اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الحياة الطيبة والرفاه رهنٌ بتأويل صائب للذة والألم؛ من تعارض المصلحة الفردية والعامة إلى دور النزوع للمُثُل في درء العبث. يبحث هذا الملف الحدود العقلانية للذة وعلاقتها بالارتقاء الفردي والاجتماعي.

ما سنتناوله في هذا العدد من الملحق هو مفهوم اللذة والألم في الحياة. يكتسب هذا الموضوع أهميته من أن حياة البشر عبر التاريخ مدينة لنوع النظرة إلى الحياة الطيبة وحسن العاقبة وتفسيرها؛ إنه في الواقع تبيين لنمط من الحياة يجد فيه المرء معنى السعادة ويبلغ فيه مأموله. الحياة الطيبة والرفاه بمعنى حسن العيش تنطوي على مقوّمات شتى ظل الفلاسفة والمفكرون على اختلاف العصور يبحثون عنها. ولما كانت غاية الحياة إلى جانب أسلوب العيش هاجساً بشرياً في العادة، فإن بلوغ الطمأنينة وأقصى درجات السلامة هو منشأ تعلّقاتها كذلك.
غير أن هذه اللذة وهذا الألم ينطويان على أنواع شتى؛ من البُعد المادي إلى البُعد المعنوي وما وراء المادي. فمن الناس من يرى معنى اللذة في نيل المواهب التي يصبو إليها الإنسان، ومنهم من يعدّ إحراز الدرجات المعنوية والطمأنينة الداخلية هو اللذة الحقيقية. وفي مقولة الألم أيضاً، يذمّ بعضهم كل ألم، ويرى آخرون أنه ضرورة لا غنى عنها لبلوغ درجات العرفان والحقيقة العليا. والواقع أن البشر، في الغاية التي يرتسمونها لأنفسهم، يسعون إلى جلب المنفعة والراحة والرضا. وهذه الأحوال هي الوجه الآخر لعملة اللذة. ومن هنا يكتسب البحث الدقيق في هذا الموضوع أهمية بالغة لاتصاله بغاية عيش الإنسان. إن تعريف الألم واللذة وتفسيرهما يشكّلان أرضية المفاهيم والأسس الرئيسة للحياة البشرية. وكون الإنسان دائم السعي إلى اللذة أمر لا يمكن إنكاره. لكن إحدى القضايا المطروحة للنقاش هي نوع هذه اللذة وكيفية تحصيلها. لقد شرعت الأيديولوجيات والمذاهب المختلفة في رسم صورة المجتمع المثالي. ومن الطبيعي أن تتشكل هذه المجتمعات المثالية وفقاً لأسمى ما يصبو إليه البشر، وهذا يعني جلب مزيد من المنفعة واللذة للإنسان. وبوضع التناظر الدلالي بين المنفعة والكسب والفائدة من جهة، واللذة من جهة أخرى، يمكن إدراك عمق الحاجة التحليلية لهذه القضية على نحو أفضل. ومن النقاط التي ينبغي التطرق إليها تعريف الألم واللذة في القرن الجديد، وفحص الوضع الذي صارت إليه المجتمعات البشرية اليوم إزاءهما. هل اقتربت أكثر من مذهب اللذة؟ وإلى أي نوع من اللذة صارت أكثر ميلاً؟
يُعد التعارض بين النفعية الفردية والمصالح العامة والجمعية من المباحث المهمة الأخرى المندرجة تحت هذا الموضوع؛ إذ إن المجتمع القادر على السير في طريق التعالي والتطور في المجال العام هو المجتمع الذي تُرجَّح فيه المصالح العامة على المصالح الفردية. أي أن يخطو الجميع من أجل بعضهم بعضاً، وأن تكون القوة الجمعية في اتجاه الأهداف الجمعية؛ لا أن يسوق كل فرد، لأجل نفعه الخاص، مصالح الآخرين والقيم المقبولة في المجتمع إلى المذبح.
إن هذه النفعية إذا ما وُضعت على سكة المثالية، أياً كانت المثالية المقصودة، فسوف ينشأ للمجتمع بنيان أكثر مبدئية. وبصرف النظر عن الحكم على المُثُل، فإن اللذة التي ترتبط بالمثالية قد تكون أكثر انسجاماً مع النزوع الإنساني نحو التعالي. وتكتسب هذه النقطة أهميتها من أن العيش بلا مثال ولا قيمة ولا هدف يطبع على جدران المجتمع لون العيش العبثي.
إن تحصيل اللذات الظاهرية والمادية دون أي هدف جوهري هو عين الخطو في طريق العبث والعدمية الذي يُذكّر بالحياة الخالية من المعنى. ينبغي أن نرى وندرس إلى أين تنتهي حدود كل لذة، وكيف يمكن بالعقلانية رسم هذه الحدود والتخوم؛ رسمها بحيث تكون منسجمة مع الأهداف من جهة، وألا تتعارض مع المصالح العامة للمجتمع من جهة أخرى. إن العثور على هذه الحدود بالعقلانية هو بذاته من أكثر قطاعات الحياة الاجتماعية حساسية.
في النظرة التطورية، يُعد تناول أولويات اللذة والألم من النقاط الأساسية الأخرى؛ أيّ اللذات دائمة باقية، وأيّ الآلام ضرورية للتطور، وتحمل أي ألم يدفع المجتمع نحو جلب مزيد من النفع العام. كل هذا بحاجة إلى تعريف دقيق لمعنى ومسار التطور الفردي والاجتماعي للإنسان، وليس الغرض في هذه المقالة تأييد تعريف بعينه أو رفضه، وإنما يُعتنى بالإطار النظري للبحث فحسب. ينبغي أن نلتمس مدى الإلمام بمفهوم اللذة في تحليل مفاهيم الإيثار، والإنسانية، والنخوة، والإنصاف، والأبعاد العاطفية للإنسان، وسائر المفاهيم ذات الصلة، وأن نقيس نسبة مفاهيم كالاستقامة ومناهضة الظلم، ومكافحة الظلم، وصون كرامة النفس، وحفظ المنزلة الإنسانية... إلى مفهوم الألم، حتى نبلغ مفاهيم الرفاه في إطار وقالب أكثر وثوقاً.
في هذا العدد من ملحق "برسش" (السؤال) حاولنا أن نطرح جانباً مما ذُكر آنفاً للنقاش وتبادل الآراء بمعونة أساتذة من حقول الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها؛ عسى أن يؤثر ذلك في عيش الإنسان على نحو أفضل.
.
.
.
.
سعيد مدني، ناصر مهدوي، حسين دباغ، سيد هادي معتمدي، لطف الله ميثمي، أمير حسين خداپرست، محمود مقدسي، مهدي زماني، شيرزاد پِيك حِرفه، نغمه بروان، محمد علي دادخواه، هدى خطيبي مقدم، صديق قطبي، أمير تاكي
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.