اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
مسؤولية الإنسان تجاه معتقداته هي الانتقال من التقليد إلى التأمل؛ وإعادة النظر في عصمة الأنبياء بمعايير معرفية وأخلاقية وتاريخية تُشكّل فهماً جديداً للتدين في الصلة بين الإيمان والعقلانية والضمير الأخلاقي.

القسم ١: مدخل
مسؤولية الاعتقاد
قبل الخوض في مسألة عصمة الأنبياء، ينبغي أن نتناول سؤالاً جوهرياً: هل الإنسان مخيّر في معتقداته؟ وإن كان كذلك، فما هي مسؤوليته إزاء هذه المعتقدات؟
الواقع أن كثيراً من معتقداتنا، لا سيما في مرحلتي الطفولة والمراهقة، تتشكل بصورة لا واعية وتحت تأثير المحيط والأسرة والثقافة العامة. لكن النمو الأخلاقي والعقلاني للإنسان يبلغ به نقطة يستطيع فيها التأمل في هذه المعتقدات ومراجعتها بل وحتى إحداث تغيير فيها. في هذه المرحلة، يؤدي «التفكير النقدي» و«حرية الفكر» و«الوعي الذاتي» دوراً جوهرياً. وهذا الاختيار ليس مطلقاً بالطبع، وهو يظل دوماً تحت تأثير الخلفيات النفسية والاجتماعية والتاريخية. ومع ذلك، فإن إمكانية إعادة النظر هذه بالذات تصبح أساس مسؤولية الإنسان تجاه معتقداته.
وهنا ينبغي أن نميّز بين ثلاثة أنماط من التعامل مع الاعتقاد:
الاعتقاد التقليدي والعادي: وهو ما يُقبل بدافع العادة أو الاتباع للمحيط فحسب، دون فحص عقلاني أو أخلاقي.
الاعتقاد النقدي والمسؤول: وهو ما يصل فيه الشخص، استناداً إلى الأدلة والتجارب والحوار الداخلي أو الجمعي، إلى تبرير ذلك الاعتقاد.
الاعتقاد الوجودي: وهو ما يضرب بجذوره في عمق التجربة الحياتية للفرد. هذه المعتقدات، كالإيمان بالمعنى أو الحب أو الله، قد لا تكون قابلة للاستدلال المباشر، لكنها تؤدي للفرد دوراً هوياتياً ونفسياً وأخلاقياً وتضفي معنى على حياته.
لكن حتى المعتقدات الوجودية ينبغي أن تكون خاضعة للمساءلة إزاء الأسئلة الأخلاقية وتبعاتها الاجتماعية. فإذا أدى اعتقاد ما، مهما كان داخلياً وصادقاً، إلى الظلم أو نبذ الآخرين أو التعصب الأعمى أو تبرير الهيمنة، وجب أن يخضع للمراجعة. الاعتقاد الحقيقي، حتى لو كان عاطفياً وشخصياً، ينبغي أن يكون قادراً على الصمود في وجه النقد، وأن يساعد على النمو الأخلاقي للفرد، وألا يتعارض مع الكرامة الإنسانية.
من هذا المنظور، فإن معيار تبرير الاعتقاد ليس مجرد تجذره في التقليد أو العاطفة أو العرف، بل قدرته على الإجابة العقلانية والأخلاقية والحوارية. ونتيجة لذلك، حين يُطرح الحديث عن «عصمة الأنبياء»، فإن الافتراض المسبق للدخول في هذا النقاش هو امتلاك اعتقاد يقوم على المسؤولية وإعادة النظر بدلاً من التعصب؛ اعتقاد يسعى إلى فهم جديد وأعمق وأكثر إنسانية للمفاهيم الدينية، لا مجرد دفاع عن الأحكام المسبقة الموروثة.
.
القسم ٢: من مسؤولية الاعتقاد إلى تحليل مسألة العصمة
الآن وقد اتضح أن الإنسان يتحمل مسؤولية عقلانية وأخلاقية تجاه معتقداته، وخصوصاً الدينية منها، يلزم أن نتوجه بهذه المقاربة المسؤولة والتأملية نفسها إلى أحد المعتقدات المحورية في التراث الديني: الاعتقاد بعصمة الأنبياء.
لقد كان لهذا الاعتقاد تأثيرات واسعة، في المجال الكلامي كما في المجال الاجتماعي والسياسي. لكن السؤال الجوهري هو:
هل يتوافق الاعتقاد بالعصمة، لا سيما في أبعاده الفردية والاجتماعية والحكومية، مع المعايير العقلانية والأخلاقية لاعتقاد مبرر؟
وإن لم يكن كذلك، فكيف يمكن أن نعيد فهم هذا الاعتقاد من جديد وبطريقة عقلانية وعادلة؟
نسعى في هذه المقالة، بالاستعانة بتحليلات معرفية (مثل «الاعتقاد المبرر المشروط»[1] و«الفهم السياقي»[2])
وبفحص الشواهد القرآنية والتاريخية والروائية، إلى إعادة التفكير في ماهية عصمة الأنبياء وإمكانيتها ونطاقها.
يسعى هذا البحث، مع وفائه لجوهر التدين، إلى فتح أفق جديد لحوار بين العقل الإنساني والتدين اللاهوتي والمسؤولية الأخلاقية؛ حوار لا يتشكل في إطار التقابل، بل في ضوء تأمل جديد في العلاقة بين الإيمان والعقلانية والضمير الأخلاقي.
في هذا الأفق، يمكن للإيمان والعقل والأخلاق، وهي أمور لا تنفصل عن بعضها البعض وتنمو وتتكامل في تفاعل مستمر فيما بينها، أن تساعد في الوصول إلى فهم أكثر إنسانية وأخلاقية وعمقًا للتدين.
سيتم متابعة هذا المسار في المستقبل بشكل أكثر تحديدًا في تحليل مسألة «العصمة» وعلاقتها بالأخلاق والعقلانية.
٢.١. من مسؤولية الاعتقاد إلى معايير التبرير
إذا كان الإنسان مسؤولاً عن معتقداته، فلا بد أن تكون لديه معايير للتمييز بين المعتقدات المبررة وغير المبررة. هنا، تلعب نظرية المعرفة، وخاصة في موضوع «الاعتقاد المبرر»، دورًا محوريًا. هذه المسألة ليست ذات نتائج واسعة من المنظور النظري فحسب، بل في مجالات مثل الإيمان الديني والأخلاق والمجتمع أيضًا.
ثمة مقاربتان مهمتان في هذا المجال هما: نظرية «العملية الموثوقة» لألفين غولدمان، ونظرية «المعتقدات الأساسية» لألفين بلانتينغا.
٢.١.١. العملية الموثوقة (غولدمان):
في منظور غولدمان، يكون الاعتقاد مبررًا عندما يتشكل من خلال عمليات تؤدي عادةً إلى الحقيقة، مثل الإدراك الحسي أو الذاكرة أو التجربة الدينية. ليس من الضروري أن يكون الفرد قادرًا بالضرورة على شرح أسباب اعتقاده، بل يكفي أن تكون عملية إنتاج الاعتقاد سليمة الأداء وموثوقة بشكل عام.
مثال الطفل واعتقاده بمحبة الوالدين هو نموذج لمثل هذه العملية. كذلك، في حالة المعتقدات الدينية والثقافية، يجب إعادة تقييم العمليات التي تشكلها في ضوء الظروف التاريخية والتطورات الجديدة لقياس مدى تبريرها في الوقت الحاضر.
٢.١.٢. المعتقدات الأساسية (بلانتينغا):
في نظرية بلانتينغا، تُعتبر بعض المعتقدات، مثل الاعتقاد بالماضي أو وجود العقول الأخرى أو الاعتقاد الديني الصادق، «أساسية»، وإذا تشكلت في «ظروف معرفية سليمة»، فإنها لا تحتاج إلى استدلال خارجي لتكون مبررة.
لذا، فإن مجرد العجز عن تقديم دليل واضح لا يجعل الاعتقاد الديني غير مبرر؛ بل يجب فحص كيفية وسياق نشأته. ومع ذلك، فحتى المعتقدات الأساسية قد تحتاج إلى مراجعة في مواجهة الأدلة الجديدة أو الانتقادات الجادة. إن اللامبالاة تجاه الأدلة المخالفة والإصرار على اعتقاد تم التشكيك فيه قد يخل بالمسؤولية الأخلاقية والمعرفية للفرد.
