اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينبغي أن تتركّز أولويّات طالب العلم الفكريّة على القرآن وعلم الكلام واللغة بدلًا من الفقه والأصول؛ فالقرآن هو اللسان المشترك بين المسلمين، والفقه ليس لغة الحوار مع العالم المعاصر. على الحوزات العلميّة أن تُخرّج مجتهدين في القرآن وعلم الكلام.

طُلِب مني أن أجيب على هذا السؤال: «لو كنت مكان طالب علم شاب، ما هي الأولويات الفكرية التي كنت ستتبناها؟» جوابي باختصار عن الأولويات الفكرية لطالب العلم هو: القرآن، وعلم الكلام، واللغة. وفيما يلي سأحاول بسط جوابي قليلاً وتدليله إلى حد ما.
.
ياسر ميردامادي حاصل على تعليم حوزوي (حتى أواخر مرحلة السطوح، وبشكل رئيسي من الحوزة العلمية في مشهد). بالإضافة إلى ذلك، حصل على البكالوريوس والماجستير في الإلهيات الإسلامية من جامعة فردوسي في مشهد. كما يحمل ماجستير في دراسة ثقافات المسلمين (Muslim Cultures) من معهد دراسة الحضارات الإسلامية (ISMC) في لندن. وهو الآن طالب في السنة الأخيرة من الدكتوراه في الدراسات الإسلامية بجامعة إدنبرة (Edinburgh) في اسكتلندا. يعمل باحثاً في مشروع «الأخلاق الطبية الإسلامية» (Muslim Biomedical Ethics) في معهد الدراسات الإسماعيلية (IIS) في لندن، ومحاضراً في الدراسات الإسلامية بكلية مكتوم في دندي (Dundee) باسكتلندا. ترجم إلى الفارسية كتاب «مدخل إلى الفقه الإسلامي» ليوزف شاخت، ونُشر مع خاتمة نقدية (طهران: نشر گام نو، ۱۳۸۷). وستصدر قريباً ترجمته لكتاب «الخوف من المعرفة: في نقد النسبوية» لبول بوغوسيان (طهران: نشر كرگدن).
طُلِب مني أن أجيب على هذا السؤال: «لو كنت مكان طالب علم شاب، ما هي الأولويات الفكرية التي كنت ستتبناها؟» جوابي باختصار عن الأولويات الفكرية لطالب العلم هو: القرآن، وعلم الكلام، واللغة. وفيما يلي سأحاول بسط جوابي قليلاً وتدليله إلى حد ما.
إن السؤال عن متى وتحت أي ظروف أصبح الفقه والأصول هما الدرسين الرئيسيين في الحوزات العلمية الشيعية هو بالتأكيد سؤال جدير بالطرح، ويمكن توجيهه للباحثين في تاريخ الحوزات العلمية الشيعية (فرسول جعفريان مثلاً مرجع جيد للإجابة على هذا السؤال). ومهما يكن الجواب التاريخي، فعلى خلاف الممارسة الرائجة في الحوزات العلمية الشيعية حتى الآن، أرى أن الفقه والأصول ينبغي ألا يعودا (بعد الآن) من الدروس الرئيسية في الحوزات العلمية (بحيث يُتصور أن على طالب العلم أن يتخصص في هذين الفرعين، بينما لا ضير إن عرف من فروع العلوم الإسلامية الأخرى قدراً عاماً لا أكثر). أعتقد أنه يمكن تقديم حجج كثيرة لصالح هذا الادعاء، بأن علوم القرآن وعلم الكلام هما ما ينبغي أن يصبحا الدرسين الرئيسيين في الحوزات العلمية، بحيث يجب على كل طالب علم أن يعرف هذين الفرعين في حد التخصص، بينما لا ضير إن عرف سائر العلوم الإسلامية (ومنها الفقه والأصول) في حد المعرفة العامة لا أكثر. وبتعبير آخر، ينبغي على الحوزات العلمية اليوم، أكثر وقبل أي شيء آخر، أن تربي مجتهداً في القرآن ومجتهداً في علم الكلام، لا أن تربي أكثر وقبل أي شيء آخر مجتهداً في الفقه والأصول.
