اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدافع أبو القاسم فنائي في كتابه «الدين في ميزان الأخلاق» عن أولوية الأخلاق على الدين، ويسعى إلى حلّ التعارضات بين الخطابات الدينية والعلمانية. فالدين المنقّى من الأحكام غير الأخلاقية يصبح أكثر صموداً في وجه النقدين الداخلي والخارجي.

مهدي إيرانمنش: نشهد جدالات على طرفي الخطابات الدينية والعلمانية، وأحياناً داخل النطاق الواسع للقراءات الدينية المتنوعة. فمن جهة، تصدى فلاسفة علمانيون لمواجهة الفكر الديني، مانحين الأصالة للإنسان ومعتبرين تاريخ الدين تاريخ سوء فهم. ومن جهة أخرى، يرفض بعض المتولين المتشرعين دينياً أي رواية أخرى غير القراءة الفقهية. وفي خضم ذلك، تظهر بين الحين والآخر انتقادات للدين الرسمي تستدعي الإجابة. وعادةً ما تستهدف معظم الانتقادات الموجهة للدين الرسمي تلك «الأحكام» من الفقه التقليدي التي تُعد «غير أخلاقية»، أو «المعتقدات» التي لا تقوم على «أخلاقيات اعتقاد» عقلانية. لكن، ولأن هذه المجموعة من الأحكام والمعتقدات «غير الأخلاقية» ليست في الواقع «دينية» أساساً وفق النموذج الذي يدافع عنه أبو القاسم فنائي، فإن الدين الذي يُقدَّم في إطار الأخلاق التي يقترحها ويُنقَّى من المعتقدات والأحكام غير الأخلاقية، يكون أكثر مقاومة للنقد الداخلي والخارجي. وأكثر مقاومة أيضاً من هذه الناحية: فكم من أناس هاجموا الثقافة العلمانية المعاصرة بدافع الدفاع عن الدين، وبقيوا عاجزين عن تقديم دفاع عقلاني مقبول عن الدين بسبب الغموض في فهمهم لمعنى الدين أو معنى العلمانية، بل إن عملهم انتهى أحياناً إلى فقدان الدين أو أي تجربة دينية ذات معنى بسبب وهن الاستدلال. ليس الهجوم على الثقافة العلمانية فحسب، بل الهجوم على الأخلاق العلمانية أيضاً دون معرفة حقيقتها وما يمكن أن تكون عليه علاقتها بالأخلاق الدينية، هو عمل لا أساس له.
نشهد جدالات على طرفي الخطابات الدينية والعلمانية، وأحياناً داخل النطاق الواسع للقراءات الدينية المتنوعة. فمن جهة، تصدى فلاسفة علمانيون لمواجهة الفكر الديني، مانحين الأصالة للإنسان ومعتبرين تاريخ الدين تاريخ سوء فهم. ومن جهة أخرى، يرفض بعض المتولين المتشرعين دينياً أي رواية أخرى غير القراءة الفقهية. وفي خضم ذلك، تظهر بين الحين والآخر انتقادات للدين الرسمي تستدعي الإجابة. وعادةً ما تستهدف معظم الانتقادات الموجهة للدين الرسمي تلك «الأحكام» من الفقه التقليدي التي تُعد «غير أخلاقية»، أو «المعتقدات» التي لا تقوم على «أخلاقيات اعتقاد» عقلانية. لكن، ولأن هذه المجموعة من الأحكام والمعتقدات «غير الأخلاقية» ليست في الواقع «دينية» أساساً وفق النموذج الذي يدافع عنه أبو القاسم فنائي، فإن الدين الذي يُقدَّم في إطار الأخلاق التي يقترحها ويُنقَّى من المعتقدات والأحكام غير الأخلاقية، يكون أكثر مقاومة للنقد الداخلي والخارجي. وأكثر مقاومة أيضاً من هذه الناحية: فكم من أناس هاجموا الثقافة العلمانية المعاصرة بدافع الدفاع عن الدين، وبقيوا عاجزين عن تقديم دفاع عقلاني مقبول عن الدين بسبب الغموض في فهمهم لمعنى الدين أو معنى العلمانية، بل إن عملهم انتهى أحياناً إلى فقدان الدين أو أي تجربة دينية ذات معنى بسبب وهن الاستدلال. ليس الهجوم على الثقافة العلمانية فحسب، بل الهجوم على الأخلاق العلمانية أيضاً دون معرفة حقيقتها وما يمكن أن تكون عليه علاقتها بالأخلاق الدينية، هو عمل لا أساس له.
