اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى سيد محمد نوعي أن دفاع حيدري عن الاختزالية عند ملكيان غير كافٍ، ويعتبر نقد محدثي في محله. وهو يصف المجتمع بأنه واقعة متحققة، ويعدّ العلاقة القائمة على التبعية بين المريد والمراد عائقاً أمام قابلية النقد؛ وعلى المؤيدين لانتفاء الظواهر الجمعية تقديم الدليل.

كتب الدكتور حسن محدثي، عالم الاجتماع، نقدًا لآراء الأستاذ ملكيان الاختزالية، ثم كتب عالم اجتماع آخر وصديقي العزيز الدكتور مجيد حيدري جَرُّودَه نقدًا لذلك النقد. وبما أنني كنت أنتظر منذ زمن طويل فرصة ومجالًا لمتابعة نقاش الاختزالية ووجود المجتمع والظواهر الجمعية الأخرى أو عدم وجودها، وأنا من معارضي الاختزالية، فقد خطرت ببالي بعض النقاط التي أعرضها على الأصدقاء.
(كيف تُريح الاختزالية خيالنا)
بمناسبة نقد الاختزالية في آراء الأستاذ ملكيان ونقد ذلك النقد
كتب الدكتور حسن محدثي، عالم الاجتماع، نقدًا لآراء الأستاذ ملكيان الاختزالية، ثم كتب عالم اجتماع آخر وصديقي العزيز الدكتور مجيد حيدري جَرُّودَه نقدًا لذلك النقد. وبما أنني كنت أنتظر منذ زمن طويل فرصة ومجالًا لمتابعة نقاش الاختزالية ووجود المجتمع والظواهر الجمعية الأخرى أو عدم وجودها، وأنا من معارضي الاختزالية، فقد خطرت ببالي بعض النقاط التي أعرضها على الأصدقاء.
رأيي الإجمالي هو: أولًا، إن نقد الدكتور محدثي صحيح وفي محله في معظم الحالات. ثانيًا، إن اعتراضات الدكتور حيدري وانتقاداته لم تستطع دحض آراء الدكتور محدثي النقدية والدفاع عن اختزالية الأستاذ ملكيان. ثالثًا، ينبغي على الأستاذ ملكيان والسيد حيدري وسائر المؤيدين لهما أن يقدموا أدلتهم وشواهدهم على ادعاء عدم وجود المجتمع وسائر الظواهر الجمعية، وهو ما لم أره على الأقل حتى الآن، ولم يتكرر سوى الادعاء. رابعًا، إن نقاش الاختزالية الأنطولوجية والإبستمولوجية ومشكلاتها لا يزال مفتوحًا في آراء الأستاذ ملكيان، ولا يمكن إغلاق ملفه بهذه السهولة. خامسًا، بما أن السيد حيدري وسائر المؤيدين يدافعون عن اختزالية الأستاذ ملكيان، فهل السبب هو أن الاختزالية من أي نوع كانت أمر جائز وصحيح أصلًا ويمكن إقامة الدليل عليه؛ أم لأن الأستاذ ملكيان قد استخدم هذه الاختزالية ونحن من المعجبين به، فلا بد أن الاختزالية صحيحة ويجب الدفاع عنها بأي ثمن؟؟؟؟
1- لم يكن نص الدكتور حيدري في الواقع ردًا على انتقادات الدكتور محدثي، بل كان أشبه بنقدٍ للنقد، أي أن نصه كان في الغالب نوعًا من التدقيق بغرض التشكيك المنطقي في انتقادات الدكتور محدثي. لذا فإن اعتبار نص السيد حيدري ردًا في بعض المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي هو أمر خاطئ.
2- الرد على النقد يستلزم فصل القضايا التي يدعيها الناقد، ثم تشخيص مدعاه، وأدلته وشواهده التي أتى بها، ثم نقد كل منها على حدة. لقد اكتفى السيد حيدري بالتشكيك في النقد، وحاول بنهج تساؤلي نقدي (وهو نهج شريف ومهم) أن يشكك في أسس ومبادئ الانتقادات التي يدعيها السيد محدثي. لكنني مهما بحثت في نصه لم أجد ردًا على الانتقادات بقدر ما وجدت توضيحًا للنص. في حالات قليلة ناقش الدكتور حيدري بشكل علمي، وكان الأغلب نقدًا منطقيًا.