من المشهور أن المسار الدراسي في الحوزات العلمية (خاصة قبل أن تصبح خاضعة لبرنامج) كان يسير بحيث يمكن لطالب العلم أن يتقدم من بداية دراسته حتى الاجتهاد دون أن يتعامل مع القرآن بأكثر من آيات الأحكام فيه. أي أن طالب العلم في الحالة العادية لا يتعامل إلا مع واحد على اثني عشر من القرآن (۵۰۰ آية من أصل أكثر من ۶۰۰۰ آية قرآنية). وهذا في الوقت الذي يكون فيه طالب العلم المسيحي، من حيث المبدأ، متمكناً من العهدين القديم والجديد، وهذا نتاج تحصيله في مدرسة العلوم الدينية (seminary)، لا مجرد نتاج ذوقه ومتابعته الشخصية. أما بين طلاب العلوم الدينية، فإذا كان أحدهم متمكناً من القرآن، فهذا نتاج ذوقه ومتابعته الشخصية، لا نتاج تحصيله الدراسي الرئيسي والمركزي في الحوزة.
في عالم متعدد الثقافات، حتى لو لم تخرج طوال عمرك من حي "جهارمردان" في قم، فإنك بفضل البحر الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي تستطيع أن تتابع آخر التطورات المعرفية والسياسية والاجتماعية في أركان العالم الأربعة (إن سمحت سرعة الإنترنت والفلترة طبعًا!)، فإن الفقه وأصوله بالكاد يشكلان لغة للحوار مع الأديان والمذاهب الأخرى (بل وحتى لغة للحوار فيما بيننا)، بل إن القرآن وعلم الكلام هما ما يضعان مثل هذه اللغة في متناول أيدينا. إن تشكل الفقه، وبتبعيته أصول الفقه، كان نتاجًا لفترة تحول فيها العالم الإسلامي إلى إمبراطورية احتاجت إلى القانون، فقام الفقهاء بتطوير هذا القانون ووضعوه في خدمة الإمبراطورية الإسلامية. لا يمكننا أن نحاور العالم المعاصر بلغة موروثة من عصر الإمبراطوريات الماضية، وإن عجزنا عن محاورة الآخر، فإننا نعجز أيضًا عن محاورة أنفسنا. ليس الادعاء أن الفقه وأصوله قد أصبحا بلا موضوع وبلا أثر ولا يقبلان إعادة البناء، بل الادعاء أنهما فقدا مركزيتهما في فهم الدين ونشره.
يحتل القرآن مركزية في حياة جميع المسلمين من أي مذهب كانوا (شيعة أو سنة أو إباضية) وبأي نهج (ظاهري أو عقلي أو باطني) – وإن كان من الطبيعي أن يختلف تفسير كل من هذه المذاهب والمناهج لـ "مركزية القرآن في حياة المسلم"، فمثلًا تفسير ابن حنبل لهذا الموضوع يختلف كليًا عن تفسير ابن عربي له. القرآن هو اللغة المشتركة لجميع المسلمين، وتهميش الدراسات القرآنية في الحوزات العلمية هو بمثابة تهميش للغة المسلمين المشتركة بين هؤلاء، وبدون المشاركة في هذه اللغة المشتركة لا يمكن أن يكون للمرء كلمة يقولها بين المذاهب الإسلامية، بل وحتى بين الأديان الأخرى.
كان الحنابلة، وإلى حد ما الأشاعرة، ولا يزالون، لا يجيزون تعلم علم الكلام وتعليمه إلا من باب "أكل الميتة". فمن وجهة نظرهم، لا يحتاج المؤمن في الحالة الطبيعية إلى علم الكلام، ولكن إذا ما طرأت شبهة، فإنه يحتاج إلى علم الكلام بقدر رفع الضرورة ودفع الشبهة. فعلم الكلام حتى في تلك الحالة هو بمثابة لقاح يحتوي على صورة مخففة من فيروس المرض لتحصين الشخص ضد الصورة الأقوى من ذلك الفيروس (للاطلاع على نموذج من هذا الباب، انظر رسالة "إلْجَام الْعَوَامِّ عَنْ عِلْمِ الْكَلَام" لمحمد الغزالي). لكن هذا الاستدلال ضد علم الكلام لا يكون فعالًا إلا إذا كانت مهمة علم الكلام أولًا هي الرد على الإشكالات فقط، وثانيًا ألا يكون المجتمع المحيط، اصطلاحًا، "دار شبهة"، أي ألا يكون مجتمعًا، كما يقول سعدي، "كل ساعة فيه قبلة جديدة مع صنم يعبد".
