اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن المعتقدات الخاطئة هي سبب اختلالات الحياة البشرية، ويعدّ تغييرها السبيل إلى بلوغ الوضع المنشود. وهو يستند إلى نظرية ديفيد روس ليرى أن رسالة المثقف تكمن في تقرير الحقيقة وتخفيف معاناة المواطنين.

مصطفى ملكيان: أكبر سبب (إن لم نقل: السبب الوحيد أو علة العلل) لانتظامات أو اختلالات حياة البشر، سواء في المجال الفردي أم المجال الجمعي، هو معتقداتهم. أرفع خطوة يمكن – بل ينبغي – اتخاذها للانتقال من الوضع الموجود غير المرغوب إلى الوضع المفقود المرغوب هي تغيير طائفة من المعتقدات. لطالما كان بنو البشر ضحايا للجهل والخطأ أكثر مما كانوا ضحايا لسوء النية. الاعتقاد بأصالة المعتقد، الذي يعود تاريخه في الثقافة الغربية إلى سقراط، يقتضي أن تُصرَف أعظم همم المحبين المخلصين للبشر والمصلحين الاجتماعيين إلى تعليم المعتقدات الأصح وترسيخها وترويجها ونشرها، وإلى تنقية أذهان الناس ونفوسهم وتطهيرها من كل مصاديق الجهل والخطأ.
1_ السير ويليام ديفيد روس (Sir William David Ross)، فيلسوف الأخلاق الإنجليزي (1877-1971)، كان يرى نقاط قوة ونقاط ضعف في فلسفة الأخلاق الواجبة (deontologistic) عند كانط، كما في فلسفة الأخلاق العواقبية (consequentialistic) عند أكبر معارضي كانط، أي النفعيين (utilitarianist) أمثال بنتام ومِل. لذلك، لم يكن بوسعه أن يرفض أيّاً من هاتين الفلسفتين الأخلاقيتين رفضاً تاماً، ولا أن يقبل أيّاً منهما قبولاً تاماً. ولهذا، سعى إلى أن يأتي برأي جديد يجمع نقاط قوة كلتا الفلسفتين الأخلاقيتين ولا يقع في نقاط ضعف أي منهما.
ليس الغرض من هذا المقال عرض آراء كانط والنفعيين ونظرياتهم، ولا تقديم نقاط قوة وضعف هاتين المجموعتين من الآراء والنظريات من وجهة نظر ديفيد روس. غرض هذا المقال شيء آخر؛ ولكن لتحصيله، يبدو أنه لا مناص من أن نأتي، على سبيل المقدمة، أولاً برأي روس الجديد، الذي جمع ووفّق فيه – كما يعتقد هو نفسه – بين نقاط قوة آراء ونظريات كانط والنفعيين.
رأي روس، باختصار شديد، هو: أننا جميعاً، بني البشر، تقع على عواتقنا، من الناحية الأخلاقية، جملة من الواجبات للوهلة الأولى (أو: الواجبات في بادئ النظر) (prima facie duties). الواجب للوهلة الأولى هو واجب، إذا لم يتعارض (وهذا شرط بالغ الأهمية) مع واجب آخر للوهلة الأولى، وجب القيام به، مطلقاً ودون أي قيد أو شرط. بعبارة أخرى، الواجب للوهلة الأولى هو نفس الواجب المطلق وغير المشروط عند كانط، لكنه قُيّد بقيد واحد ومُشترط بشرط واحد، وهذا القيد والشرط هو ألا يقع في تعارض عملي مع أي من سائر الواجبات للوهلة الأولى. في مقام العمل، إذا لم يتعارض الواجب للوهلة الأولى مع أي واجب آخر للوهلة الأولى، وجب القيام بذلك الواجب نفسه، وفي هذه الحال، يتحول الواجب للوهلة الأولى إلى واجب واقعي (أو: فعلي، أو: في مقام العمل) (actual duty)؛ وإذا تعارض مع واجب آخر للوهلة الأولى، وجب القيام من بين ذينك الواجبين بالواجب الأثقل وزناً والأهم، وترك الآخر، وفي هذه الحال، يتحول الواجب للوهلة الأولى الأهم إلى واجب واقعي، ويبقى الواجب للوهلة الأولى الأقل أهمية دون أن يبلغ مرتبة الواجب الواقعي.
روس، بفصله الواجبات في بادئ النظر عن الواجبات في مقام العمل، تجنب نقطتي ضعف رئيسيتين في فلسفة الأخلاق عند كانط: الأولى أن كانط، إذ كان يعد طائفة من أنواع الفعل، كقتل النفس والكذب وإخلاف الوعد، خاطئة مطلقاً وفي جميع الظروف والأحوال، أدرج ممنوعات ضمن قواعد غير مشروطة يرى حدسنا الأخلاقي وفهمنا العرفي لها حالات استثناء قطعية، والأخرى أنه لم يكن لديه ما يقوله عن الظروف والأحوال التي تتعارض فيها واجبات المرء بعضها مع بعض.
وأما ما هي هذه الواجبات للوهلة الأولى؟ يقدم روس قائمة سداسية بهذه الواجبات، فُصلت فيها الواجبات الناظرة إلى الماضي (past-looking)، أي الواجبات الناشئة عن أفعال سابقة للفاعل نفسه أو لأشخاص آخرين، عن الواجبات الناظرة إلى المستقبل (future-looking)، أي الواجبات التي يكون سببها الآثار والنتائج الإيجابية التي ستترتب في المستقبل على القيام بها.
1) الواجبات بأثر رجعي الناشئة عن أفعال الفاعل السابقة نفسه، وهي: أ) الالتزام بالوعود (أو العقود والمعاهدات أو سائر التعهدات) التي صدرت عن الفاعل بإرادته واختياره؛ ب) جبران الأفعال الخاطئة التي ارتكبها الفاعل في تعامله مع الآخرين. 2) الواجبات بأثر رجعي الناشئة عن أفعال الأشخاص الآخرين السابقة، أي أنواع الاعتراف بالجميل والشكر. قد يكون لأداء الواجبات بأثر رجعي آثار ونتائج إيجابية في المستقبل أيضاً، ولكن، على كل حال، فإن إلزامية هذه الواجبات ناشئة عن الأوضاع والأحوال السابقة، لا عن الآثار والنتائج الإيجابية اللاحقة. الواجبات ذات الأثر المستقبلي أربعة أقسام: 3) الإحسان (أو: فعل الخير)، أي إيجاد أكبر قدر ممكن من الخير الذاتي. 4) عدم الإساءة، أي اجتناب إيذاء الآخرين والإضرار بهم (وهو أهم من الإحسان). 5) العدالة، أي توزيع الأمور الممتعة بحسب استحقاق الأشخاص. 6) إصلاح النفس.
