اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الليبرالية في الأخلاق أكثر مرونة من النزعة الشرعية، وتضع الأمور في منطقة الفراغ؛ وفي السياسة تؤكد على أصالة الفرد، وفي اللاهوت ترى أن إعادة التعبير عن حقائق الدين بمفاهيم جديدة ضرورة للإنسان الحديث.

1_1_ في الأخلاق، يمكن وضع الليبرالية في مقابل الشرعوية أو التشريعية۲ والتزمّت أو التشدد۳. الليبرالية أكثر مرونة من أي من هذين المذهبين الأخلاقيين.
1_1_1_ الشرعوية أو التشريعية هي ذلك النوع من الأخلاق الذي يسعى إلى التوصية بقاعدة لكل وضع وحال متصوَّر يرد فيه الاختيار الأخلاقي؛ أو هي ذلك النوع من الذهنية التي تتبع في كل وضع وحال ما تعتبره قاعدتها الوحيدة. وفي الواقع أيضًا، قامت طائفة من المنظومات الأخلاقية ببناء وتفصيل قواعد سلوكية غاية في الإسهاب والتفصيل، بحيث إن مجرد حفظها وتذكرها يعد عملًا شاقًا، ناهيك عن مراعاتها. ومهما يكن، فحتى هذه المنظومات الأخلاقية، في مقام العمل، أظهرت دائمًا، بحسب مقتضيات الوضع والحال، شيئًا من المرونة قليلًا أو كثيرًا. على أي حال، فإن الشرعوية، على حساب التغافل عن الملاحظات الأخلاقية الواقعية۴ الأوسع، تولي حرمة مفرطة لألفاظ القانون والشرع وللظواهر والمؤسسات القانونية والشرعية. قيل إن لفظ الشرعوي يُطلق على نوع من الأخلاق كما يُطلق على نوع من الذهنية. إذا كان يحق لي أن أصدر حكم قيمة هنا، فينبغي أن أقول إن الذهنية والنظرة الشرعوية ربما كانتا أشد خطرًا من المنظومة الأخلاقية الشرعوية.
2_1_ 1_ التزمّت أو التشدد، الذي يمكن تسميته أيضًا بأصالة الاحتياط۵، يُطلق في الأخلاق واللاهوت الأخلاقي على منظومة تقول بأنه ينبغي في جميع حالات الشك القيام بالعمل الأقرب إلى الاحتياط؛ بعبارة أخرى، حين نشك يجب أن نطيع القانون ولا نكترث بمدى احتمال ألا يكون القانون قابلاً للانطباق في هذه الحالة. الحالة الاستثنائية الوحيدة هي عندما يصل احتمال عدم قابلية القانون للانطباق إلى حد اليقين. لكن هذا الرأي لا تكون محصلته سوى ألا نعصي أي قانون أبدًا ما لم نكن على يقين من أن ذلك القانون قد زال أو فقد قابليته للانطباق. لطالما كانت لمثل هذه المنظومة الأخلاقية المتزمتة جاذبية للأشخاص ذوي النظرة الجامدة والحساسة جدًا؛ ونقطة ضعفها الرئيسية هي أنها تروج وتشجع التقوى الجامدة وتمنع من العمل والنشاط؛ لأنه إذا لم يكن يحق لنا أن نقدم على عمل ونشاط إلا عندما نكون قد حصلنا على اطمئنان بأن ذلك العمل والنشاط قانوني ومشروع، أي إلا في الوقت الذي تكون فيه شكوكنا وحيرتنا، مهما كانت ضئيلة وتافهة، قد زالت جميعًا، فإننا في هذه الحال، في غالب الحالات، لا نستطيع أن نقدم على أي عمل أصلًا؛ وألا نقدم على أي عمل: ليس في الحقيقة سوى غفلة عن الواجب.
3_ 1_ 1_ الليبرالية، من هذا المنطلق، تكتسب تعريفًا سلبيًا، لأنها منظومة أخلاقية: أولاً: لا تقول بأن هناك قاعدة أخلاقية وحيدة لكل وضع وحال متصور وممكن، بل ترى أن كثيرًا من الأوضاع والأحوال تقع في «منطقة الفراغ» وثانيًا: لا تقول بأنه ما دمنا لا نتيقن من أن قانونًا أخلاقيًا قد زال أو فقد قابليته للانطباق، فيجب علينا اتباعه.
