اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتّهم النقاد الليبرالية بالتمركز حول الذات وتجاهل الحقوق الجماعية. ويبيّن آرش نراقي أن الفردانية الأخلاقية الليبرالية تتسق مع الإيثار، ويمكن التوفيق بين الحقوق الجماعية ومسلّماتها.

(١)
لقد وجد كثير من منتقدي الليبرالية أن هذه المدرسة جديرة بالنقد من حيث إنها قائمة على "الفردانية". فمن منظور هؤلاء المنتقدين، تنطوي "الفردانية" على الأقل على إشكاليتين أخلاقيتين مهمتين:
الأولى، أن الفردانية لا يمكن التوفيق بينها وبين روح الإيثار وحب الغير، أي أن الفرد الليبرالي، من حيث هو فرداني، هو "متمركز حول الذات" و"أناني"؛ والثانية، أن الفردانية تؤدي في نهاية المطاف إلى تجاهل "الحقوق الجماعية"، أي أنه في إطار مسلمات الرؤية الليبرالية، لا يُعترف إلا بـ"الحقوق الفردية" فحسب، ولا يجد مفهوم "الحقوق الجماعية" معنى واضحاً وقابلاً للدفاع عنه.
هدفي في هذه المقالة هو أن أبين: أولاً- أن الليبرالية لا تؤدي بالضرورة إلى "التمركز الأخلاقي حول الذات"، وثانياً- أنه يمكن أن يكون هناك فهم لـ"الحقوق الجماعية" يكون متسقاً مع المسلمات الأساسية لليبرالية.
ما أعنيه بـ"الليبرالية" في هذه المقالة هو، قبل كل شيء وقبل أي اعتبار آخر، الرؤية التي بموجبها يتمثل الدور الرئيسي للدولة في تأمين وضمان الحقوق الأساسية السياسية والمدنية لأفراد المجتمع. وتُعتبر هذه الحقوق الأساسية من مقولة الحقوق الفردية، ومن بعض أهم مصاديقها: الحق في حرية التعبير، والحق في حرية العقيدة والدين، والحق في حرية التجمعات، والحق في المشاركة السياسية الفاعلة، والحق في المحاكمة العادلة، وكذلك الحق في تكافؤ الفرص.
الليبرالية بهذا المعنى قائمة على نوع من "الفردانية الأخلاقية"، أي أن الفرد الليبرالي يعتبر، في نهاية المطاف ومن الناحية الأخلاقية، الفردَ هو المهم وحجر الزاوية في العالم الأخلاقي. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن أهم ما ينبغي أن نصبو إليه من الناحية الأخلاقية هو دعم وحماية الفرد الإنساني وكرامته المتأصلة. وليست الليبرالية بالضرورة ذات صلة بـ"الفردانية الميتافيزيقية أو الوجودية". الفردانية الميتافيزيقية أو الوجودية هي رؤية تقول على الأقل بإحدى العقيدتين التاليتين: (أ) لا وجود خارجي لشيء اسمه "جماعة" أو "جمع"، بل كل ما هنالك هو الأفراد فرادى الذين يكوّنون إلى جانب بعضهم البعض "الجماعة" أو "الجمع"؛ و(ب) يمكن رد جميع خصائص وأوصاف "الجماعة" أو "الجمع" إلى خصائص وأوصاف الأفراد المكونين لتلك الجماعة أو الجمع. ليس من الضروري للفرد الليبرالي، من حيث هو ليبرالي، أن يفترض صحة (أ) و(ب). فما تستلزمه رؤيته هو فقط أن يجعل "الفرد" من الناحية الأخلاقية المحور الرئيسي لاهتمامه وحساسيته.
(٢)
ولكن هل تؤدي "الفردانية الأخلاقية" لليبرالية بالضرورة إلى "التمركز الأخلاقي حول الذات"؟
في الإجابة عن هذا السؤال، من الجيد أولاً أن ننتبه إلى أن "الفردانية الأخلاقية" و"التمركز الأخلاقي حول الذات" مفهومان متمايزان. فالفردانية الأخلاقية، كما رأينا، هي رؤية بموجبها يكون أهم محور للاهتمام والانشغال الأخلاقي هو الفرد الإنساني. أما التمركز الأخلاقي حول الذات فهو رؤية بموجبها ليس على الفرد الإنساني سوى واجب أخلاقي واحد، وهو أن يسعى دوماً إلى تأمين مصالحه الشخصية، وأن يحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من المنافع لنفسه.