إن قائمة روس السداسية للواجبات، للوهلة الأولى على الأقل، بمنأى عن واحدة من نقاط الضعف الرئيسية في فلسفة الأخلاق النفعية وبمعزل عنها. كان النفعيون يغفلون أو يتغافلون عن الطابع الشخصي لواجبات الإنسان، أي أن كل تأكيدهم كان على أن الإنسان مكلف بأن يزيد الخير أو يبلغ به أقصى حد ممكن، ولم يكونوا يلتفتون إلى أن الإنسان، بالإضافة إلى ذلك الواجب، لديه في أوضاع وأحوال خاصة تجاه أشخاص معينين، مثل أبيه وأمه وأبنائه وزوجته وكذلك الذين قاموا له بعمل أو قدموا له خدمة، واجبات لا يتحملها تجاه الآخرين. لقد انتبه روس، بذكره للواجبات بأثر رجعي في قائمته، إلى هذه الفئة من الواجبات الخاصة، ذات الصبغة الشخصية، والتي تحظى بتأييد شديد من الأخلاق العرفية وحدسنا الأخلاقي، وأعطاها حقها.
إن نظرية روس، في الأخلاق المعيارية (normative ethics)، شأنها شأن أي نظرية في أي حقل من حقول العلوم والمعارف البشرية، لا تخلو من عيوب ونقائص. لكن ذكر الإشكالات التي أوردها نقاد روس عليه، وعرض الأدلة التي تصب في صالح المعترضين أو ضدهم، لا يتناسب مع غرض هذه المقالة، لا سيما وأن الكاتب يقبل الخطوط العامة لنظرية روس، وليس له، في سياق المقال أيضاً، قصد سوى عرض رأيه الشخصي، القائم إلى حد ما على نظرية روس.
2_ دون أن أرغب في تقديم تقرير وصفي (descriptive) عما فعله مثقفو العالم عموماً، أو مثقفو مجتمعنا خصوصاً، أو لم يفعلوه، طوال تاريخ ظهور النهضة التنويرية وتطورها مع شريحة المثقفين، وكذلك دون أن يكون لدي قصد في تقديم اقتراح توجيهي (prescriptive) بشأن ما ينبغي للمثقفين أن يفعلوه أو لا يفعلوه ـ وليس أي من هذين الأمرين في حدود صلاحيتي ـ يمكنني الادعاء بأن رفاه كل مجتمع، من جملة أمور أخرى، رهن بوجود مؤسسة يكون لها، قدر الإمكان، وظيفتان: إحداهما، في مقام النظر، إيصال الحقائق (أي المعتقدات الأكثر صواباً) إلى عتبة وعي المواطنين، والأخرى، في مقام العمل، التخفيف من ألم ومعاناة المواطنين؛ ويبدو أن النهضة التنويرية أو شريحة المثقفين، منذ البداية، وضمنياً أو تصريحاً، وبوجه يقل أو يكثر وضوحاً، كانت لها هاتان الدعويان بالضبط.
لا شك أن علماء جميع حقول المعرفة يدّعون أن كل همهم وشغلهم وسعيهم منصرف إلى البحث عن الحقيقة وإيجادها، وهذا الادعاء ليس بلا وجه ولا دليل؛ لكن المهم هو أن بين كشف الحقيقة وإيصالها إلى ساحة ذهن وضمير المواطنين مسافة، ما لم تُقطع لن ينتفع المجتمع بثمرات الحقيقة المكشوفة. وقطع هذه المسافة وسد هذه الفجوة يقع على عاتق المثقفين. إن المثقف، من هذه الجهة، يقف على الحد الفاصل بين المتخصصين في العلوم والمعارف وعامة المواطنين، فيتلقى آخر المنجزات العلمية والمنتجات الفكرية للمتخصصين، ويجعلها، مع الحفاظ على أصالتها وعمقها، قابلة للهضم في فهم عامة المواطنين، ويوصلها، باستخدام أدوات خلق الاعتقاد، إلى عتبة وعيهم.
إن القول بأن الحقيقة ما لم تبلغ ساحة ذهن المواطنين وضمائرهم فإن المجتمع لا يجني ثمارها، يستند في الواقع إلى دعوى أخرى يمكن التعبير عنها بـ"أصالة الاعتقاد"، ويمكن تقريرها على النحو التالي: إن أكبر علة (إن لم نقل: العلة الوحيدة أو علة العلل) لانتظامات الحياة البشرية أو اختلالاتها، سواء في الساحة الفردية أم الساحة الجمعية، هي اعتقاداته. إن أسمى خطوة يمكن – بل ينبغي – اتخاذها للانتقال من الوضع الموجود غير المرغوب إلى الوضع المفقود المرغوب هي تغيير طائفة من الاعتقادات. لقد كان بنو البشر، على الدوام، ضحايا للجهل والخطأ أكثر مما كانوا ضحايا لسوء النية. إن الإيمان بأصالة الاعتقاد، الذي يعود تاريخه في الثقافة الغربية إلى سقراط، يقتضي أن تُصرَف أعظم همم المخلصين للبشر والمصلحين الاجتماعيين إلى تعليم الاعتقادات الأكثر صوابًا، وتفهيمها، وترويجها وإشاعتها، وإلى تنقية أذهان الناس ونفوسهم وتطهيرها من كل مصاديق الجهل والخطأ (أقول: "الاعتقادات الأكثر صوابًا" ليتضح أنني أقول بنظرية "الاقتراب من الحقيقة").
كما لا شك أن أصحاب السلطة السياسية، دائمًا، قد ادعوا أن دافعهم الرئيسي من الاستئثار بالسلطة وفلسفة وجود نظامهم السياسي هو التخفيف من ألم المواطنين ومعاناتهم. لكن القول الحكيم العميق للورد أكتون (Lord Acton)، المؤرخ وصاحب النظرة التاريخية الإنجليزي (1834-1902)، بأن السلطة تفسد والسلطة المطلقة تفسد إفسادًا مطلقًا، يفرض علينا في هذا الشأن هرمينوطيقا الشك (hermeneutics of suspicion)، وتاريخ البشر يشهد بأن هرمينوطيقا الشك هذه في محلها جدًا، وأن ادعاءات أصحاب السلطة تنحو في الأغلب نحو الخداع والتحريف والظلم والجور، ومن ثم، فإن انتظام المجتمع على النحو الصحيح يظل دائمًا بحاجة إلى أناس يراقبون، بكل صدق وجدية، وبأقصى ما يمكن من وعي وتعمق في النظر، سير الأمور الاجتماعية في اتجاه التخفيف من آلام المواطنين ومعاناتهم.