2_1_ في السياسة، تناصر الليبرالية أ) التغييرات الخاضعة للنظام والترتيب (= غير الثورية)، ب) تقييد الامتيازات والفوارق التقليدية أو، حيثما أمكن، إزالتها، و ج) توسيع نطاق الفرص والإمكانات. بعبارة أخرى، الليبرالية أ) إذ ترحب بالتغيير، تعارض التغييرات السياسية المفاجئة والثورية والقسرية بطبيعة الحال، وتسعى، قدر الإمكان، إلى ب) إضعاف وإمحاء الامتيازات والفوارق القائمة على العرق، ولون البشرة، والجنس، والحرية والعبودية، واللغة، والقومية والجنسية، والوضع والشأن الاجتماعي الموروث، والغنى والفقر، والدين والمذهب، والرأي والعقيدة، و ج) إتاحة الفرص والإمكانات، بالتساوي، لجميع المواطنين. هذه الدعاوى الثلاث هي دعاوى معيارية۶ وقيمية۷ تستند إلى ثلاث دعاوى أكثر أساسية، نصفها معياري وقيمي ونصفها واقعي۸، وهي أن أ) البشر كانوا ولا يزالون وسيظلون في حال تقدم دائم، ب) الطبيعة الإنسانية خيرة، و ج) الفرد الإنساني مستقل ذاتيًا. ويجري التأكيد، على نحو خاص، على هذه الدعوى الثالثة: فالليبرالية، بوصفها فلسفة سياسية، تقول بأصالة الفرد، أي أنها ترى أن للفرد، أولاً وبالذات، حقوقًا ينبغي أن تقتصر أنشطة الدولة على صونها. هذه الحقوق، التي هي في الواقع حقوق الفرد إزاء الدولة والمقابلة لواجبات الدولة تجاه الفرد، تشمل، ضمن ما تشمل، حرية التعبير والعمل والتحرر من القيود والإكراهات الدينية والمذهبية والإيديولوجية.
3_1_ في اللاهوت، تقف الليبرالية في مواجهة الأرثوذكسيات۹ التقليدية المتصلبة وغير المرنة. تسعى الليبرالية اللاهوتية إلى تحطيم تصلب وعدم مرونة أنساق الفكر القديمة، التي نشأت وترعرعت في رحم الثقافة الدينية، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على الحقائق الجوهرية للدين، وإعادة التعبير عن هذه الحقائق وتبيينها بألفاظ ومفاهيم أخرى وفي قوالب أنساق فكرية جديدة. لهذه الليبرالية افتراضان مسبقان رئيسان: أولهما أن الحقائق الجوهرية للدين ليست مرتبطة بأية مرحلة ثقافية بعينها وليس لها مصير واحد، ومن ثم، فإنها لا تزال، بالنسبة للإنسان المتجدد كما بالنسبة لإنسان ما قبل التجدد، تتمتع بالقوة والاعتبار؛ وثانيهما أن أنساق الفكر الديني القديمة، لكونها قد تأثرت تمامًا بعلوم ومعارف إنسان ما قبل التجدد البشرية، وهي، في الواقع، كانت تعكس تلقي القدماء للحقائق الدينية واستنباطهم لها، أصبحت اليوم، وبالنسبة للإنسان المتجدد، غير قابلة للفهم وغير مقبولة. فالحقائق الدينية، لكي تكون مفهومة ومقبولة في نظر الإنسان المتجدد الحالي ولكي يكون لها حضور وحياة في ساحة الذهن والضمير، ينبغي أن تقطع حبل سرتها عن علوم القدماء ومعارفهم ومناهجهم ونظرتهم. لقد تحولت الليبرالية اللاهوتية، بذاك القصد وتلك النية وبهذين الافتراضين المسبقين، إلى حركة فكرية ودينية ينصب أكبر تأكيدها على الجانب الأخلاقي من الدين. بعبارة أخرى، إذا لخصنا مجموعة أحكام وتعاليم كل دين ومذهب في العقائد والعبادات والأخلاقيات، أمكن القول إن الفارق الفارق بين الليبرالية اللاهوتية والأرثوذكسيات التقليدية هو أن هذه الأرثوذكسيات تولي الأهمية، قبل كل شيء، للعقائد، أي للقضايا التي يُدعى أنها تعبر عن مضمون الدين والتي يُطالب المتدينون بالإقرار بها، بوصفها شرطًا لازمًا أو لازمًا وكافيًا لنيل السعادة الأبدية، ثم تعنى، بالترتيب، بالعبادات فالأخلاقيات، في حين أن الليبرالية اللاهوتية تنصب أكبر عنايتها على الأخلاقيات، ثم تتناول العقائد والعبادات، وتقلص عدد وقيمة التعاليم النظرية والدوغمائية للدين إلى أدنى حد ممكن، بل وتعتبر نشوء مجموعة من التعاليم الدينية الدوغمائية، التي يكون الإقرار بها لسانًا أو الاعتقاد بها قلبًا شرطًا للنجاة، تحريفًا لحقيقة الدين.