فيما يلي، ينبغي أن نسأل: هل يكفي التبرير المعرفي ليكون الاعتقاد أخلاقيًا؟ لنفترض أن شخصًا قبل اعتقادًا بناءً على الذاكرة أو التجربة الشخصية، لكنه لم يفحص أبدًا الأدلة المخالفة وكان غير مكترث بالقرائن الجادة. في هذه الحالة — حتى لو اعتبرت نظريات مثل نظريتي غولدمان أو بلانتينغا ذلك الاعتقاد مبررًا معرفيًا — فقد يظل ذلك الشخص مسؤولاً من الناحية الأخلاقية.
هنا، تدخل «أخلاق الاعتقاد» الميدان، ليس فقط بوصفها بعدًا أخلاقيًا، بل بوصفها وجهًا روحانيًا من الحياة الإنسانية. فالإنسان الباحث عن الحقيقة، إذا اكتفى بالجانب النفسي لاعتقاده وتخلى عن التأمل والحوار والاستجابة للتحديات العقلانية، فإنه في الواقع يضعف صلته بالأضلاع الثلاثة للروحانية — أي «الذات» و«الآخر» و«الأمر المتعالي».[3]
تذكرنا أخلاق الاعتقاد بأن البحث عن الحقيقة ليس مجرد واجب معرفي؛ بل هو مسؤولية أخلاقية وتجربة روحانية ترتبط بأعمق طبقات الروح الإنسانية. من يتقبل اعتقادًا لمجرد خلفيته الثقافية أو تربيته الدينية، دون أن يواجه وجهات نظر متنوعة أو يقوم بتأمل شخصي عميق، لا يكون فقط قد ابتعد عن مسؤوليته العقلانية، بل يكون قد أخر أيضًا مسار تربية الروح والصلة الأصيلة بالذات وبالآخرين وبذلك المبدأ المتعالي الذي نسميه الله.
وهكذا، لا تتجلى الروحانية في «امتلاك الاعتقاد»، بل في «أسلوب العيش بالاعتقاد» — في الصدق في السعي وراء الحقيقة، وفي الالتزام تجاه الذات والآخر والله. وعندما تدخل أضلاع مثلث العلاقة مع الذات والآخرين والأمر المتعالي في حوار بنّاء وتتآزر، حينئذٍ يتحول مثلث المعرفة والأخلاق هذا إلى دائرة الروحانية الديناميكية.
إن قبول اعتقاد ما، وخاصة الاعتقاد الديني، ليس مجرد اختيار شخصي وداخلي. فالاعتقادات، لأنها تؤثر في سلوكنا وكلامنا، تحمل عبئًا اجتماعيًا ومسؤولية بين-ذاتية. كل اعتقاد ديني، لا سيما عندما يُطرح في الساحة العامة والعلاقات الإنسانية، يمكن أن يؤدي دورًا في مصير الآخرين وحريتهم. ومن ثم، لا يمكن تبريره في الحيز الخاص فحسب.
وعلى هذا الأساس، تتضاعف مسؤولية الاعتقاد الديني، خاصة عندما يفضي إلى إصدار أحكام على الآخرين أو إطلاق أحكام أخلاقية وإلهية على البشر. فالإنسان الذي ينعت آخر باسم الدين بأنه آثم أو نجس، مشرك أو مرتد، أو يمنح نفسه بوساطة إيمانه حقًا أكبر ويمنح غير المؤمن حقًا أقل، ينبغي أن يسأل: كيف قبل هذا الاعتقاد، وبأي مصادر، وإلى أي مدى كان قبوله عادلًا وأخلاقيًا؟ هل نظر إليه من منظور من يقع عليه الحكم؟ هل أنصت إلى وجهات النظر البديلة؟ هل وضع نفسه مكان الآخر على كرسي القضاء؟
في مثل هذا الفضاء، لا تكتفي أخلاقيات الاعتقاد بـالمسؤولية تجاه الحقيقة، بل تطرح أيضًا المسؤولية تجاه البشر. بعبارة أخرى، إذا كان لدى إنسان اعتقاد ديني ينتهك بموجبه حقوق الآخرين أو يؤدي إلى التمييز والإقصاء، فهو مسؤول عن أن يسأل: هل تشكل هذا الاعتقاد بشكل عادل؟ وهل تتوافق عواقبه مع المبادئ الأخلاقية والكرامة الإنسانية؟
وهكذا، فإن الإيمان المسؤول هو إيمان لا يُقاس فقط من منظور الحقانية النصية أو العقائدية، بل من منظور العواقب الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية أيضًا. مثل هذا الإيمان يتشكل على أساس الإنصاف والحوار والشفقة؛ ويخطو من الدائرة الضيقة لاستحقاق الذات إلى الفضاء الرحب للتعايش الأخلاقي والبحث عن المعنى.
٢.٤. من الفهم السياقي إلى التقييم العقلاني للاعتقاد الديني
نقف في هذا القسم أمام أحد التمييزات الرئيسية في نظرية المعرفة: الفرق بين «الواقع» بصفته مُعاشًا و«الحقيقة» بصفته حكمًا فوق-تجريبي وفوق-شخصي. فالوقائع تُعاش تبعًا للظروف الإدراكية والموقع الاجتماعي والسياقات التاريخية، بينما «الحقيقة» بوصفها حكمًا مسوغًا، تستلزم تجاوز هذه السياقات والوصول إلى مستوى أكثر نقدية. كثير من نظريات المعرفة، مثل «الفهم السياقي» و«الاعتقاد المسوغ المشروط»، تؤكد على كيفية تشكل المعرفة داخل مواقف محددة، دون أن تنكر الحقيقة بالضرورة.
من هذا المنظور، يكتسب «الفهم السياقي» وخاصة «الاعتقادات الخلفية» أهمية خاصة؛ لأن اعتقاداتنا، ولا سيما الاعتقادات الدينية، غالبًا ما تتشكل وتكتسب معناها في سياقات محددة — منها الثقافية والتاريخية والنفسية. هذه الاعتقادات لا تنمو عادة في فراغ عقلاني، بل في قلب المؤسسات والطقوس والأنماط اللغوية والتوقعات الاجتماعية. بعبارة أخرى، ما يعتبره الفرد «حقيقة دينية» هو غالبًا انعكاس للمنظومات السياقية التي أحاطت به.
في هذا الإطار، لا يمكن للنقد الإبستمولوجي للاعتقاد الديني أن يكتفي بالأدلة المباشرة والاستدلالات الصورية فحسب. بل يلزم تقديم تحليل أعمق لمنشأ الاعتقادات الخلفية وسياقها ووظائفها. هذا النقد يمكننا من إعادة تمييز الفرق بين «الاعتقاد الصادق المسوغ» و«الاعتقاد الخلفي المقبول»، ونتجنب الخلط بين التقاليد الاجتماعية والحقيقة الدينية.
وهكذا، فإن المراجعة العقلانية والأخلاقية للمعتقدات الدينية، ولا سيما تلك التي ترسخت دون وعي في السياقات الثقافية، ضرورة حتمية لعيش حياة مؤمنة ومسؤولة وعقلانية. فهذه المراجعة لا تساعد فقط على فهم الحقيقة الدينية فهماً أدق، بل تضع الفرد أيضاً في موقع المسؤولية الأخلاقية والعقلانية تجاه معتقداته. ذلك أن الإيمان، ليس بوصفه مقولة داخلية وشخصية فحسب، بل بوصفه خياراً أخلاقياً وعقلانياً ينبغي أن يكون المرء مسؤولاً عنه، مرهون بإرادة الإنسان.
٢.٥. أبعاد التحليل الإبستمولوجي للاعتقاد الديني
يتناول هذا القسم دراسة تأثيرات وأبعاد التحليل الإبستمولوجي للاعتقاد الديني المختلفة، ويركز بشكل خاص على النقاط المحورية التي تؤثر في فهم المعتقدات الدينية وتطبيقها على المستويين الفردي والاجتماعي.
٢.٥.١. التأثير على مستوى النخب وصناع القرار
للنخب الدينية والثقافية والسياسية تأثير عميق على المجتمع، ومن ثم فإن أطرهم النظرية في المعتقدات الدينية يمكن أن تؤدي إلى تغييرات ثقافية واجتماعية. إن التحليل الإبستمولوجي لمعتقدات كالعصمة، ولا سيما لدى النخب، يمكن أن يحول دون انسداد العقلانية وقابلية الإصلاح، ويمهّد بدلاً من ذلك لتعزيز العقلانية والإصلاح الاجتماعي والحد من الاستبداد. لذا فإن هذا التحليل ليس مجرد خيار نظري للنخب، بل هو مسؤولية أخلاقية.