بناءً على هذا التصور للمثقف، فإن المثقف: أولاً: لكونه لا يغفل عن الأهمية من الدرجة الأولى التي لا تنازع للثقافة – أي مجموع الأمور الداخلية والانفسية (subjective) لكل فرد على حدة – في تحسين الوضع الخارجي والآفاقي (objective) للمجتمع، ويعلم أنه ما لم يحدث تغير إيجابي في ساحة ذهن الأفراد وضمائرهم، فلا يمكن أن يحدث تغير إيجابي في ساحة المجتمع، ومن حيث إنه يرى من بين المكونات الثقافية – أي الاعتقادات، والمشاعر والعواطف، والحاجات والرغبات – أن الاعتقادات هي الأكثر تحديدًا وتأثيرًا من الجميع، ويرى المشاعر والعواطف والحاجات والرغبات أيضًا تحت التأثير الشديد للاعتقادات، فإنه، بقدر ما في وسعه، يستفيد من القوى المقنعة كي يستطيع، بصورة مستمرة وجدلية، أن يجذب الاعتقادات الأكثر صوابًا إلى عتبة وعي المواطنين ويجعلها تحل محل الاعتقادات الأقل صوابًا؛ وثانيًا: بالإضافة إلى معالجته للعلل والعوامل الداخلية المولدة للألم والمعاناة، يعالج العلل والعوامل الخارجية التي تحول دون تقليل الآلام والمعاناة، وفي هذا السياق، يوجه النقد اللاذع بشكل خاص إلى العلل والعوامل البشرية، أي أولئك الذين سخروا قواهم الاقتصادية والسياسية والثقافية في اتجاه زيادة آلام البشر ومعاناتهم – أو منع تقليلها.
حرصًا على الإيجاز فحسب، لنسمِّ الوظيفة الأولى لمؤسسة المثقف "تقرير الحقيقة"، والوظيفة الثانية "تخفيف المرارة".
3_ إذا عرفنا المثقف بالوظيفتين: تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة، حينئذ يتضح أن: المثقف، في حد ذاته، ليس تخصصًا علميًا (discipline)، سواء أكان مرادنا من التخصص العلمي أيًا من العلوم الفلسفية والعقلية، أم أيًا من العلوم التجريبية أو التاريخية أو الشهودية والاستبطانية أو الدينية والتعبدية (رغم أن المثقف يمكن أن يكون متخصصًا في أحد العلوم والمعارف أيضًا). المثقف ليس مهنة وحرفة أيضًا (رغم أن المثقف يمكن أن تكون له مهنة وحرفة أيضًا). لا يمكن للمثقف أن يكون صانع أيديولوجيا (ideologist). ولا يمكن أن يكون مصمم مدينة فاضلة (utopianist) أيضًا (رغم أنه هو نفسه متعلق بمثل وقيم عليا وملتزم بها). وليس رجل دولة ولا سياسيًا. وأخيرًا، لم يأتِ للناس بخبر من مكان ما، ولا يخبر الناس عن مستقبلهم، وبالتالي، ليست له، أصلًا وأبدًا، رسالة نبوية (prophecy، بكلتا دلالتي الكلمة). إذن، ما هي ماهية المثقف وإلى أي صنف ومقولة ينتمي؟
المثقف هو من التزم عملياً بواجبين أخلاقيين رأى، بحكم ما لديه من معارف وقدرات، أنهما يقعان على عاتقه؛ أي أنه لم يُهمل، في مقام العمل، حدسه وضميره الأخلاقي، وسعى، قدر المستطاع، إلى إنجاز ما ينبغي له أخلاقياً أن ينجزه.
لكن هل تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة واجبان أخلاقيان؟ للإجابة عن هذا السؤال، لنعد إلى نظرية روس الأخلاقية، في الفقرة الأولى من هذه المقالة، والتي هي مفترضة ومقبولة لدى الكاتب. أين يقع تقرير الحقيقة، أو قول الصدق، أو النطق بما يعتقد المتكلم أنه الحقيقة، في قائمة روس للواجبات في النظرة الأولى؟ بحسب روس، فإن الصدق هو أحد مصاديق الالتزام بالوعود، وهو الواجب الأول من الواجبات ذات النظرة إلى الماضي والناشئة عن أفعال سابقة للفاعل. إن أهل كل لغة، في أثناء الحياة الاجتماعية التي يعيشونها معاً، يتعاقدون ويتعاهدون فيما بينهم على أن يستعمل كل لفظ من ألفاظ تلك اللغة في معنى خاص، أي أن المتكلمين والكتّاب يقصدون بذلك اللفظ ذلك المعنى، ويفهم السامعون والقراء ذلك المعنى نفسه. لكن، في هذا السياق، من يكذب لا يلتزم بهذا التعاقد وينقض هذا العهد، لأنه، على الأقل، يستعمل لفظاً واحداً في غير المعنى الذي تم التوافق عليه. افترض أنني أعتقد حقاً أن حسناً أطول قامة من حسين، ولكني قلت لكم كذباً: "حسن أقصر قامة من حسين". في هذه الحال، يستقر في ذهني معنى ومفهوم ينبغي، وفق التعاقد والعهد الذي بيني وبينكم (الناطقين بالفارسية)، أن يُشار إليه بلفظ "أطول قامة"، بينما استعملت أنا للإشارة إليه لفظ "أقصر قامة". أو بتعبير آخر، في قولي لفظٌ ينبغي، وفق التعاقد والعهد نفسه أيضاً، أن أستعمله للإشارة إلى معنى ومفهوم كونه أقصر قامة، لكنني استعملته للإشارة إلى معنى ومفهوم كونه أطول قامة.
وأما موقع تخفيف المرارة في قائمة روس فأين هو؟ روس نفسه لم يذكر، في أي موضع، تخفيف الألم والمعاناة تصريحاً، ولكن، بحسب الكاتب، فإن تخفيف المرارة هو الوجه الجامع للواجبات 3 و4 (وربما 5)، أي الواجب الأول والثاني (وربما الثالث) من الواجبات ذات النظرة إلى المستقبل. فالإحسان (أو: فعل الخير) وعدم الإساءة (وربما إقامة العدل (أو: العدالة))، كلها مصاديق لتخفيف المرارة، أو بعبارة أخرى، أفعالٌ يكون تخفيف المرارة نتيجتها (وكوني أديت مقصدي في الجملة الأخيرة بصيغة القضية الشرطية المنفصلة أو الحملية المرددة المحمول، واعتبرت الإحسان وعدم الإساءة (وربما إقامة العدل) إما من مصاديق تخفيف المرارة أو من عللها وأسبابها، فذلك لأن الطريق النهائي والحاسم للتفكيك بين الفعل وأثر الفعل ونتيجته، في فلسفة الفعل (philosophy of action)، لم يُعرض بعد، في ظني).
