اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن العلاقة بين الوعي والمعاناة إيجابية وسلبية معًا، فالوعي يخفف الألم أحيانًا والجهل قد يكون منبعًا للذة؛ حوار حول هذه العلاقة المعقدة في حياة الإنسان.

علي وراميني/ من المسائل التي شغلت كثيراً من المفكرين عبر التاريخ، وذهب بعضهم إلى طرح نظريات بشأنها، هي نسبة الوعي إلى الألم واللذة. فقد رأى البعض أن الوعي أحلى من العسل، بينما رآه كثيرون آخرون أمرَّ من السم. ثمة نقاشات مستفيضة ورسائل معقدة كُتبت حول ماهية الوعي في الأساس، لسنا بصدد الخوض فيها هنا، وسنفترض معرفة ماهية الوعي مسبقاً. مصطفى ملكيان؛ فيلسوف الأخلاق، هو من جملة المفكرين الإيرانيين الذين أدلوا بآراء حول الوعي من جهة، واللذة أو الألم من جهة أخرى. ومن أهم نظرياته «تقرير الحقيقة وتقليل المرارة». يعتقد ملكيان أن وظيفة المثقف هي، من ناحية، السعي نحو الحقيقة والتعبير عنها، ومن ناحية أخرى، وظيفته هي تخفيف ألم البشر ومعاناتهم. لكنه، في سياق هذه النظرية نفسها، يرى أنه إذا نشأ تعارض بين هذين الأمرين، فإن تقرير الحقيقة يكون أرجح. يقول مصطفى ملكيان في مقاله «تقرير الحقيقة وتقليل المرارة: الوجه الأخلاقي والمأساوي للحياة الفكرية» عن هذا الترجيح: «في حين أنه "يستشعر" رجحان وظيفة تقرير الحقيقة على وظيفة تقليل المرارة، إلا أنه لا يملك دليلاً قاطعاً لصالح ترجيح تقرير الحقيقة على تقليل المرارة. ومع ذلك، فهو يؤكد على أنه كلما ازداد التزام المثقف بالأخلاق والروحانية، كلما تعاظمت في نظره أهمية وإلحاحية هذه المسألة التي تبدو غير قابلة للحل. وهذا هو الوجه المأساوي للحياة الفكرية.» بالنظر إلى هذه المقاربات، طلبت من ملكيان في مقترح أن يعبّر عن آرائه حول نسبة الوعي إلى الألم واللذة. وهو يعتقد أن ترجيح تقرير الحقيقة على تقليل المرارة لا يمكن أن يكون له ما يبرره إلا لأولئك الذين يريدون تنمية الخصائص المميزة لإنسانيتهم والوصول بها إلى الكمال. ومع أنه يعتقد أنه لا يمكن أن تكون هناك أدلة عقلانية على هذا الترجيح، إلا أنه يؤمن بأن تقرير الحقيقة يؤدي إلى تقارب البشر بعضهم من بعض، وهو أمر لا يمكن تحقيقه بتقليل المرارة، لأسباب يشرحها.
هل ثمة نسبة بين الوعي والألم، وبين الوعي واللذة؟ وإن وُجدت، فما هي هذه النسبة؟
ثمة نسبة بين الوعي والألم، وهذه النسبة إيجابية وسلبية معاً. أو بتعبير أدق، هي نسبة ذات تناسب طردي تارة، وذات تناسب عكسي تارة أخرى. بمعنى أنه، في الحالات التي سأذكرها، كلما ازداد الوعي قلَّ الألم، وفي حالات أخرى، كلما ازداد الوعي ازداد الألم. سأتناول شرح كلتا الحالتين. الفرد الإنساني (أنت، أنا، هذا السيد، تلك السيدة) هو أحد أجزاء كلِّ عالم الوجود، وطبيعته ومصيره ليسا منفصلين مطلقاً عن بقية الأجزاء. بمعنى أن: كوني أمتلك هذه الخصائص الذهنية أو الجسدية أو النفسية، إنما هو رهنٌ تماماً بالتأثير الذي مارسه العالم في نشأة هذه الخصائص لديَّ. من هذا المنظور، وكما قلت في موضع آخر، فإن كل موجود، بما في ذلك كل إنسان، هو عُقدة من عُقد عالم الوجود. هنا، تعقَّد عالم الوجود بحيث نشأتُ أنا، وهناك تعقَّد بحيث نشأتَ أنت. كل واحد منا هو عُقدة من عُقد عالم الوجود. لذا، لو أن ظروف نشأتي تغيرت بمقدار ذرة مع هذه الظروف الفعلية لنشأتي، لكان وضعي مختلفاً في قدراتي الجسدية والذهنية والنفسية، وفي مكنوناتي وإمكاناتي، وفي استعداداتي، وفي قواي، وفي كل شيء. إذن، طبيعتي على هذه الهيئة التي {هي عليها الآن}، لأنني في {هذه العُقدة} من الوجود.
