اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن الثقة هي الغائب الأكبر في العلاقات الاجتماعية، ويميز بين الثقة وجدارة الثقة، مؤكداً أنه وإن كان التحلي بجدارة الثقة واجباً أخلاقياً، فإن منح الثقة للآخرين ليس عقلانياً دائماً.

محسن آزموده | الثقة هي الغائب الأكبر في علاقاتنا الاجتماعية هذه الأيام. هذا هو جوهر كلام مصطفى ملكيان في الحديث التالي. ولعل الإقرار بهذا القول ليس خافياً على الكثيرين. فجميعنا للأسف نشهد كيف ضاعت الثقة في أصغر العلاقات وأكبرها، وكيف ينظر الأفراد والمؤسسات إلى بعضهم البعض ويسلكون بريبة، ونادراً ما تُرى الصراحة والصدق في التعاملات. لم يتحدث ملكيان في هذا الحديث عن أسباب وعوامل فقدان هذا الرأس المال الاجتماعي، لكنه تحدث عن عقلانية الثقة، وعدد الحالات التي تكون فيها الثقة عقلانية وبالتالي أخلاقية. لقد نظر إلى الثقة من منظور علم النفس الاجتماعي بمنهجه التحليلي-الفلسفي المعروف، وأحصى الحالات التي تكون فيها الثقة عقلانية، وأكد أنه في غير هذه الحالات، فإن الثقة وإن كانت قد تكون مؤثرة من الناحية السيكولوجية والداخلية، إلا أنها مضرة من الناحية الخارجية، وبالتالي فهي غير عقلانية. ما تقرؤونه هو الرواية المنقحة والمحررة لكلامه في الملتقى السنوي للحوار في قاعة إيوان شمس، والذي أقيم عصر يوم السبت 4 اسفند بتنظيم منتدى الحوار لجمعية مؤسسات الإمام موسى الصدر الخيرية.
***
يدور بحثنا الحالي حول الثقة من منظور أخلاقي. للأسف، لا تحظى الثقة، شأنها شأن كثير من الأمور الاجتماعية الأخرى، بالاهتمام في مجتمعنا. في حين أن الثقة نوقشت منذ العصور القديمة في شتى أنحاء العالم. ثمة قول مهم عن الثقة قاله ماكس أوتو (1876-1968)، الفيلسوف الأمريكي من أصل ألماني: «إن أعمق منبع لفلسفة كل إنسان، المنبع الذي يشكل فلسفة ذلك الإنسان كلها ويغذيها، هو مدى ثقته بالإنسان». في الواقع، بحسب هذا المفكر، تتشكل فلسفتنا بمقدار الثقة التي نكنها للبشر. بعبارة أخرى، يمكن تقسيم الفلسفات من هذا المنظور، أي مدى ثقتها أو عدم ثقتها بالجنس البشري. كما أن مقدار ثقة الفيلسوف بالبشر مؤثر أيضاً في سائر آرائه الفلسفية. هذا التعبير، وإن بدا فيه شيء من المبالغة، إلا أنه حكيم. فتفكيرنا كله حول العالم والإنسان يتغذى من مدى ثقتنا بالجنس البشري. ثم إن كمّ (مقدار) وكيف (نوعية) هذه الثقة يشكلان سائر آرائنا ونظرياتنا الفلسفية ويمنحانها قوتها.
الثقة والجدارة بالثقة
في المقام الأول، يجب التمييز بين الثقة والجدارة بالثقة، لأن كل إنسان ملزم أخلاقياً بأن يعيش بطريقة تجعله جديراً بالثقة. لكن ليس كل إنسان ملزماً أخلاقياً بأن يثق. أي أنه كما أنني كإنسان ملزم أخلاقياً بأن أكون صادقاً ومتواضعاً ومنصفاً، وأن أؤدي الأمانة وأفي بالعهد، وأن أكون ذا شفقة على البشر، فإن عليّ واجباً أن أعيش بطريقة تجعلني جديراً بالثقة، بحيث يستطيع الآخرون أن يثقوا بي. أي أن هذا واجب أخلاقي على كل إنسان، إلى جانب واجباته الأخلاقية الأخرى، أن يكون جديراً بالثقة، أي أن يسير ويسلك بحيث يكون مجموع سلوكه وكلامه على نحو يمكن الآخرين من الثقة به. إذن، الجدارة بالثقة واجب أخلاقي على كل إنسان.
