اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
صعوبة استقدام أساتذة العلوم الإنسانية البارزين إلى المدن الطرفية مؤشر على احتكار النخب؛ فهناك شباب موهوبون تحجبهم السياسات العلمية عن الظهور، وعلى الأساتذة أن يسخّروا مكانتهم للتعريف بالمفكرين الشباب.

بدأت قصة كتابة هذه المذكرة حين تقرر أن نقوم، بصحبة عدد من الأصدقاء، بأعمال تطوعية تهدف إلى تعزيز الروح والنشاط العلمي في جامعة رازي. كان من بين هذه الأنشطة دعوة أساتذة مشهورين في مجال العلوم الإنسانية. وهو أمر كنا نعلم أنه ليس باليسير، لكننا لم نتصور أنه سيبلغ هذا القدر من الصعوبة.
فكلما اتصلنا بأستاذ أو باحث مشهور في مختلف مجالات العلوم الإنسانية (الفلسفة، علم الاجتماع، العلوم السياسية، الإلهيات، الاقتصاد، وغيرها) ودعوناهم للمشاركة في برنامج محاضرة أو حوار – خلال فترة فصل دراسي واحد – نادراً ما كنا ننجح في الحصول على موافقتهم. إذ كانت جداولهم في الغالب مزدحمة للغاية ويتلقون الدعوات من أماكن شتى، لدرجة أن بعضهم لم يكن بمقدوره فعلاً أن يخصص لنا وقتاً، كما أن بعضهم ربما كان يرى أنه ما دام قادراً على عقد جلسات ومحاضرات في طهران، فأي ضرورة تدعو إلى التخطيط للمشاركة في برامج جامعات المدن الأخرى. وقد أعلن بعضهم صراحة أنهم لا يشاركون في أي برنامج يُقام خارج مدينة طهران، بل إن بعضهم لا يشارك إلا في البرامج التي ترعاها جامعة طهران. وإذا كان النقد يوجه إلى كبار علماء الإلهيات والدراسات الدينية بأنهم قلما يخرجون من مدينة قم، فإن النقد نفسه يوجه إلى أساتذة العلوم الإنسانية المشهورين: لماذا قلما يخرجون من مدينة طهران؟
ورغم أن هذه ظاهرة تستحق التأمل وتحتاج إلى بحث وحوار، إلا أن موضوع نقاشي ليس تحليل هذه المسألة. بل إني، وسط زحام هذه الاتصالات والتنسيقات، كنت أتساءل في نفسي: هل تنحصر كل إمكاناتنا وثرواتنا البشرية في مجال العلوم الإنسانية في هؤلاء الأفراد المعدودين؟
إن الذين يتابعون ويقرؤون باستمرار في مختلف مجالات العلوم الإنسانية ويرصدون المذكرات والمقالات والكتب، يعلمون أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بالإيجاب. فهناك الكثير من الشباب والأشخاص غير المعروفين في مجال العلوم الإنسانية ممن يمتلكون فكراً وأفكاراً، ولديهم ما يستحق الطرح على المجتمع الإيراني والجامعي. شباب هم في بعض الأحيان أفضل تفكيراً وأكثر أفكاراً وأنجعها مقارنة بالأشخاص المعروفين.
لكن المشكلة تكمن في أننا نعاني من الاحتكار النخبوي، وأن حلقة مشاهير العلوم الإنسانية ضيقة للغاية. مشكلتنا ليست فقط نزعة الاحتكار في السياسة وعند السياسيين، بل إننا نعاني من المشكلة ذاتها في المؤسسة العلمية.
المشكلة هي أن الوضع الكلي للبلاد وسياساتها العلمية ليست على نحو يسمح لهؤلاء الشباب أو غير المعروفين بأن يدخلوا، في مسار طبيعي، إلى حلقة المشاهير والنخب. ليست مشكلتنا ومعضلتنا الأساسية هي انعدام أصحاب الفكر والأفكار في مجال العلوم الإنسانية، بل مشكلتنا هي إهدار هذه الثروات وعدم الاستفادة منها.