وهذا ينطبق أيضاً على مصيرنا. أي أن وضعنا في هذه العقود التي نحياها يختلف تبعاً لكيفية تعاملنا وتفاعلنا مع الإقليم الطبيعي المحيط بنا والإقليم الثقافي والاجتماعي الذي يحيط بنا.
إذن، فإن قضاء عمري في الألم والمعاناة أو في اللذة والسرور يتوقف على أمرين: الأول، بنية ووظيفة طبيعتي الذاتية (وهي نتاج تضافر الكون في هذه العقدة الخاصة)، والثاني، أفعالي وتفاعلاتي مع المحيط الكلي من حولي. وما دام الأمر كذلك، فمجرد أن أرغب في أن أحظى بوقت طيب لا يكفي لأن أحظى بوقت طيب. بل ينبغي أن تزداد معرفتي بنفسي ومعرفتي بالمحيط من حولي، كي أتعلم طرق العيش الأكثر سعادة. فعلى سبيل المثال، حين تشتري جهازاً منزلياً كالتلفاز أو الثلاجة وتحمله إلى البيت، فمجرد أن ترغب في أن تخدمك هذه الثلاجة أو هذا التلفاز خمسين عاماً لا يكفي. ينبغي أن تكون على دراية تامة ببنية ووظيفة هذا التلفاز وهذه الثلاجة. المواد والخامات المستخدمة فيها، وأن كل جزء من هذه الأجزاء قد نشأ بأي بنية ووظيفة، وأن هذا الزر إذا ضُغط، فما هي التغيرات التي يحدثها في هذه الثلاجة... إلخ.
كلما ازدادت هذه الأمور، جعلت أفعالي وتفاعلاتي مع الثلاجة بحيث يطول عمرها طبعاً. أما إذا رميت دليل استخدام ذلك الجهاز في سلة المهملات ولم تقرأ منه كلمة واحدة، فمع كل رغبتك في أن تعيش هذه الثلاجة خمسين عاماً، قد لا تعيش عندك خمسين يوماً. لأنك تتعامل مع هذا الجهاز بجهالة. فمثلاً تفتح باباً لا ينبغي أن تفتحه، وتشعل ضوءاً لا ينبغي أن تشعله، وأعمالاً من هذا القبيل تؤدي إلى قصر عمر الثلاجة. نحن أكثر تعقيداً بكثير من ثلاجة، إذن فكما أنني إن لم تكن لدي معرفة صحيحة بالثلاجة أتلفها، فإن لم تكن لدي معرفة بنفسي أيضاً، فسأتلف نفسي. وأما المحيط الذي أعيش فيه فهو أيضاً أكثر تعقيداً بكثير من المحيط الذي تعيش فيه الثلاجة. وهذا يعني أنه بما أن طبيعتي ومصيري كلاهما يتوقفان على المحيط، فكلما ازدادت معرفتي بالمحيط من حولي ومعرفتي بنفسي في هذه العقدة الخاصة، كانت أفعالي وتفاعلاتي مع محيطي أكثر نجاحاً، وهذا النجاح، أحد جوانبه هو أن تكون الحياة أسعد. ويمكنكم أن تترجموا كون الحياة أسعد إلى نيل لذة أكثر، ورضى أكثر، واغتباط أكثر. لذلك، من هذه الناحية، كلما ازداد وعيي بنفسي وبالمحيط من حولي، كانت حياتي أكثر نجاحاً، وأحد أبعاد الحياة الناجحة هو أن تكون الحياة أسعد.