لكن هل على البشر واجب أخلاقي بأن يثقوا بالآخرين؟ الظاهر أن الأمر ليس كذلك. أي أنه ليس من المسلّم به أن الثقة بالآخرين، مثل الجدارة بالثقة، هي واجب أخلاقي على كل إنسان، وليس محرزاً أن واجبنا الأخلاقي هو أن نثق بالآخرين. إذن، يجب الفصل بين ثقتي بك وثقتك بي. كل واحد منا عليه واجب أخلاقي بأن يعيش بحيث يستطيع الآخرون أن يثقوا به. لكننا لسنا ملزمين أخلاقياً دائماً بأن نثق بالآخرين. ونتيجة لذلك، فالثقة غير قابلية الثقة أو الجدارة بالثقة. الثانية (الجدارة بالثقة) واجب أخلاقي على كل فرد، أما الأولى (الثقة) فمحل بحث، ويجب أن يتحدد في أي الحالات ينبغي لنا أن نثق، وفي أي الحالات ينبغي لنا أخلاقياً ألا نفعل ذلك. ومع هذا التفكيك، فلنضع في اعتبارنا أن بحثنا الحالي هو عن الثقة، لا عن الجدارة بالثقة.
متعلق الثقة
الثقة من حيث متعلقها (أي الثقة بماذا) هي أيضاً موضع نقاشات متنوعة. وهنا ينبغي إجراء تفريق كبير بين الثقة بالذات والثقة بالآخرين. بمعنى أنني من الناحية الأخلاقية أحتاج وأكون مكلفاً أحياناً بأن أثق بنفسي. أي أن كل شخص لديه واجب أخلاقي في أن يثق بنفسه في بعض الحالات (وليس في كل الحالات). وأحياناً لا أكون أنا متعلق الثقة، بل الآخر (شخص ما أو موجود غيري). وعندما يكون متعلق الثقة موجوداً غيري (أي يجب أن أثق بالآخر)، فإن ذلك الآخر ينقسم بدوره إلى ثلاثة أقسام: 1- أحياناً يكون الآخر الذي هو متعلق الثقة شخصاً، مثلاً إنساناً آخر؛ 2- وأحياناً يكون متعلق الثقة شيئاً، مثلاً يجب أن نثق بمتانة الكرسي لنجلس عليه؛ 3- وأحياناً يكون متعلق الثقة مؤسسة (واقعاً مؤسسياً)، مثلاً نثق أحياناً بمؤسسة التعليم والتربية.
حدود الثقة
نحن على أية حال نثق في حالات معينة؛ سواء بأنفسنا أم بالآخر. وذلك الآخر سواء كان شخصاً آخر أم شيئاً آخر أم مؤسسة. لكن في أي شيء تقع الثقة؟ هذا هو مبحث حدود الثقة. قد أثق بشيء فيك ولا أثق بشيء آخر فيك، مثلاً قد أثق بصدقك، لكنني لا أثق بكرمك. لذلك ليس من الضرورة إذا كنت أثق بشيء فيك، أن أثق بكل شيء فيك. مثلاً قد أثق بأمانة شخص في المسائل المالية، لكنني لا أثق بتواضعه. لذلك ينبغي تحديد حدود الثقة ومعرفة في أي شيء نثق بأنفسنا أو بشخص آخر أو بشيء أو بمؤسسة اجتماعية. مثلاً قد أثق بأن آخر قد باعني سلعة متينة وجيدة، لكنني لا أثق بأنني اشتريتها بسعر عادل. إذن حد الثقة مهم ويجب تحديد في أي شيء وإلى أي مدى ينبغي أن نثق بأنفسنا أو بالآخر؛ بعبارة أخرى لا ينبغي أن نتصور أننا إن وثقنا بأنفسنا أو بالآخر في النقطة س، فيجب حتماً أن نثق به في النقطة ص أو ع.
فوائد الثقة للواثق
لماذا نحتاج إلى الثقة؟ بعبارة أخرى ما الفائدة التي تعود عليّ، أنا الواثق، من الثقة بالآخر؟ بعبارة أخرى إذا لم نثق بأنفسنا أو بشخص آخر أو بشيء أو بمؤسسة، فأي جانب من جوانب حياتنا سيختل؟ بعبارة أخرى إن ضرورة الثقة لتدبير شؤون الحياة مهمة أيضاً. أي ما هي الفائدة أو الفوائد المترتبة على الثقة؟ هل فوائد الثقة أكثر أم مضارها؟ والأهم من كل ذلك هل فوائد الثقة بالقدر الذي يجعلها تُعتبر أمراً ضرورياً؟ يُعتبر الأمر ضرورياً حين تكون فوائده أكثر من مضاره.