وعليه، فالسؤال الرئيسي هو: هل الإقرار بـ"الفردانية الأخلاقية" يستلزم الإقرار بـ"التمركز الأخلاقي حول الذات"؟ بقدر ما أتبين، لا توجد مطلقاً علاقة استلزام كهذه بين هذين المفهومين، بل على العكس من ذلك، ففي أهم روايات الليبرالية، اعتُبرت الفردانية الأخلاقية أساساً لنفي التمركز الأخلاقي حول الذات. لذلك، أرغب هنا في الدفاع عن الادعاءين التاليين: أولاً- التمركز الأخلاقي حول الذات رؤية خاطئة؛ ثانياً- الفردانية الأخلاقية المفترضة في الليبرالية يمكن أن تتسق بشكل جيد مع روح الإيثار وحب الغير.
ولكن لماذا لا يكون "التمركز الأخلاقي حول الذات" رؤية قابلة للدفاع؟
أولاً، لا يمكن لـ"التمركز حول الذات أخلاقياً" أن يقدّم أساساً معقولاً لحلّ التضاد والتعارض بين المصالح. على سبيل المثال، لنفترض أن السيد ألف والسيد باء كلاهما مرشحان لرئاسة الجمهورية. ولنفترض أن مصلحة كل منهما تقتضي أن يُنتخب هو للرئاسة. لكن بالطبع لا يمكن إلا لواحد منهما فقط أن يفوز في الانتخابات. وبالتالي، فإن فوز السيد ألف هو في صالحه وفي ضرر السيد باء، وفوز السيد باء هو في صالحه وفي ضرر السيد ألف. في هذه الظروف، على سبيل المثال، تقتضي مصلحة السيد ألف أن يتخلص من السيد باء إذا لزم الأمر (خصوصاً إذا كان يعلم أنه يستطيع الإفلات من العواقب الوخيمة لفعله). إذن، وفقاً لرؤية "التمركز حول الذات أخلاقياً"، فإن واجبه الأخلاقي هو أن يفعل ذلك إذا لزم الأمر، وإذا امتنع عن القيام بهذا الفعل، يكون قد انتهك واجبه الأخلاقي وارتكب أمراً قبيحاً. ويمكن طرح نظير هذا الاستدلال لصالح السيد باء أيضاً. لكن هذه النتيجة تبدو خاطئة: فأخلاقٌ تجيز للطرفين، بل وتُلزمهما، عند تعارض المصالح، بالتخلص من الخصم إذا لزم الأمر، لا تبتعد عن اللا أخلاق.
ثانياً، إن "التمركز حول الذات أخلاقياً"، كما رأينا، يميّز بين "الذات" و"الآخرين"، ثم يرجّح مصالح الذات على مصالح الآخرين. لكن إلى أي حدّ يمكن الدفاع عن هذا التمييز من منظور أخلاقي؟ إن أي تمييز بين البشر، وترجيح مصالح مجموعة على مجموعة أخرى، يكون مبرراً أخلاقياً فقط إذا لم يتم بطريقة اعتباطية ودون أساس عقلي موجّه. على سبيل المثال، العنصرية غير مقبولة أخلاقياً لأن البشر قد مُيّزوا عن بعضهم البعض على أساس العرق أو لون البشرة، وبناءً على ذلك رُجّحت مصالح عرق على عرق آخر. لكن التمييز الأخلاقي بين البشر على أساس العرق أو لون البشرة لا يمكن الدفاع عنه عقلاً. بعبارة أخرى، يبدو أن حدسنا الأخلاقي يجد المبدأ الأخلاقي التالي مقبولاً (لنسمّه "مبدأ المساواة الأخلاقية بين البشر"):
مبدأ المساواة الأخلاقية بين البشر : ينبغي معاملة البشر على نحو متساوٍ ما لم يمكن إثبات وجود فارق حقيقي وذي صلة أخلاقية بينهم، يمكن بموجبه تبرير الاختلاف في المعاملة.
