنسية» بين بالغين راضين في الخلوة، هي نوع من «الإيمانوية الأخلاقية» يختلف اختلافًا جوهريًا عن «الوصاية». انظر: (Dworkin, 2005: 305-319).
بطبيعة الحال، فإن «الإيمانوية الأخلاقية» في نظره، قائمة على أعراف يعدها المجتمع أخلاقية، ومن الجلي أن هذا التصور متميز تمامًا عما هو «حقيقة أخلاقية» «moral truth» والتي يتم الحديث عنها في «النظريات الأخلاقية المعيارية».
[7]. moral paternalism
[8]. conventional morality/ descriptive ethics
[9]. normative ethics
[10]. Harm Principle
[11]. amoral
[12]. immoral: سبب اختيارنا لمقابل «غير أخلاقي/ متجنب للأخلاق» لكلمة amoral، ومقابل «مناهض للأخلاق/ ضد أخلاقي» لكلمة immoral، هو أنه في القراءات «الإيمانوية الأخلاقية» يكون معيار ومقياس كون الفعل أخلاقياً أو لا أخلاقياً هو ما يعترف به عرف المجتمع بوصفه «أخلاقيات متعارفاً عليها» - والتي قد يكون لهذه «الأخلاقيات المتعارف عليها» نفسها، في بعض الأحيان، جانب «مناهض للأخلاق/ ضد أخلاقي». انظر: (نجفي كلياني وآخرون، 1401: الهامش رقم 2، ص 517). كما أن الأمر «غير الأخلاقي» يقع أساساً خارج نطاق دائرة الأخلاق أو «علم الأخلاق» (ethics)، وهو أمر لا صلة له بالأخلاق.
وبناءً على ذلك، في بقية النص، حيثما استخدمنا كلمتي «مناهض للأخلاق/ ضد أخلاقي»، فإننا نعني أن سلوكاً ما في تضاد مع «الأخلاق المعيارية»، وحيثما استخدمنا كلمتي «غير أخلاقي/ متجنب للأخلاق»، فإننا نعني من استخدام هاتين الكلمتين أن سلوكاً ما في تقابل مع «الأخلاق المتعارفة والمرعية في المجتمع».
[13]. يكتب هـ. ل. أ. هارت (Herbert Lionel Adolphus Hart) عن رؤية دِفلين، بصفته أحد أبرز ممثلي النزعة «الإيمانوية الأخلاقية»: الأخلاق المرعية من منظور اللورد باتريك دِفلين (Lord Patrick Devlin) هي عامل تماسك المجتمع - فبدونها يوجد حشد من الأفراد لكن لا يوجد مجتمع. يعتقد دِفلين: رغم أن فعلاً غير أخلاقي معين قد لا يضر الآخرين، أو لا يعرضهم للخطر، أو لا يكون عاملاً في إفسادهم، وحتى حين يحدث في الخفاء لا يتسبب في أذى نفسي أو إهانة للآخرين، فإنه مع ذلك ينبغي منع مثل هذه الأفعال. لذا فإن ما لا يحظى باهتمام «الإيمانويين الأخلاقيين» إطلاقاً هو ما إذا كان فعل ما يلحق ضرراً بالآخرين أم لا (see: Hart, 1963: 48-9).
[14]. Chin Liew Ten
[15]. James Fitzjames Stephen
[16]. Robert P. George
[17]. see: (George, 1993; Stephen, 1993; quoted in Scoccia, 2000: 53).
[18]. يدّعي دِفلين أن رؤيته هي نوع من «الوصاية الأخلاقية» في حين أنها، كما سنرى قريباً، لا تشمل في هذا الخصوص إضراراً بالآخرين ولا إضرار الشخص بنفسه - وهذا يختلف عن القراءات «الوصائية الأخلاقية» التي هدفها منع الإضرار الأخلاقي للشخص بنفسه.
[19]. see: (Devlin, 1965: 1-25).