٢.٥.٢. تجنب التعبدات التي لا أساس لها
تبدو بعض المعتقدات الدينية مقدسة وبديهية في الظاهر، لكنها في الواقع تفتقر إلى الدعم العقلاني والاستدلالي. يعمل التحليل الإبستمولوجي لهذه المعتقدات كعملية تنقية، ويمنع دخول الأفكار غير المتوافقة مع العقلانية إلى حقل الدين. وهذا لا يحمي التدين القسري وغير العقلاني فحسب، بل يصون المجتمع أيضاً من الانحرافات الدينية وظهور الخرافات والتعصبات التي لا أساس لها.
٢.٥.٣. الشرط المسبق للتحول الفكري في المجتمعات الدينية
لا يمكن تحقيق التحول الفكري والإصلاحات الدينية دون مراجعة ماهية المعتقدات الدينية. يُظهر التاريخ أن التعقل والتأمل في المعتقدات الدينية كانا من المبادئ الأساسية لرسالات الأنبياء. فبالمعايرة العقلانية للمعتقدات وحدها يمكن أن يتحقق الإصلاح الديني والعدالة المحورية والأخلاقوية. وعليه، فإن إعادة التفكير في ماهية المعتقدات الدينية تُعد شرطاً مسبقاً ضرورياً لأي تحول فكري في المجتمعات الدينية.
٢.٥.٤. لأهل التأمل والتفكير المسؤول
ليست هذه المباحث ضرورية للجميع، لكنها بالنسبة لأولئك الذين يسعون إلى الصلة بين العقلانية والإيمان، كالطلاب والباحثين والمفكرين الدينيين، تُعد واجباً معرفياً وأخلاقياً. هؤلاء الأفراد هم حملة مسؤوليات كإجراء الحوار النقدي، والإصلاح المعرفي، وإعادة البناء الأخلاقي. في عالم يواجه فيه الدين تحديات عقلانية واجتماعية، تتضاعف أهمية رسالتهم في إعادة بناء المعتقدات الدينية وتبيينها على النحو الصحيح.
٢.٦. دراسة معرفية وأخلاقية للاعتقاد بعصمة النبي
لقد فُهم الاعتقاد بالعصمة، في التراث الشيعي، في الغالب على نحو واسع وشامل؛ بمعنى أنه لا يشمل تبليغ الوحي فحسب، بل يشمل أيضاً جميع سلوكيات النبي وقراراته وأفعاله في كافة المجالات الفردية والاجتماعية والسياسية تحت مظلة العصمة.
لكن من منظور إبستمولوجيا وأخلاقيات الاعتقاد، تُطرح أسئلة: هل هذا المستوى من العصمة مبرر من الناحية المعرفية؟ هل تم اكتساب هذا الاعتقاد في ظروف معرفية سليمة وعبر طرق موثوقة؟ أم أن السياقات الاجتماعية والنفسية والثقافية لعبت دوراً حاسماً في تشكله؟
وهنا، ينبغي الانتباه إلى مخاطر كالتعصب المعرفي، والانسداد الإدراكي، والتحصين المسبق ضد النقد. فإذا ما قُدست جميع أفعال النبي تقديساً مطلقاً، تنتفي إمكانية تحليلها العقلاني والتاريخي. ونتيجة لذلك، يتحول الاقتداء بالنبي إلى اتباع محض وآلي، دون أن تكون هناك إمكانية للتكيف الخلاق والديناميكي مع الظروف المستجدة.
٢.٦.١. مواجهة الشواهد التاريخية والنقد العقلاني
لكي يؤدي الاقتداء الديني دوراً بنّاءً وحيّاً في حياة الإنسان الإيمانية، ينبغي الإبقاء على إمكانية التحليل التاريخي والثقافي لأفعال النبي. عندئذٍ، يمكن فحصها بنظرة نقدية وتقييم علاقتها بالعقلانية المعاصرة. إذا اكتفى الفرد بالثقة في تعاليمه الدينية القائمة على فهم خاص للدين، وعمّم، دون أي بحث نقدي، الإيمان بعصمة النبي الوحيانية على سائر مجالات حياته، فقد يكون قد قصّر في مسؤوليته العقلانية إزاء فحص الشواهد والتفكير النقدي في هذا المجال. إن الغفلة عن الشواهد التاريخية وغياب النقد العقلاني يمكن أن يثيرا التساؤل حول المسؤولية الأخلاقية للفرد، لأنه في هذه الحال، بدلاً من اتباع العقل والشواهد المنطقية، يقع في شرك التعصب والحكم المسبق.
لا يعني هذا التحليل عدم احترام أو إضعاف للمكانة القدسية للنبي؛ بل هو محاولة للتوفيق بين الولاء الإيماني والعقلانية النقدية. إن النقد العقلاني وفحص الشواهد التاريخية، لا سيما في مسائل كالعصمة، لا يؤديان فقط إلى تحسين الفهم الديني، بل سيؤديان أيضاً دوراً مؤثراً في النمو الشخصي والاجتماعي للبشر والمجتمعات الدينية. لذا، ينبغي إجراء التحليلات المعرفية والأخلاقية في المعتقدات الدينية، وخصوصاً في المسائل المعقدة كالعصمة، بدقة ومسؤولية، مع الإبقاء دوماً على إمكانية النقد والتساؤل فيها.
٢.٧. من التبرير المعرفي إلى المسؤولية في المعتقدات الدينية
٢.٧.١. طرح السؤال
رأينا سابقاً أنه في بعض نظريات المعرفة المعاصرة، مثل "نظرية العملية الموثوقة" لألفين غولدمان و"نظرية المعتقدات الأساسية المبررة" لألفين بلانتينغا، يمكن أن يكون المعتقد مبرراً، حتى لو لم يستطع الفرد تقديم أسباب واعية وقابلة للتعبير عنه. لكن هل يكفي هذا التبرير ليكون المعتقد أخلاقياً أيضاً؟
لنفترض أن شخصاً قبل معتقداً دون فحص الشواهد أو متجاهلاً قرائن جدية معارضة. قد يكون هذا المعتقد قد انتقل إليه عبر عمليات موثوقة (كالذاكرة أو تجربة دينية صادقة) ويكون قابلاً للدفاع عنه معرفياً، وفقاً لبعض النظريات. لكن ينبغي هنا الانتباه إلى نقطتين مهمتين:
أولاً، يعني التبرير المعرفي أن العمليات التي أدت إلى المعتقد تقترب عادةً من الحقيقة ويمكن الدفاع عنها في ظروف معينة. بعبارة أخرى، يمكن للفرد أن يكون قد قبل معتقداً مبرراً معرفياً، حتى لو لم يستطع شرح أسبابه بشكل كامل.
لكن في الوقت نفسه، تختلف المسؤولية الأخلاقية للفرد تجاه معتقداته عن التبرير المعرفي. حتى لو كان المعتقد مبرراً معرفياً، يظل الفرد مسؤولاً عن فحصه بنشاط، والانتباه إلى وجهات النظر المخالفة، وعدم التعامل معه بدافع التعصب أو الإهمال. بعبارة أخرى، تعتمد المسؤولية الأخلاقية للفرد إزاء معتقداته على التزامه بالبحث عن الحقيقة والتفكير النقدي، لا مجرد كون ذلك المعتقد مبرراً معرفياً.
لذا، إذا قبل الفرد معتقداً دون الانتباه إلى الشواهد المعارضة أو دون فحص دقيق، حتى لو كان هذا المعتقد مبرراً معرفياً، فإنه لا يزال يتحمل مسؤولية أخلاقية للتفكير فيه أكثر واتخاذ القرار بشكل أكثر وعياً.
تزداد أهمية هذا الموضوع عندما نتناول المعتقدات الدينية. على سبيل المثال، لنفترض أن شخصاً يؤمن بعصمة النبي في مجال معين لمجرد أنه نشأ في أسرة متدينة أو يعيش في مجتمع ذي ثقافة دينية قوية. إذا لم يقم هذا الشخص بأي بحث حول المصادر التاريخية أو الاستدلالات المنطقية في هذا المجال، فهل يمكن القول إن هذا المعتقد صحيح ومقبول لمجرد أصله الثقافي؟ والأهم من ذلك، هل يكفي مجرد كون هذا المعتقد مبرراً من حيث مصدره، لكي لا يحتاج الفرد إلى أي تفكير أو بحث أو تحمل للمسؤولية تجاهه؟ هنا تدخل نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) إلى الميدان وترتبط بمسألة مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه معتقداتنا (أخلاق الاعتقاد).
٢.٧.٢. الفرق بين الإهمال المعرفي والتواضع المعرفي
قلنا إن منظّرين مثل غولدمان يؤكدون أن الاعتقاد يكون مبررًا عندما ينتج عن عملية ذهنية موثوقة؛ عملية تقودنا في الحالات المماثلة، في الغالب، إلى اعتقادات صحيحة. يمكن أن تشمل هذه العملية الإدراك الحسي، والذاكرة، والاستدلال الصحيح، أو حتى بعض أشكال التجربة الدينية.