كذلك ينبغي تحديد ما إذا كانت الثقة بالضرورة أمراً ثنائي الطرف أم لا؟ بمعنى أنني عندما أثق بالآخر، فهل بالضرورة يجب أن يثق بي هو أيضاً؟ بعبارة أخرى هل الثقة، بتعبير المتنورين، أمر جدلي وبتعبيري أمر طرفي، أم يمكن أن تكون ظاهرة أحادية الطرف؟ في كل من المباحث المذكورة أعلاه، قدم فلاسفة الأخلاق وعلماء النفس الاجتماعي آراء وأنظاراً مختلفة.
الثقة العامة
للثقة، كما سبق بيانه، ثلاثة مكونات: 1- الشخص الواثق؛ 2- الكائن الذي يُوثق به؛ 3- الحد الذي يثق فيه الواثق بالكائن الآخر. من الناحية النفسية، هناك أشخاص إما وُلدوا هكذا، أو تربوا هكذا، بحيث أن المكونين الثاني والثالث من مكونات الثقة قليلا الأهمية بالنسبة لهم. أي أن هناك أشخاصاً، لأحد هذين السببين، لا يولي الشرط الثاني أو الشرط الثالث أهمية تذكر. بمعنى أنهم مثلاً يثقون بالجميع ولا يميزون بين الأفراد والأشياء والمؤسسات من حيث الثقة. وكأن الشرط الثاني، أي أن الإنسان يثق ببعض الناس ولا يثق ببعضهم الآخر، ليس محط اهتمامهم، وكأن ثقتهم عامة (general trust) ولا تقبل الاستثناء. كذلك بالنسبة لبعض الأشخاص، يكون الشرط الثالث عديم الأهمية، أي أنهم إذا وثقوا بشخص في الأمر س، فإنهم يثقون بهذا الشخص في جميع الأمور الأخرى أيضاً، وكأن الشرط الثالث لا أهمية له بالنسبة لهم، أي أنهم لا ينتبهون إلى أنه إذا كان على المرء أن يثق بشخص في أمر ما، فليس من الضروري أن يثق بهذا الشخص في بقية الأمور. مثلاً، عندما يثقون بمعلومات شخص ما، فكأنهم يثقون بصدقه أيضاً... ومن هذا القبيل. في حين أنه ليس لدينا دليل على أنه إذا كان شخص ما منطقياً، فهو بالضرورة صادق أيضاً. بل ليس من الضروري أن يكون الشخص الذي يمتلك معلومات، قادراً على التفكير أيضاً. قد يمكن الوثوق بمعلومات شخص ما، ولكن لا يمكن الوثوق بقدرته على التفكير، أو قد يمكن الوثوق بقدرة شخص ما على التفكير، ولكن لا يمكن الوثوق بمعلوماته. كما يمكن أن أثق بذاكرة شخص آخر، ولكن لا أثق بنسبة ذكائه (IQ). والعكس صحيح، قد أثق بنسبة ذكاء شخص آخر، ولكن لا أثق بذاكرته. لكن هناك أشخاصاً لا يأخذون هذا الشرط الثالث للثقة بعين الاعتبار. أي أنهم إذا وثقوا بشخص في شيء ما، فإنهم يثقون به في كل الأشياء الأخرى أيضاً.
الثقة العامة مضرة
من ناحية علم النفس الاجتماعي، فإن نسيان الشرطين الثاني والثالث للثقة، أي إما الثقة بكل شيء وكل شخص وكل مؤسسة، أو الثقة بفرد أو شيء أو مؤسسة في كل ما يتعلق بهذا الفرد أو الشيء أو المؤسسة، أمر مضر ومؤذٍ، ونتيجة لذلك يُنصح الآباء والأمهات بألا يربوا أبناءهم على هذا النحو. بالطبع، هناك عاملان يؤديان إلى تنشئة الأبناء على هذه الصورة: 1- العامل الجيني: قد يكون ابني، لكونه ابني أو ابن زوجتي، يمتلك جينياً ثقة عامة لا تقبل الاستثناء تجاه الآخرين، أو يثق بإنسان معين في كل شيء. تسمى هذه الحالة بالثقة «الاستعدادية» (dispositional)، أي الثقة التي يولد بها الفرد جينياً واستعدادياً ويثق بجميع البشر، أو يثق بإنسان واحد في كل شيء؛ 2- العامل التربوي: للأسف، منذ القدم وحتى اليوم، كان ولا يزال هناك أشخاص، حتى لو لم يكن أبناؤهم جينياً على هذه الشاكلة من الثقة العامة تجاه الآخرين، قاموا بتربيتهم على هذا النحو، أي أنهم كانوا يعتقدون أن الثقة التي لا تقبل الاستثناء هي فضيلة للإنسان، ونتيجة لذلك كانوا يربون أبناءهم هكذا. تسمى هذه الحالة نوعاً من الثقة العامة المكتسبة.