لكن هناك نقطة ثانية أيضاً؛ الإنسان يأتي إلى الدنيا ومعه جهل هائل بالوجود. حتى لو لم نلتفت إلى مايا في الديانة الهندوسية (الوهم الكوني)، التي وردت في ثقافتنا أيضاً بصورة: «إن هذا العالم أيها الروح، ليس إلا غفلة»، وحتى لو لم نهتم بمعرفة الجذور الميتافيزيقية لهذا الجهل، فإن هذا الجهل يخلق فينا سلسلة من المشاعر والعواطف الإيجابية أيضاً. كنت أقول في النقطة السابقة إننا كلما ازددنا جهلاً بأنفسنا وبالمحيط من حولنا، صارت أفعالي وتفاعلاتي أكثر تعاسة، وهنا في الجانب الآخر، فإن كثيراً من جهالاتنا بالوجود تخلق فينا مشاعر وعواطف إيجابية. أي أن كثيراً من آمال الإنسان هي بسبب جهله، أو كثير من المعاني التي يجدها في الحياة، وكثير من حالات الرضى الباطني التي يحملها تجاه نفسه، وأفراحه هي بسبب جهله. وإذا كان الأمر كذلك، وازداد علمي بالأمور تدريجياً وقل جهلي، فإن تلك المشاعر والعواطف الإيجابية التي كانت لدي تتحول إلى مشاعر وعواطف سلبية.
مثلاً، الأطفال الذين يعتقدون أن والدهم مشغول بالتجارة في الخارج وسيعود بثروة طائلة من تلك التجارة، لديهم مجموعة من المشاعر والعواطف الإيجابية تجاه الحياة، وإذا ما علموا ذات يوم أن والدهم قد توفي في سفره إلى الخارج، فإن كل تلك المشاعر والعواطف الإيجابية سيحل محلها مشاعر وعواطف سلبية. إذن، كان جهلهم هو ما خلق فيهم ذلك الفرح والأمل وما إلى ذلك. والآن، افترضوا أن أمراً كهذا يحدث بشأن مسائل أعمق، حسناً، في هذه الحال سنفقد الكثير من مشاعرنا وعواطفنا الإيجابية. إما بفعل آليات الدفاع النفسية، أو بفعل قوانين التطور البيولوجي الداروينية، أو بفعل أمر ثالث أياً كان، فإن هذه المشاعر والعواطف الإيجابية عادة ما تستمر في الحياة لأننا لا ننبش أصولها ولا نتطفل عليها. وكأننا قد أُخبرنا من جهة ما أننا إذا تطفلنا على هذه المواضع، فقد نطّلع على حقائق تقضي على مشاعرنا وعواطفنا الإيجابية. أما إذا تطفل أحدهم، وأقر بأنه كان يمتلك هذه المشاعر والعواطف الإيجابية حتى الآن بسبب جهله، ثم تبين أن بعض ما كان يعتقده حقيقة هو وهم، وبعض حقائقه خطأ، وبعض القضايا التي كان يظنها صادقة هي كاذبة، فمن الطبيعي أن تساوره مشاعر وعواطف سلبية، وهذه المشاعر والعواطف السلبية تجعل الحياة أكثر تعاسة. خلاصة القول هي أن تفاعلاتنا مع الوجود تجري على نحو أن معرفتنا بأنفسنا وبما حولنا كلما ازدادت، تزيد من بهجة الحياة من حيث المبدأ، لأن التفاعلات ستكون أكثر نجاحاً. لكن في الوقت نفسه، هناك جهالات يقوم عليها تماسك مشاعرنا وعواطفنا الإيجابية. فإذا تجرأ أحدهم على تلك الجهالات وأقدم على