اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى ملكيان أن معرفة الأفراد رهينة بالمشاعر، ويعتبر «الألم» أبرز مفاهيم أعمال قيصر أمين بور؛ ومن هنا يطلق عليه «شاعر الألم»، ويعدد آلامًا كفقدان الوحدة الوجودية وتدني المطامح.

من تحديات معرفة الفرد في الفلسفة وعلم النفس هي: إلى أي جزء من وجود الفرد ينبغي أن نتجه، بحيث إذا عرفناه حق المعرفة نكون قد وصلنا إلى معرفته فعلاً؟ لقد كان هذا المسألة مثار خلاف بين حكماء التاريخ منذ القدم. وفي هذا الحديث نعتزم ذكر نقاط يطرحها بعض الفلاسفة وعلماء النفس لمعرفة الفرد. (وأنا شخصياً أكثر توافقاً مع نظرة علماء النفس). هل يمكن لمعرفة الفرد أن نرجع إلى «أقواله» و«أفعاله»؟ لا شك أن أقوال الفرد وأفعاله لا يمكنها أن تكون معبرة عن كامل شخصية الإنسان وطباعه؛ حتى المعتقدات الباطنية للإنسان ليست معياراً جيداً من هذا المنظور. يعتقد «ديفيد هيوم» بين الفلاسفة و«وليم جيمس» بين علماء النفس أنه لمعرفة الأفراد يجب معرفة «مشاعرهم» و«عواطفهم»؛ لأن النواة الأساسية لشخصية كل فرد وطباعه هي مشاعره وعواطفه. يحصي علم النفس من بين مجموع مشاعر الإنسان وعواطفه ما يقرب من 90 شعوراً وعاطفة، منها 12 شعوراً وعاطفة تكتسب أهمية أكبر وتنقسم إلى ست فئات: الفئة الأولى، هما شعورا «الخوف» و«الأمل». أنتم تعرفونني حينما تعلمون من أي الأشياء أخاف وإلى أي الأشياء تعلقت آمالي. الخوف والأمل يدلان على النافذة التي أنظر منها إلى الوجود والإنسان. الفئة الثانية، هي شعورا «الغضب» و«الرضا». الفئة الثالثة، هي «الألم» و«اللذة». الفئة الرابعة، هي «الحزن» و«الفرح»، الفئة الخامسة، هي «الخجل» و«الندم» وأخيراً الفئة السادسة، هي «العشق» و«المحبة». وإذا أردنا أن نكون أكثر دقة، فإن «الألم» و«اللذة» يكتسبان أهمية أكبر من بين هذه المشاعر الاثني عشر؛ ذلك أنه إذا أراد أحد أن يسجل الفرق بيني وبينكم فإن هذا الأمر يتحقق من خلال الأمور التي تسبب لنا «الألم» والأمور التي تجلب لنا «اللذة». هذا المنهج صادق بشأن أي شخص حتى عندما نواجه مفكراً أو فناناً أو شاعراً. وبناءً على هذا التصنيف، أعتقد أن قيصر أمين بور كان «شاعر الألم». قيصر أمين بور، رغم أنه قال الشعر الديني والمذهبي، لا يمكن أن نسميه شاعراً دينياً ومذهبياً، ورغم أنه قال شعراً عن الثورة، لا يمكن اعتباره شاعر الثورة، أو حتى رغم أنه تحدث عن الحرب، لا يمكن اعتباره شاعر الحرب، ورغم أن له أشعاراً سياسية وعاطفية أيضاً، لا يمكن اعتباره شاعراً عاطفياً أو شاعراً سياسياً. أعتقد أنه ليس هناك مفهوم أبرز من «مفهوم الألم» في مجموع أعمال قيصر أمين بور. كل أشعار قيصر أمين بور تعبر بشكل أو بآخر عن الأشياء التي كان يتألم منها في الحياة، ونحن من خلال معرفة آلامه، نستطيع أن نصل إلى معرفته إلى حد ما. في الدراسة التي أجريتها لأشعار قيصر، رأيت متعلقات ألمه في 19 عنصراً. أعتقد أن أول ما كان يتألم منه قيصر أمين بور هو «فقدان الوحدة الوجودية»، بتعبير