بناءً على ما تقدّم، يمكن اعتبار تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة واجبين أخلاقيين. إن جميع الواجبات الأخلاقية، بالقوة، تقع على عاتق جميع البشر، ولكن تحوّل واجب أخلاقي معين لشخص معين من حالة القوة إلى الفعل يتوقف على الخصائص الفعلية لذلك الشخص نفسه، بما فيها خصائصه الجسدية والذهنية والنفسية، وكذلك على خصوصيات الزمان والمكان والظروف والأحوال التي يوجد فيها فعلاً. وهذه النقطة واضحة تماماً، لأنه، مثلاً، قد لا يُلزَم شخص أخلاقياً طوال عمره بإنقاذ حياة أحد، لأنه لم يقع ولو لمرة واحدة في ظروف وأحوال تعرضت فيها حياة شخص للخطر. إذن، فتقرير الحقيقة وتخفيف المرارة أيضاً، وإن كانا واجبين أخلاقيين، بالقوة، على عاتق جميع البشر، فإنهما يصيران واجبين فعليين على شخص ما عندما يمتلك ذلك الشخص خصائص معينة ويعيش في ظروف وأحوال خاصة. يبدو أن تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة، بالمعنى المقصود من هذين التعبيرين في هذه المقالة، يصيران واجباً فعلياً على شخص ما عندما يكون ذلك الشخص، قياساً إلى المواطن العادي والمتوسط (average citizen)، متمتعاً بقدر أكبر من المعلومات وقوة التفكير، ويكون هذان العاملان قد جعلاه، مرة أخرى قياساً إلى المواطن العادي والمتوسط، يمتلك معتقدات أكثر صواباً وكذلك قدرة أقوى على تشخيص آلام ومعاناة المواطنين، ومناشئ آلامهم ومعاناتهم. الشخص الذي، بفضل معلوماته وقوة تفكيره الأكبر، يصبح مكلفاً بالواجبين الفعليين لتقرير الحقيقة وتخفيف المرارة، إذا لم يُظهر ضعفاً أخلاقياً (moral weakness)، أي إذا أقدم على أداء هذين الواجبين، يمكن القول إنه مثقف وينتمي إلى مؤسسة تُدعى "المؤسسة الفكرية" التي تُعد شرطاً ضرورياً (وليس كافياً بالطبع) لرفاه المجتمع.
لكن العمل الفكري، بمعنى الإقدام على واجبي تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة في ساحة الحياة الاجتماعية، له لوازم يمكن اعتبار الالتزام بها جميعاً آداباً للعمل الفكري. لعل أهم (وليس كل) هذه الآداب يمكن تلخيصها في:
العقلانية، بما فيها العقلانية النظرية التي تعني، إجمالاً، جعل درجة التعلق والالتزام بعقيدة ما متناسبة مع قوة البينات والشواهد التي تؤيد تلك العقيدة، والعقلانية العملية التي تعني، إجمالاً أيضاً، جعل الآلات والوسائل والأفعال متناسبة مع الغايات والأهداف والمقاصد. يمكن اعتبار العقلانية أهم وأساسي لوازم العمل الفكري، بحيث يمكن ربما اعتبار سائر لوازم العمل الفكري نتاجاً لهذا اللازم.
الشكوكية، أي الجرأة والإقدام على الشك في صحة أو خطأ أي اعتقاد أو فعل يعتبره شخص أو أشخاص أو الجميع صحيحاً أو خاطئاً، "شك في كل شيء" ("De omnibus es dubitandum") هو الواجب بالقوة لكل مثقف، وإن كان تحقق هذا الواجب بالقوة إلى الفعل، بالنسبة لاعتقاد أو فعل معين، رهيناً بظهور مسائل نظرية أو مشكلات عملية معينة. هذا اللازم للعمل الفكري يسد الطريق أمام أي نوع من الجمود والدوغماتية غير العقلانية (dogmatism).
النقدية، أي عدم اعتبار أي شخص تجسيداً للحق أو تمثالاً للباطل، وبالتالي، عدم قبول أي اعتقاد أو فعل بلا دليل أو رفضه بلا دليل. بعبارة أخرى، النقدية تعني جعل قبول واعتماد أو رفض ونبذ أي اعتقاد أو فعل مداراً على الدليل، ونتيجة لذلك، مطالبة أي شخص بالدليل وعدم اعتبار أي شخص فوق السؤال أو دونه، واختبار دليل أو أدلة أي شخص بمحك العقل، والالتزام بعقيدة أو عمل أي شخص بما يتناسب مع قوة الدليل أو الأدلة التي يقدمها على صدقه أو صحته. النقدية الفكرية لا تعفي أحداً وتشمل الجميع. فالمثقف يوجه نقده إلى المواطنين العاديين (وهو من هذه الجهة ناقد للرأي العام أيضاً، وليس ملزماً بالضرورة وبلا دليل بموافقة الرأي العام والتماهي مع الجماعة، ولهذا السبب أيضاً ليس شعبوياً (populist))، وإلى المتخصصين في شتى العلوم والمعارف، وإلى ذوي السلطة والحكام، وإلى الزعماء الدينيين والمذهبيين. النقدية، بوصفها أحد اللوازم المهمة للعمل الفكري، تمنع المثقف من الإصابة بمرضي التعصب (fanaticism) والتحيز المسبق (prejudice) وتدفعه نحو نوع خاص من المساواة (egalitarianism).
عدم التعلق بأي أيديولوجيا. إن نقد المثقف يشمل نفسه أيضاً. ومن هنا، يسعى المثقف إلى تجنب أي شكل من أشكال النرجسية (narcissism)، ونتيجة تجنب النرجسية هي عدم التعلق بأي أيديولوجيا، لأن هذا التجنب يدفع المثقف إلى ألا يغفل أو يتغافل، من موقف تأملي، عن المطالبة بالدليل والفحص العقلي للدليل أو الأدلة بشأن آرائه أو أفعاله، وهذا ليس سوى التفكير غير الأيديولوجي. وبوجه أعم، فإن من لوازم المثقف ألا يعقد مع أي رأي أو عقيدة عهد أخوة دائم، بل يجعل التزامه بأي رأي أو عقيدة مشروطاً بكونه برهانياً، استدلالياً، معقولاً، وذي رجحان معرفي، وبمجرد أن يفقد رأيه أو عقيدته، في موضوع أو مسألة ما، بفعل مسيرته الجدلية العلمية والفكرية، هذه الميزة (الرجحان المعرفي)، ينفك تعلقه بها ويتجه إلى رأي أو عقيدة أصح. المثقف مفتون بمثال طلب الحقيقة، لا عاشق لأي رأي أو عقيدة بعينها.