من ناحية أخرى، يرى بلانتينغا أن بعض الاعتقادات، مثل الاعتقاد بوجود العقول الأخرى، أو حتى الاعتقاد الديني في ظروف معينة، تتشكل بشكل «أساسي» ودون حاجة إلى استدلالات خارجية، ويمكن اعتبارها مبررة إذا كانت الملكات المعرفية سليمة.
على سبيل المثال، إذا تعرض شخص لأدلة تاريخية أو عقلية تتحدى التصور الشائع للعصمة في المجال السياسي، لكنه تجنب مواجهة هذه الأدلة أو رفضها دون تأمل، لم يعد بالإمكان القول إنه اعتقد بناءً على عملية «موثوقة» فحسب؛ بل إنه قصر في واجبه العقلاني والأخلاقي.
وهنا يجب أن نشير إلى تمييز معرفي أساسي يؤثر بشكل مباشر على أخلاقيات الاعتقاد والمسؤولية الأخلاقية للفرد: الإهمال المعرفي والتواضع المعرفي. الإهمال المعرفي يعني قبول الاعتقادات دون تأمل وفحص ونقد للأدلة؛ بينما التواضع المعرفي يعني الاستعداد لفحص وقبول التصحيحات في اعتقادات المرء.
يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في المسائل الدينية والأخلاقية، حيث يجب على الفرد، بالإضافة إلى الحفاظ على الإيمان، أن يؤسس سلوكياته على اعتقادات منطقية ومسؤولة بناءً على الأدلة والتأمل العقلاني.
خلاصة
في هذا القسم، أكدنا على ضرورة التحليلات الدقيقة والمسؤولة بشأن الاعتقادات الدينية. لا ينبغي قبول هذه الاعتقادات بناءً على المشاعر أو الأدلة السطحية فحسب، بل تحتاج إلى مراجعة ودراسة نقدية. كما أن المسؤولية الأخلاقية للفرد تجاه اعتقاداته الدينية تستلزم فحصًا دقيقًا وواعيًا، حتى لو بدت الاعتقادات الأولية مبررة من الناحية المعرفية.
.
٣. التحليل المعرفي والأخلاقي والتاريخي للعصمة
(دراسة مفاهيمية وتمييزات أساسية في مفهوم العصمة)
في هذا القسم، نسعى إلى تحليل مسألة العصمة بالاعتماد على أسس نظرية المعرفة وأخلاقيات الاعتقاد. افتراضنا المسبق هو أننا في مقام التحليل العقلاني للاعتقادات، وخاصة الاعتقادات الدينية، لا يمكننا الاكتفاء بالتعاليم التقليدية من النصوص المقدسة فحسب، بل يجب أيضًا فحص الشروط العقلانية والأخلاقية لتبرير تلك الاعتقادات.
أولاً، يجب أن نميز بين أنواع العصمة المختلفة:
العصمة في تلقي الوحي وتبليغه
العصمة في مجال السلوك الفردي والأخلاقي
العصمة في مقام الإدارة الاجتماعية والحكم
السؤال المعرفي الأهم: هل الاعتقاد بالعصمة في كل من هذه الساحات مبرر؟ وإذا كان الجواب نعم، فعلى أي أساس؟
٣.١ العصمة في تلقي الوحي وتبليغه
يعتقد معظم المتكلمين المسلمين، سنة وشيعة، أن النبي معصوم من الخطأ في تلقي الوحي وتبليغه. هذه الرؤية، حتى لو كان دليلها الثقة بالنصوص الدينية، يمكن أن تكون قابلة للدفاع عنها إلى حد ما من الناحية المعرفية؛ وذلك لأن:
حامل الرسالة الذي هو واسطة الاتصال بالله، إذا أخطأ في إيصال الرسالة، ينتقض الغرض الإلهي؛
لا يعود بوسع المؤمنين أن يثقوا بصحة الدين.
جاء في القرآن:
«وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى»
(وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)
(سورة النجم، الآيتان ٣ و ٤)
وأيضًا:
«إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحَافِظُونَ»
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
(سورة الحجر، الآية 9)
تُظهر هذه الآيات من منظور لاهوتي أن الوحي في أصله غير قابل للخطأ؛ ولكن لا يمكن الاستنتاج منها بشكل قاطع أن النبي معصوم في سائر المجالات الأخرى.
3.2 العصمة في الشؤون الاجتماعية والحكم
في هذا المجال، تزداد مسألة العصمة تعقيداً. ثمة شواهد قرآنية وتاريخية عديدة تُظهر أن نبي الإسلام كان عرضة للخطأ، أو على الأقل لاحتماله، في الأمور التنفيذية كالحرب والقضاء والشورى. ومن أهم الآيات في هذا السياق آية المشاورة:
«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ...»
(آل عمران، 159)
هذه الآية:
تدعو النبي إلى مشاورة الآخرين، مما يشير إلى إمكانية الخطأ في القرارات الاجتماعية؛
توصي بالعفو والاستغفار تجاه الصحابة، مما يحكي عن الجانب الإنساني في علاقات النبي وتفاعلاته مع الآخرين؛
بحسب تفاسير كتفسير الطبري والفخر الرازي، نزلت بعد حادثة أُحد، حيث كان لمشاورة النبي للشباب حول الاستراتيجية العسكرية لتلك المعركة دور مؤثر في نتيجتها المؤسفة.
ورغم ذلك، فإن القرآن لا يذم النبي، بل يدعوه إلى مواصلة المشاورة. وهذا يُظهر أن القابلية للتجربة وطلب المشورة، خلافاً للتصور الشائع، ليست علامة ضعف، بل تجسيد لبشرية النبي.
3.3 العصمة وكون النبي أسوة
من وجهة نظر بعض المتكلمين، العصمة المطلقة شرط لازم لكون النبي أسوة. لكن يمكن تقديم استدلال مخالف لذلك: إذا كان النبي مصوناً من الخطأ في جميع المجالات، فكيف يمكنه أن يكون أسوة لبشر خطّائين؟
يؤكد القرآن على بشرية النبي:
«قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ...»
(الكهف، 110)
وكذلك:
«لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»
(الأحزاب، 21)
وعلى هذا الأساس، فإن كون النبي أسوة ناتج عن بشريته، وتحمل مسؤوليته، وإمكانية تجربته وخطئه وتصحيحه؛ لا عن كونه فوق بشر وتمتعه بعصمة مطلقة.
3.4 خلاصة معرفية: تقييم عقلاني للإيمان بالعصمة
من منظور إبستمولوجيا الاعتقاد الديني، فإن الإيمان بالعصمة المطلقة للنبي في جميع المجالات (بما فيها الوحي والقضاء والسياسة وإدارة المجتمع) ينطوي على عبء عقلاني ومعرفي ثقيل. وهذا الاعتقاد لا يكون مبرراً إلا إذا كان مدعوماً بسند مستقل عن الافتراضات الكلامية المسبقة.
في مجال الوحي والتبليغ، تدعم آيات متعددة عصمة النبي:
مثل «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى» وآيات حول الأمانة في تبليغ الوحي.
أما في المجالات الاجتماعية والسياسية، فلا يوجد مثل هذا السند فحسب، بل إن شواهد كالأمر بالمشاورة، والمراجعة في بعض القرارات، وقابلية النبي للتجربة، تؤيد إمكانية الخطأ في هذه المجالات.
لذا، فإن الإيمان بالعصمة في جميع المجالات، وخاصة في الأمور الدنيوية، يفتقر إلى التبرير العقلاني الكافي للتعميم الإبستمولوجي.
3.5 التبعات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية للإيمان بالعصمة في المجالات الدنيوية
للإيمان بالعصمة المطلقة في المجالات الاجتماعية، علاوة على التحديات المعرفية، تبعات أخلاقية وسياسية ملحوظة[4]:
تقييد إمكانية النقد والمراجعة والمشاركة العقلانية في الساحة الدينية؛
تشكل الاستبداد الديني باسم الحصانة من الخطأ؛
قمع المحاولات الإصلاحية بوصمات مثل "اللا دينية" أو "التطاول على المعصوم"؛
إضعاف المسؤولية الفردية والمساءلة في القرارات.
كذلك، فإن قبول العصمة المطلقة قد يؤدي إلى سلب المسؤولية الأخلاقية عن القادة، لأنه إذا لم يكن هناك إمكانية للخطأ، فإن معنى وضرورة الإصلاح والتوبة والمساءلة تنتفي أيضًا.