على القائلين بـ"التمركز حول الذات أخلاقياً" أن يوضحوا على أي أساس يمكن الدفاع عنه عقلاً ينتهكون "مبدأ المساواة الأخلاقية بين البشر"، ويرجّحون مصالح "الأنا" دائماً وتحت أي ظرف على مصالح "الآخرين". وبقدر ما أفهم، لا يوجد أي أساس يمكن الدفاع عنه عقلاً لمثل هذا الترجيح. وعلى أية حال، فإن مسؤولية إقامة البرهان هنا تقع على عاتق القائلين برؤية "التمركز حول الذات أخلاقياً".
إذا قبلنا بأن ترجيح (المطلق والدائم) لمصالح "الذات" على "الآخرين" لا يملك أساساً يمكن الدفاع عنه عقلاً، فعلينا حينئذٍ بالضرورة أن نُقرّ بأن "التمركز حول الذات أخلاقياً" ينتهك "مبدأ المساواة الأخلاقية بين البشر"، ولا يمكن الجمع بينهما. لكن من ناحية أخرى، فإن "الفردانية الأخلاقية" منسجمة تماماً مع "مبدأ المساواة الأخلاقية بين البشر". أي أن الفرد الليبرالي يستطيع، في الوقت الذي يعتبر فيه الفرد الإنساني محور الاهتمام والانشغال الأخلاقي، أن يولي قيمة أخلاقية متساوية لفرادى البشر، وألا يجيز الاختلاف في السلوك مع البشر إلا في حال وجود أساس عقلي موجّه له.
قبل أن أتطرق إلى الادعاء الثاني بشأن علاقة "الفردانية الأخلاقية" و"الإيثار"، أود التأكيد على نقطتين:
الأولى، أنه ينبغي التمييز بين "السلوكيات الأنانية" و"السعي لتأمين المصالح الشخصية". لا يمكن اعتبار كل نوع من السعي لتأمين المصالح الشخصية مصداقاً للسلوك الأناني. على سبيل المثال، عندما أراجع الطبيب لعلاج مرضي، فأنا في الواقع أسعى لتأمين مصلحتي الشخصية، لكن يصعب اعتبار هذا الفعل إجراءً "أنانياً". سلوكي يكون "أنانياً" عندما أتجاهل فيه مصالح الآخرين (في ظروف يكون عليّ فيها مراعاة تلك المصالح).
ثانيًا، إنّ الاهتمام بالذات لا يعني بالضرورة أن الفرد لا يستطيع الاهتمام بالآخرين. فبوسع الفرد، في سعيه لتأمين مصالحه، أن يحترم مصالح الآخرين أيضًا، وأن يعتبر رفاههم مهمًّا ومحترمًا إلى جانب رفاهه. صحيح أنه في بعض الحالات يحدث تعارض بين مصالحنا ومصالح الآخرين، ويتعيّن على الفرد أن يختار أحدها. لكن ليس الأمر أننا مضطرون دائمًا للاختيار بين مصالحنا ومصالح الآخرين. فأحيانًا لا يوجد تزاحم بين مصالحنا ومصالح الآخرين، ويستطيع الفرد، علاوة على تأمين مصالحه الشخصية، أن يسعى لتأمين مصالح الآخرين. وأحيانًا نستطيع تأمين مصالح الآخرين دون أن يؤثر ذلك بالضرورة، سلبًا أو إيجابًا، على مصالحنا الشخصية. وفي حالات كثيرة، نفضّل مصالح الآخرين على مصالحنا عن طيب خاطر، خصوصًا حين يكون هؤلاء "الآخرون" من أصدقائنا وأفراد أسرتنا.
لكن هل يمكن لـ"الفردانية الأخلاقية" أن تتوافق مع روح "الإيثار"؟
في اعتقادي، في إطار مسلّمات الليبرالية، يمكن لـ"الفردانية الأخلاقية" مضافًا إليها "مبدأ المساواة الأخلاقية بين البشر" أن يوفّر أساسًا مقبولًا عقليًّا لـ"الإيثار". وبتعبير أدق، في إطار مسلّمات الليبرالية، يمكن الاستدلال على "الإيثار" على النحو التالي:
۱- من منظور "الفردانية الأخلاقية"، تحظى احتياجات الفرد الإنساني ومصالحه ومنافعه بأهمية أساسية. لذا، يحق لـ"أنا"، بوصفي فردًا إنسانيًّا، أن أسعى لتأمين احتياجاتي ومصالحي ومنافعي (ما لم تفرض أفعالي ضررًا غير مبرر على الآخر).