3- على أي حال، ينبغي اعتبار نص الدكتور حيدري نوعًا من الدفاع عن آراء الأستاذ ملكيان، لأن النتيجة والأثر النهائي لانتقادات الدكتور حيدري هو تبرئة الأستاذ ملكيان وإزالة شبهات الاختزالية عنه، أو الدفاع عن الاختزالية التي استخدمها.
4- لماذا الدفاع؟ هل هذا النقد للنقد هو دفاع عن الحقيقة والمنطق والعقل والعلم، أم دفاع عن آراء أستاذ نكن له الإعجاب؟ لقد دققت حتى الآن في عدة مناسبات في مواقف صديقي العزيز السيد حيدري وسائر المعجبين تجاه آثار وكلمات وآراء السيد ملكيان. وبما أن السيد حيدري من أهل التوضيح والشفافية، أقول بشيء من التساهل والاحتمال:
4-1- في رأيي أن هناك سببًا خفيًا يدفع شخصًا مثل الدكتور الحيدري العزيز إلى التحسس إزاء الانتقادات التي تُوجَّه إلى السيد ملكيان، وأعني بذلك نوع العلاقات الفكرية الخاصة والعاطفية أحيانًا القائمة بينه وبين شخصية السيد ملكيان. فهو يقع في دائرة مريدي الأستاذ ملكيان، لذا من الطبيعي أن يتخذ موقفًا مسبقًا من الانتقادات الموجَّهة إلى آرائه.
4-2- من وجهة نظري، إن إحدى الآفات التي تعاني منها المنظومة الفكرية في مجتمعنا (سواء لدى العامة أو الخاصة) هي علاقة المريد والمراد ذاتها، وكم تلقينا من ضربات جراءها عبر التاريخ، وكم عانت الجماعات من مصائب، وحدثت ضلالات وانحرافات وما زالت تحدث. لم أورد هذا الكلام بنية الدخول في المجال الشخصي لصديقي العزيز الحيدري، بل أوردته كمناسبة لكشف هذه المسألة التاريخية والتذكير بها مجددًا. إن أهم آفة لعلاقة المريد والمراد هي عدم قابليتها للنقد من قبل المريدين. فالمراد يصبح حقيقة مطلقة، وكل ما يقوله يُتلقى بالرضا والقبول من المريدين. ويلقي ضرب من التعبد الجاف غير المنطقي والتقليد بلا دليل ولا برهان بظلاله على هذه العلاقة تدريجيًا.
5- نقطة مهمة أخرى هي أن الحيدري لم يصرح برأيه بشكل مباشر وصريح في هذا النص. فبما أنه كتب ردًا نقديًا، كان ينبغي أن يذكر رأيه بوضوح: هل يقبل الاختزال أو الردية في نهاية المطاف أم لا؟ أو بأي معنى يقبلها؟ وأن يأتي بأدلته وشواهده، ويدافع أيضًا عن أن الأستاذ ملكيان قد استخدم هذا المعنى من الردية، وبالتالي فلا إشكال في عمله هذا. لكن لا يمكن ملاحظة رأيه إلا في بضع عبارات معدودة في النص، وما تبقى هو أسئلة نقدية سأذكرها لاحقًا.