المسألة هي أن بلوغ الشهرة والنجاح في مجال العلوم، وخصوصاً العلوم الإنسانية، أمر صعب ويستغرق وقتاً طويلاً بحد ذاته. وعندما يقترن امتلاك المكانة والمنبر بالسياسة والسلطة، يصبح الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للبعض. فكثير من الشباب الذين يمتلكون أفكاراً في مجال العلوم الإنسانية ولديهم ما يقولونه، أو هم من أهل الفكر ويمتلكون موهبة التحول إلى مفكر بارز أو متوسط، لا يُعرفون ولا تتفتق مواهبهم بسبب عوامل معيشية وسياسية وإدارة علمية للبلاد وما إلى ذلك. وحتى عندما يُثار الحديث في بلادنا عن هجرة الأدمغة أو تُولى المسائل المتعلقة بالنخب اهتماماً، فإن المقصود غالباً هم نخب تخصصات الرياضيات والعلوم التجريبية.
في مثل هذه الحالة، ينبغي على مشاهير وكبار العلوم الإنسانية أن يعتبروا من واجباتهم أنه إذا رأوا شابًا يمتلك موهبةً، وهو جيد التفكير وصاحب أفكار جيدة، لكن تقلبات الدهر والسياسة لا تسمح له بأن يُطرح أو تُسمع آراؤه، أو أن ذلك يحدث ببطء شديد؛ أن يسعوا لطرح اسمه ومقالاته. وأن يخصصوا جزءًا من مكانتهم ورأس مالهم الاجتماعي للتعريف بهؤلاء الأفراد وإبرازهم. وألا ينظروا إلى هذا العمل بوصفه واجبًا ثانويًا أو فضلًا، بل أن يكون هاجسهم، وأن يُعرّف كل واحد منهم لنفسه هذه الرسالة بأن يُقدّم بضعة شباب جيدي التفكير إلى المجتمع العلمي. ذلك أن إحدى الرسالات الأساسية للأستاذ هي تربية التلاميذ، ومن أوجه تربية التلاميذ هذه استخدام اعتباره للتعريف بتلاميذه المتفوقين. وهو نفس العمل الذي كان يتم في التقليد القديم للحوزة تحت عنوان إجازة الاجتهاد والرواية إلى حد ما.
ينبغي على الأساتذة الكبار ومشاهير العلوم الإنسانية أن يستغلوا كل فرصة للتعريف بالشباب الموهوبين. على سبيل المثال، التعريف بكتاباتهم وكتبهم أو كتابة مقدمات لها، تقديم هؤلاء الشباب لجلسات المحاضرات والمؤتمرات، إشراكهم في المشاريع، اصطحابهم إلى المجالس العلمية، فتح أبواب الجامعات لهم تحت مسمى الأعمال بدوام جزئي، دعم نشر كتاباتهم من خلال تقديمهم إلى دور النشر المعروفة، التعريف بأطروحاتهم والإشادة بها في كل فرصة مناسبة، دعمهم في المواجهات الأمنية غير العادلة وضيقة الأفق و...
ليس من المهم ما إذا كان هؤلاء الشباب يسعون أخلاقيًا إلى الشهرة أم لا. قراءة دوافعهم لا وجه لها. المهم أنهم أهل فكر وهم في مستوى يستحقون معه أن تعرفهم الأوساط العلمية. رغم أنه بمرور الوقت، وبفضل هذه المساعدة من الكبار، سيقل تعطشهم للظهور والاستماع إليهم، ويزداد دافعهم للكتابة. ولأن جمهورهم سيصبح من أهل التخصص، ستصبح أعمالهم أكثر دقة، وسيُزال الاحتكار النخبوي، ومع الزيادة الكمية للمفكرين وبالتالي للأفكار، ستستعيد العلوم الإنسانية حيويتها. لعل هذا هو المكان الوحيد الذي يكون فيه استخدام ريع الموقع أخلاقيًا ومفيدًا للمجتمع في آنٍ معًا.
