اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كان الإنسان التقليدي يتحمّل الألم بمنحه معنى، أما الإنسان الحديث فيجد الألم لا يُطاق حين يجهل سبب الحياة. الحداثة التي استهدفت تقليل المعاناة زادتها، والمخرج هو الجمع بين العقلانية والروحانية.

في الطب الصيني والتقليدي في الصين قيل إن على المرء أن يساكن أي ألم ثلاثة أيام بلياليها ثم يرجع إلى الطبيب. ـ ويبدو أننا رأينا هذا في أحاديثنا أيضاً ـ وهذا يعود إلى طرائق في التلقي كانت ترفع عتبة الألم والمعاناة لدى البشر عالياً جداً جداً. أي إن البشر كانت تصيبهم مقادير هائلة من الألم والمعاناة الخارجية، لكننا نحن تصيبنا مقادير ضئيلة جداً من مادة الألم والمعاناة الخارجية هذه. لا معنى لنا البتة أن يقال لنا: تألم ثلاثة أيام ثم اذهب إلى الطبيب. والسبب أن الإنسان التقليدي كان يضفي على حياته معنىً يأخذ فيه الألم والمعاناة موضعهما. لماذا لا تعانون من رفة عينكم؟ لأنكم تقولون: إن نظرتي إلى العالم تخبرني أن رفّ العين من ضرورات الحياة. فإذا كان ضرورياً للحياة، وكان رفّ العين في المجمل خيراً من عدم رفّه، فإني لا يصيبني عندئذ ألم ولا معاناة. والآن لنفترض أن أحداً اتخذ الموقف نفسه من ألم الأسنان، فقال: من الجيد أن يتألم الإنسان في حياته مرة كل بضع سنين يومين بليلتيهما من ألم الأسنان، وعدّ هذا طبيعياً وضرورياً للحياة، فإذا عده ضرورياً للحياة استطاع حينئذ أن يتحمل الألم جيداً. أو مثلاً لماذا لا تعانون من العطاس؟ لأنكم في النهاية، سواء أكنتم واعين أم غير واعين، ترون أن العطاس في المجمل خير من عدم العطاس.
كان شانكارا يقول: «أحياناً حين لا يزورني المرض، أتعجب من نفسي وأتساءل: ما الذي حدث حتى لا يسعى إليّ المرض؟». ذلك أن المرض منبه لنا معشر الآدميين، وأنا لا أزال بحاجة إلى التنبيه ـ لا التنبيه بمعنى التأديب والعقاب، بل بمعنى الإنذار ـ؛ أنا بحاجة إلى الإنذار. دعوني أضرب مثلاً أبسط. هل انتبهتم قط كيف تضطرمون غيظاً حين ترون في المرآة أن شعرة من شعرنا قد شابت؟ وبأي حيل نحاول إما نتف هذه الشعرة أو صبغها؟ لأن لدينا نظرة إلى العالم تخبرنا فيها شيبة الشعرة أن موتك قد اقترب، والموت في هذه النظرة إلى العالم أمر عائق. أما رامانوجا في الهندوسية فكان يقول: حين شابت أول شعرة من شعري فرحت، لأني رأيت أنهم يمنحوني إذن الإجازة رويداً رويداً. تلك النظرة إلى العالم تختلف كثيراً عن هذه النظرة. هذه الشعرة، من حيث الظاهر، لا تختلف موضوعياً عن تلك الشعرة. ما يولّد الألم والمعاناة في موضع ولا يولدهما في موضع آخر ـ بل قد يولّد الفرح أيضاً ـ هو النظرة الشخصية إلى العالم التي يواجه بها المرء هذه الشعرة.
إحدى النظرتين إلى العالم تقول: كان علينا أن نكابد متاعب في هذا العالم، وها هي لحسن الحظ توشك على النهاية، وقد أوشكنا أن نذهب إلى الإجازة وإلى الأرض الطاهرة، فإذا ظهرت أربع شعرات أخر فمعناه أننا اقتربنا عشر خطوات أخرى، ويا ليت كل شعرات رؤوسنا قد شابت. والنظرة الأخرى (نظرة) الإنسان الحديث تقول: يأتي الإنسان إلى هنا أربعين عاماً، وما يكاد يفرش بساطه حتى يقال له: اجمعه. بالأمس فقط كانت لحيتنا توشك أن تنبت، وها هي الآن قد شابت، اللعنة على هذا، ثم الخضاب والزينة وما إلى ذلك ومن ثم الإخفاء. في الواقع، ما يكون مادة الألم والمعاناة هو العوامل الذاتية أو الداخلية. لأننا لا نعرف لماذا نحيا، ولذلك تصبح كيفية حياتنا غير قابلة للاحتمال. أما حين نعرف لماذا نحيا، فتصبح كيفيات الحياة قابلة للاحتمال تماماً. نقطة أخرى هي أن عليّ أن أعيش بحيث أخفف من ألم ومعاناة أبناء جنسي، لكن ينبغي لي في الوقت نفسه أن أعرف أن أحد أهم سبل تخفيف ألم ومعاناة أبناء جنسي هو أن ألقنهم نظرة إلى العالم تقل فيها هيبة الآلام والمعاناة ووزنها. أو بعبارة أخرى، ألا يكون لمادة الألم والمعاناة كل هذا الجلال والهيبة والعظمة.