6- يعود جزء مهم من المواجهة بين النصين إلى النزاع القديم لكن الخامد: الفرد/المجتمع، علم النفس/علم الاجتماع... إلخ. لقد كانت لي تأملات في هذا الشأن قبل سنوات خلال فترة دراستي الجامعية، وسأورد خلاصتها هنا أولاً ثم أتطرق إلى الأجزاء الأخرى من النقود التي طُرحت:
|
بضع نقاط توضيحية: أ- ثلاث تفكيكات أساسية: 1) علاقة الفرد/المجتمع ...... نزاع أنطولوجي (علاقة الكل والجزء). يمكن النظر إلى الوجود هنا بطريقتين: الوجود الفلسفي-الميتافيزيقي والوجود بمعنى الأمر المتحقق أو الواقعة (Fact). أدعائي هو أن: المجتمع له وجود متحقق كواقعة، لكن ليس له وجود ميتافيزيقي (أي في مقام التحقق الوجودي) حقيقي مستقل. من هنا فليس للمجتمع ذات وماهية فلسفية. لكن المجتمع كواقعة متحققة موجود لأنه يُظهر آثارًا وعلامات ونتائج، وله أثر في الواقع. (كل ما قيل عن المجتمع ينطبق على سائر الظواهر الجمعية مثل المؤسسات والمنظمات والبنى والأنظمة... إلخ). أولئك الذين يعتقدون بصحة أو خطأ الاختزال في المقام الأنطولوجي عليهم أن يناقشوا في هذا الفضاء. 2) علاقة الفردانية/الجمعانية المنهجية...... نزاع منهجي (تحليل الوقائع بناءً على المستوى الجزئي أو الكلي). 3) علاقة النزعة السيكولوجية/النزعة السوسيولوجية..... نزاع بين علمين. لكل منهما دعاواه. يُطرح هنا بحث اختزال علم إلى علم آخر أو مفاهيم علم إلى مفاهيم علم آخر. *** نقطة مهمة: لا توجد أي من هذه المحاور الثلاثة للنقاش علاقة ضرورية ومنطقية بالأخرى، أي لا يمكن مد جسر من إحداها إلى الأخرى. هذا خطأ. إنها 3 نقاشات منفصلة ويمكن وضع كل نقاش في موضعه. انتبهوا إلى هذه العبارات: «ليس هناك تلازم بين الفردانية المنهجية والفردانية الأنطولوجية (الذرية الأنطولوجية)». أو «سواء كان الفرد هو أساس تشكل المجتمع (أصالة الفرد) أم كان المجتمع هو أساس نشوء الفرد (أصالة المجتمع)، فإن منهج بحثنا يمكن أن يكون مستقلاً عن هذا النقاش». أي بافتراض أننا استطعنا إثبات أن الأصالة والتقدم للفرد وعلينا أيضًا استخدام المنهج الفرداني؛ لا يمكن أن نستنتج أن لعلم النفس تقدمًا وأصالة في مقابل علم الاجتماع. نزاع العلمين وخلافهما لا علاقة له بتلك المباحث السابقة، ولا ينبغي للموافقين والمعارضين أن يأتوا من ذينك المجالين بأدلة وشواهد لأنفسهم. ب) في نزاع أصالة (أولوية) الفرد أو المجتمع؛ ينبغي تفكيك 3 مباحث عن بعضها: - الأولوية الوجودية (الأنطولوجية) وهي بحث فلسفي... أيّهما وجوده متقدم على الآخر؟ الأولوية الزمانية والأولوية الوجودية بالمعنى الأخص للكلمة مطروحتان هنا. هل الدجاجة أسبق أم البيضة؟ - الأولوية القيمية (الأكسيولوجية) وهي بحث أخلاقي وحقوقي... هل ينبغي التضحية بمصالح الفرد لأجل المجتمع أم التضحية بالمجتمع لأجل الفرد؟ - الأولوية المعرفية (الإبستيمولوجية)... في مقام المعرفة، أيّهما ينبغي معرفته أولاً ثم معرفة الآخر في سياقه؟ أيّهما إذا عرفناه نستغنِ عن معرفة الآخر؟ هل هذان النوعان من المعرفة مستقلان عن بعضهما؟ *** هذه المحاور الثلاثة للبحث مستقلة عن بعضها أيضاً، ولا ينبغي إقامة جسر تواصل بينها والاستدلال من أحدها للآخر أو الإتيان بشاهد، فهذا العمل خطأ وغير صحيح. |
يُذكّر الدكتور حيدري بأخطاء الدكتور محدثي في نقد الاختزالية.