في هذا السياق، يتصدى الدكتور فنائي، بصفته مجدداً دينياً، لمواجهة منطقية مع طرفي الطيف اللذين يدعيان الوصاية ويتوليانها معاً، مقدماً رؤى أعمق وأكثر إثارة للجدل بالطبع. وينبغي النظر إليه، شأنه شأن سائر المجددين الدينيين، بوصفه مدافعاً عن «الدين» ومدافعاً عن «الإنسان» في آنٍ معاً.
إنه في الواقع يريد الإجابة عن هذا السؤال: نحن المسلمين، على أي أساس يمكننا أو ينبغي لنا أن ننظم علاقتنا بغير المسلمين، الدين أم الأخلاق؟ لا بد من وجود مبادئ مشتركة بين الجميع، بصرف النظر عن اتباع دين معين، لكي نستطيع العيش معاً بسلام على أساسها. وهذه المبادئ المشتركة يمكن العثور عليها في «الأخلاق». لكن، ومع ذلك، لا يوجد للأسف تصور وفهم موحد للأخلاق أيضاً:
في العصر الحديث، يختلف فهم المسلمين للأخلاق اختلافًا كبيرًا عن فهم الغربيين. فالمسلمون ينظرون إلى الأخلاق بوصفها شأنًا فرديًا وأخرويًا يتعلق بسريرة الإنسان وباطنه، ومن ثم يتوقعون منها، في المقام الأول، أن تعينهم على تهذيب النفوس وسعادتها وفلاحها الأخروي، وفي المقام الثاني، أن تساعد في تنظيم العلاقات الاجتماعية بين البشر. أما في العصر الحديث، فإن أول ما يُنتظر من الأخلاق هو تنظيم العلاقات بين البشر والمؤسسات الاجتماعية وتأمين الرفاه والسعادة الجماعية والدنيوية للناس، ويأتي أثرها في سعادة الفرد وخلاصه الأخروي في الدرجة الثانية من الأهمية.(ص 39)
ولهذا السبب أيضًا يعتقد المؤلف أن فلسفة الأخلاق في العصر الحديث تحتل الدور والمكانة نفسها التي يحتلها الفقه في الحضارة الإسلامية، بل إن فلسفة الأخلاق هي، في الواقع، فقه العالم الحديث، وفلاسفة الأخلاق هم فقهاء العالم الحديث. وبناءً على هذا الأساس النظري، دخلوا الميدان.
وهو لا يرى الأخلاق مستقلة عن الدين لأسباب متعددة فحسب، بل يعتقد بنظرية تقدّم الأخلاق على الدين، ويؤكد بحق أن الدين إذا لم يُفهم على الوجه الصحيح، فإنه لا يجعل تحقيق المبادئ الأخلاقية أكثر حتمية، بل ينفيها من الأساس، ولكي يُفهم فهمًا صحيحًا، يجب أن يُوزن فهمنا للدين بميزان الأخلاق؛ ومن هنا يسمي هذا الكتاب «الدين في ميزان الأخلاق».
يُوضح هذا الكتاب أن لكل من مفهومي «الدين» و«الأخلاق» معنيين عامًا وخاصًا؛ فالمعنى العام للدين يشمل التجربة الدينية، وأصول العقائد، والأخلاق، والشريعة، أما المعنى الخاص للدين فيعادل الشريعة. وكذلك المعنى العام للأخلاق يشمل أخلاق السلوك، والاعتقاد، والتفكير، والبحث، أما المعنى الخاص للأخلاق فيقتصر على أخلاق السلوك فحسب. وفي ظنه،
أن الفلاسفة المسلمين، فضلًا عن أنهم حصروا مجال الأخلاق في أخلاق السلوك ولم يلتفتوا إلى أخلاق الاعتقاد والبحث، فإنهم في مجال أخلاق السلوك أيضًا قد اختزلوا الأخلاق الاجتماعية إلى الفقه. أما في العصر الحديث، فالأخلاق تشمل المجالات الثلاثة: السلوك، والاعتقاد، والبحث، كما أن الأخلاق الاجتماعية لا تُختزل إلى شيء آخر.(صص 51-52)
وهو يقدم نظريته بنظرة اجتهادية ومن منظور فيلسوف أخلاق، نظرية تزيل التعارضات الأخلاقية القائمة، وتعالج، من منظور خطابي أسمى، النزاع القائم بين قراءات معينة للأخلاق العلمانية والأخلاق الدينية. لأنه يدرك جيدًا أن هذه القراءات، على مستوى الخطابات القائمة، تكون أحيانًا شديدة التعارض وغير قابلة للتوفيق، بحيث لا يوجد أي طريق منطقي أو عقلاني لحل النزاع بينها.