[20]. moral relativism
[21]. State or/ and Government
[22]. universal
[23]. well-being
[24]. critical
[25]. Joel Feinberg
[26]. للاطلاع على طائفة من الآراء والاستدلالات من منظور كانط بشأن أنه لا ينبغي للحكومة أن تظهر في دور «الوصي الأخلاقي»، انظر:
(Beiser, 1992: chapter. 2; Riley, 1983: 131; Kresting, 1992: 151; Demenchonok, 2009: 281-6; Timmons, 2021: 86)
بالطبع، يعتقد بعض المختصين بكانط أنه يمكن الوصول إلى مفهوم «الوصاية الأخلاقية» من داخل فلسفة كانط الأخلاقية. للاطلاع على أحد هذه التقريرات، انظر: (Cholbi, 2018).
[27]. despotism
[28]. لمزيد من الدراسة حول موقف كانط، انظر: (Guyer, 2004: § 14).
[29]. Danny Scoccia
[30]. goods
[31]. Brian Bix
[32]. see: (Ten, 1971: 60-2)
[33]. altruism
[34]. Kalle Grill
[35]. see: (Grill, 2007; quoted in Scoccia, 2018: 12)
[36]. prevention of harm to others
[37]. soft paternalism
[38]. hard paternalism
[39]. see: (Mill, 1997 ]1859[: 294)
كذلك حول موقف ميل من مفهوم «الوصاية»، انظر: (بوتشويست، 1399: 262).
[40]. بالطبع، لسكوتشيا رأي مخالف لرأي فاينبرغ، وهو يرى، مثل ج. دوركين، أن «الوصاية» تنطبق فقط على الأشخاص الأسوياء الواعين، وبحسب هذين المفكرين، في الأمثلة المذكورة، يكون منع الأنشطة الضارة هنا ذا صبغة «إيمانوية أخلاقية» لا «وصائية» (Scoccia, 2018: 14). كما يعتقد سكوتشيا أن هذا النوع من «الوصاية» يشمل الجهل أو الاعتقاد الخاطئ حول عواقب الاختيار أيضاً (Scoccia, 2018: 14).
[41]. narrow paternalism
[42]. broad paternalism
[43]. weak paternalism
[44]. strong paternalism
[45]. للاطلاع على استدلال مشابه، انظر: (Singer, 2021)
[46]. The Principle of Beneficence
[47]. pure paternalism
[48]. impure paternalism
[49]. للاطلاع على تقرير مشابه، انظر: (Scoccia, 2018: 13). وكذلك للاطلاع على بعض القراءات في تبرير الفصل بين الإضرار بالنفس والإضرار بالآخرين، ولكن بقراءات مختلفة نسبياً، راجع المصادر التي أشير إليها في أثر سكوتشيا (Scoccia, 2018):
(de Marneffe, 2006; Arneson, 1980: 271-2; Shiffin, 2000; Anderson, 1999: 300-1).
[50]. prudential paternalism
[51]. happiness
[52]. legal paternalism
[53]. see, also: (Häyry, 1992: 191-4)
[54]. Law, Liberty and Morality
[55]. كما أثار توم ريغان (Tom Regan) وبيتر سينغر (Peter Singer) في هذا الصدد شبهةً مفادها أنه ليس من الواضح بعد ما إذا كان يمكن اعتبار معاناة الحيوانات مثالاً على «الإضرار بالغير harm to others» أم لا. فإذا افترضنا أن معاناة الحيوانات هي أيضاً مثال على «الإضرار بالغير»، وبناءً على ذلك حكمنا بمنع مثل هذا الفعل وفقاً لـ«مبدأ لا ضرر»، يمكننا أن ندرك بوضوح إلى أي مدى ابتعد هارت عن المفهوم الأصلي لـ«الوصاية»، الذي لا يكون موضوعه إلا إضرار الشخص بنفسه. حول هذا، انظر: (Häyry, 1992: 194).
