اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
دفاع عن «أصالة الثقافة» عند ملكيان: إصلاح المجتمع يمرّ عبر الفرد، ولا ينبغي التضحية بالبشر من لحم ودم في سبيل البنى السياسية والاقتصادية. الأولوية للنماء الثقافي لا للتنمية الاقتصادية فحسب.

الأستاذ ملكيان، شأنه شأن أي مفكر آخر، قابل للنقد، وبالتالي لا يمكن قبول جميع آرائه جملةً أو رفضها كلياً. وقد أظهر هو نفسه أنه مدافع عن النقد والنقاش، ونلمس هذا التوجه في أعماله.
في هذه الكتابة القصيرة، أتناول شرح نظرية "أصالة الثقافة" للأستاذ ملكيان والدفاع عنها. وفي كتابات لاحقة، آمل أن أطرح بعض الانتقادات التي أراها موجّهة لآرائه. فعلى سبيل المثال، أنا أعارض جبريته، وفي رأيي أن هذه الجبرية تتعارض بشكل جدي مع مشروعه الفكري بأكمله، كأصالة الثقافة والعقلانية والمعنوية، أو مع همّه الإصلاحي الفردي والاجتماعي.
في البداية، ينبغي القول إن ملكيان لا يقلل البتة من أهمية العمل السياسي أو الاقتصادي. فهل يُعقل أن نستخف بالسياسة والاقتصاد ونستمر في حياتنا؟ إن السياسة هي التي تنظم العلاقات الداخلية والخارجية المتعلقة بالسلطة، وتأثيرها في حياتنا اليومية لا يمكن إنكاره.
والاقتصاد أيضاً، سواء في جانبه الفردي أو في بعده الاجتماعي، أمر حيوي. فبدون المال والطعام والكساء وسقف يأوينا، قد لا نستطيع العيش يوماً واحداً، ومن المؤكد أن الأستاذ ملكيان لم يكن غافلاً عن هذه الأمور الحيوية، ولا هو غافل عنها الآن، ولا يمكن أن يكون كذلك. إنه في الواقع ينتقد "أصالة" السياسة أو "أصالة" الاقتصاد؛ أي ذلك التصور الخاطئ بأن كل شيء سيصلح بمجرد تغيير الأنظمة السياسية أو الاقتصادية.
لكن التجارب التاريخية أظهرت مراراً أن الأعمال السياسية البحتة كانت دائماً باهظة التكلفة وقليلة النتائج. فعلى سبيل المثال، كثير من المقاتلين اليساريين الذين كانوا يعلمون أنهم لن يعيشوا أكثر من بضعة أيام في سبيل مُثُلهم الشيوعية، لم يمهدوا أي طريق سوى فقدان أرواحهم أو إزهاق أرواح بني جلدتهم، ولم يحققوا أي مكسب.
يدافع الأستاذ ملكيان عن أصالة الفرد والثقافة والمعنى في الساحة البشرية (فضاء الأسباب، بتعبير مَكْداوِل). إنه ليس معارضاً للإصلاح السياسي أو الاقتصادي على الإطلاق، وقد شهدنا مشاركاته السياسية بشكل خاص مراراً. إنه فقط يمنح الأصالة للفرد والثقافة والمعنى. فالفرد، في نظر ملكيان، هو الذي يمتلك الواقعية أو الأصالة.
إن تعبير "الأصالة" هذا هو تعبير ذو سابقة وجذور راسخة في الفلسفة. فعلى سبيل المثال، في الفلسفة الإسلامية، هناك نقاش مفصل حول ما إذا كانت الماهية هي الأصيلة أم الوجود؟ يعتقد الملا صدرا أن الوجود وحده هو المتحقق، وأن الماهية ليست موجودة في الخارج، بل تُنتزع من الوجود. وبالمعنى نفسه للأصالة تقريباً، يمكننا القول إن الأفراد، كل فرد من البشر، هم الأصيلون عند ملكيان، وأن البنى والمؤسسات الكلية السياسية والاقتصادية تُنتزع منهم. ففي الواقع، حدوث وبقاء تلك المؤسسات والبنى الكلية رهن بالأفراد.
من المهم أن نذكر أن الأستاذ ملكيان شديد الحساسية والاهتمام بإصلاح السياسة والمجتمع. لكنه يرى طريق هذا الإصلاح ليس في العنف أو القمع أو القسر، بل قبل كل شيء في الحوار والإقناع والإصلاح الثقافي. فطريق إصلاح المجتمع في نظره يمر عبر الفرد؛ بعبارة أخرى، كل واحد منا مهم، وهذا يعني إحياء الإنسان من لحم ودم، وإنقاذه من قبضة البنى الكلية والمجردة. في الواقع، يريد ملكيان أن يُظهر طريقاً لإصلاح المجتمع يكون إنسانياً، دائماً، مؤثراً و"أصيلاً"؛ لا أن تُستبدل مئات الأنظمة السياسية أو النظم الاقتصادية بتكاليف مالية وبشرية باهظة، ثم نعود إلى نقطة البداية، بل ونتراجع إلى الوراء.
يعارض ملكيان اختزال الساحات الداخلية والعقلانية والنفسية والثقافية للإنسان إلى بنى سياسية واقتصادية خارجية وغير شخصية. هذا اختزال كان يقوم به بعض الماركسيين بشكل خاص، حيث كانوا يعتبرون جميع المعتقدات والمشاعر والساحات الداخلية للشخص نتاجًا للبنى الاجتماعية الخارجية كالمؤسسات الاقتصادية. لقد تصوروا الدين والثقافة والأخلاق كبنية فوقية ومجرد ألعوبة في يد التيارات الخارجية الاقتصادية والسياسية. من الواضح أن مثل هذه النظرة تعني موت الإنسان بوصفه فاعلًا واعيًا وصانع قرار. بهذه النظرة، يُعتبر الإنسان مجرد كائن هامشي وظل باهت لأنظمة سياسية واقتصادية شمولية تسعى لتحقيق أهدافها عبر مفاهيم كلية مثل
يبحث ملكيان عن الأصالة وثِقَل الحياة في أمور أخرى (مثل الفلسفة، والأخلاق، والرفاه النفسي، والحوار، والعقلانية، وما شابه ذلك). إنه يلفت انتباهنا إلى أنفسنا، وإلى أخلاقنا، وعواطفنا، ومستوى عقلانيتنا، وثقافتنا، ويُذكّرنا بأهمية هذه الأمور التي كنا قد نسيناها في خضمّ السياسة. فنحن، حتى لكي نولي أهمية لوضعنا الاقتصادي ومعاشنا وأمور مثل صحة أبداننا، نحتاج إلى قدر من الوضوح الفكري والثقافي والأخلاقي والنفسي. فعلى سبيل المثال، من يهمّه أمر صحته وصحة الآخرين (النمو الأخلاقي)، يسعى لأن يكون له جسد سليم وقوي. وبعبارة أخرى، حتى في أبسط الأمور المادية والاقتصادية نرى أثر الثقافة والأخلاق. وبهذا المعنى، فإن الثقافة هي التي تمتلك "الأصالة".
علم الاجتماع
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.