السعي نحو تقليل الآثار والنتائج السلبية للتخصصية. من البديهي أن حياتنا الاجتماعية لا يمكنها الاستمرار والبقاء دون تقسيم العمل، وتقسيم العمل يؤدي، بالضرورة، إلى تخصص المعارف والمهارات. ولكن، من ناحية أخرى، من الواضح أيضاً أن التخصصية الرائجة والمعتادة اليوم لا تخلو من آثار ونتائج سلبية. فبسبب هذه التخصصية تحديداً، نجد المتخصصين في مختلف الفروع العلمية اليوم: أولاً: ليسوا فقط غير مطلعين على نتاج دراسات وأبحاث بعضهم البعض، بل لا يستطيعون الاطلاع عليها؛ ثانياً: لا يدركون هم أنفسهم بوضوح على من تعود منفعة وضرر دراساتهم وأبحاثهم، ومن حيث المبدأ، هل نفع أعمالهم، للبشرية عموماً ولمواطني مجتمعهم خصوصاً، أكثر أم ضررها؛ وثالثاً: لا يستطيعون إيصال آخر منجزاتهم العلمية والفكرية إلى ساحة الوعي العام لمواطني المجتمع الوطني أو العالمي. هذه اللوازم الثلاثة للتخصصية، وبعض اللوازم الأخرى لهذه الظاهرة، هي موانع خطيرة جداً في طريق وصول عامة الناس إلى الحقيقة وتقليل مقدار ألمهم ومعاناتهم. على المثقف أن يسعى، قدر الإمكان، إلى تخفيف هذه الآثار والنتائج السلبية. إن خلق جسر تواصل بين المتخصصين في مختلف فروع العلوم يخرج هؤلاء المتخصصين من حجرتهم الضيقة الخاصة، ويمنحهم نوراً وبصيرة، ويربطهم بآفاق مفتوحة وواسعة، وينقذهم من أحادية البعد. إن تنبيه المتخصصين إلى كيف يسيء أصحاب القوى السياسية والاقتصادية والثقافية استخدام نتاجهم العلمي والفكري، أو كيف يمكنهم ذلك، يجعل ضميرهم الأخلاقي أكثر فاعلية وتأثيراً، ويتم الحجة عليهم على الأقل. وتعريف المواطنين بمكتشفات العلماء العلمية والفكرية يضمن نجاح الإدارة العلمية للمجتمع وفشل الإدارات الناشئة عن الجهل والخطأ وسوء النية، ومن ذا الذي لا يعلم أن أكثر ما يعانيه الناس من ألم ومعاناة في أي مجتمع ناتج عن إدارات مصابة بالأمراض الثلاثة: الجهل والخطأ وسوء النية؟
استفاده از گفتار عاری از ابهام (vagueness)، ایهام (ambiguity)، و غموض. شرط لازم آگاهانیدن مردم از حقایق و رسوخ دادن باورهای درستتر به ذهن و ضمیر آنان سود جستن از گفتاری است كه حتیالمقدور از ابهام، ایهام، و غموض پاك و پیراسته باشد. روشنفكر هنرمند و موفق، در عین حفظ اصالت و عمق هر رأی و فكر، میتواند آن را به واضحترین صورت ممكن، یعنی با نزدیكترین بیان به مرتبه فهم توده مردم، به مخاطبان خود انتقال دهد. یكی از عواملی كه سبب میشوند كه متخصصان رشتههای علمی گوناگون از یافتههای یكدیگر بیخبر بمانند و مردم عادی نیز از یافتههای همه آنان بینصیب شوند غموض سخنان آنان است كه خود، تا حد فراوانی، ناشی از استفاده آنان از زبان مخصوص و فنی (jargon) خودشان است. روشنفكر، برای اینكه پل ارتباطیای میان متخصصان، از سویی، و میان متخصصان و مردم عادی، از سوی دیگر، باشد، باید این زبانهای مخصوص و فنی را سادهسازی (simplification) كند و، به طریق اولی، خود و همگنانش زبان مخصوص جدیدی، برای خودشان، نیافرینند. اگر دو یا چند پزشك بر سر بالین بیماری به زبانی چنان فنی و تخصصی سخن بگویند كه خود بیمار كلمهای از آن را فهم نكند باكی نیست، زیرا، به هر حال، حاصل این تبادلنظرها توصیه دارو و درمانی است كه، بدون اینكه بیمار اندك آگاهیای از چند و چون آن داشته باشد، تأثیر خود را بر بدن و سازوكار آن خواهد داشت و بیمار را رو به بهبود خواهد برد. اما اگر توده مردم از گفتهها و نوشتههای روشنفكران جامعهشان چیزی سر درنیاورند تشخیصها و درمانهای روشنفكران مسألهای را حل و مشكلی را رفع نخواهند كرد، زیرا، در اینجا، تأثیر دارو و درمان متوقف بر اطلاع و فهم كسانی است كه دارو و درمان برایشان توصیه میشود. از اینرو، روشنفكران باید ثقل و صعوبت و غموض سخن را دلیل و علامت عمق آن تلقی نكنند و سخنان دشوار و پیچیده و دیریاب را دستمایه فضلفروشی و تفاخر ندانند.
تمیز مسائل (problems) از مسألهنماها(pseudo-problems). همیشه، انگشت نهادن بر مشكلات و بر مسائلی كه قدرتمندان جامعه برای مردم پدید آوردهاند یا، لااقل، علیرغم ادعای رفع و حل آنها، آنها را رفع و حل نكردهاند نوعی معارضهجویی با این قدرتمندان محسوب شده است و، از این رو، صاحبان قدرت سیاسی، اقتصادی، و فرهنگی، برای مقابله با این معارضهجویی، از جمله، از منصرف ساختن اذهان شهروندان از مسائل واقعی، از طریق ارائه یك رشته مسائل كاذب، بهره جستهاند. روشنفكری كه سعی در كاهش درد و رنجهای واقعی مردم دارد، همواره، باید مراقب باشد تا در دام نیفتد و شبه مسأله را مسأله نینگارد.
توجه به سلسله مراتب نیازها. حتی با قطعنظر از مطالعات و تحقیقاتی كه بعضی از روانشناسان انسانگرا، مانند آبراهام مزلو (Abraham Maslow)، در باب سلسله مراتب نیازهای آدمیان و شمارش و تعیین این مراتب، انجام دادهاند، فهم عرفی (common sense)، نیز حكم میكند به اینكه نیازهای آدمیان نظامی سلسله مراتبی دارند، به طوری كه تا پایینترین و نیرومندترین نیازها (كه نیازهای جسمانی یا فیزیولوژیكاند) برآورده نشوند نیازهای رتبه دوم بروز نمیكنند و تا نیازها رتبه دوم برآورده نشوند نوبت به ظهور نیازهای رتبه سوم نمیرسد، و به همین ترتیب. عدم توجه به سلسله مراتب نیازها و غفلت از اینكه مهمترین نیازها و كمبود و كاستیهای شهروندان یك جامعه كدامند، خود، یكی از مصادیق عدم تمیز مسأله از مسألهنماست و با واقعنگری منافاتدارد و رشته ارتباط روشنفكر را با مردم و زندگی عینی و محسوس و ملموس آنان میگسلد.