البحث فيها، وكانت حصيلة بحثه أنها كانت جهلاً مركباً، فحسناً، سيزداد ألم الإنسان بالطبع. وبعد أن يزداد هذا الألم، يوجد طريقان: أحدهما أن نبقى في هذا الألم. معظم الذين يباشرون تلك البحوث التي ذُكرت، يبقون في ذلك الألم بعد أن تتبدد أوهامهم. لكن قد يقول قائل إنه يوجد بعد هذا وعيٌ أسمى، وأنه بعد زوال هذه الأوهام، قد نجد في الوجود مستمسكات ومتعلقات أهم، وعليه نواصل طريقنا. «العرفاء» وفقاً لادعائهم يعتقدون أنهم خرجوا من الأوهام الأولية، ولكنهم لأنهم عثروا على شيء أهم، فإن بهجة حياتهم لم تتبدد. يشبه الأمر أولئك الأطفال حين يعلمون أن والدهم قد توفي، ثم يكتشفون أن جدهم قد ترك لهم إرثاً عظيماً جداً. يعتقد العرفاء أنهم خرجوا من تلك الأوهام التي كانت تجعل حياتهم سعيدة، ولكنهم مع ذلك لم يفقدوا بهجة الحياة، لأنهم يؤمنون بوجود شيء أسمى لو واصلتم السير لوصلتم إليه. ليس لدي ما أقوله نفياً أو إثباتاً بشأن ادعاء العرفاء هذا.
يُروى أن سقراط سُئل: أتفضل أن تكون خنزيراً راضياً أم سقراط غير راضٍ؟ فقال سقراط: أفضّل أن أكون سقراط غير راضٍ على أن أكون خنزيراً راضياً. أنتم أيضاً، لطالما فضّلتم تقرير الحقيقة على تقليل المرارة. وفي عمل المثقف، لطالما أكدتم أن عمل المثقف هو تقرير الحقيقة وتقليل المرارة معاً، لكنكم اعتبرتم تقرير الحقيقة أولى فيه. وبما أن مخاطب العمل الفكري هم جميع البشر، فيمكن أن يُستنتج من نظرياتكم أن تقرير الحقيقة أولى لكل إنسان من تقليل المرارة. ما هي أدلتكم الأخلاقية والعقلية على هذا؟ على أن سقراط غير الراضي ينبغي تفضيله على الخنزير الراضي؟
هذه العبارة التي نقلتموها هي من «جون ستيوارت ميل». حين أراد ميل تدقيق وتصحيح نظام «جيرمي بنثام» في تقييم اللذات، وبطبيعة الحال كان هذا التصحيح بحاجة إلى نقد، وكان عليه أن ينقد ليبين مواطن قوته وضعفه، هناك كانت خلاصة قوله أن بنثام تحدث بطريقة حاصلها أن خنزيراً راضياً يُفضّل على سقراط غير راضٍ، في حين كان جون ستيوارت ميل يعتقد أن سقراط غير راضٍ يُفضّل على خنزير راضٍ. لكن دعوني أتناول سؤالكم الرئيسي. انظروا، إن لم نرد تفعيل الخصائص المميزة للإنسان وأردنا تنمية حيوانيتنا (انتبهوا، لا أعني دلالة سلبية) فهذا نقاش آخر، ولا يحق لأحد أن يسأل شخصاً قام بهذا الاختيار: لماذا؟