4_1_ إذا غضضنا الطرف عن الخلافات الجزئية والفرعية بين الليبراليين الأخلاقيين، وكذلك الخلافات الجزئية بين الليبراليين السياسيين والخلافات الفرعية بين الليبراليين اللاهوتيين، وتجاهلنا أيضًا الفروق بين هذه المعاني الثلاثة لليبرالية، فلعلنا نستطيع القول إن المكونات الدلالية للفظ "الليبرالية"، بالمعنى الأعم، هي: أ) سعة الصدر والتقبل السلوكي للتغيير، ب) الحرص على أن يكون التغيير خاضعًا للنظام والترتيب والتدرج، ج) احترام حرية وقيمة كل فرد من البشر. هذه المكونات الثلاثة، التي لعل أهمها هذا المكون الثالث، هي العناصر الخالدة للتقليد الليبرالي. وقد اقترح بعض الباحثين والمفكرين، مثل ياسبرس۱۰ وفايدلر۱۱، أن يُطلق لفظ "Liberality"، الذي يعني تقريبًا "التحرر"، على عناصر الليبرالية التي حافظت على قيمتها واعتبارها. وإذا قبلنا هذا الاقتراح، فيمكن، في اعتقادي، أن نطلق على مجموع تلك المكونات الثلاثة اسم "التحرر".
2_ يُستعمل لفظ "الإسلام" أحيانًا بمعنى النصوص الدينية والمذهبية المقدسة لدى المسلمين، أي مجموع القرآن والأحاديث المعتبرة (وهو ما أعبر عنه بـ"الإسلام واحد")، وأحيانًا بمعنى مجموع الشروح والتفاسير والتبيينات والدفاعات التي خلفها العلماء حول القرآن والأحاديث المعتبرة، أي آثار المتكلمين وعلماء الأخلاق والفقهاء والفلاسفة والعرفاء وسائر علماء الثقافة الإسلامية ("الإسلام اثنان")، وأحيانًا بمعنى مجموع الأفعال التي قام بها المسلمون عبر التاريخ مضافًا إليها الآثار والنتائج المترتبة على تلك الأفعال ("الإسلام ثلاثة"). في هذه المقالة، سأتناول فقط الإسلام اثنان، الذي هو، في الواقع، القراءات والروايات التي قدمها العلماء الدينيون عن الإسلام واحد.
يمكن، في أيامنا هذه، وضع كل هذه القراءات والروايات في ثلاث مجموعات كبرى: الإسلام الأصولي۱۲، والإسلام التحديثي۱۳، والإسلام التقليدي۱۴.(1)
1_2_ الإسلام الأصولي، الذي نرى نموذجه في الوهابية والسلفية:
أ) إذا كان يعترف للعقل الاستدلالي۱۵ بالحجية والقيمة، فذلك فقط في اتجاه كشف واستخراج الحقائق من صلب الكتاب والسنة، وهو لا يعد العقل، عدا عن هذا الدور الأداتي الذي يسنده إليه، مصدرًا إلى جانب مصدري الكتاب والسنة عمليًا؛ وهو، من هذه الناحية، نصي ونقلي بشدة؛ ب) يؤكد على ظواهر۱۶ الإسلام، لا على روحه۱۷؛ ج) هو شريعوي التفكير، ويرى التدين قبل كل شيء وفوق كل شيء في مراعاة أحكام الشريعة والفقه، ويعتبر هذه الأحكام غير قابلة للتغيير وغير قابلة للمساس؛ ولذلك د) يسعى إلى إعادة تأسيس مجتمع (أو مجتمعات) تشيع فيه (أو فيها) الشريعة والفقه وتتروج على النحو الأتم والأكمل؛ وبما أن تأسيس مثل هذه المجتمعات صعب، بل محال، مع وجود حكومات غير دينية۱۸ ومتحررة من القيمة۱۹ لا تنحاز إلى أي من التصورات المختلفة حول الحياة الجيدة، ه) فهو يكن العداء ويسعى إلى تقويض كل هذه الحكومات، ويحاول إنشاء أنظمة حكومية شريعية وفقيهية؛ و) لا يؤمن بالتعددية۲۰ الدينية؛ ز) ولا يرحب بالتعددية السياسية أيضًا؛ ح) يرى الدين ملبياً لكل احتياجات البشر، روحية كانت أم مادية، دنيوية كانت أم أخروية، ومن ثم، ط) يعتقد أنه بإقامة حكومة دينية يمكن خلق فردوس أرضي؛ ي) يعارض ثقافة الغرب المتجدد (مثلاً الفلسفة والقيم الأخلاقية والحقوقية والجمالية الغربية) وحتى، في بعض الحالات، حضارته (أي العلوم التجريبية والتكنولوجيا والوضع المعيشي الناتج عنها)، لأنه يرى كل ذلك غير متوافق مع الإسلام، الذي ينحصر بالطبع، قليلاً أو كثيرًا، في الشريعة والفقه، أو يرى الغرب مصدرًا للمسائل والمشكلات الراهنة للعالم الإسلامي، الذي جعله، بنزعته للهيمنة۲۱ واستعماره، وكذلك بغزوه الثقافي، خصوصًا في القرنين الأخيرين، عرضة للنكبة والإدبار بدرجات متفاوتة.
2_2_ الإسلام التجديدي، الذي يُعدّ السيد أحمد خان الهندي، ومحمد عبده المصري، وضياء كوك ألب التركي، والسيد جمال الدين الأسد آبادي من أبرز ممثليه: أ) لا يرى العقل الاستدلالي مجرد أداة لكشف واستخراج حقائق الكتاب والسنة فحسب، بل يعتبره مصدراً إلى جانب مصدري الكتاب والسنة؛ والأهم من ذلك، أنه يسعى إلى الاستعانة بالعقل لإثبات حجية الكتاب والسنة وواقعيتهما؛ علاوة على ذلك، يريد من خلال اكتشاف مقاصد وغايات الأحكام والتعاليم الدينية والمذهبية أن يُخرج الالتزام بها من دائرة التعبد المحض ويُظهره كأمر عقلاني؛ وبمجرد أن يشعر بأدنى تعارض بين ظواهر الآيات والروايات والمعطيات العقلية، يعدل بالآيات والروايات عن ظاهرها ويلجأ إلى تأويلها؛ ومن هذه الجهة، هو عقلاني، وبقدر الإمكان، حر الفكر ومتجنب للتعبد؛ ب) يؤكد على روح رسالة الإسلام، لا على ظواهرها؛ ج) يرى التدين قبل كل شيء وفي المقام الأول في العيش الأخلاقي، أي أخلاق دنيوية، إنسانية، وعاطفية۲۲(أعني بالأخلاق العاطفية الأخلاق التي يدور فيها الخير والشر والصواب والخطأ مدار الإمتاع والإيلام)؛ د) لا يرى أحكام الشريعة والفقه غير قابلة للتغيير، بل يعتبر معظمها رهينة لزمان ومكان وأوضاع وأحوال المجتمع العربي الاجتماعي والثقافي قبل أربعة عشر قرناً، ويرى الجمود عليها موجباً للابتعاد عن روح رسالة الإسلام العالمية والخالدة، وبالتالي، لا يحمل همّ تأسيس مجتمع تُنفذ فيه أحكام الشريعة والفقه حرفياً وبالصورة نفسها التي كانت تنفذ بها قبل ألف وأربعمائة عام؛ بل يسعى أكثر إلى عقلنة أحكام الشريعة والفقه وتقريب هذه الأحكام من حقوق الإنسان ونوع من الأخلاق العالمية المفهومة والمقبولة لدى إنسان اليوم، ولهذا السبب، ه) لا يسعى إلى إقامة حكومات شريعوية وفقيهية ويعتقد أن وجود مجتمع ديني في ظل حكومة غير دينية۲۳ (غير دينية، لا ضد دينية) أمر ممكن أيضاً، ومن ثم، فإن انفصال السياسة عن الدين والدين عن السياسة ممكن بالتأكيد وربما مرغوب فيه؛ و) يقول بالتعددية الدينية؛ ز) يرحب بالتعددية السياسية؛ ح) يرى الدين مُلبياً للحاجات الدنيوية المعنوية والحاجات الأخروية؛ ط) لا يعتقد أن بإقامة حكومة دينية