۲- وفقًا لـ"مبدأ المساواة الأخلاقية بين البشر"، ينبغي معاملة جميع البشر (بمن فيهم "أنا" و"الآخرون") على قدم المساواة، ما لم يوجد دليل مبرر يقتضي خلاف ذلك. وبتعبير آخر، وفقًا لهذا المبدأ، لا يوجد من حيث الأصل فرق واقعي وذي صلة أخلاقية بين "أنا" و"الآخرين" (ما لم يثبت خلاف ذلك).
۳- إذن، بقدر ما تكون احتياجات "أنا" ومصالحي ومنافعي الفردية مهمة، ينبغي أن تُعتبر احتياجات "الآخرين" ومصالحهم ومنافعهم مهمة أيضًا (بشرط ألا يوجد دليل مبرر يقتضي خلاف ذلك). وبتعبير آخر، على نفس الأساس الذي أولي به أهمية لاحتياجاتي ومصالحي ومنافعي، ينبغي أن أعطي أهمية لاحتياجات "الآخرين" ومصالحهم ومنافعهم (ما لم يوجد دليل يقتضي خلاف ذلك).
على سبيل المثال، قد نتساءل: في إطار مسلّمات الليبرالية، لماذا ينبغي عليّ أن أهتم بالجائعين، وأن أعتبر نفسي مكلّفًا بالإسراع لمساعدتهم قدر استطاعتي؟ في اعتقادي، في إطار مسلّمات الليبرالية، يستطيع الفرد أن يجيب: لو كنت أنا جائعًا، لكنت أطرق كل باب تقريبًا لأجد طعامًا. أي أنني كنت سأعتقد في تلك الظروف أن حاجتي للطعام ينبغي أن تُلبّى. لكن هل من فرق بين جوعي وجوع الآخرين؟ هل يتسبب الجوع للآخرين بألم أقل؟ هل الآخرون أقل استحقاقًا مني للتخلص من ألم الجوع؟ إذا لم يكن هناك أي فرق ذي صلة أخلاقية بين "أنا" و"هم"، فحينئذٍ، على نفس الأساس الذي ينبغي أن تُلبّى به حاجتي للطعام، ينبغي أن تُلبّى حاجتهم للطعام أيضًا. وبتعبير آخر، بقدر ما أنا مستحق للتمتع بالحق في المعيشة، فإن الآخرين مستحقون أيضًا للتمتع بهذا الحق، وبقدر ما يكون على الآخرين، حين أجوع، واجب إغاثتي، يكون عليّ، حين يجوع الآخرون، واجب مساعدتهم. إذن، في إطار الليبرالية، يمكن لـ"الفردانية الأخلاقية" إلى جانب "مبدأ المساواة الأخلاقية بين البشر" أن تلزمني أخلاقيًّا بأن أعطي أهمية لألم ومعاناة البشر الآخرين، وأن أعتبر نفسي مكلّفًا أخلاقيًّا بالسعي للتخفيف من آلام الآخرين.
(۳)
هل يمكن، في إطار المسلّمات الأساسية لليبرالية، الاعتراف بمفهوم "الحقوق الجماعية"؟
من الجيد أن أوضح أولاً فهمي لمفهوم "الحقوق الجماعية". أهم ما يميز "الحقوق الفردية" عن "الحقوق الجماعية" هو أن الحقوق الفردية تُنسب إلى الفرد، ويمكن للفرد من حيث المبدأ أن يتمتع بذلك الحق بشكل مستقل، أما الحقوق الجماعية فلا تُنسب إلى فرد بعينه بل إلى مجموعة من الأفراد، ولا يمكن إحرازها وممارستها إلا بشكل جماعي، أو على الأقل بالنيابة عن الجماعة. من جهة أخرى، يُراد بالحق الجماعي تأمين وضمان منفعة أو مصلحة جماعية، أي منفعة أو مصلحة إذا ما تم تأمينها وضمانها، فإن خيرها يعود على جميع أعضاء الجماعة أو أغلبيتهم. على سبيل المثال، حق ملكية الشعب الإيراني للثروات النفطية هو من جملة "حقوقهم الجماعية". أي أنه لا يمكن لأي فرد بمفرده أن يتمتع بهذا الحق، ولا يمكن لأي فرد أو مجموعة أن تتصرف في هذه الثروة الوطنية، إلا إذا أحرزت تمثيلاً حقيقياً للشعب في هذا الشأن. بطبيعة الحال، عندما يُستوفى حق الشعب في هذه الثروة الوطنية، يُفترض أن جميع الناس أو أغلبيتهم يستفيدون منها.