آخر، كان لا يرى انسجاماً بين أقواله وأفعاله ومعتقداته ومشاعره وعواطفه؛ وكأنه كان يواجه نوعاً من الازدواجية والتثليث والتعدّد. يُشار إلى هذه الحالة في علم النفس اليوم بـ«الوحدة الوجودية»، بمعنى أنه إذا لم تتوفر هذه الوحدة لدى الفرد فإنها ستكون أعظم منشأ لألمه، وقيصر أمين بور نفسه يعترف بهذا الأمر؛ القلب في حمّى التلبية تقرّح، لكننا لم نوفر شفة للتلبية أو حيث يقول: القلب في خيال الرحيل وأنا أفكر في البقاء هو ناضج الطريق وأنا نيء الوصول الألم الثاني الذي يذكره قيصر أمين بور ويتذمر منه في نفسه، هو أنه مبتلى بـ«الخمود» و«الصمت» وليس فاعلاً؛ في تجمّد السكون قبل أن أصير حجراً أذيبوني بحرّ أنفاس العشق أو يقول في موضع آخر: آهٍ على حالك يا قلب أتحسر أنك لم ترحل أنت راضٍ بالبقاء، إن كنت أقول الحق ألمه الثالث كان أنه يشعر بـ«الضياع» و«فقدان الطريق» أو على الأقل «عدم العثور على الطريق»؛ في وسط هذا العالم المخطط هذه الألف طريق الطريق الطريق أين؟ أين هو الطريق؟ الألم الرابع، هو خشيته أن يدركه الموت قبل أن يبلغ الكمال الذي كان يصبو إليه، وأن يفاجئه الموت قبل كماله؛ بلا ألم ولا غمّ هو قطف ما قد نضج نحن نيئون وألمنا من قطف الكال ألمه الخامس كان أنه مكبّل اليدين والرجلين بالمصير، ويبدو أنه لا مهرب ولا مفر له أمام القدر. هذه الفكرة تتكرر كثيراً في أشعار قيصر أمين بور؛ لكن لماذا نغم أشعارك قاتم ولونها مرّ؟ حتى هنا ذكرنا من الآلام ما كان قيصر أمين بور يتألم فيها من نفسه؛ أي أنه يرى نفسه سبباً ومصدراً لهذه الآلام، أما من الآن فصاعداً، سنذكر آلاماً يكون سببها ومصدرها الآخرون.
أول ما كان يؤلم قيصر في ظني هو أنه لم يكن أحد يقرأ كتاب وجوده؛ لم يكن أحد يفهمه؛
كتابٌ في مهب الريح
تتقاذفه الأوراق كل لحظة لكن
لا أحد يقرؤه
يُسلِم أوراقه للريح
أما معاناته السابعة فكانت أن الآخرين ينسونه ويسلمونه للنسيان؛
سيلتهم النمل الأبيض طنين اسمي
نادوني باسم آخر غير هذا
والمعاناة الثامنة لقيصر أمين بور، كانت "ألا يجد صديقًا حقيقيًا"؛
لا أحد يلوّح لك من صميم القلب
بيد الصداقة
أو حيث يقول:
حسبي قصر الوحدة واللا أحد
أما المعاناة التاسعة التي كانت في الواقع منبع ألمه فهي أنه لم يكن يرى حياة أصيلة في الآخرين؛ أعني حياة تحكمها أحكام العقل والضمير الأخلاقي، لا الحياة التي يتوقعها الآخرون منا أن نحياها. كان أمين بور نفسه، من هذه الناحية، يحيا حياة أصيلة، وبطبيعة الحال كان يتألم لرؤيته حيوات بلا أصالة ومستعارة في البشر؛
في هذا الزمان لا أحد هو نفسه
لا أحد يكون نفسه لنفسٍ واحدة
معاناته العاشرة، أن البشر لا يصونون كرامتهم، حتى إنهم يحنون رؤوسهم لكل وضيع، ويقبّلون يد كل وضيع، وينطرحون عند قدمي كل وضيع، ولا يدرون أي كائن نفيس يسكن دواخلهم؛
يوم تكون يد المسألة، قصيرة
يوم يكون الالتماس إثمًا
أو حيث يقول:
يوم يُكتب على الأبواب
بخط بسيط:
"ممنوع دخول من يحني عنقه فحسب"
وهو يعتقد أننا نواجه الآخرين دائمًا بأعناق محنية.