لكن في كلتا الحالتين، أي سواء كان ابني هكذا بفعل الجينات أو بفعل تعليمي وتربيتي أنا كوالد له، فإنه من الناحية النفسية الاجتماعية، لن تكون له حياة إيجابية. الثقة العامة مضرة. أولاً، لا ينبغي الوثوق بجميع البشر أو الأشياء أو المؤسسات؛ ثانياً، لا ينبغي الوثوق بإنسان أو مؤسسة أو شيء واحد في جميع الأمور. لا بد من وجود عقلانية في الثقة.
عقلانية الثقة
في مجال عقلانية الثقة تتباين وجهات النظر. سأطرح فيما يلي وجهة نظر ليست من ابتكاري، ولكنني أتبناها. في هذه الرؤية، تكون الثقة عقلانية في 5 حالات. أما إذا تجاوزت الثقة هذه الحالات الخمس إلى حالات أخرى، فإنها تصبح مجردة من العقلانية، وبالتالي فإن أولئك الذين لديهم ثقة عامة بجميع البشر أو المؤسسات أو الأشياء، أو ثقة كلية بإنسان أو شيء أو مؤسسة في جميع أبعادها، يكونون قد تجاوزوا حدود هذه المجالات الخمسة. بعبارة أخرى، إذا كان الآخر واحداً من هؤلاء الأفراد الخمسة الذين سيأتي ذكرهم، فإن ثقتي به تكون عقلانية، أي أنها أولاً ليست ضارة بي فحسب، بل نافعة، وثانياً ليست ضارة بالآخر الذي هو طرف الثقة، بل وربما تكون نافعة له أيضاً.
1- الآخر هو عاشقي أو صديقي
إذا ثبت لي أن الآخر عاشقي أو صديقي على الأقل، فإن الثقة به تكون عقلانية. بالطبع، قد يكون هذا الإثبات مقترناً بالخطأ بالنسبة لأي شخص، لكن العقلانية على أية حال تقتضي أن أتخذ مما يمر على عتبة وعيي معياراً. أي إذا ثبت لي أن الآخر عاشقي أو صديقي، فإن منفعتي تصبح منفعته هو أيضاً. وبالتالي يمكنني أن أثق به. أي إذا كان الآخر يحبني حقاً أو يعشقني، فإنه يرى منفعتي منفعته، وضرري ضرره. ونتيجة لذلك يمكنني أن أثق به. لأنه عندما يكون على صلة بي، يعلم أنه إذا ما وصلت إليّ منفعة، فكأنها قد وصلت إليه هو أيضاً، لأنني معشوقه، والعكس صحيح. ونتيجة لذلك، يمكن الوثوق بالفرد الآخر في هذه الحالات. أي أن الثقة التي يمنحها الإنسان لعاشقه أو صديقه، أي الشخص الذي ثبت له أنه عاشقه أو صديقه، تتسم بالعقلانية.
2- ذلك الآخر الذي تتحد مصالحه مع مصالحي في المصير
على سبيل المثال، عندما أكون مع آخر على متن طائرة، وهو ليس عاشقي ولا صديقي، لكن وصولنا معاً سالمين إلى الوجهة هو مصلحة لكلينا. هنا يمكنني أن أثق به في الأمر المتعلق بالنقل جواً وليس في كل شيء، لأن لي وله في السفر بالطائرة مصلحة مشتركة. إذا سنحت لي وللآخر ظروف وأحوال نصبح فيها متحدي المصير من حيث المنفعة والضرر، فإن ثقتي به والعكس بالعكس تكون ثقة عقلانية. أما إذا كانت الظروف والأحوال بحيث يمكن تصور أن ينتفع الآخر وأتضرر أنا، أو العكس، ففي هذه الحالة لا تكون ثقتي بالآخر عقلانية.