وهو ينظر إلى مشروعه، أي «مشروع الدين والأخلاق»، بوصفه مشروعًا «فلسفيًا» و«دينيًا معرفيًا» و«أخلاقيًا معرفيًا»، لا مشروعًا «تنويريًا»، وإن كان يعتقد أن النتائج النظرية والعملية لهذا المشروع قد توفر مبررًا لإدراجه ضمن المشاريع التنويرية أيضًا.
يقول في مقابلة:
يعتقد الكاتب جديًا أن «التفلسف» و«النشاط التنويري» مقولتان مختلفتان، ولكل منهما هدفه وأدواته وأدبه وأخلاقه وجمهوره الخاص. والخلط بينهما وتجاهل الفروق الشاسعة بينهما، ولا سيما تجاهل الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بكل من هذين المجالين بحجة الآخر، أقل ما يترتب عليه من ضرر هو أنه يفسد كليهما ويجعلهما غير فاعلين، ويؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها للغاية.
وهو يدعي أن الذين لا يعترفون بأي دور للعقل والعقلانية في مجال الأخلاق، إما أن يختزلوا الأخلاق إلى العواطف والمشاعر الراهنة والفعلية للبشر، وإما إلى حكم وإرادة الإله الشارع الاعتباطية أو المصلحية. ومثل هذه القراءات للأخلاق العلمانية والأخلاق الدينية غير قابلة للتوفيق ولا للجمع، ولا يوجد أي طريق منطقي أو عقلاني لحل نزاع هذه القراءات. ولكن إذا قبلنا نظرية تعترف بدور العقلانية في مجال الأخلاق، فإنه يمكن إزالة الخلاف بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية.
وهو يعتقد بحق أنه على الرغم من إمكان وجود «أخلاق دينية» بمعنى ما، فإن هذه الأخلاق ليست بديلاً عن «الأخلاق العلمانية» (بمعنى ما فوق الديني لا الإلحادي)، بل تقع ضمن إطار «الأخلاق ما فوق الدينية» وفي طولها، ولا يمكن للدين أن يرفع الواجبات الأخلاقية عن كاهل البشر ويعفيهم من الامتثال للأوامر الأخلاقية. ولكن أي حكم هو الحكم الأخلاقي الموجَّه لتستند إليه واجبات البشر الأخلاقية؟
الحكم الأخلاقي الموجَّه هو حكم يصدر أولاً عن «مُلاحظ مثالي»، وثانياً ينظر فيه الملاحظ المثالي إلى الموضوع من «منظور أخلاقي»:
الحكم الأخلاقي الموجَّه هو حكم ملاحظ مثالي ينظر إلى الموضوع من منظور أخلاقي. (ص 199)
ولهذا يسعى إلى تعداد خصائص الملاحظ المثالي والمنظور الأخلاقي.
وبالاستعانة بنظرية «الملاحظ المثالي» (التي يعد قبولها في الواقع مقتضى العقلانية في حقل الأخلاق) يقدم تقريراً جديداً للخلاف بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية، ويبين في الوقت نفسه أنه إذا قبلنا «الملاحظ المثالي» بوصفه حكماً في الأخلاق، فإن النزاع بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية سيرتفع.
ولكن ما هي الطريقة الصحيحة لمعرفة حكم الملاحظ المثالي؟ الطريقة الصحيحة ليست في الاعتماد الحصري على العقل أو الوحي. الطريقة الصحيحة هي أن نوفق بين مضمون الوحي وحكم العقل، وهذا التوفيق بينهما ينبغي أن يتم عبر القياس والمقارنة والأخذ والرد المتبادلين، لا عبر افتراض أحدهما مفروغاً منه ومسلَّماً به والتصرف في الآخر، ولا عبر اشتراط حجية حكم العقل بحصول القطع واليقين، وهو ما يعادل تعطيل العقل.