معاناته الحادية عشرة كانت أن البشر يركعون لأي كان، وينطرحون في التراب، ويقبّلون الأرض، في حين أن هذا الفعل ينبغي ألا يكون إلا أمام المعشوق؛ أي أنه كان على يقين بأن الخضوع والخشوع ينبغي أن ينبعا من العشق؛
الركب المتعبة المغرورة
لا تألف التراب
إلا عند قدمي العشق
لكن المعاناة الثانية عشرة أن عشق البشر ليس بلا شرط، في حين أن العشق في اعتقاده لا شرط فيه ولا قيد
ذلك اليوم
حين تكون الابتسامة بلا انتظار مقابل
هو قانون المحبة
معاناته الثالثة عشرة، رحيل العاطفة من بيننا نحن البشر؛
انظر كيف تفلت العاطفة من اليد
آه لو تقعد عن السير، فيا ويلنا!
ضياع العاطفة بمعناها الأدبي، أي كل ما يصلنا نحن البشر ببعضنا ويعطفنا على بعض.
المعاناة الرابعة عشرة هي دنوّ البشر، ورغباتهم، وأمانيهم، وأهدافهم حتى صاروا يفرحون بأشياء الحياة العادية ولا يحلّقون.
سئمت من قلوب كهذه
أتفه من الشوك والقش
المعاناة الخامسة عشرة أن البشر فقدوا الكيفية وصاروا لا ينظرون إلا إلى الكميات، حتى إن العقل نفسه صار يستخدم الكميات لتقييم الكيفيات؛
يوم لا يتحدثون عن سعر الإحساس
مثل الثياب
أما المعاناة السادسة عشرة فأن البشر واقعون بقسوة تحت وطأة الفقر؛
يوم
لا تنام فطرة الله
تحت أقدام المارة على الرصيف،
ولا ترى في منامها خبزًا طازجًا
أما المعاناة السابعة عشرة لقيصر فكانت ألا يكون البشر أحرارًا؛
الذبابة حيثما كانت لا تكون إلا ذبابة
لكن العقاب في قفصه ليس هو نفسه
السمة الثامنة عشرة أن البشر بدل أن "يتجاوزوا الحدود" يقومون "برسم الحدود". بدل أن يطووا الحدود التي رسمها لهم الآخرون، يشرعون هم أنفسهم في رسم حدود جديدة؛
ذلك اليوم
حين يكون جدار حديقة "المدرسة قصيرًا"
فقط
سياجًا من خيال
يرسمونه في أقاصي حافة الحديقة
يمكن القفز من فوقه بسهولة
لكن المعاناة الأخيرة لقيصر أمين بور هي وجود العداوة والعنف والحرب؛
النوم في أفواه الرشاشات
يتمطى
وأحذية الجنود العتيقة
في زوايا المتاحف القديمة
تتعقد بخيوط العنكبوت
أعتقد أن هذه هي المعاناة التسع عشرة التي أشار إليها قيصر أمين بور في أشعاره، ومن خلال هذا الجانب من عواطفه، يمكننا أن نقترب قليلاً من معرفته.
* النص الحالي هو نسخة محررة وملخصة من صحيفة «إيران» لمحاضرة الأستاذ مصطفى ملكيان، أستاذ الفلسفة والباحث في الأخلاق، بعنوان «آلام قيصر الشاب في قصر وحدته» والتي ألقيت في السابع من آبان، بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة لرحيل قيصر أمين بور في مؤسسة شهر كتاب.
نظرة عابرة أعتقد أن قيصر أمين بور كان «شاعر المعاناة». لا يمكن وصف قيصر أمين بور، رغم أنه نظم الشعر الديني والمذهبي، بأنه شاعر ديني أو مذهبي، ولا رغم أنه قال شعراً عن الثورة، يمكن اعتباره شاعر الثورة، أو حتى رغم أنه تحدث عن الحرب، لا يمكن اعتباره شاعر الحرب، ومع أن لديه أشعاراً سياسية وعاطفية أيضاً، لا يمكن اعتباره شاعراً عاطفياً أو شاعراً سياسياً. أعتقد أنه لا يوجد في مجمل أعمال قيصر أمين بور مفهوم أبرز من «مفهوم المعاناة». جميع أشعار قيصر أمين بور تعبر بشكل ما عما كان يعاني منه في الحياة، ونحن من خلال معرفة معاناته، نستطيع أن نصل إلى معرفته إلى حد ما.
.
.
.
.
.
.
الأدب
الأدب
الفلسفة
علم الاجتماع
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
درود بر استاد ملکیان (فیلسوف اخلاق ارزشمند) و چه زیبا گفت (قیصر امین پور بزرگوار): بی درد و بی غم است چیدن رسیده را خامیم و درد ما از کال چیدن است یادش گرامی باد...