قد يُقال إن خمول العديد من الشباب ذوي الأفكار الجيدة والموهوبين في مجال العلوم الإنسانية يعود إلى حد كبير إليهم أنفسهم، أي أن بعضهم انطوائي ولا يميل إلى أن يُعرف، وبعضهم لا يمتلك بيانًا أو كتابة قوية، وبعضهم لا يمتلك علاقات عامة قوية و... ولكن يجب أن يكون الهدف، بدلًا من لومهم أو رمي الكرة في ملعبهم أو نصحهم ووعظهم، أن نجذبهم إلى الميدان من خلال التعريف بهم وإبرازهم، وعند الممارسة العملية ستُحل هذه النقائص تلقائيًا.
- بالطبع، ليس الأمر أن السبيل الوحيد للتعريف بالشباب أصحاب الفكر والأفكار هو سعي الأساتذة ومشاهير العلوم الإنسانية. بل هناك طرق مختلفة للقيام بهذا الأمر المهم. من جملة هذه الطرق يمكن الإشارة إلى ما يلي:
- يمكن للمؤسسات والمواقع العلمية و... أن تقوم بهذا العمل، مثلما تفعل المواقع التحليلية في مجال العلوم الإنسانية (صدانت، نيلوفر، فرهنك امروز، زيتون، راديو زمانه و.......).
- الوجوه التي جمعت، بفضل علمها وأدبها ومثابرتها، جمهورًا ملحوظًا في تطبيقات المراسلة (مثل تلغرام و.....)، يمكنها أيضًا أن تعتبر هذه الرسالة من مهامها وأن تُعرّف بشباب العلوم الإنسانية الموهوبين وكتاباتهم.
- يمكن لجمعية المفاخر الثقافية، إلى جانب التعريف بكبار العلوم الإنسانية، أن تصمم برامج للتعريف بالشباب الموهوبين وتسليط الضوء عليهم.
- يمكن للمراكز والمؤسسات التي تعمل في مجال تاريخ العلم والفكر أن تكون لديها برامج في هذا الاتجاه.
- المؤسسة الوطنية للنخب هي جهة أخرى يمكنها متابعة هذا الأمر. أي أنها أولاً لا تكتفي بالدعم المادي للنخب الشابة الموهوبة، بل تسعى إلى تقديمهم إلى المجتمع العلمي، وثانياً ألا ينحصر جهدها في هذا الاتجاه على أولئك الذين يُعتبرون نخباً وفقاً للوائح التنظيمية، بل تُعرّف بأشخاص تدل كتاباتهم - حتى لو كانت قليلة أو منشورة في أماكن غير معتبرة - على أنهم نخب، لا شهاداتهم، أو أن تطلب من كبار أساتذة العلوم الإنسانية أن يُعرّفوها على النخب الشابة.
- يمكن لمسؤولي الصحف والمجلات المساعدة في التعريف بهؤلاء الأشخاص، والتواصل معهم، وطلب كتابات ومقالات منهم، وكسر احتكار التواصل.
- على الإدارات والمنظمات في مختلف المحافظات والمدن، التي ترتبط بشكل أو بآخر بقضايا العلوم الإنسانية، أن تُقلل قليلاً من سياسات العمل، وبدلاً من الاستعانة بمستشارين شباب كثير منهم انتهازيون وسياسيون، عليها أن تستشير حقاً الشباب النخبوي وتأخذ بأفكارهم. ينبغي أن يكون أحد أهدافها، بغض النظر عن الاستشارة والاستعانة - إن وُجدت - هو تشكيل هذه الجلسات بحد ذاتها. أي أن تكون جلسات تبادل الرأي والاستشارة غاية في حد ذاتها. إن جمعهم بين الحين والآخر وتهيئة مجال للحوار يُمهد الطريق لتعريفهم ببعضهم البعض وبالمؤسسات.
.
.
.
علم الاجتماع
علم الاجتماع
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
متاسفانه فرهنگ جامعه ی ما دچار "بت پرستی" شده و اکثر اساتید حوزه ی علوم انسانی همانند باقی حوزه ها، با پیدا شدن کمی شهرت رسالت اصلی خود را فراموش کرده و تبدیل به بت هایی می شوند که تنها کارایی آنها زینت بخشی بر مراسم پر شکوه است. نمی دانند که با چنین رفتارهایی تیشه بر ریشه ی علوم انسانی در کشور خود می زنند- که انصافا ضربه های مهلکی از به فراموشی سپردن این علوم خورده ایم و خواهیم خورد