إذن، العاطفوية (Sentimentalism) الأخلاقية للحداثة هي أخلاق يمكن الدفاع عنها، ومن حيث المبدأ صحيح أن الأخلاق تقوم على أساس ألا نُوقع الألم والمعاناة بأنفسنا وبالآخرين، وأن نسعى للحد من الآلام والمعاناة الواقعة، لكنها تعاني من مشكلة مفادها أنه رغم وجود قصد ونيّة صحيحة فيها ـ نية الحد من الألم والمعاناة ـ إلا أنه يبدو أن فيها تحليلاً خاطئاً للمنشأ، ولأنها لا تملك تحليلاً صحيحاً لمنشأ الألم والمعاناة، فإنها ورغم رغبتها في الحد منهما، تسلك مسلكاً لا يؤدي إلى عدم تناقص ألم البشر ومعاناتهم فحسب، بل إلى ازديادهما. الآن، هل هذا حقاً طريق مسدود؟ أعني هل أننا لا نستطيع في الفكر الحداثي أن نحد من ألمنا ومعاناتنا؟ يبدو أنه طريق مسدود، إلا إذا احتفظت ببعض مقومات الحداثة وراجعت بعضها الآخر، وأوجدت مذهباً يكون تلفيقياً؛ طبعاً ليس بمعناه السلبي.
للتلفيق معنى سلبي وهو الجمع بين المتناقضات، أي أن نوفق بين ما لا يمكن أن يتوافق؛ مثل هذا الأمر غير ممكن. ولكن ما المانع من أن أجمع بين مقومات من الحداثة قابلة للدفاع، ومقومات أخرى من خارج الحداثة قابلة للدفاع هي الأخرى، ويمكنها في الوقت نفسه أن تتوافق مع هذه المقومات؟ هذا في الواقع هو ما أعبر عنه بمشروع الجمع بين العقلانية والمعنوية، فالعقلانية ـ بوصفها المقوم الأبرز للحداثة ـ يجب أن تجتمع مع المعنوية حتى تتمكن الحداثة نفسها من بلوغ أهدافها. وبتعبير أكثر منطقية، إن الحداثة في ذاتها مبتلاة بمفارقة ونوع من عدم الانسجام الداخلي. أي أن جزءاً من أجزائها لا ينسجم مع بعض أجزائها الأخرى. وبطبيعة الحال كانت نتيجته أن الحداثة هي أول رؤية للعالم تقول بكل وضوح وصراحة إن علينا أن نقلل الآلام والمعاناة، لكنها أيضاً أول رؤية للعالم تزيد بوضوح تام آلام البشر ومعاناتهم. لم تسبق أي رؤية للعالم رؤيةَ العالم الحداثية في زيادة الآلام والمعاناة إلى هذا الحد. وفي الوقت نفسه لم تصرح أي رؤية للعالم بهذا القدر بأنها جاءت للحد من هذه الآلام والمعاناة.
لا أريد أن أقول إنه ينبغي، بالطريقة المتعارفة اليوم في بلدنا، أن نرفض الحداثة رفضاً مطلقاً وشاملاً وكلياً، أو أن نقبلها قبولاً كلياً، كلا. أريد أن أقول إن في الحداثة، في رأيي، وجوهاً إيجابية كثيرة جداً، لكن ينبغي أن نكون مبصرين إزاء وجوهها السلبية أيضاً. عندما نقول إن للحداثة نقاطاً سلبية، فليس معنى ذلك أن طريق العودة عنها هو بالضرورة العودة إلى ما قبل الحداثة. قد يكون طريق العودة أحياناً هو العودة إلى ما قبل الحداثة، وقد لا يكون هذا هو الطريق أحياناً أخرى؛ بل أن نتقدم إلى الأمام ونصحح نقائص الحداثة في اتجاه المستقبل وإلى الأمام.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.