3- ذلك الآخر الذي تحققنا من كونه إنساناً أخلاقياً
إذا تحققت من أن الآخر يمتلك الحد الأدنى من الأخلاقية، فإن ثقتي به تكون عقلانية. قد تقول إنه من الممكن في هذه الحالة أن أكون مخطئاً في تحققي من أخلاقية الآخر. هذا ممكن بالطبع، لكن ثقتي بالآخر تظل عقلانية، لأن صدق الاعتقاد ليس ضرورياً في عقلانيته. إذا حصل لي يقين بأن الآخر أخلاقي، حتى لو تبين لاحقاً أنني كنت مخطئاً، فإن ثقتي به تظل عقلانية ما دمت على يقين بأخلاقيته. أي أنني في هذه الحالة أعتبر في الآخر نوعاً من الخصلة أو السمة الأخلاقية بحدها الأدنى أو الأخلاقية الدنيا. في هذه الحالة تكون ثقتي به عقلانية.
الحالات الأولى والثانية والثالثة تمثل عقلانية قوية في الثقة. أما الثقة في الحالتين التاليتين فليست بقوة الحالات السابقة، وإن كانت لا تزال تتسم بالعقلانية.
4- ذلك الآخر الذي لديه منصب أو مقام أو وظيفة أو مركز وأنا من مراجعيه، وأعلم أن هناك نوعاً من الرقابة على عمله
يُطلق على هذا النوع من الثقة، الثقة الناشئة عن المراقبة (monitoring)، أي أنني أعلم أن ما يقوم به الآخر بصفته شخصية اعتبارية يخضع للمراقبة، وأن هناك من يراقب بشكل إيجابي تمامًا كيفية تعامله مع أصحاب الشأن. عندما أذهب إلى دائرة ما، فإن الموظف الذي أراجعه ليس صديقي، ولا منفعته أو مضرته واضحة بالنسبة لي، وليست لديّ معرفة بالتزامه الأخلاقي، ولكن إذا ثبت لي أن نشاطه كموظف في الدائرة يخضع للمراقبة، حينها تكون ثقتي به عقلانية. أما إذا علمت أنه لا توجد رقابة على صحة عمل ذلك الموظف، أو أن هناك رقابة عليه في الاتجاه المعاكس، أي أنهم طلبوا منه أن يضايق أصحاب الشأن، فحينئذ تكون الثقة به سفاهة. بعبارة أخرى، على الرغم من أننا في أمسّ الحاجة إلى الثقة، إلا أنه لا ينبغي أن تصل هذه الثقة إلى حد الحماقة. وبالطبع، فإن عقلانية الثقة في الشكل الرابع ليست بقدر الحالات الثلاث الأولى.
5- ذلك الآخر الذي لم يخنّا حتى الآن
في هذه الحالة أيضًا يمكن الوثوق بالفرد الآخر. بمعنى أن الثقة بذلك الآخر الذي لم يعتدِ على حقي وحقوقي وحدودي حتى اللحظة الراهنة هي ثقة عقلانية. وبالطبع، فإن العقلانية في هذا الشكل من الثقة هي الأقل قدرًا بين الحالات المذكورة، لأن أول مرة يخوننا فيها شخص ما هي المرة الأولى، ومعنى ذلك أنه لم يخنّا من قبل. أول كذبة يقولها لنا شخص ما هي الكذبة الأولى، ومعناها فقط أنه لم يكذب علينا من قبل. مجرد أن الشخص لم يكذب علينا حتى الآن لا يعني أنه لن يكذب علينا بعد الآن. بتعبير بسيط، لا يمكن أبدًا استنتاج مستقبل شخص ما بشكل قاطع من ماضيه. بالطبع، احتمال أن يخوننا شخص لم يخنّا طوال 20 عامًا بعد ذلك هو احتمال ضئيل، لكنه بالتأكيد ليس صفرًا، وليس هناك قطعية في الأمر. لا يمكن أبدًا استخلاص مستقبل شخص ما من مجرد ماضيه. لذلك، إذا لم أظلمكم حتى الآن، فليس من انعدام العقلانية أن تثقوا بي، لكن هذا هو الحد الأدنى من العقلانية، ولا ينبغي أن يكون يقينًا.