9) البحث عن العلل وجذور الآلام والمعاناة. بما أن إحدى وظيفتي المؤسسة الفكرية هي التخفيف من آلام الناس ومعاناتهم، وأن استمرار هذه المؤسسة وبقاءها المنشود رهين بنجاحها في هذا الأمر، فإن مجرد تعداد الآلام والمعاناة التي يبتلي بها الناس ليس كافياً، بل المهم هو البحث عن عللها وجذورها. وخلال هذا البحث عن العلل والجذور، قد يُكتشف بين الآلام والمعاناة نظام طولي وهرمي يكون فيه الألم أو المعاناة في المرتبة الأدنى والأكثر سطحية معلولاً لألم أو معاناة في مرتبة أعلى وأعمق، وكلما كان الألم أو المعاناة في المرتبة الأعلى والأعمق معلولاً لألم أو معاناة في مرتبة أعلى وأعمق من ذلك، وهكذا دواليك... بحيث ربما تكون جميع الآلام والمعاناة معلولة لألم أو ألمين أو عدة آلام عميقة وكبيرة تقع في رأس ذلك الهرم والنظام الطولي. في هذه الحال، يقتضي الواجب الأخلاقي للمفكر ألا يشغل نفسه بالمعلولات، وأن يتجه صوب العلل الرئيسية ويجد لها حلاً. 10) السير التدريجي وتجنب كل أنواع المحافظة والثورية. لا شك أن الوضع القائم في أي مجتمع ليس أبداً الوضع المنشود والمثالي، وبهذا الاعتبار، فإن أي نوع من المحافظة والرغبة في الإبقاء على الوضع القائم هو خيانة للبشر ومنافٍ لمقتضيات الحياة الأخلاقية. ومن جهة أخرى، لا شك أيضاً في أن الانتقال من الوضع القائم غير المرغوب إلى الوضع المنشود غير الموجود يستلزم اتخاذ خطوات لا يمكن التملص من أي منها، وبهذا الاعتبار، فإن أي نوع من الثورية والرغبة في حركات ونشاطات فجائية وفورية ومتسرعة وغير تدريجية تعني الغفلة أو التغافل عن نظام ونسق الأمور، وهي محكوم عليها بالفشل والخيبة. لا ينبغي نسيان السير، ولا نسيان التدريج.
11) الصدق، بمعنى التطابق التام بين ثلاث ساحات: ساحة الذهن والضمير، أي المعتقدات والمشاعر والعواطف والإرادة، وساحة القول والكتابة، وساحة الفعل. أي تنافر أو عدم انسجام أو شرخ أو فجوة بين هذه الساحات الثلاث يعني أن الفكر قد انحط وتدنى من مرتبة أداء واجبين أخلاقيين إلى مجرد شغل وحرفة أو طلب للسلطة أو تصنع اجتماعي أو سعي وراء الشهرة والخبز.
12) الإنصاف في مقام النقد والتقييم. صحيح أن الوجه الأخلاقي للحياة الفكرية يضع المفكر دوماً في مواجهة أصحاب السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية، وصحيح أن التجربة التاريخية علمتنا أن الأصل هو إساءة استخدام السلطة، لا حسن استخدامها؛ ولكن، في الوقت نفسه، ينبغي للمفكر في مقام نقد السلطة ألا يغفل جانب الإنصاف، أي ألا يتغافل عن ذكر نقطة القوة والجانب الإيجابي الذي يراه، أو أن ينسى حقيقة، أو يلجأ إلى مغالطة، أو يعمل بأسلوب "الكيل بمكيالين" أو... يمكن القول إن الإنصاف في مقام النقد والتقييم هو، بذاته، أحد مصاديق الصدق.
13) الاستعداد لتحمل كل أنواع الحرمان والألم والمعاناة. لقد نهض المفكر للدفاع عن البشر في مواجهة السلطات، أي صار ناطقاً باسم الضعفاء في مواجهة الأقوياء، وهو يؤدي هذا العمل عبر النقد العقلاني والأخلاقي لآراء وأفعال ذوي السلطة؛ وبما أن ذوي السلطة والأقوياء، بحكم التعريف، ذوو سلطة وقوة، فإن لديهم القدرة والقوة على حرمان المخالف والمعارض من كثير من الحقوق والفرص والإمكانات الاجتماعية والمدنية، وإنزال أنواع الآلام والمعاناة به، وبما أنهم نفعيون ومصلحيون، فهم لا يحجمون عن هذا العمل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وفي هذا السياق، يذهب أصحاب السلطة الثقافية إلى أبعد من ذلك، إذ يستخدمون أنواع الدعايات والأكاذيب والخداع ليصوروا المفكر على أنه إما يعارض التقاليد والأعراف المحترمة ولا يرعى القيم الاجتماعية ولا يحترمها، أو أنه يصارع ما ورد في النصوص الدينية والمذهبية المقدسة وما أثبته زعماء الدين والمذهب، وبالتالي فهو مبتدع أو كافر، أو أنه يروج لنوع من الإباحية والانحلال الأخلاقي، أو أنه يخل بنظام المجتمع وأمنه ويدمره، أو أنه في خدمة الأجانب أو الأعداء، وبهذه الطريقة يسعون إلى تشويه العاطفة الإيجابية وإقبال الناس عليه، والحكم عليه بنوع من الغربة والوحدة. ينبغي للمفكر أن يكون على استعداد لتحمل كل هذا الحرمان والآلام والمعاناة، وأن يعلم أنه، بتعبير إنجيل مرقس (الإصحاح العاشر، الآية 45)، "لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ".