وهو لا يلفت نظر القارئ إلى الطريقة الصحيحة لمعرفة حكم الملاحظ المثالي فحسب، بل يشير أيضاً إلى تشخيص الافتراضات المسبقة المختلفة التي يمكن افتراضها للملاحظ المثالي. كما يعتقد أن الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية يمكن أن تفضيا إلى أخلاق معيارية واحدة بتغيير الافتراضات المسبقة المختلفة التي قد تكون لدى المرء بشأن مصداق الملاحظ المثالي. فمثلاً، إذا كان مقصد وافتراض من يقولون إن الأخلاق دينية هو أن المعايير الأخلاقية تنبع من مشيئة وإرادة إله الأخلاق (= الله بوصفه الملاحظ المثالي)، فلن يبقى في هذه الحالة فرق بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية. لأن إرادة إله الفقه، وبالتالي الشريعة، أي مجموعة الأحكام الشرعية، في هذا المنظور تابعة للأخلاق لا العكس، والقوانين الشرعية ليست اعتباطية وبلا ملاك ولا ضابط ولا معيار فحسب، بل هي مقيدة بالضوابط والقيم الأخلاقية أيضاً.
أما إذا كان افتراض من يقولون إن الأخلاق دينية هو أن المعايير الأخلاقية تنبع من مشيئة وإرادة إله الفقه (= الله بوصفه الشارع)، ففي هذه الحالة يكون الحق مع من يقولون إن الأخلاق علمانية (ما فوق دينية) وليست دينية.
لنظرية «الملاحظ المثالي» نتائج مهمة ومصيرية أيضاً في إبستمولوجيا الأخلاق وإبستمولوجيا الفقه، ومن تلك النتائج أن الاستنباطات الفقهية من الأحكام الشرعية تكون معتبرة ما دامت منسجمة مع مقتضيات هذه النظرية والنموذج. لأن حكم وإرادة إله الأخلاق تتقدم على حكم وإرادة إله الفقه. فإله الفقه وإن كان له الحق، بوصفه خالقاً أو مالكاً أو منعماً، أن يوجب شيئاً أو يحرمه، إلا أن هذا الحق ليس مطلقاً، بل مقيد بقيود أخلاقية، لأن هذا الحق نفسه هو حق أخلاقي، ولا يمكن استناداً إلى حق أخلاقي تجاهل سائر الحقوق والقيم الأخلاقية.
ومن جملة المزايا الأخرى لهذا الكتاب أنه يقدم حلاً لمفارقة الأخلاق الدينية، وكذلك للتوفيق بين الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية، عبر تقديم خطاب أسمى (خطاب الملاحظ المثالي).
تُحل مفارقة الأخلاق الدينية بالقول إن المرجع النهائي في الأخلاق من وجهة نظر المتدينين هو الله، ولكن لا بوصفه «خالقاً» أو «مالكاً» أو «شارعاً»، بل بوصفه «الملاحظ المثالي»، لأن الأمر والنهي الأخلاقي هو حكم «إرشادي» للملاحظ المثالي. (ص 254)
وهذا الخطاب (خطاب الملاحظ المثالي) يبين أن:
يمكن للأخلاق أن تكون دينية وعلمانية (ما فوق دينية) في آنٍ واحد: فهي دينية، لأن الواجبات والمحظورات الأخلاقية تنبع من إرادة الله وأمره بوصفه الناظر المثالي (وهذا هو المعنى المعقول والمقبول لنظرية الأمر الإلهي)، وهي علمانية، لأن الواجبات والمحظورات الأخلاقية تنبع من إرادة الإنسان وأمره بوصفه الناظر المثالي. وهاتان الأخلاقان متطابقتان، لأن حكم الناظر المثالي واحد في كلتا الحالتين. ولن يكون للخلاف النظري بين المتدينين وغير المتدينين حول وجود الله أو عدمه، أو تدخله أو عدم تدخله في الهداية الأخلاقية للإنسان، أي تأثير على قيم الأخلاق الاجتماعية. (ص 255)
كما يشير إلى أن أخلاقية الدين ومراعاة الله للقيم الأخلاقية هي نتيجة لصفات الله وفضائله وكمالاته، وليست شيئاً مفروضاً عليه من الخارج:
إن مراعاة الله للقيم الأخلاقية ليست شيئاً يُفرض عليه من الخارج؛ أي إن هذه الأوصاف والفضائل والكمالات
هي ذات الله نفسه التي تمنع صدور فعل أو حكم غير أخلاقي أو مضاد للأخلاق عنه. (ص 254)
ويرى أن خطأ بعض أنصار «الأخلاق الدينية» يكمن في ظنهم أن الواجبات والمحظورات الأخلاقية تنبع من إرادة «إله الفقه» وأمره، لا من إرادة «إله الأخلاق» وأمره. كما يرى أن خطأ بعض أنصار «الأخلاق العلمانية» يكمن في ظنهم أن الواجبات والمحظورات الأخلاقية تنبع من إرادة الإنسان الموجود في وضع غير مثالي وأمره، لا من إرادة الإنسان المثالي وأمره. والقاسم المشترك بين الأنظمة الأخلاقية القائمة على كلا المنظورين المذكورين هو أنها تنفي العقلانية في حقل الأخلاق، وقد أصبحت متعارضة ومتنافرة فيما بينها.