عقلانية الثقة وأخلاقيتها
من مجموع ما قيل، نستنتج أولاً أنه لا ينبغي الوثوق بالجميع. الحمقى والسفهاء وحدهم هم من يثقون بالجميع؛ ثانيًا، إذا كنا نثق بشخص أو شيء أو مؤسسة في أمر معين، فلا ينبغي بالضرورة أن نثق به في كل الأمور. مثلاً، نحن نثق بإخلاص والدينا تجاهنا، لكن هذا لا يدعونا إلى الثقة بمعلوماتهم عنا؛ ثالثًا، لا يمكن استنتاج مستقبل فرد أو شيء أو مؤسسة من ماضيه. من الممكن أنني لم آكل مال الناس حتى الآن، لكنني قد أبدأ من صباح الغد في أكل مال الناس. هذه هي الحالات الخمس لعقلانية الثقة. وبالطبع، كما قيل، فإن هذا الكلام ليس موضع إجماع جميع فلاسفة الأخلاق، لكنني شخصيًا أعتقد بهذه الحالات الخمس، وأعتقد أنه كلما انتقلنا من الحالة الأولى إلى الحالات التالية، يقل مقدار هذه العقلانية.
إذا قبلنا بعقلانية الثقة في الحالات الخمس المذكورة، وسلمنا بأن أخلاقيتنا يجب ألا تبتعد عن عقلانيتنا، فإننا نستنتج حينئذ أن الثقة لا تكون أخلاقية إلا في الحالات الخمس المذكورة، وفي بقية الحالات، لا تكون الثقة بالآخرين أخلاقية أيضًا. بمعنى أننا إذا سلمنا بأن العقلانية يجب أن تكون متسقة ومنسجمة مع الأخلاقية، فإننا نستنتج أنه في غير هذه الحالات الخمس، لا تكون الثقة غير عقلانية فحسب، بل غير أخلاقية أيضًا. ونتيجة لذلك، فإن كوني جديرًا بالثقة هو واجبي الأخلاقي، ويجب أن أتصرف دائمًا بحيث يمكنكم أن تثقوا بي، لكن ثقتي بكم لا تكون أخلاقية إلا في الحالات الخمس المذكورة.
في الوقت الذي قيل فيه إن هذه العقلانية والأخلاقية هما شرط الثقة، فإن النقطة المحرزة هي أن أولئك الذين تتجاوز استعداداتهم للثقة هذه المراحل الخمس، قد تكون حياتهم أفضل من الناحية الذاتية، لكنهم من الناحية الموضوعية ستكون حياتهم أسوأ قطعًا. بشكل عام، إذا وثقنا بالآخر أكثر من الحالات الخمس التي تقتضيها العقلانية والأخلاقية، فسنكون في وضع أفضل من الناحية الذاتية أو النفسية أو الباطنية (subjective)، لكننا سنكون في وضع أسوأ من الناحية الموضوعية أو الآفاقية أو الظاهرية (objective). من منظور علم النفس الاجتماعي، يتضح من هنا لماذا يثق الناس في مواضع لا تقتضي فيها العقلانية والأخلاقية الثقة، لأنهم يريدون أن تطمئن نفوسهم ويسلمون زمام أمورهم إلى عقل ذاك الرجل السياسي أو ذاك المفكر أو رجل الدولة أو... هذه الراحة النفسية تضعف المرء في عقلانية الثقة وأخلاقيتها.
سبب تأكيدي على هذه النقطة هو أن أكبر ضرر لحق بمجتمعنا في العقود الأخيرة، في رأيي، هو فقدان الثقة. أنا مصر ومقر تمامًا على أن أعظم رأس مال فقدناه في الأربعين عامًا الأخيرة هو الثقة. نحن لا نثق بالسلطة السياسية الحاكمة، والنظام السياسي الحاكم لا يثق بنا، ولا نثق ببعضنا البعض، ونقص هذا الرأس المال الاجتماعي قد ألحق وسيلحق أكبر خسارة بمجتمعنا. وفي الوقت نفسه، أعتقد أن عقلانية الثقة وأخلاقيتها يجب أن تكونا محل اهتمام. لا ينبغي لنا أن نثق ثقة تجعل من نثق به يقول: يا للحمقى الذين نجدهم! السفاهة والبلاهة الموجودتان في ثقة البعض تعودان فقط إلى عدم مراعاة شروط الثقة. ولننتبه أيضًا إلى أنه بالإضافة إلى أخلاقية الثقة في الحالات الخمس المذكورة، فإن كوننا نحن أنفسنا جديرين بالثقة هو واجب علينا جميعًا. من تركيب هذين الأمرين نستنتج أن من واجبنا الأخلاقي أن نثق بمن هم أهل للثقة.
.
.
.
.
.
.
الأدب
علم الاجتماع
الأدب
الفلسفة
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.