7- بخصوص النقد الأول: هنا يطرح الدكتور حيدري عدة أسئلة نقدية. برأيي، رأي الدكتور محدثي بخصوص عدم تخصص الأستاذ ملكيان في مجال العلوم الاجتماعية وارد، ويمكن الإجابة عن أسئلة الدكتور حيدري كالتالي: أولاً، الأستاذ نفسه لا يدّعي التخصص في جميع مجالات العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية. ثانياً، استناداً إلى سيرته العلمية، فقد أجرى دراساته ومطالعاته في مجالات غير العلوم الاجتماعية. ثالثاً، إن مراجعة سريعة لآثار الأستاذ ودروسه الحوارية تُظهر في أي مجالات تكمن اهتماماته ومجال دراساته وتخصصه. لم يعتبر الأستاذ نفسه أبداً خبيراً اقتصادياً أو عالم اجتماع أو مؤرخاً أو مختصاً بالثقافة أو أنثروبولوجياً أو متخصصاً في مجالات الإدارة والعلوم السياسية وتاريخ الحضارة. لم يدّعِ ذلك لا باللسان ولا تُظهر آثاره ودروسه الحوارية شيئاً من هذا القبيل. لذا، رداً على أسئلة السيد حيدري، ينبغي القول إنه استناداً للأسباب المذكورة أعلاه، لا يمكن اعتبار الأستاذ متخصصاً في مجال العلوم الاجتماعية بالمعنى المتعارف عليه حالياً في مجتمعنا، أي صاحب رأي وتأليف ووجهة نظر ونظرية وبحث. بل بالنظر إلى سيرته العلمية وآثاره المنشورة، ينبغي برأيي اعتبار الأستاذ معلماً جيداً للفلسفة ومطّلعاً على تاريخ الفلسفة، ومتخصصاً في مجال الأخلاق وخاصة فلسفة الأخلاق وأحد أبرز أصحاب الرأي فيها، وباحثاً في الدين من منظور الفلسفة والأخلاق، حيث تستند وجهة نظره في مجال الأخلاق أيضاً إلى نظريات علم النفس. هذا هو تصوري عن الأستاذ.
بطبيعة الحال، ليست لديّ معرفة دقيقة بمفهومي الخطأ المؤذي للعقل والمعلم العام اللذين استخدمهما الدكتور محدثي، والأفضل أن يوضحهما هو بنفسه. لكن على أية حال، هذه قاعدة عقلائية أنه عندما يدخل شخص مثلي إلى مجالات مختلفة دون أن يكون متمكناً جداً من الأسس والأصول والقواعد، فإن احتمال خطئي وارد، وأن أبدي رأياً ونظراً يثير دهشة المتخصصين في ذلك المجال. هذا الأمر حدث سابقاً أيضاً وليس بجديد.
على أية حال، نقد الدكتور حيدري هنا هو مجرد طرح أسئلة من الناقد. لم يُبدِ رأيه فيما إذا كان يعتبر الأستاذ ملكيان حقاً صاحب رأي ومتخصصاً في العلوم الاجتماعية أم لا؟ ولماذا؟
8- بخصوص النقد الثاني:
8-1- مغالطة صرف الانتباه ومغالطة الأكثرية. رأيي يختلف قليلاً عن رأي الدكتور حيدري بخصوص المغالطات، وقد ناقشنا هذا الأمر في جلسات قراءة كتاب التفكير النقدي معاً. لكنني لن أخوض في ذلك هنا. غير أنه برأيي لم تقع مغالطة الأكثرية هنا، لأنه في إطار منطق الاحتمال، فإن الأمر الذي تقر به الأكثرية، يكون احتمال صوابه عموماً أكبر من احتمال خطئه. عموماً واحتمالاً. أي أن العقل يتعامل بحذر. خاصة عندما نناقش في مجال العلم والمعرفة. دعنا من هذا...... فهذا بحث هامشي.....
8-2- أشار الدكتور حيدري: «..... لقد قال الأستاذ (ملكيان) مراراً إنه لا تترتب أية توالٍ فاسدة على دعواه الاختزالية». وهنا أسئلتي: 1) كون الأستاذ يدّعي أنه لا تترتب توالٍ فاسدة على رؤيته الاختزالية، هل يصبح ذلك دليلاً على عدم وجود توالٍ فاسدة؟ أي هل أنا، بصفتي صاحب الدعوى، أكون المرجع في تشخيص التوالي الفاسدة لنظرياتي وادعاءاتي؟ 2) من أين لنا أن نعلم أن الأستاذ لم يخطئ هنا، وأنه لم يغفل عن التوالي الفاسدة لأسباب ما، عن قصد أو سهو؟ 3) هل ينبغي تقييم صحة نظرية أو رؤية علمية وسقمها بناءً على نتائجها وتواليها؟ هل هذا هو المعيار الوحيد؟ إذا قدمت الآن نظرية عن سيطرة كائنات ماورائية على عالم البشر، فهل تُقيّم صحة نظريتي وسقمها بناءً على أن لها توالياً فاسداً أم لا؟ 4) بافتراض أن الأستاذ قدّم مثل هذا الادعاء بشأن عدم وجود توالي فاسدة لاختزاليته، فعندما يستشهد بها السيد حيدري فهذا يعني أنه قبلها، فما هي أدلته وشواهده إذن؟ يُتوقع منه، استناداً إلى نفس المنهج النقدي الذي طبقه على آراء الدكتور محدثي، وبنفس الدقة، أن يقيم هنا دليلاً وشاهداً خاليين من المغالطة؟ لكن هذا الأمر المهم لا يُلاحظ، بل إن السيد حيدري نفسه قد ارتكب هنا مغالطة الاحتكام إلى المرجعيات.