وفي النهاية، يمكن لهذا الاعتقاد أن يضع علاقة الدين بالعقل في تحدٍّ، ويختزل المسؤولية الأخلاقية في اتباع القدوة إلى مجرد تقليد أعمى.
٣.٦ علاقة العصمة بالاختيار: تعارض أم توازن؟
إذا نُظر إلى العصمة بوصفها حصانة كاملة من الخطأ في جميع الأفعال، فما هو موقع الاختيار الأخلاقي والاختبار الإنساني والنمو الروحي حينئذ؟
يقدم القرآن النبيَّ بوصفه إنسانًا منخرطًا في التجربة والمشورة والتحول. إن قبول هذه الصورة لا يتوافق مع الاختيار وتحمل المسؤولية فحسب، بل يحوّل النبي إلى قدوة حقيقية للإنسان—قدوة يمكن التعلم منه، لا مجرد الثناء عليه.
٣.٧ إعادة النظر في العصمة وفرص جديدة في الأخلاق والمعرفة الدينية
إن الفصل بين العصمة في مجال الوحي وعدم العصمة في مجال التدبير الدنيوي يمهد الطريق للديناميكية وإعادة النظر في الفهم الديني:
يمكن للعصمة، بدلًا من أن تكون أداة لوقف الفكر، أن تكون معيارًا للفصل بين المجالات القابلة للنقد ومجالات الهداية القطعية؛
يصبح التحليل الأخلاقي والتاريخي لسلوك النبي والأئمة مشروعًا؛
يرتقي التدين من التقليد إلى المسؤولية.
٣.٨ العصمة في الساحات الاجتماعية والسياسية والحكومية: حدود الكمال والحصانة
لقد آن الأوان لكي نفحص، بتأمل تفصيلي، المصاديق التاريخية والقرآنية والأخلاقية للعصمة في سياقات مختلفة لندرك:
أي أفعال النبي هي من سنخ الهداية الوحيانية وأيها يخضع لتقدير المصلحة البشرية؛
كيف تجلت العصمة في ممارسة النبي وما هي النتائج المترتبة عليها.
٣.٨.١ هل ينبغي تعميم العصمة على جميع أبعاد سلوك النبي؟
من منظور الإبستمولوجيا وأخلاق الاعتقاد، يواجه تعميم العصمة من مجال الوحي إلى جميع أبعاد سلوك النبي - من القضاء إلى السياسة - تحديات جدية.
لقد تصرف النبي في هذه الساحات بوصفه إنسانًا أخلاقيًا، ومجتهدًا، ومثقفًا، لكن هذا لا يعني أن كل قراراته كانت مصونة من الخطأ. إن الدراسة الحالة لسلوكيات النبي في هذه الساحات تتيح إمكانية التعرف بدقة أكبر على حدود العصمة.
الخطأ في القرارات السياسية والاجتماعية لا ينبع بالضرورة من ضعف أخلاقي أو نقص في الإيمان، بل غالبًا ما ينشأ من محدودية المعلومات أو ضغط الوقت أو تعقيد الظروف. إن إمكانية الخطأ هذه لا تنتقص من مكانة النبي فحسب، بل تبرز جانبه الإنساني وتزيد من قابليته ليكون قدوة. فالنبي الذي يواجه العقبات والغموض في خضم الظروف الإنسانية، ويسير في الوقت نفسه في طريق العدل والخير، هو قدوة حقيقية وقابلة للفهم لأتباعه؛ لأنه يظهر أن الإنسان، على الرغم من قابليته للخطأ، يمكنه أن يكون ناجحًا وملهمًا في التزامه بالقيم.
٣.٨.٣. تعارض العصمة الشاملة مع كونها قدوة إنسانية
إذا كان النبي يتمتع في جميع الساحات، بما في ذلك الأمور الاجتماعية والسياسية، بعصمة شاملة ومطلقة، فلن يكون ممثلًا للتجربة الإنسانية بعد ذلك. في هذه الحالة:
تفرغ كونه قدوة من المعنى؛ لأن أفعال نبي لا سبيل للخطأ إليها، ليست قابلة للفهم ولا للاتباع من قبل البشر العاديين الذين لا يمتلكون هذه الحصانة.
يزداد الشعور بالاغتراب والإحباط بين المؤمنين؛ لأن أداء النبي، بدلًا من أن يعكس تجربة إنسانية، سيكون له مظهر فوق بشري، ومن ثم، لن يُنظر إلى اتباعه بوصفه قدوة قابلة للتحقيق، بل بوصفه مثالًا أعلى بعيد المنال.
۳.۸.۴. إضعاف العقل الجمعي والمشاركة في الحكم
إن الإيمان بالعصمة المطلقة في شؤون الحكم يمكن أن يهمّش دور العقل الجمعي والمشاركة الشورية. بينما يحمل القرآن الكريم أمراً واضحاً: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»، مما يدل على المكانة الأصيلة للمشورة في عملية الحكم.
إذا كان المعصوم يعلم مسبقاً أفضل قرار ممكن دون إمكانية الخطأ، فإن دور مشاركة الآخرين يتدهور من فعل حقيقي إلى صورة رمزية. ويترتب على ذلك:
إفراغ عملية صنع القرار من الشفافية؛
إضعاف المسؤولية العامة؛
وفي نظر الأجيال اللاحقة، فإن تعميم العصمة على مجال الحكم يمهد الطريق لتشكيل هياكل تبتعد، بالاعتماد على وراثة شرعية المعصوم، عن القابلية للنقد والمساءلة ومشاركة العقل الجمعي.
۳.۸.۵. الشواهد التفسيرية والتاريخية على إمكانية الخطأ في الساحات غير الوحيانية
يروي تاريخ صدر الإسلام والمصادر التفسيرية نماذج تعرض فيها سلوك النبي محمد أو قراره للتذكير أو النقد الإلهي. هذه الشواهد، من منظور بعض المفسرين، تدل على إمكانية حدوث خطأ أو قرار غير دقيق في مجالات خارج نطاق تلقي الوحي وتبليغه:
حادثة أسرى بدر: بعد غزوة بدر، قرر النبي إطلاق سراح بعض أسرى المشركين مقابل فدية. ورداً على هذا القرار، نزلت الآية ۶۷ من سورة الأنفال:
«ما كانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ...»
اعتبر العديد من المفسرين هذه الآية توبيخاً إلهياً لذلك القرار السياسي. من منظور الإبستمولوجيا الدينية، يُظهر هذا التذكير أن قرارات النبي في الساحات السياسية كانت تخضع أيضاً للحكم الأخلاقي والإلهي.
حادثة «عبس وتولى»: أثناء حوار النبي مع كبار قريش، تعرض رجل أعمى يدعى عبد الله بن أم مكتوم، كان باحثاً عن الحقيقة، للإهمال. الآيات الأولى من سورة عبس (۱ إلى ۱۰) تخاطب هذا السلوك وتوبخه صراحة. يرى بعض المفسرين هذه الآيات علامة على زلة للنبي في تحديد أولويات التواصل؛ زلة وإن كانت مصحوبة بنية دينية، إلا أنها اعتبرت بحاجة إلى مراجعة من منظور أخلاقي.
۳.۸.۶. انعكاس الرؤى الكلامية والتاريخية حول حدود العصمة
في تاريخ الفكر الإسلامي، قدمت المدارس الكلامية المختلفة تفسيرات متنوعة لنطاق العصمة وماهيتها. يدل هذا التنوع في المقاربات على أن مسألة العصمة ليست أمراً قطعياً، بل موضوعاً مثيراً للتأمل وبحاجة إلى تحليل إبستمولوجي جديد في سياق العصر:
المعتزلة: هذه المدرسة الكلامية العقلانية، بتأكيدها على العدل الإلهي ودور العقل في الأحكام الأخلاقية، كانت ترى عصمة النبي محصورة بشكل رئيسي في مجال تبليغ الوحي. من وجهة نظرهم، الخطأ في المجالات السياسية أو الاجتماعية، ما لم يتعارض مع عدالة الله، ليس ممكناً فحسب، بل هو أمر طبيعي ومقبول.
الأشاعرة: بالاعتماد على الإرادة والقدرة الإلهية المطلقة، كان الأشاعرة ينظرون إلى نطاق العصمة على نحو أوسع من تفسير المعتزلة. في نظرهم، لأن منشأ جميع الأفعال هو الإرادة الإلهية، فإن الخطأ من النبي لا يقع إلا إذا اقتضته الحكمة الإلهية. ومع ذلك، في بعض القراءات، أجاز الأشاعرة أيضاً الأخطاء الصغيرة أو غير المخالفة للشريعة، لكنهم اعتبروا هذه الحالات خالية من الثقل الأخلاقي أو المعرفي المهم.