إن عمل علم الكلام لا يقتصر على الرد على الإشكالات، وهذه ليست حتى أهم مهمة لعلم الكلام. فمن مهام علم الكلام المهمة الصياغة العقائدية للإيمان الديني الجياش، وتقرير المعتقدات الدينية وتبويبها، وتدليلها من داخل الدين (بالاستناد إلى القرآن والحديث). وبالطبع، يضطلع علم الكلام أيضًا بمهمة التدليل العقلي على المعتقدات الدينية، والدفاع عنها في مواجهة إشكالات المشككين، وكذلك نقد المعتقدات الدينية-المذهبية البديلة. إن الشخص الذي ليس مجتهدًا في أي فرع من فروع الفقه (ولكنه على دراية بفروع الفقه) ولكنه مجتهد في علم الكلام، هو عالم بالدين. أما الشخص المجتهد في فروع الفقه ولكنه ليس مجتهدًا في علم الكلام، فمن الصعب اعتباره عالمًا بالدين (وفي سياق بحثنا، عالمًا بالإسلام). حتى المسائل العملية المستحدثة اليوم باتت متشابكة مع الأسس النظرية إلى درجة أنه لا يمكن، مثلًا، الإدلاء بقول سديد في مسألة جواز الإجهاض أو القتل الرحيم (الموت الرحيم) دون النظر إلى الأسس الفلسفية واللاهوتية. كما أن "يجوز ولا يجوز" الفقهي بات بحاجة، أكثر من الماضي، إلى تدليل نفسه بالرجوع إلى الأسس الفلسفية واللاهوتية، وهنا تحديدًا تبرز مركزية علم الكلام (بما فيه الكلام الفلسفي) أكثر من أي وقت مضى.
ثم إن عدد الذين يهتفون على طريقة أبي العلاء: «يا ليت شعري ما الصحيح»، أو يجلسون على طريقة الخيام على مقولة: «ليس في اليد حقيقة ولا يقين»، آخذ في الازدياد. وكوننا لا نسمع بهم أو لا نستقصي أخبارهم لا يعني أنهم غير موجودين أو أنهم ليسوا في ازدياد. وقد قال أحد فضلاء الحوزة مؤخراً عن حق إنه لم يعد بالإمكان إقناع المعترضين على الدين والمذهب بجلسة أو جلستين من الحوار. وهذا يعني أن الحوزة بحاجة متزايدة إلى متخصصين في العقائد الدينية والمذهبية، لا إلى أفواج من المتخصصين في الفروع الفقهية. وبالطبع، وبكل تأكيد، فإن عمل هؤلاء المتكلمين ليس محصوراً في صناعة الدفاعيات أو ما يُصطلح عليه بـ«الرد على الشبهات» فحسب، بل إن عملهم الأكثر جوهرية، بتعبير إقبال اللاهوري، هو إعادة بناء الفكر الإسلامي في العالم الجديد.