8-3- الاستشهاد بآراء أشخاص كانوا معارضين وناقدين للاختزالية، مثل سيبين وموسكوفيتش، صحيح أنه لا يمكن أن يثبت دعوى بمفرده، لكنه يمكن أن يعزز احتمال صحة الدعوى، كما يشير إلى أن مفكرين سبق لهم أن تناولوا هذا الموضوع وناقشوه، وهذا يعني الإشارة إلى الخلفية التجريبية للنقاش. الاستشهاد بآراء الآخرين ليس فيه إشكال في حد ذاته، الإشكال يكمن عندما يُستخدم هذا الاستشهاد بصفته الدليل الوحيد على الإثبات. يبدو أن الدكتور محدثي لم يستخدم هذه الاستشهادات كأدلة، بل هو فقط يحيل إلى السوابق.
8-4- قال السيد حيدري: «لم يفصل السيد محدثي بين الاختزالية الأنطولوجية والإبستمولوجية والمنهجية...». أنا، حتى هذه اللحظة، مهما تأملت، فهمت الاختزالية الأنطولوجية (الوجودية) وكذلك الاختزالية الإبستمولوجية، ولكن ماذا تعني الاختزالية المنهجية؟ كان من الأفضل لو أن السيد حيدري العزيز قدم بعض التوضيحات أو الإحالات بخصوص هذه الأنواع الثلاثة من الاختزالية التي عددها، ولم يترك النقاش مبتوراً هكذا.
8-5- قال السيد حيدري: «إن دعوى السيد ملكيان بأن المجتمع والمؤسسات مثل الأسرة والاقتصاد والسياسة والتعليم والتربية ليس لها وجود خارجي، وأن الأفراد البشر هم الذين لهم وجود خارجي، هي دعوى أنطولوجية، والاختزالية المتضمنة فيها هي اختزالية أنطولوجية لـ مفهوم سوسيولوجي إلى مفهوم سيكولوجي....». هذا التصور نفسه هو نوع من الخطأ بالضبط. لنفترض أنني أعتقد بالاختزالية الأنطولوجية فيما يخص المجتمع، فهذا لا يستوجب بالضرورة أن أتخلى عن مفاهيم علم الاجتماع وأنتقل إلى مفاهيم علم النفس. بعبارة أخرى، اختزال مفهوم المجتمع إلى مفهوم الفرد أو الأفراد هو نقاش أنطولوجي، وهذا النقاش لا علاقة له بعلمي الاجتماع والنفس والمفاهيم المستخدمة فيهما. الافتراض الوصفي لهذا الربط الخاطئ بين هذين النقاشين هو أن مفهوم المجتمع خاص بعلم الاجتماع وحده حصراً، ومفهوم الفرد خاص بعلم النفس وحده حصراً. فبإمكان علم النفس أن يشير إلى مفاهيم جمعوية ومجتمعية أو يستخدمها، كما يمكن لعلم الاجتماع أن يتناول مفهوم الفرد وسائر المفاهيم المرتبطة به. هذا ادعاء مجاني وخطأ كبير يمكن تقديم الشواهد والأمثلة عليه بكثرة على أنه ليس كذلك. لكن للأسف، وقع في هذا الخطأ غالبية المدافعين عن الاختزالية وبعض المعارضين لها أيضاً. لمزيد من الدقة، أحيل إلى التوضيحات داخل الإطار التي أوردتها في بداية النقاش. طبعاً، في الجزء "رابعاً" من هذا النقد، أشار السيد حيدري إلى ذلك بشكل ما، لكنه قبل ذلك وقع هو نفسه في هذا الخطأ.