4_ لقد اعتبرنا تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة واجبين أخلاقيين بالفعل للمثقف. لكننا لم ننسَ أن رأس الواجب للوهلة الأولى (الذي يُعد تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة مصداقين من مصاديقه) هو واجبٌ إذا لم يتعارض مع واجب آخر للوهلة الأولى، وجب أداؤه مطلقاً ودون أي قيد أو شرط، وإذا تعارض مع واجب آخر للوهلة الأولى، فإن كان أهم من ذلك الواجب الآخر وجب أداؤه، وإلا تُرك. والآن، المسألة هي: إذا تعارض، في ظروف وأحوال ما، واجبا تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة مع بعضهما، فماذا ينبغي فعله؟ وأيهما ينبغي ترجيحه على الآخر؟
من المتصور والممكن تماماً أن يجد المثقف نفسه في وضع وحالٍ، إذا ما كشف فيه عن حقيقة ما لمواطني مجتمعه، فإنه لا يخفف من آلامهم ومعاناتهم فحسب، بل يزيد من آلامهم ومعاناتهم، أو، على العكس، إذا أراد أن يخفف من آلام ومعاناة المواطنين، فعليه أن يكتم حقيقة ما، أو يترك خطأ أو وهماً دون مساس، أو حتى أن يخلق خطأ أو وهماً في ذهن وضمير المواطنين. في مثل هذا الوضع والحال، هل الواجب للوهلة الأولى المتمثل في تقرير الحقيقة أهم وأثقل، أم الواجب للوهلة الأولى المتمثل في تخفيف المرارة؟ لأيهما ينبغي منح الأولوية؟
من جهة، إن مثل هذه الأوضاع والأحوال ليست، بأي حال من الأحوال، نادرة الوقوع، بل تحدث بكثرة، وبالتالي، فإن معالجة هذه المسألة ليست انشغالاً بمسألة لا يترتب على حلها ثمرات عملية تذكر. فكثير من المعتقدات العامة، سواء كانت تلك التي تُصاغ في قالب قضايا شخصية وتتعلق بأشخاص، أو أشياء، أو علاقات ومناسبات، أو أحداث، أو أوضاع وأحوال معينة، أم تلك التي تُصاغ في قالب قضايا إحصائية أو كلية، وسواء كانت معتقدات تتعلق بالحياة اليومية أم معتقدات تنتمي إلى مجالات معرفية مختلفة، وسواء كانت معتقدات ناشئة عن الفهم العرفي أم معتقدات تتعلق بالفلسفة، وما بعد الطبيعة، والدين والمذهب، أم معتقدات تاريخية، وسواء كانت معتقدات نظرية أم عملية، هي معتقدات كاذبة وباطلة ومن مقولة الأوهام والهذيانات والخرافات، ولكنها، في الوقت نفسه، ترتبت على الاعتقاد بها آثار نفسية إيجابية، من قبيل الطمأنينة، والسعادة، والأمل، والرضا الباطني، وإيجاد معنى للحياة، بحيث إن تنبيه الناس إلى كذب هذه المعتقدات وبطلانها، وإن كان مقتضى تقرير الحقيقة، فإنه يقتضي تكثير المرارة وزيادة آلامهم ومعاناتهم. في هذه الأوضاع والأحوال، تكون الحقيقة نفسها مُرَّة، ويصدق عليها "الحقُّ مُرٌّ".
من جهة أخرى، ليس رأس نفسه فحسب، بل سائر فلاسفة الأخلاق قبله أو بعده، لم يجدوا حلاً قاطعاً لهذه المسألة. هل واجب المثقف، بصفته فاعلاً أخلاقياً، الأهم هو أن يعمل بحيث لا تتسرب إلى أذهان الناس، قدر الإمكان، أية قضية كاذبة أو تبقى في أذهانهم، وألا تفوتهم أية قضية صادقة، أم أن يعمل بحيث يخفف، قدر استطاعته، من آلامهم ومعاناتهم، أو، على الأقل، ألا يزيد من آلامهم ومعاناتهم؟ ألا يوجد واجب أهم من كلا واجبي تقرير الحقيقة وتخفيف المرارة، يصبح هو نفسه معياراً وملاكاً لترجيح أحد هذين الواجبين على الآخر؟ هل يمكن الاعتماد على "الحدس" وصفاء الطبع وتقديم أحد الواجبين على الآخر بمقتضاه؟ في هذه الحال، إذا كان مقتضى حدس وصفاء طبع مثقف آخر هو تقديم الواجب الآخر، فماذا يمكن – وينبغي – فعله؟
يُذكّر الكاتب، قبل عرض رأيه الشخصي في هذا الباب، بثلاث نقاط:
از اینكه، به سود یك باور، دلیلی اقامه نشده است یا دلیلی ضعیف یا مردود اقامه شده است، منطقاً، نمیتوان نتیجه گرفت كه آن باور كاذب و باطل است. فقط در صوتی میتوان باوری را كاذب و باطل تلقی كرد كه دلیلی قوی و مقبول بر كذب و بطلان آن یا بر صدق و حقانیت نقیض آن اقامه شده باشد. به تعبیر دیگر، از قوت دلیل صحت مدعا را نتیجه میتوان گرفت، ولی از ضعف دلیل سقم مدعا را نتیجه نمیتوان گرفت، كما اینكه از سقم مدعا ضعف دلیل را نتیجه میتوان گرفت، اما از صحت مدعا قوت دلیل را نتیجه نمیتوان گرفت. حقیقتگویی فقط در جایی قابل طرح است كه سخنی، چه به صورت گفتار و چه به صورت نوشتار، در كار باشد. پس، خاموشی را نمیتوان مصداق حقیقتگویی یا خلافف حقیقتگویی تلقی كرد. آدمی فقط در جایی كه صریحاً مورد سؤال واقع شود الزام اخلاقی به سخن گفتن ندارد. بسا مواردی هست كه در آنها ما، در عین حال كه طرف سؤال واقع نشدهایم،، اخلاقاً موظف به سخن گفتن، و طبعاً حقیقتگویی،ایم.
با توجه به این سه نكته، به نظر نگارنده، تقریر حقیقت مقدم است بر تقلیل مرارت؛ زیرا:
اولاً: چنانكه گفته شد، تقریر حقیقت از مصادیق التزام به وعدهها، یعنی از وظایف فیبادیالنظر گذشتهنگر (ناشی از افعال قبلی خود شخص) است و تقلیل مرارت از وظایف فیبادیالنظر آیندهنگر؛ و به نظر میرسد كه انجام وظایف گذشتهنگر، جز در مواردی استثنایی، بر انجام وظایف آیندهنگر اولویت دارد. (البته، ممكن است كسی همین مورد كنونی، یعنی تعارض تقریر حقیقت و تقلیل مرارت، را از موارد استثنایی بداند).
ثانیاً: اگر در محاسباتمان بیشتر به درد و رنجهای درازمدت و شدید توجه داشته باشیم، نه به درد و رنجهای كوتاهمدت و خفیف، (كه ظاهراً موظف به همین كاریم، اگرچه مفاهیم “درازمدت”، “كوتاه مدت”، “شدید”، و “خفیف” از مفاهیم كیفی و، در نتیجه، مبهماند و تشخیص مصادیق آنها، در بسیاری از موارد، آسان نیست) میتوان گفت كه، روی هم رفته، دانستن حقایق، در قیاس با گرفتار اباطیل و اوهام بودن كمتر درد و رنجزا و بیشتر درد و رنجزداست. (البته، باز ممكن است كسی این گزاره فلسفی و مابعدالطبیعی را قبول نداشته باشد و مثلاً معتقد باشد كه: “هر كه را علم افزاید حزن افزاید”).