هناك سمات بالقوة وبالفعل خاصة بالإنسان، وهي التي تنقلنا من مجرد كوننا حيوانات إلى كوننا ذلك الحيوان الخاص المسمى إنسانًا. إذا قال أحدهم: لا أريد بلوغ تلك المواهب الخاصة بالإنسان، بل أريد أن أكون حيوانًا سعيدًا، فلا نملك أي حجة نواجهه بها. يمكننا فقط أن نقول له: أنت حيوان سعيد. لكن إذا أردت أن تكون إنسانًا سعيدًا، فعليك أن تتقدم في تلك المواهب الخاصة بالبشر. وفي هذه الحال، ينبغي أن ينتبه إلى ماهية تلك المواهب. لقد قلت في إحدى المقالات إنه من هذا المنظور، يجب تمييز تفسير السعادة بمعنى الرفاه عن تفسير السعادة بمعنى اللذة. إذا اعتبرنا السعادة بمعنى اللذة، فمعنى ذلك أن كل ما ترغب فيه يكون حاضرًا في حياتك، وكل ما لا ترغب فيه يكون غائبًا عنها. إذا استحسن أحدهم هذه السمة وتحققّت له شروطها، فهذا هو الإنسان السعيد. أما في التفسير الثاني للسعادة والفلاح، فالسعادة تعني الرفاه لا اللذة. ومعنى الرفاه هو أن تمضي أنت {أيها الإنسان} في مسار تلك السمات القليلة التي تفصل خطك عن سائر الحيوانات، إلى أقصى مدى. قد يقول قائل إن تلك السمة هي تحقيق الذات. إذن، في التفسير الثاني، الإنسان الفالح هو من يبلغ الكمال في تحقيق ذاته. وقد يرى آخر أن التفاعل الأخلاقي هو السمة الخاصة بالبشر، أو يرى آخر أنها ممارسة الحب، أو البحث عن الجمال، إلى غير ذلك. أنا شخصيًا أعتقد بوجود أربع سمات خاصة بالإنسان، وهي كما ذكرت في مواضع أخرى: 1- البحث عن الحقيقة؛ الذي يقودنا نحو شتى أنواع المعارف. 2- حب الخير؛ الذي يقودنا نحو التحلي بالأخلاق. 3- البحث عن الجمال؛ الذي يقودنا نحو الفن. 4- الحب والصداقة؛ الذي يدفعنا نحو العلاقات الإنسانية القائمة على الحب والصداقة.
بهذا المعنى، إذا تفوقت عليّ في هذه السمات مثلًا، فأنت أسعد مني (أكثر رفاهًا). إذا سعى أحدهم وراء اللذة وقال: أريد أن أكون حيوانًا سعيدًا، فلا كلام لنا معه. لكن إذا أراد أن يكون إنسانًا، فيجب أن يُسأل: ما الذي جعلك إنسانًا؟ حينئذ، لكي يصبح سعيدًا، عليه أن يبلغ الغاية في المسارات التي يعتقد أن إنسانيته تتوقف عليها. (طبعًا، المقصود ببلوغ الغاية هو أن تتقدم في هذا المسار ما دمت قادرًا). من هذا المنطلق، لطالما قلت إنه لا يمكن أن نطلب من أحد أن يترك اللذة ويتجه نحو الرفاه، أو يترك الرفاه ويتجه نحو اللذة. قد يقول قائل: أنا لا أعتقد أصلًا بوجود سمة خاصة بالإنسان، أو حتى لو اعتقدت بها، فلا أرغب في النمو في اتجاهها. ما كنت أقوله من أن تقرير الحقيقة مقدّم على تقليل الألم، إنما هو موجّه لهذا الصنف الثاني الذي ذكرته. في هذه الحال، إذا تقررت حقيقة وزادت من معاناتنا، فبما أن البحث عن الحقيقة هو أحد المقومات الخاصة بالإنسان، نكون بذلك قد تقدمنا في ذلك الاتجاه. إذن، عندما نفضّل تقرير الحقيقة على تقليل الألم، فكأننا فضّلنا الرفاه على اللذة، وفضّلنا التقدم في المختصات الإنسانية على أن نكون حيوانًا راضيًا.