ينشأ الخلاف من أننا: «نعتبر دينية الأخلاق بمعنى تبعية القيم والواجبات والمحظورات الأخلاقية لإرادة ’إله الشارع‘، ونعتبر علمانيتها بمعنى تبعية هذه القيم والواجبات والمحظورات لميول وإرادات أو اعتبارات واتفاقات البشر الفعلية الذين ليسوا في وضع مثالي.» (ص 258)
وعلى هذا الأساس، ولأن إله الشارع وإله الأخلاق واحد في الواقع، يمكن الحديث عن «أخلاق التشريع»، وبمعنى ما ربما يمكن تسمية هذا الكتاب أيضاً بـ «أخلاق التشريع» و«أدب مقام التشريع». لكن ينبغي أن نضيف أن فائدة عمله وأهميته لا تقتصر على بيان «أخلاق التشريع»، بل إن أهميته تكمن في الواقع في تقديم نموذج أمثل ومناسب لتنظيم العلاقة بين الإنسان والله أيضاً. هذا النموذج قائم على نظرية «الناظر المثالي»، التي تختلف اختلافاً كبيراً عن نموذج «العبد والسيد». في هذا النموذج، حاجة الإنسان إلى الله في مجال العمل والسلوك هي حاجته إلى الناظر المثالي، لا حاجة العبد إلى سيده. ومع أن الإنسان عبد لله أيضاً، لكن لما كانت العبودية غير الرق، فإن العبودية تصبح، في ضوء هذه النظرية، منسجمة مع الكرامة الإنسانية، في حين أن الرق لا ينسجم مع الكرامة الإنسانية. بعبارة أخرى، تكون العبودية والطاعة والخضوع لحكم الله منسجمة مع الكرامة الإنسانية عندما يُستنبط منها معنى طاعة الناظر المثالي.
ويرى أن النزاع الممتد بين فلاسفة الأخلاق والمتكلمين حول كون القيم الأخلاقية عقلية أم شرعية، قائم على هذه المقدمة الخاطئة بأن هذه المعايير إما تابعة لإرادة الله ومشيئته، وإما مستقلة عن إرادته ومشيئته. كما يقارن هذه النظرية ببعض آراء المعتزلة والأشاعرة:
يكمن اختلاف هذه النظرية عن نظرية الأشاعرة في أنهم يعتبرون الحسن والقبح تابعين لإرادة وكراهة وأمر ونهي الإله الخالق أو المالك أو الشارع، ولا يرون أي معيار موضوعي ومستقل لإرادة وكراهة وأمر ونهي إله الفقه. بعبارة أخرى، يُجلس الأشاعرة إله الشارع على منصة الناظر المثالي ويختزلون الأخلاق إلى الفقه. أما بناءً على نظرية الناظر المثالي، فيمكن اكتشاف حكم الناظر المثالي عن طريق العقل والحدس والتجربة الأخلاقية، لأن إرادة وكراهة وأمر ونهي الناظر المثالي لها ملاك ومعيار، ويمكن معرفة تلك المعايير عن طريق العقل.