8-6- ليس الكلام هنا حول ما إذا كان لعلم الاجتماع موضوعٌ من الأساس أم لا، وإن كان بالإمكان إسقاط المجتمع وسائر الظواهر الجمعية من الوجود، فعندئذٍ يزول علم الاجتماع وينعدم. فهذا نزاعٌ آخر. الكلام هو حول وجود أو عدم وجود المجتمع والظواهر الجمعية في مقابل الفرد أو الأفراد. لا ينبغي الخلط بين هذا النزاع حول أمرين واقعيين ونزاعٍ بين حقلين علميين. من وجهة نظري، يمكن لعلم الاجتماع أن يعالج الفرد والأفراد والظواهر الجمعية، وكذلك علم النفس. لا يستطيع أحد أن يمنع علماء هذين الحقلين العلميين من الخوض في تحليل الموضوعات والوقائع المختلفة.
9- بخصوص النقد الثالث:
9-1- إن مدعى الدكتور محدثي بخصوص الأنظمة التي يصنعها البشر والعواقب والنتائج غير المقصودة لتلك الأنظمة التي تؤدي إلى فساد البشر وشقائهم، هو مدعى صحيح ودقيق وفي محله، وليس متناقضًا. يبدو أن السيد حيدري لم يفهم هذا الموضوع بشكل صحيح. يصمم الأفراد البشر ويخلقون نظامًا لسد حاجة أو تحقيق هدف، وبعد نشوئه واشتغاله لبعض الوقت وتطوره وتغيره عبر الزمن، يتأثر البشر بآثار ونتائج أداء ذلك النظام التي لم يكونوا يعرفونها منذ البداية ولم يرغبوا في حصولها. ثمة أمثلة كثيرة يمكن ضربها، منها نظام السجون وتكدس السكان الجنائيين الذي باتت نتائجه غير المقصودة وغير المرغوبة واضحة اليوم. هذه النتائج لم تخطر ببال أي مسؤول قبل أكثر من مئة عام حين كان يجري تصميم وإطلاق السجون المنظمة والحديثة. لماركس مقولة شهيرة تعبر عن هذه المطالب بأفضل وجه: البشر يصنعون التاريخ، لكن ليس كما يشاؤون هم....
9-2- لكنني لا أستحسن تعبير المفعول بهم فاقدي الإرادة والألعوبة، بل أقول بنسبية تدخل إرادة الأفراد البشر ووعيهم واختيارهم. ليس الأمر أن جميع الأفراد البشر، بصفتهم فاعلين اجتماعيين، يمتلكون إرادة متساوية ومؤثرة واختيارات متكافئة ومتشابهة. فالأمر ذو حالة طيفية ويعتمد على وعيهم التخصصي بالعمليات الاجتماعية ومعرفتهم بآليات الأنظمة والمؤسسات، وكذلك بشكل خاص على موقعهم في هرمية المجتمع. ليس جميع الفاعلين والأفراد يمتلكون إمكانية وقابلية معرفة الآثار غير المقصودة للأنظمة. الفاعلون البشر في المجتمع والعالم الاجتماعي ليسوا فاقدي الإرادة تمامًا ولا ذوي إرادة مطلقة. كلنا في وضع طيفي من الإرادة والوعي والاختيار، وكل هذا يعتمد على موقعنا الاجتماعي.