السبب الثاني هو أنه لو كان بالإمكان ضمان استمرار جهل البشر حتى آخر لحظة من العمر، لكان يمكننا القول إننا أخفينا حقيقة، لكننا في المقابل لم نزد من ألم ومعاناة هذا الإنسان. لكن مثل هذا الضمان غير موجود مطلقًا. وهكذا يصير مصير مخاطبينا كمصير الكثيرين منا، الذين كنا لبرهة من الزمن نعتقد بأن كثيرًا من الأوهام حقائق، ثم تنبهنا فجأة. في تلك اللحظة التي نتنبه فيها، نشعر بأننا قد خُدعنا، والألم الناجم عن هذا الخداع يعادل كل اللذة التي نلناها من سنوات الخداع تلك، بل ويتغلب عليها. لقد عشت ثلاثين عامًا سعيدًا بأوهامي، والآن أدركت أنني قد خُدعت، فمرارة هذا الخداع وعدم استساغته تتغلب بمراتب على لذات سنوات الخداع تلك. إلا إذا استطعنا أن نضمن أن شخصًا ما سيبقى في وهمه حتى آخر لحظة من عمره، وهو ضمان لا يمكن تقديمه أبدًا.
أما النقطة الثالثة فهي أن تقرير الحقيقة يؤدي دوراً عظيماً في تقريبنا نحن البشر بعضنا من بعض، وهو دور لا يؤديه تقليل المعاناة. ذلك لأن عالم الوجود ليس أكثر من عالم واحد، ولذا فإن جميع الذين يسعون إلى تقرير الحقيقة يجدون تقارباً فيما بينهم تدريجياً. (أنا بالطبع لا أقول بنيل الحقيقة بل أقول بالتقرب من الحقيقة). جميع الذين يبلغون قمة الجبل تقل المسافة بينهم، وحتى لو لم يبلغ أحدهم القمة، فبمجرد أن يتجهوا نحو القمة، كلما اقتربوا منها قلت المسافة بينهم. ففي أسفل الجبل قد تكون المسافة بيني وبين أقرب شخص ثلاثة كيلومترات، ولكن قرب القمة يسير الجميع متقاربين نحو القمة. إن تقرير الحقيقة وإيلاءها قيمة يخلق نوعاً من التقارب بين البشر، فالحقيقة ليست أكثر من واحدة، والإنسان الباحث عن الحقيقة، وإن لم يبلغ الحقيقة، يقترب من الأفراد الآخرين الباحثين عن الحقيقة. أما تقليل المعاناة فلا يمتلك هذه الخاصية، لأن البشر لا يتفقون في رغباتهم. رغباتنا نحن البشر متعارضة جداً، فإذا أردت أن أقلل معاناة الشخص (أ) فلن أستطيع تقليل معاناة الشخص (ب). العالم ليس عالم وفرة في رغباتنا المادية، ولأن الوفرة غير موجودة في الرغبات المادية، تنشأ بيننا المنافسة بطبيعة الحال.
.
.
عنوان فرعي:
أما إذا أردت أن أكون إنساناً، فينبغي حينئذ أن يُسأل: ما الذي جعلك إنساناً؟ حينها، لكي تصبح سعيداً، عليك أن تبلغ الغاية في المسارات التي تعتقد أن إنسانيتك رهن بها.
.
.
.
.
.
.
الفن
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سلام .واقعا هر بار مطالب آموزنده استاد ملکیان را می خوانم ،لذت می برم. به نظر من دو دسته از انسانها در این جهان به واقع زندگی می کنند ،صرف نظر از هر عنوانی که دارند. 1-عارفان واقعی اللهی 2-فیلسوفان و حکیمان اللهی چرا که هر دو خود را از قید و بند دنیا و مقامات دنیوی خلاص کرده اند.و فقط یک هدف دارند و آن لقاالله است. که اولین گروه با سیروسلوک تلاش می کنند به خدا برسند ودرمسیر انسان بودن و انسان شدن قرار می گیرند و دومین گروه با تعقل و فلسفیدن درست در مسیر صراط قرار می گیرند. بقیه انسانها فقط دچار روزمرگی هستند.در واقع دور خودشان می چرخند وبه جایی هم نمی رسند.
و با خود مختاری عقل و مغرور شدن به خود تفرق و جنگ