ويلفت الانتباه أيضاً إلى أن:
يكمن اختلاف نظرية الناظر المثالي مع رؤية المعتزلة في باب الحسن والقبح في أننا، وفقاً لرؤية المعتزلة، لا نحتاج من حيث المبدأ إلى ناظر مثالي في مقام معرفة الحكم الأخلاقي. فقد كان المعتزلة يرون أن إدراك الحسن والقبح بديهي وسهل المنال. في حين أن القيم والمعايير الأخلاقية ليست بديهية دائماً، والأحكام الأخلاقية ليست دوماً من سنخ الحسن والقبح.(ص 260)
علاوة على ذلك،
كان المعتزلة في مقام اكتشاف المعايير الأخلاقية الفرعية والجزئية وكشف مصاديق الحسن والقبح يلجأون إلى الوحي والنقل، وكانوا كالأشاعرة يردّون الأخلاق إلى الفقه. لكن، وكما يتبين في هذا الكتاب، فإن اعتبار الفتاوى الفقهية وحجيتها مشروط بأن تكون هذه الفتاوى منسجمة مع إرادة الناظر المثالي وألا تنقض حكمه. ولذا لا يمكن من خلال المصادر الفقهية وباستخدام منهج البحث السائد في الفقه اكتشاف حكم الله وإرادته بوصفه ناظراً مثالياً.(ص 260)
وبتعبير آخر:
إن الرجوع إلى الناظر المثالي عبر المنهج المتعارف عليه في الفقه ليس ممكناً، لأن الفقه يتولى مهمة معرفة أحكام الله الشارع، وهو غير إله الأخلاق. (ص 259)
لكن المعتقدات الأخلاقية مستقلة عن المعتقدات الفقهية، ونظريتهم توفر أيضاً سنداً عقلانياً للفقه. وكما يقولون:
في المنهج المتعارف والمقبول في الحوزات العلمية، تحتل «الشريعة» موقع «الأخلاق الاجتماعية» ويحل علم الفقه محل علم الأخلاق، وعند تعارض المعتقدات الفقهية مع المعتقدات الأخلاقية، يكون الأصل هو تقديم الأولى، ما لم يتوفر دليل قطعي ويقيني لصالح المعتقد الأخلاقي المطروح. أما في منهجنا المقترح فلا يحل علم الفقه محل علم الأخلاق ... وفي الوقت نفسه لا يحل علم الأخلاق أيضاً محل علم الفقه، ويحظى الفقه في إطار الأخلاق بسند عقلاني. (ص 252)
وكون الفقه يحظى في إطار الأخلاق بسند عقلاني، يرتكز بدرجة ما على نظرة تُعلَّق فيها حجية ظواهر النقل وتُشترط بمدى مطابقة مضامينها للبديهات الأخلاقية المنبثقة عن العقل والوجدان. وكما يقولون:
لا يمكن التسليم بحجية الظواهر والادعاء بناءً عليها مثلاً أن «الإسلام لا يقبل حقوق البشر» أو أن «حقوق البشر الإسلامية تختلف عن حقوق البشر الغربية». إن حجية ظواهر النقل معلقة ومشروطة بمدى مطابقة مضامينها للبديهات الأخلاقية المنبثقة عن العقل والوجدان. فمن دون هذه المقارنة وهذا التقييم، لا يكون أي ظاهر حجة، ولا يمكن نسبته إلى الله واعتباره حكماً إسلامياً. إن مثل هذا العمل بدعة في الدين ولا يستند إلى أي سند منطقي وعقلاني.(ص 253)
وبناءً على هذا يستنتجون أن حق الله وحقوق البشر، كلاهما من الحقوق الأخلاقية ولا ينبثقان من الإرادة التشريعية لله. وبالتالي، وكما أن حق الله لا ينبثق من إرادته التشريعية، فإن حقوق البشر أيضاً لا تنبثق من إرادته التشريعية، ولذا لا يمكن تخصيص حقوق البشر بالحكم الشرعي. فالله قادر على ألا يخلق الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يخلقه ثم ينتهك حقه أو يمنح حق انتهاك هذه الحقوق لأحد من عباده.
.
.
المؤلف: أبو القاسم فنائي القطع: رقعي نوع التجليد: شوميز الناشر: صراط اللغة: الفارسية عدد الصفحات: ۲۷۴ سنة النشر: ۱۳۸۴ الطبعة: ۱ ردمك: ۹۶۴۵۶۳۳۱۷۶
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.