10- بخصوص النقد الرابع: كلام السيد حيدري صحيح، غير أنه لا يمكن استخدامه في رد نقد الدكتور محدثي. ليس النقاش أساسًا حول كون إرادة الإنسان وتأثيرات المؤسسات طولية أم عرضية. يحتاج الأمر إلى شيء من التدقيق، وسيصبح النقاش تخصصيًا تمامًا. سأقول بإيجاز، إننا بصفتنا فاعلين نعمل في موقع وظروف اجتماعية (حتى في أكثر مجالات حياتنا الشخصية وطبقاتها خصوصية) نمتلك ذهنًا تأويليًا يفسر الظروف والموقع ثم يعمل. طبعًا، التفسير هنا ليس بمعنى التفسير العقلاني والمنطقي والفلسفي. إنه نوع من الإتيان بالأسباب وإضفاء المعنى على الأشياء والمواقف. كوني أضع رغبتي نصب عيني، أو شعوري بالتنافس مع الآخر، أو توسلي بقيمة ما و... هذه نماذج من التفسير الذهني للفاعل البشري. لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذا التفسير ليس بالضرورة والحتمية ذا حمولة معرفية وإدراكية تأخذ في الاعتبار جميع آليات المؤسسات وماهية أدائها وتفهمها وتضعها في حسبانها وحساباتها. أنا في حياتي اليومية، إلى حد كبير، أهتم بنفسي، وإلى حدود ما، بالذين هم في الطبقات الأولى من علاقاتي الاجتماعية. نادرًا جدًا ما ننتبه، لأجل سلوك أو اختيار، إلى تاريخ ما وراء المؤسسات والأنظمة وكذلك إلى مستقبلها المقصود أو غير المقصود وندخلها في حساباتنا. هذا النقاش تخصصي ومفصل للغاية، وإذا ما سنحت الظروف سأشرحه بعبارات أكثر تخصصية.
على أي حال، برأيي أن تصور الدكتور حيدري العزيز في هذا الموضوع فيه شيء من القصور وكان ينبغي له مزيد من التأمل، وبهذا القول لا يمكن النيل من نقد الدكتور محدثي والدفاع عن الاختزالية الأنطولوجية التي يقصدها الأستاذ ملكيان.
11- بخصوص النقد الخامس:
11-1- لقد صرّح الأستاذ ملكيان مراراً وبوضوح أنه لا وجود لشيء اسمه المجتمع والظواهر الجمعية المناظرة له عدا الأفراد واحداً واحداً: "أولاً، ليس لدينا ما يسمى بالمؤسسة الاجتماعية. هذه أسماء. أسماء بلا مسمى. المؤسسات الاجتماعية غير موجودة أصلاً. لا يوجد شيء اسمه السياسة والاقتصاد. أقولها بصراحة: لا يوجد شيء اسمه الأسرة. لا يوجد شيء اسمه التعليم والتربية. في العالم الإنساني، لا يوجد سوى البشر. يوجد بشرٌ أفراداً. أي اسم آخر نطلقه عليهم، نحن واهمون."
"لا يوجد شيء اسمه الأمة الإيرانية عدا 75 مليون إنسان. لا يوجد شيء اسمه بلد إيران أو الأمة المسلمة. [...] كلامي الأول هو أن هذه المفاهيم المجردة غير موجودة."
أسأل الأستاذ ملكيان وكذلك الدكتور حيدري العزيز: قولا بوضوح، هل المجتمع والظواهر الجمعية مثل النظام والمؤسسة والأمة والأسرة و... موجودة أم لا؟ إذا كان الجواب لا، فلماذا؟ وإذا كان نعم، فبأي معنىً هي موجودة؟ برأيي أن الدكتور حيدري العزيز لم يتناول هذا السؤال والموضوع بشكل مباشر وصريح. لدي أسئلة لكل من هذين الشقين من الجواب الذي قد يقدمه هو والأستاذ، ويجب الإجابة عليها حتى يتضح المقصود تماماً. هل كون المؤسسات تمتلك خاصية المنع والتشجيع من وراء التفسير الذهني للأفراد، دليل على أنها اعتبارية أم أنها غير موجودة أصلاً؟
استنتاج:
لدى معارضي الاختزالية عند الأستاذ ملكيان أدلة وشواهد على وجود المؤسسات والأنظمة وسائر الظواهر الجمعية (مثل توضيحات الدكتور محدثي)، لكن الأستاذ ملكيان وكذلك جناب حيدري لم يقدما أي دليل أو شاهد على ادعائهما. من الأفضل أن يقدم هؤلاء الكرام وسائر الأصدقاء الذين يتفقون معهم في الرأي، أدلتهم وشواهدهم هذه المرة لتخضع للنقد.
.
.
.
.
.
علم الاجتماع
علم الاجتماع
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
معادل درست reduction در فلسفه علم تحویل هست نه تقلیل به هیچ وجه بار منفی نداره تنها چیزی که اینجا نقد نشد تحویل گرایی بود