ثالثاً: درست است كه، در بسیاری از موارد، غفلت و بیخبری از واقعیت آرامشآور، شادیزا، و امیدبخش است و از درد و رنج میكاهد یا، لااقل، بر آن نمیافزاید؛ اما غافلان و بیخبران نیز اگر روزی دریابند كه كسانی حقیقت را از آنان كتمان كردهاند و فریبشان دادهاند از احساس فریبخوردگی خود دستخوش درد و رنجی میشوند بمراتب بیش از درد و رنجی كه در حین غفلت و بیخبری از تحملش معاف بودهاند، علیالخصوص اگر توجه كنیم كه بسیاری از آدمیان، به سبب سنخ روانی خاص خود، از هیچ چیز به اندازه كشف فریبخوردگی خود احساس درد و رنج نمیكنند. (باز ممكن است گفته شود كه چه بسا كسانی كه یا تا آخر عمر درنمییابند كه فریب خوردهاند و، بنابراین، به درد و رنج ناشی از چنین دریافتی گرفتار نمیشوند یا، پس از دریافت فریبخوردگی نیز، باز، روی هم رفته، درد و رنج ناشی از این دریافت را كمتر از درد و رنجی میبینند كه به واسطه غفلت و بیخبری از تحملش معاف بودهاند).
رابعاً: اگر شهروندان یك جامعه احتمال بدهند كه روشنفكران، ولو برای اینكه درد و رنج شهروندان را افزایش ندهند، گاهی بعضی از حقایق را از آنان كتمان میكنند اعتماد خود را به آنان از دست میدهند و درد و رنج ناشی از این بیاعتمادی، آن هم در جایی كه مرجع دیگری برای اعلام حقیقت وجود ندارد، كم نیست. افزون بر این، شهروندان، در این فرض، از احساس عمیق آرامش، شادی، و امید نیز بینصیب میشوند، چرا كه همواره احتمال میدهند كه آرامش، شادی، و امیدشان ناشی از بیخبریای باشد كه روشنفكران بدان رضا دادهاند. (در اینجا نیز ممكن است گفته شود كه روشنفكران اخلاقاً موظفند كه، برای اینكه درد و رنج شهروندان افزایش نیابد، این حقیقت را نیز از آنان كتمان كنند كه حقایقی را از آنان كتمان میكنند).
خامساً: لا ينبغي أن نغفل عن قدرة الإنسان المدهشة على التكيّف (adaptation) مع بيئته. صحيح أن الاطلاع على كثير من الحقائق يولّد الألم والمعاناة فوراً وبشكل مؤقت، لكن الإنسان يستطيع دوماً، عاجلاً أم آجلاً، قليلاً أم كثيراً، أن يكيّف نفسه مع الوضع المعرفي الجديد، أي أن يجد سبلاً لإزالة الآلام والمعاناة الناشئة عن هذا الاطلاع. وفي هذه الحال، من ذا الذي لا يسلّم بأن الوضع الجديد أفضل من الوضع القديم؟ في الوضع القديم لم نكن نعاني من الألم بسبب جهلنا بالوقائع، وفي الوضع الجديد لسنا واقعين في الألم رغم علمنا بالوقائع. (يمكن القول: ما الضمان أنه إذا كنا قد استطعنا حتى الآن أن نكيّف أنفسنا مع الأوضاع والأحوال المستجدة، فسنستطيع أن نفعل ذلك في المستقبل أيضاً؟ هل من المحال أن تكون بعض الحقائق بحيث لا يستطيع أي ميكانيزم دفاعي، بعد العلم بها، أن يحول دون تفتت كياننا النفسي؟)
لقد لوحظ أن الكاتب، رغم أنه "يشهد" بأرجحية وظيفة تقرير الحقيقة على وظيفة تخفيف المرارة، لا يملك دليلاً قاطعاً لصالح ترجيح تقرير الحقيقة على تخفيف المرارة. ومع ذلك، فهو يؤكد على أن التزام المثقف بالأخلاق والمعنوية يزداد، تزداد في نظره أهمية وإلحاحية هذه المسألة التي تبدو غير قابلة للحل. وهذا هو الوجه التراجيدي للحياة الفكرية.
دمتم في مزيد من المحبة والاهتمام بجميع البشر، ولا سيما المهمشون والمستضعفون الذين لا ناطق باسمهم!
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٧ تعليق
جالب بود. آیا به واقع همه روشنفکران به دنبال تقریر حقیقت هستند؟! مردم عوام می گویند که حقیقت تلخ است ,, اما به نظرم "حقیقت" از هر شیرینی (شیرین تر ) است. این "حقیقت" نیست که تلخ است , بلکه "حقیقت" خودش آینه ایی است که بازتاب تلخی ها و شیرینی هاست. "حقیقت" شرابی ناب است در کوزه ایی , که منتظر است نوشیده شود و مست کند طالبان حقیقی ( حقيقت) را. حال چگونه روشنفکران این" شرابِ مست کننده" را تقریر می کنند؟ شرابی که تقلیل دهد مرارت ها را...
سلام مطلب بسیار ارزشمندی بود که مطالعه شد البته برای درک بهتر مطلب باید چندین بار خوانده شود اما اصل مطلب بر تقریر حقیقت و تقلیل مرارت بود که بنده هم با این موافقم که در شرایط ضرور و درماندگی بین اولویت تقریر حقیقت یا تقلیل مرارت باید کمی از حس شهودی یا غریزه استفاده کرد و پاسخ مراجع را داد از استاد بزدگوار ملکیان کمال تشکر را دارم
به نظرم فارغ از درستی یا نادرستی مطلب، واضح و آشکار است که این متن نه از سر شکم سیری که از دردمندی مردم بر می خیزد.جای تشکر فروان از نویسنده ی این اثر آقای ملکیان بزرگ الته من با قسمت رجحان تقریر حقیقت بر تقلیل مرارت موافق نیستم و به طور خلاصه معتقدم باید با توجه به سطح حقیقت(علاقه مردم به آن و تاثیر آن در مردم) و نوع مخاطب(ظرفیت تحقیق) رجحان آن ها در تغییر باشد.
سلام. ضمن تشکر از زحمات شما صدانتی های نازنین، لطفا فایل پی دی اف مقالات رو هم قرار بدین. قدیما میذاشتین اما یهویی نمیدونم چی شد که منصرف شدین!
سلام و درود چون در کتاب راهی به رهایی چاپ شده است، از گذاشتن فایل PDF معذوریم.
با سلام و عرض خسته نباشيد! اگر لطف کنید تاریخ کتابت نوشتارها را هم درج بفرمایید، ممنون می شوم.
سلام و درود نشر نخست در: آفتاب، سال دوّم، شماره13، اسفند 1380، صفحات 44 تا 47