الشيعة الإمامية: تقدم هذه المدرسة، للحفاظ على المرجعية الدينية ولكون النبي أسوة، أوسع تفسير للعصمة. العصمة في هذا المنظور لا تقتصر على تلقي الوحي وتبليغه، بل تشمل جميع المجالات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية وحتى النوايا الداخلية، بحيث لا يرتكب النبي أبداً ذنباً أو خطأ عمدياً أو سهواً.
۳.۸.۷. تحليل أنطولوجي للعصمة: مكانة روح القدس في البنية الوجودية للإنسان الإلهي
أحد المقاربات التكميلية في تحليل عصمة الأنبياء هي الالتفات إلى تقسيم الروح الإنسانية في الحكمة والعرفان الإسلاميين. فبناءً على آثار حكماء من أمثال الملا صدرا وعرفاء كابن عربي، للروح الإنسانية مراتب هي، بحسب ترتيب القرب الوجودي من مبدأ الوجود:
١) روح الحياة (المرتبطة بالقوى النباتية والحيوانية)،
٢) روح القوة (الناظرة إلى القوى الفاعلة)،
٣) روح الشهوة (مركز الرغبات والميول)،
٤) روح الإيمان (محل الإدراكات الإيمانية والأخلاقية)،
٥) روح القدس (المرتبة المتصلة بعالم الأمر والفيض الإلهي).[5]
وهذه المراتب ليست أجزاءً منفصلة، بل هي تجليات تشكيكية لحقيقة واحدة في مستويات مختلفة من الوجود.
في هذا النسق الفكري، لروح القدس في الأنبياء والأولياء حضور فاعل وهي منشأ اتصالهم بعالم الملكوت والعلم اللدني؛ كما يرى الملا صدرا في الأسفار الأربعة أن روح القدس هي محل نزول الفيض الإلهي وأساس العصمة.[6]وبناءً على ذلك، ينبغي تحليل العصمة لا على مستوى عقل المعاش أو حتى العقل الإيماني، بل في مرتبة أسمى، أي على مستوى روح القدس.
إذا كان الخطأ يقع على مستوى روح الإيمان ـ وهو المستوى الذي يبلغ فيه الفرد المؤمن، باجتهاده، درجات من اليقين والهداية، لكنه يظل معرضاً للزلات الظاهرية أو الإدراكات غير الدقيقة ـ فعندئذ يمكن التحليل بأن:
الأنبياء، في ذلك الساح من وجودهم المتصل بروح القدس، معصومون من الخطأ والذنب، لكن في الساحات الأدنى من وجودهم التي تُستخدم للتواصل مع البشر وإدارة المجتمع، قد تصدر عنهم أفعال تكون موضوع تذكير أو تنبيه إلهي. هذه الأفعال ليست دليلاً على نفي العصمة، بل تعبير عن تعقيد الساحات الإنسانية وضرورة التحليل متعدد الطبقات للعصمة.
من هذا المنظور، فإن انتقادات كحادثة أسرى بدر أو حادثة "عبس وتولى"، لا تنافي العصمة فحسب، بل تدل على حركة الأنبياء في مراتب الروح الإنسانية المختلفة وضرورة النمو التدريجي للبشر من ساح روح الحياة إلى روح القدس.[7]هذا الفهم يمنعنا من اختزال العصمة إلى قضية صورية أو معرفية محضة، ويضفي عليها معنى في صميم الأنطولوجيا العرفانية. وفي هكذا نظرة، العصمة ليست حالة ساكنة، بل كيفية روحانية وديناميكية تتبلور في السلوك الوجودي للإنسان الإلهي.
خلاصة تحليلية
تُظهر وجهات النظر المختلفة حول العصمة تنوعاً وديناميكية في الفكر الإسلامي. وهذا التنوع يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم العصمة وتبعاته، لا سيما في الحوكمة والمسؤولية الدينية. إن الإيمان بالعصمة ليس مجرد مسألة نظرية، بل هو مسألة عملية تؤثر في كيفية التعامل مع الأخطاء الاجتماعية والحكومية. إن التدقيق في وظائف الإيمان بالعصمة وتبعاته العملية في الساحات الاجتماعية والسياسية يمكن أن يساعد في تحسين الحوكمة والمسؤولية الإنسانية. وستوضح الشواهد القرآنية والتفسيرية في الجزء الرابع من المقالة هذه المسائل بالتفصيل.
.
٤. شواهد قرآنية تؤيد ترك الأولى أو الخطأ غير الوحياني للأنبياء
استكمالاً للتحليلات السابقة، ونظراً للتأكيد على المحدوديات الإنسانية للأنبياء، تُظهر بعض آيات القرآن بوضوح أن الأنبياء، في بعض الأحيان، وبشكل غير مباشر وبوصفهم بشراً كاملين على المقياس الإنساني، يواجهون مسائل كان يُنتظر منهم فيها المزيد. هذه الحالات، التي تُعرف غالباً بـ "ترك الأولى"، جديرة بالتأمل خاصة في مجالات كالمجتمع والسياسة والقضاء. في هذه الآيات، نرى أن الأنبياء، رغم تمتعهم بمقام الوحي وعلاقتهم الوثيقة بالله، لا يزالون يواجهون في قراراتهم تحديات تحتاج أحياناً إلى تصحيح أو تذكير من الله. هذه الحقيقة بذاتها تُظهر، بشكل مذهل، المحدوديات الإنسانية للأنبياء وتُعلمنا أنه حتى في مقام أكثر البشر ألوهية، توجد نواقص وأخطاء بشرية، لا سيما في الظروف الاجتماعية والسياسية.
النقطة المهمة هي أن التفسير التقليدي عادةً ما يشرح هذه الحالات في إطار «ترك الأولى»؛ ولكن إذا نظرنا إلى هذه الآيات بمقاربة معرفية، لا سيما من منظور «المعرفة الفضيلة المحورية» والنظريات المتعلقة بـ«الاعتقاد والعمل الموجَّه»، تظهر إمكانية رؤية جديدة. إن زاوية النظر هذه، بالاعتماد على المعايير الأخلاقية والمعرفية، تقودنا إلى فهم أعمق لمعنى عصمة الأنبياء — فهم لا يعرّف العصمة بمعنى النفي الكامل للخطأ في جميع الساحات، بل بوصفها مسؤولية أخلاقية، وصدقًا في مواجهة الحقيقة، واستعدادًا لتصحيح القرارات في سياق المواقف الإنسانية. ترى هذه المقاربة النبي، بدلًا من كونه كائنًا فوق بشري معصومًا، إنسانًا نموذجًا وقدوة في مسار النمو والتفاعل مع الوحي.
فيما يلي، شواهد قرآنية تؤكد على هذا الجانب، وتُظهر حقيقة أن الأنبياء لم يكونوا مصونين من الأخطاء غير الوحيانية، رغم أنهم كانوا دائمًا في حالة تقدم نحو التصحيح والنمو الروحي:
1. سورة عبس، الآيات 1–2
الآية: «عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ»
الترجمة: عبس وأعرض، حين جاءه الأعمى.
التحليل التفسيري:
يُعبّر العلامة الطباطبائي في تفسيره لهذه الآية عنها بأنها «ترك الأولى»؛ أي ترك العمل الذي كان أولى. من وجهة نظره، لم يكن سلوك النبي هذا ناتجًا عن عدم اكتراث أو غرور، بل بسبب ترجيح مصلحة ظاهرية؛ وهي الحوار مع كبراء قريش لهدايتهم. ولكن من المنظور التوحيدي والنظرة الأكثر تدقيقًا التي يقدمها القرآن، لا يُعتبر هذا الترجيح كاملًا ومرغوبًا. في الواقع، يقدم القرآن بهذا البيان نوعًا من التأديب لنبيه، دون أن يعتبر سلوكه خطأً.
كما فسّره الزمخشري بأنه نوع من تأديب النبي من قِبل الله، وهذا يُظهر أنه حتى النبي يجب أن يكون ملتزمًا بالأخلاق والاهتمام بالمستضعفين أكثر مما تقتضيه المصلحة الظاهرية.
2. سورة التحريم، الآية 1
الآية: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»
الترجمة: يا أيها النبي، لم تحرّم ما أحل الله لك، تبتغي مرضات أزواجك؟ والله غفور رحيم.
التحليل التفسيري:
اعتبر فخر الرازي في تفسيره لهذه الآية، إقدام النبي بمنزلة نوع من الاحتياط الشخصي الشديد وعلامة على شدة زهده وتقواه. من منظوره، شدد النبي على نفسه وحرّم على نفسه أمرًا كان الله قد أحله له، بسبب اهتمامه البالغ بمراعاة رضا المحيطين به وتجنب أدنى شائبة في الحياة الأسرية.