ما أعنيه باللغة هو أولاً اللغة العربية. وخلافاً للتصور السائد، فإن الحوزات العلمية لا تُدرّس جميع مهارات اللغة العربية، بل يُدرّس فقط قراءة وفهم نصوص المتون الدينية الكلاسيكية (وعموماً المتون الفقهية والأصولية) (وإن كان يُقال اليوم، حتى بخصوص هذه المهارة، إن الطلاب لا يتلقون تعليماً صحيحاً كما في السابق، وإن قاعدتهم الأدبية، كما يُقال، ليست قوية). هذا في حين أن المحادثة بالعربية وكذلك التمكن من اللغة العربية المعاصرة ليسا جزءاً من البرامج الدراسية في الحوزات العلمية. ونتيجة ذلك أن طالباً يقرأ السيوطي والمغني لسنوات، لكنه لا يستطيع أن يتحدث بكلمتين بسيطتين بالعربية في رحلة الحج، ناهيك عن أن يستطيع إجراء حوار علمي بالعربية مع طالب باكستاني أو تونسي (أو حتى مسلم أوروبي جديد أتقن المحادثة بالعربية جيداً)، أو أنه درّس الكفاية والمكاسب لسنوات لكنه لا يستطيع بسهولة قراءة كتب المفكرين العرب المعاصرين. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يكون تعليم اللغة العربية على نحو يُعدّ الفرد، بالإضافة إلى تمكينه من فهم وقراءة النصوص العربية الكلاسيكية، على فهم وقراءة النصوص العربية المعاصرة، وكذلك الكتابة باللغة العربية، والمحادثة بالعربية، وكذلك الاستماع للعربية.
ولكن إذا تجاوزنا اللغة العربية، فليس من المبالغة القول إنه لا يمكن لأحد اليوم أن يصبح باحثاً قديراً في الدراسات الإسلامية ما لم يكن متمكناً من واحدة على الأقل من اللغات الأوروبية الرئيسية (الإنجليزية، أو الألمانية، أو الفرنسية)، أو على الأقل ملماً بواحدة من هذه اللغات في حدود القراءة والفهم. إن حجم البحوث المعتبرة التي أُنتجت أو هي قيد الإنتاج بهذه اللغات في مختلف مجالات العلوم الإسلامية كبير جداً بحيث لا يمكن انتظار الترجمات، فهي قليلة الحجم وانتقائية، ولا يمكن الوثوق دوماً بجودة الترجمات وأمانة الناشر أو المترجم (وسلامتها من مقصلة الرقابة).
قد يُقال إن أعمال الباحثين الأكاديميين الغربيين في الدراسات الإسلامية هي أعمال «استشراقية» كما يُصطلح عليها، كُتبت عن تعصب وبأيدي غير مسلمين، فكيف يمكن لمثل هذه الأعمال أن تكون حجة ومعتبرة في معرفة الدين لدى المسلمين؟ لكن أولاً، أثبتت التجربة أن الإنصاف جوهر لا يعرف مسلماً ولا غير مسلم، ولا أشك في أن فهم كثير من المسلمين للإسلام أقرب إلى مونتغمري وات المسيحي، الباحث الاسكتلندي الشهير في الدراسات الإسلامية، منه إلى أبي بكر البغدادي المسلم، زعيم الدواعش، الذي يحمل، من قبيل الصدفة، دكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة بغداد أيضاً. علاوة على ذلك، فإن عدد المسلمين الذين يجرون بحوثاً باللغات الأوروبية وبالمناهج الأكاديمية الغربية في مختلف فروع الدراسات الإسلامية آخذ في الازدياد بحيث إن التمييز بين الدراسات الإسلامية للغربيين والدراسات الإسلامية للمسلمين آخذ في التلاشي. إن أعمال سيد حسين نصر، ومحمد علي أمير معزي، وحسين مدرسي طباطبائي، ومارتن لينغز، وهنري كوربان، وآخرين من هذا القبيل، تُعتبر الآن في آنٍ واحد جزءاً من التراث البحثي الإسلامي للمسلمين (رغم أن كوربان لم يكن مسلماً رسمياً) وجزءاً من أعمال البحث الأكاديمي الغربي في الدراسات الإسلامية.
وخلاصة القول إنه ينبغي للطالب، في رأيي، أن يجعل أولويته البحثية-الدراسية على القرآن وعلم الكلام (وليس الفقه والأصول)، وأن يتعرف في هذا الطريق على جميع مهارات اللغة العربية، ويتعرف جيداً في غضون ذلك على مهارة القراءة والفهم لواحدة من اللغات الأوروبية الرئيسية على الأقل.
آمل وأعتقد أن الطلاب المتخصصين في القرآن وعلم الكلام، الواعين باللغة والمدركين لمقتضيات العصر، قادرون على تقديم إجابة تليق بالتحديات المتنوعة التي تواجه عيش المرء مسلماً في العالم المعاصر.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.