وإيجاد مجتمع ديني يتحقق الرفاه المادي بالضرورة؛ ي) يدافع عن الحضارة الغربية الحديثة، وفي مواضع كثيرة، عن ثقافتها أيضاً، ويرى هذه الحضارة والثقافة ناجحة في تلبية الحاجات الدنيوية المادية، التي لا يتكفل بها الدين؛ و) إما أنه يرى عدو العالم الإسلامي داخلياً أكثر منه خارجياً؛ ويقول: «منا كان ما بنا»؛ صحيح أن الغربيين كانت لديهم نزعات هيمنة واستعمار أيضاً، لكن الصحيح أيضاً أن: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
3_2_ الإسلام التقليدي، الذي كان أبرز المتحدثين باسمه، في هذا القرن، أمثال رينيه غينون۲۴، وفريتيوف شووان۲۵، وتيتوس بوركهارت۲۶، ومارتن لينغز۲۷، وسيد حسين نصر، وغاي إيتون۲۸، (2) أ) يرى العقل الاستدلالي مجرد أداة لكشف واستخراج حقائق الكتاب والسنة، لكنه لا يعتبره مصدراً إلى جانبهما، وهذه المنزلة الأخيرة لا يمنحها إلا للعقل الشهودي۲۹ الذي هو سند حجية الدين واعتباره. وإن لجأ إلى تأويل الكتاب والسنة فإنما يفعل ذلك بحكم العقل الشهودي في الغالب، لا العقل الاستدلالي؛ ومن هذه الناحية، فهو ليس عقلانياً۳۰ ولا متحرراً من التعبد، ب) شأنه شأن الإسلام التجديدي، يؤكد على روح رسالة الإسلام، لا على ظواهرها؛ ج) إنه ذو نزعة اختبارية ويرى التدين ضرباً من السير والسلوك الباطني والروحي، تكون مراعاة أحكام الشريعة والفقه فيه شرطاً ضرورياً، لكنه غير كاف، للتوفيق إليه؛ وهو لا ينظر إلى الشريعة والفقه، بأي حال، بوصفهما هدفاً وغاية، بل يعتبرهما وسيلة وأداة لا مناص من التوسل بها والتمسك؛ ومن ثم، فهو يذم الذين يتخذون الشريعة هدفاً بدلاً من وسيلة، كما يذم الذين ينكرون حتى كونها وسيلة لا غنى عنها؛ د) لا تشغله إقامة مجتمع شريعتي وفقيهي، بل يسعى بالأحرى إلى أن يسود، على مستوى عامة الناس، نوع من الأخلاق قوامها «لا ترضَ لغيرك ما لا ترضاه لنفسك» والتسامح والمروءة والتيسير على الآخرين والتشدد على الذات، وأن تقترب قوة الروحانية والتسامي واستعدادها، على مستوى النخب والصفوة، أي أولئك الذين لديهم استعداد للسير والسلوك الباطني والروحي، من الفعلية والتحقق؛ ولذلك، ه) شأنه شأن الإسلام التجديدي، لا يستاء من فصل الدين عن السياسة ولا يرى في الحكومات غير الدينية عائقاً أو مزاحماً كبيراً لاستكمال الفرد في المجتمع؛ و) شأنه شأن الإسلام التجديدي، يؤمن بالتعددية الدينية؛ و، ز) يرحب أيضاً بالتعددية السياسية؛ ح) يرى الدين ساداً للحاجات الروحية فحسب؛ ط) لا يعتقد البتة أن الدين وعد بتحقيق جنة أرضية، بل على العكس من ذلك يؤكد؛ لكن ي) شأنه شأن الإسلام الأصولي، هو على خلاف جدي مع ثقافة الغرب الحديث وحتى حضارته، ويرى هذه الثقافة والحضارة نتاج عصر ظلمة وثمرة لبعد الإنسان عن أصله وفطرته الروحية، ويراها ذات ماهية مضادة للدين وغير روحانية؛ أما يا) فشأنه شأن الإسلام التجديدي، يرى المسلمين، من حيث نكبة المجتمعات الإسلامية وإدبارها، أجدر بالملامة والنقد من الغربيين والأجانب.