3. سورة التوبة، الآية 43
الآية: «عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ»
الترجمة: عفا الله عنك، لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين؟
التحليل التفسيري:
يؤكد العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان أن بدء الآية بعبارة «عَفَا اللَّهُ عَنكَ» يُظهر بوضوح أن هذا الخطاب ليس بمعنى التوبيخ على ذنب، بل هو نوع من العتاب اللطيف من قِبل الله؛ عتاب هدفه التعليم والتربية في إطار شأن النبوة، لا التقريع أو التأنيب.
من منظره، تعود القصة إلى زمن كانت فيه مجموعة من المنافقين، بحجج مختلفة، تطلب عدم المشاركة في غزوة تبوك. النبي (ص)، بناءً على ظاهر كلامهم ودون أن يدرك نواياهم الخفية، أذن لهم. كان هذا القرار، في الإطار العرفي، مقبولًا عقلانيًا وحتى شرعيًا. ومع ذلك، تُذكّر الآية بأنه لو صبر النبي حتى تنكشف النوايا الحقيقية للأفراد من خلال سلوكهم، ويظهر تمييز عملي بين الصادقين والكاذبين، لكان ذلك أفضل.
يرى العلامة أن هذا الفعل من باب ترك الأولى: أي ترك ما كان أولى بحسب المصلحة الإلهية وحكمة الرسالة.
4. سورة الأنفال، الآية 67
الآية: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ...»
الترجمة: ما ينبغي لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض...
التحليل التفسيري:
يرى الزمخشري أن هذه الآية ناظرة إلى ترجيح المصلحة الظنية والميل الطبيعي إلى الغنيمة. وهي تحذير للأنبياء من هذا المنظور بأن عليهم، في مواجهة المعارك السياسية والحربية، ترجيح الأولويات والمصالح العليا على المنافع المادية والظاهرية.
5. سورة طه، الآية 121 (النبي آدم)
الآية: «فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ...»
الترجمة: فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة...
التحليل التفسيري:
في تفسير الميزان، يُعتبر هذا السلوك تركاً للأولى ويُنسب إلى فضاء الجنة الدنيوية. ومن منظور عرفاني، يُعرَّف هذا الفعل بأنه ضعف في الإنسانية وتركيز مفرط على الملذات الجسدية. كان الله قد حذّر آدم من الأكل من شجرة معينة، لكن آدم أخطأ بدافع الشهوة، وبهذه الطريقة أبعد نفسه عن الحرم الإلهي.
6. سورة الأنبياء، الآية 87 (النبي يونس)
الآية: «وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ...»
الترجمة: وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه...
التحليل التفسيري:
فسّر الزمخشري هذه الواقعة بأنها تظهر تسرّع النبي يونس في ترك مهمته الرسالية. وبناءً على وجهة نظره، كان الله قد أمر يونس بالبقاء بين قومه ومواصلة دعوتهم. لكنه، إثر إحباطه من عدم قبول قومه للرسالة الإلهية، تركهم قبل أن يصدر الإذن بالترك من الله.
كان هذا الفعل ناشئاً عن غضب أو يأس، لا عن عصيان، ولكن هذا الاستعجال في اتخاذ القرار هو ما ووجه بالعتاب من الله. في الواقع، ظن النبي أن ترك القوم لن يترتب عليه أثر خاص. لا يؤكد هذا الحدث على البعد الإنساني للأنبياء فحسب، بل يُظهر أيضاً نوعاً من التربية والتعليم الإلهي للأنبياء: وهو أن الرسالة ليست أمراً عقلانياً أو عاطفياً محضاً، بل تحتاج إلى صبر وتسليم والتزام كامل بتدبير الله.
7. سورة القصص، الآية 15 (النبي موسى)
الآية: «فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ...»
الترجمة: فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان...
التحليل التفسيري:
يُقيّم العلامة الطباطبائي هذا الفعل بأنه ناشئ عن الغيرة الدينية وفعل إنساني. لقد تحرك موسى في هذه اللحظة بدافع الغضب والشجاعة الدينية، ولكن بسبب عدم التدقيق في الجوانب الروحية والأخلاقية، كانت النتيجة خطأ بشرياً.
8.سورة ص، الآية 24 – النبي داود والقضاء المتسرع
الآية:
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ...﴾
ثم: ﴿وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ...﴾
الترجمة:
(داوود در قضاوت بین دو نفر گفت:) بیگمان او در درخواست گوسفندت به گوسفندان خود، به تو ستم کرده است... (او بر اساس ظاهر ماجرا قضاوت کرده بود بدون شنیدن حرفهای طرف مقابل.) سپس داوود دریافت که ما او را آزمودهایم، پس از پروردگارش آمرزش خواست... (او متوجه شد که این ماجرا آزمون الهی بوده و از اشتباه خود توبه کرد.)
تحلیل تفسیری:
در برخی تفاسیر، از جمله المیزان، بیان شده که حضرت داوود علیهالسلام پیش از شنیدن سخن طرف مقابل، بر اساس گفتهی تنها یکی از دو طرف، داوری کرد. گرچه این قضاوت ممکن است از نگاه ظاهری عادلانه بهنظر برسد، اما برای پیامبری که الگوی عدالت است، شایستهتر آن بود که ابتدا سخن هر دو طرف را میشنید. از اینرو، این رفتار نمونهای از «ترک اولی» تلقی شده است؛ یعنی ترک کاری که شایستهتر و برتر بوده است.
9.سوره قصص، آیه ۱۸–۱۹ – حضرت موسی و هراس از انتقام
آیه: ﴿فَأَصْبَحَ فِى ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفًۭا يَتَرَقَّبُ...﴾ و در ادامه: ﴿إِن يُرِيدُ أَن يَقْتُلَكَ كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۭا بِٱلْأَمْسِ...﴾
ترجمه:
صبحگاهان در شهر در حالی بود که بیمناک بود و مترصد (حادثهای)...
تحلیل تفسیری:
این ترس که در این آیه به آن اشاره شده، بهطور طبیعی واکنشی انسانی است، اما برخی مفسران، از جمله طبرسی در «مجمع البیان»، بر این باورند که از دیدگاه پیامبری با چنین مقام رفیعی، این رفتار بهعنوان نوعی «ترک اولی» در نظر گرفته میشود. به این معنا که پیامبر باید بیش از آن که دچار ترس و نگرانی بشود، بر امداد و کمک الهی توکل تام داشته باشد. در چنین موقعیتی، نباید ترس از دشمن یا انتقامجویی بشری مانع از اعتماد کامل به خداوند و پیامبری شود.
10. سوره قصص، آیات ۱۵–۱۶ – حضرت موسی علیهالسلام آیه: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ (قصص، ۱۵)
ترجمه: پس موسی مشتی بر او زد و موجب مرگش شد.
تحلیل تفسیری:
این رفتار در دفاع از یک مظلوم انجام شد، ولی چون به کشتهشدن یک نفر انجامید، موسی آن را خطا دید و طلب مغفرت کرد:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (قصص، ۱۶)
برخی مفسران مانند علامه طباطبایی و فخر رازی آن را «ترک اولی» دانستهاند، چرا که پیامبری که قرار است واسطه هدایت شود، باید در نهایت خویشتنداری و مراقبت ظاهر گردد.
.
یکی از شواهد مهم در تحلیل معرفتشناختی عصمت معصومین، استغفارها و اعترافهایی است که در متون قرآنی و روایی از آنان نقل شده است. این شواهد بهروشنی نشان میدهند که معصوم نه موجودی فرابشری و منزّه از هرگونه رشد یا چالش، بلکه انسانی الگوست که در مسیر هدایت الهی، گاه با لغزش، تشخیص ناقص یا اضطرارهای اخلاقی مواجه میشود. حتی اگر خطاهای منسوب به ایشان را نه «گناه» فقهی، بلکه ترک اولی یا ضعف در تشخیص بدانیم، باز هم از منظر اخلاقی و معرفتی، میتوان آنها را نشانههایی از امکان بازنگری و اصلاح دانست. چنین برداشتی، نه تنها منزلت معصوم را خدشهدار نمیکند، بلکه الگوپذیری از او را واقعیتر و قابل دسترستر میسازد.
استغفارهای پیامبر در قرآن، حتی پس از پیروزیهایی چون فتح مکه، استمرار دارند:
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (نصر: ۳)
این فرمان در اوج موفقیت، صرفاً نمود تعبد نیست، بلکه پاسخی به امکان ترک اولی یا خطاهای انسانی در فرآیند تصمیمگیری است.