كذلك، انظر إلى المصدرين اللذين أوردتهما هيتا هيري (Heta Häyry) في عملها عن ريغان وسينغر: (Regan, 1989; Singer, 1975).
في هذا الصدد، وتأييداً لمدّعانا، كان هارت وفياً لنسخة معدّلة من صياغة «مبدأ لا ضرر» لمِل. وفي هذا الشأن أيضاً، راجع هذين المصدرين: (Hart, 1963: 33; Rose, 1966: 144-53).
[56]. legal moralism
[57]. legal enforcement of morality
[58]. legal enforcement of conventional morality
[59]. moral laws
[60]. Leo Zaibert
[61]. The Moral Limits of the Criminal Law
[62]. moralistic legal paternalism
[63]. physical paternalism
[64]. The Enforcement of Morals
[65]. see: (Devlin, 1965: 135-7)
[66]. للاطلاع على عرض موسّع لهذه الحجة من منظور دِفلين، انظر: (Devlin, 1965: 1-15).
[67]. Christian Joppke
[68]. في مقال آخر، تناولنا نقد هذه النظرة لدِفلين وبيان بطلان حجته القائلة بأن الأمور «اللاأخلاقية والمناوئة للأخلاق» مثل «المثلية الجنسية» تقوّض أسس المجتمع، وهو لا يقدم أي دليل على ذلك. لهذا الغرض، انظر: (نجفي كلياني وآخرون، 1401).
للاطلاع على شرح موسّع لقراءة دِفلين إلى جانب الانتقادات الموجهة لنظرته، راجع هذه المصادر:
(وكس، 1400: 36-128؛ Devlin, 1965; Hart, 1963).
كذلك للاطلاع على نقد ثري لرونالد مايلز دوركين (Ronald Myles Dworkin) يتناول نظرة دِفلين من منظور أنثروبولوجي، انظر: (Dworkin, 1966: 986-1005). ومن الجدير بالذكر أن هذا المفكر البارز يعدد أربعة أنواع من الأحكام الأخلاقية التي لا تنبثق عموماً عن اعتقاد أخلاقي أصيل/حقيقي. أحد هذه الأحكام الأخلاقية المتعارَف عليها هو الحكم القائم على «التعصب/التحيز». يقول دوركين: «التعصب» هو سبب لا يستوفي المعايير المتعارَف عليها للأحكام الأخلاقية ذات المعنى، مثل امتلاك بعض الصفات الظاهرية التي يكون الأفراد مسلوبي الإرادة في عدم امتلاكها، وهكذا خِلقتهم الظاهرية؛ أو مثلاً أن يكون السبب المُقام مبنياً على أن «المثليين جنسياً» دنيئون ومنحطون لأنهم لا يمتلكون ميولاً «مغايرة جنسياً». في هذه الحالات، يكون أساس السبب نوعاً من التعصب. للاطلاع على نقد دوركين الشامل لنظرة دِفلين، انظر: (Dworkin, 1966: 994-7, 1000).
يُعلن دِفلِن نفسه صراحةً أن الأحكام الأخلاقية قائمة على «مشاعر وميول» لا سند منطقي لها (Devlin, 1965: viii, 15).
[69]. Glanville Williams
[70]. see: (Glanville, 1966; quoted in Ten, 1971: 59)
[71]. see: (Sinclair & Ross, 1986; quoted in Häyry, 1992: 199)
[72]. استعرنا هذا المصطلح من هارت، الذي أورده في إحدى مقالاته لوصف «الأخلاق التقليدية» (Hart, 1967: 1).
[73]. Dean Rostow
[74]. see: (Dworkin, 1977: 253-4; Rostow, 1960: 174-97; Devlin, 1965: 95)
[75]. perfectionist
[76]. Joseph Raz
.
.
الدين
علم الاجتماع
الدين
الفلسفة
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.