3_ والآن، نتناول، بإيجاز شديد، بيان كيفية ارتباط الليبرالية بالإسلام ونسبتها إليه.
1_3_ من البديهي أن الإسلام الأصولي لا يتوافق مع الليبرالية الأخلاقية، ولا مع الليبرالية السياسية، ولا مع الليبرالية اللاهوتية.
2_3_ ومرة أخرى، لا شك أن الإسلام التجديدي يتوافق مع الليبرالية الأخلاقية، ومع الليبرالية السياسية، ومع الليبرالية اللاهوتية. والحقيقة أنه على الرغم من أن للتجديدية صوراً وأشكالاً عديدة أخرى غير الليبرالية، فإن أنصار الإسلام التجديدي الحاليين، في جميع أنحاء العالم الإسلامي، يعتنقون المذهب الليبرالي في الأغلبية الساحقة من الحالات.
3_3_ أما الإسلام التقليدي فله من الليبرالية الأخلاقية موقف الموافق، ومن الليبرالية السياسية موقف بين بين. فهذه الرواية من الإسلام، بدلاً من أن يكون همها تغيير البنى التحتية السياسية للمجتمع وإصلاحها، تعنى بتغيير وإصلاح الوضع والحال الباطنية والداخلية لآحاد الأفراد؛ وهي تتفق إجمالاً مع هذا المذهب في إضعاف وإمحاء الامتيازات والفوارق التي تسعى الليبرالية إلى إلغائها؛ لكنها لا تشاطر هذا المذهب مفهومه للحرية، ومفهومها لحقوق الإنسان لا يتطابق تماماً مع المفهوم الليبرالي؛ وهي، خلافاً لليبرالية، لا ترى البشر في حال تقدم دائم، بل على العكس، تضع إصبع «الأمل» على نوع من التراجع المعنوي والروحاني لدى البشر؛ وترى الطبيعة البشرية خيرة وتعتبرها نفخة ونفحة إلهية، لكنها، مع ذلك، لا توافق المفهوم الليبرالي لأصالة الفرد.
4_ والنتيجة أنه لا يمكن الادعاء بأن الإسلام، على نحو مطلق، لا يتوافق مع الليبرالية، وأن الليبرالية الإسلامية والإسلام الليبرالي مفهومان متناقضان۳۱. لكن يمكن القول بالطبع إن إحدى قراءات الإسلام، أي القراءة الأصولية، لا تنسجم مع الليبرالية. أما أي هذه الإسلامات الثلاثة أكثر قابلية للدفاع عنها منطقياً، فذاك حديث طويل آخر لا يتسع له هذا المقال. ولا يفوتني أن أقول إن أكثر قراءات الإسلام افتقاراً للدفاع عنها، في ظن كاتب هذه السطور، هي قراءته الأصولية.
.
.
۱_ liberalism
۲_ legalism
۳_ rigorism
۴_ factual
۵_ tutiorism
۶_ normative
۷_ evelative
۸_ factual
۹_ orthodoxy
۱۰_ Jaspers
۱۱_ Vidler
۱۲_ fundamentalist
۱۳_ modernist
۱۴_ traditionalist
۱۵_ reason
۱۶_ letter
۱۷_ spirit
۱۸_ secular
۱۹_ value neutral
۲۰_ plularism
۲۱_ imperialism
۲۲_ sentimental
۲۳_ secular
۲۴_ Rene Guenon
۲۵_ Frithjof Schuon
۲۶_ Titus Burckhardt
۲۷_ Martin Lings
۲۸_ Gai Eaton
۲۹_ Intellect
۳۰_ rationalist
۳۱_ paradoxical
.
.
(1)_ See Nasr, Seyyed Hossein, The Need for a Sacred Science, (Albany: SUNY, 1993), PP.138-140
(2)_ لا ينبغي الخلط بين الإسلام التقليدوي والإسلام التقليدي الذي يُتفوه به في بلدنا خلال العقدين الأخيرين. فهذا الإسلام التقليدي ليس في الواقع سوى نوع من الفقه التقليدي الذي سُخّر لخدمة نوع من الإسلام الأصولي، الذي يحمل معه نزراً يسيراً جداً من الإسلام التحديثي والإسلام التقليدوي.
.
.
.
.
الكاتب: مصطفى ملكيان
مجلة كيان، العدد ۴۸، السنة التاسعة (مرداد وشهريور ۱۳۷۸)
.
.
الفلسفة
الفلسفة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.