دعای حضرت آدم (ع) پس از سرپیچی از نهی الهی نیز نشانگر پذیرش مسئولیت و نیاز به رحمت است:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا...﴾ (اعراف: ۲۳)
همین رویکرد در دعای حضرت نوح (ع) دیده میشود، زمانی که خواست او با حکمت خداوند تعارض مییابد:
﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي...﴾ (هود: ۴۷)
وهنا أيضًا، يبرز الوعي بالمحدودية البشرية وقبول المسؤولية.
رُوي عن النبي حديث:
"إني لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وأَتوبُ إليهِ في اليومِ أكثرَ من سبعينَ مرةً"
إن تبرير هذه الاستغفارات بمجرد اعتبارها تعليمية أو رمزية لا ينسجم مع صدق شخصية المعصومين الذين هم أسوة في الصدق. من منظور معرفي، يُعد هذا الاستغفار تجليًا للتواضع أمام الحقيقة واستعدادًا لمراجعة الإدراكات السابقة.
وهذه النبرة واضحة أيضًا في أدعية الإمام السجاد عليه السلام. فأدعية الصحيفة السجادية ذات نغم إنساني، لا كلام كائن معصوم من الخطأ. لغة هذه الأدعية مفعمة بالاعتراف بالفقر الوجودي، والاضطرار الأخلاقي، والحاجة الدائمة إلى الهداية:
"إِلهِي أَلبَسْتَنِي الذُّنُوبُ ثَوْبَ مَذَلَّتِي..."
إذا اعتبرنا هذه العبارات تعليمية وتمثيلية فحسب، نكون قد أفرغناها من أصالتها الأخلاقية.
وجاء في الدعاء الأول من الصحيفة أيضًا:
"وَ أَلْجَأْتْنِي الذُّنُوبُ إِلَى انْقِطَاعِ الْأَمَلِ..."
يصور هذا التعبير منتهى الاستيصال البشري أمام أبواب التوبة المغلقة؛ النقطة التي يرى فيها المعصوم، شأنه شأن أي إنسان آخر، نفسه محتاجًا إلى اللطف والغفران.
من جهة أخرى، في الآية ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩) تأكيد على دور العقل الجمعي في إكمال فهم النبي، وليس مجرد سلوك رمزي.
بناءً على هذه الشواهد، يمكن تقديم نموذج بديل للعصمة: العصمة ليست حصانة ذاتية وثابتة، بل هي هداية إلهية مستمرة في قلب عملية إنسانية ديناميكية وقابلة للخطأ. في هذا الإطار، الاستغفار ليس علامة نقص، بل علامة نضج أخلاقي واستعداد للمراجعة.
.
أظهرت التحليلات أن التفسير المطلق لعصمة الأنبياء، لا سيما في المجالات الاجتماعية وتدبير الشؤون البشرية، يواجه تحديات معرفية وتفسيرية جسيمة. استنادًا إلى الآيات التي تؤكد بشكل ما على "ترك الأولى" والتنبيهات الإلهية، وتحليلات أصحاب الرأي كالعلامة الطباطبائي والزمخشري، يمكن بوضوح حصر العصمة في مجال تلقي الوحي وحفظه وتبليغه، لا فيما يتجاوز ذلك. هذه النظرة، التي تُخرج العصمة من شمولها لجميع جوانب حياة الأنبياء، لا تقلل فقط من عبء التحديات النظرية، بل تقدم فهمًا أعمق وأكثر إنسانية للأنبياء ونموذجهم للبشر.
الأخطاء المنسوبة إلى الأنبياء في الساحات البشرية نابعة من مقتضيات بشريتهم، لكنها ليست من سنخ الزلات المعتادة، بل كانت أخطاء محدودة وقابلة للهداية غالبًا ما اقترنت بتنبیهات إلهية. لهذه النقطة أهمية خاصة لأنها تبرز دور الأنبياء لا كأفراد محصنين من الخطأ، بل كبشر ملتزمين بالإصلاح والهداية في مختلف مجالات الحياة البشرية. في هذا السياق، العصمة بوصفها صفة تحمي الأنبياء من الأخطاء الكبرى في نطاق تلقي الوحي، لا تنأى بهم عن الخطأ فحسب، بل تسهل أيضًا قابلية الاقتداء بهم.
هذا المنهج الأخلاقي والواقعي تجاه العصمة، بالإضافة إلى حفظه لقداسة الأنبياء، يمهد الطريق لخطاب عقلاني وإعادة نظر في التقاليد التفسيرية. أي ادعاء بعصمة مطلقة يجب أن يُفسَّر بدقة بأدلة فلسفية وتفسيرية وتاريخية معتبرة، وعندها فقط يمكن الدفاع عنه.
تقدم الأدعية والاستغفارات الصادرة عن المعصومين، لا سيما في الصحيفة السجادية، صورة إنسانية ومتواضعة عنهم. هذه الصورة، خلافًا لما يُلاحظ في بعض التفاسير التقليدية، تُظهر أن المعصومين، بقبولهم المسؤولية الأخلاقية للحياة واستعدادهم لمراجعة أعمالهم، هم بشر في حالة تكامل لم يبتعدوا أبدًا عن مسيرة الإنسانية. بهذا المعنى، تُطرح العصمة لا كصفة إلهية فحسب، بل كنموذج أخلاقي للبشر.
في الختام، يؤكد المؤلف على أهمية الأخلاقية والعقلانية في التحليلات الدينية، ويرحب بالنقد العلمي والحوار المفتوح في هذا المجال. الهدف من هذا البحث ليس هدم المعتقدات القائمة، بل الارتقاء بالفهم الديني في إطار العقلانية والأخلاق. هذه العملية لن تتحقق إلا بنهج منفتح وتساؤلي وفهم أعمق للمفاهيم الدينية، مما يؤدي إلى بلوغ فهم متعالٍ ومسؤول للمسائل الدينية.
.
الهوامش:
[1] الاعتقاد الموجّه المشروط: يُطلق على المعتقدات التي تبدو صحيحة ومقبولة في ظل ظروف معينة وبالنظر إلى المعلومات والأدلة المتوفرة لدينا. تظل هذه المعتقدات صالحة ما لم تتغير الظروف أو تظهر معلومات جديدة.
[2] الفهم السياقي: يعني أن إدراكنا للحقيقة أو الواقع يتم دائمًا ضمن إطار من الخلفيات الفردية والثقافية والتاريخية والاجتماعية. نحن لا نقترب أبدًا من الحقيقة بذهن محايد أو خالٍ من الافتراضات المسبقة؛ بل إن نظرتنا إلى الحقيقة تتأثر بالسياقات التي نمتلك فيها وجودًا فكريًا وتجريبيًا ولغويًا.
[3] لمناقشة جميلة وتكميلية حول الروحانية وارتباطها بالأضلاع الثلاثة للعلاقة مع الذات والآخرين والأمر المتعالي، انظر إلى القسم ۳-۳-۲ من مقالة «تقرير عن وجهة نظر الدكتور فرهاد شفتي» المقدمة في سلسلة جلسات القرآن والأسئلة الأساسية الثلاثة.
[4] لنموذج من الحوار بين وجهتي نظر مختلفتين حول نطاق العصمة، راجع: مناظرة الدكتور عبد الرحيم سليماني أردستاني والدكتور جواد علاء المحدثين في برنامج ديدار نيوز، متاحة للمشاهدة على آپارات.
[5] ابن عربي، الفتوحات المكية، ج ۱، باب ۲۷ (في مراتب الروح والإنسان الكامل).
[6] صدر الدين الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج ۸، فصل ۷ (في نزول الوحي وعصمة الأنبياء).
[7] العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ذيل آية «وَیُنَزِّلُ عَلَیْهِم مِّنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ لِيُثَبِّتُوكَ وَيُطَمِّئِنُوا قُلُوبَكُمْ»، سورة النحل، آية 87
الدين
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
ذکر شده که پنج روح در انسان ها وجود دارند. پنجمی یعنی روح القدس برای انبیاء و اولیاء و خواص اختصاص دارد. چهارمی یعنی روح الایمان برای مومنین. سه تای بقیه یعنی روح القوة و روح الشهوة و روح مدرج یا روح حیات در عموم مردم وجود دارد. پنج روح یک حقیقت تشکیکی است. برای معصومیت و بیانِ معصومیت در سطحِ روحِ قدسی است و نه روحِ ایمانی . خطا در سطحِ روح ایمانی رخ میده و اینجاست که مسئله باور مطرح می شود و سپس گزاره اینکه آیا این باور موجه هست و یا غیر موجه ؟ عصمت برای پیامبران و امامان در سطحِ ( روحِ قدسی ) است .