هل يقتضي "الفردانية الأخلاقية" المفترضة في الليبرالية إنكار وجود "الحقوق الجماعية"؟ يدّعي نقاد الليبرالية أننا إذا قبلنا مذهب "الفردانية"، فعلينا بالضرورة أن نقر بأن الأصالة للفرد، وأنه لا يوجد كيان تحت عنوان "الجماعة"، مستقل ومتعالٍ عن الأفراد. وبالتالي، في إطار الليبرالية، لا يمكن نسبة "الحقوق الجماعية" إلى شيء آخر غير الأفراد. لذا، لا يبقى أمام الليبرالي هنا سوى ثلاثة طرق: إما (أ) أن يرد الحقوق الجماعية في نهاية المطاف إلى مجموعة من الحقوق الفردية، أو (ب) أن ينكر وجود "الحقوق الجماعية"، أو (ج) أن ينبذ الليبرالية. من منظور هؤلاء النقاد، إن إنكار وجود "الحقوق الجماعية" وكذلك ردها إلى مجموعة من الحقوق الفردية أمر غير ممكن، وبالتالي، لا بد من اعتبار وجود "الحقوق الجماعية" ناقضاً لمصداقية الليبرالية.
لنفترض أن الحق مع هؤلاء النقاد في أن وجود الحقوق الجماعية لا يمكن إنكاره، وأن هذه الحقوق لا يمكن ردها إلى مجموعة من الحقوق الفردية (أي لنفترض أن استدلالهم في هاتين المسألتين، أياً كان، معتبر). لكن هل يؤدي الإقرار بهاتين الدعويين بالضرورة إلى نفي الليبرالية؟ في اعتقادي أن الجواب هو النفي.
السبب الأول هو أن هذا الاستدلال لا يفضي إلى النتيجة المرجوة إلا إذا اعتبرنا أن "الفردانية" المفترضة في الليبرالية هي من نوع "الفردانية الميتافيزيقية أو الوجودية"، لا "الفردانية الأخلاقية". وكما أشرت سابقاً، فإن "الفردانية الميتافيزيقية أو الوجودية" لا تتسق مع افتراض كيان اسمه "الجماعة"، مستقل ومتعالٍ عن الأفراد، لكن "الفردانية الأخلاقية" ليست بالضرورة ملتزمة بمثل هذا الافتراض المسبق الميتافيزيقي. ومقتضى الليبرالية هو مجرد الإقرار بـ "الفردانية الأخلاقية"، لا "الفردانية الميتافيزيقية أو الوجودية".
أما السبب الثاني فهو الأهم. يبدو أن الافتراض المسبق لدى أولئك النقاد كان: (أولاً) أن الحقوق الفردية لا يمكن تبريرها إلا بشكل "فرداني"، أي أن هذه الحقوق لا تكون مبررة إلا إذا أمّنت وضمنت منفعة أو مصلحة فردية؛ و(ثانياً) أن "الفردانية" لا يمكنها أن تعترف بشكل متسق بوجود الحقوق الجماعية، وبعبارة أخرى، لا يمكن تبرير الحقوق الجماعية بشكل فرداني. هذان الافتراضان المسبقان، كلاهما، يبدوان كاذبين، وذلك لأنه:
أولاً، يمكن تبرير كثير من الحقوق الفردية المهمة بشكل "غير فرداني" أيضاً. على سبيل المثال، انظر إلى حق حرية التعبير. صحيح أن استيفاء هذا الحق يمكن أن يؤمن ويضمن المنافع والمصالح الفردية لأعضاء المجتمع، لكن بالإضافة إلى ذلك، يمكن لمراعاة ذلك الحق أن تحمي منافع ومصالح الجماعات التي تجمعت حول قيم مشتركة. من منظور تاريخي، أدى تأمين وضمان الحقوق الأساسية السياسية والمدنية إلى بقاء واستمرار جماعات وفئات كانت في الأقلية، أو كانت في قاعدة هرم السلطة في المجتمع السياسي. لذا، يمكن تماماً تبرير حق حرية التعبير على أساس الخدمة التي يقدمها لتأمين وضمان منافع تلك الجماعات (من حيث هي جماعات). وبالتالي، فإن الليبرالية، حتى في حالة الحقوق الفردية، ليست مضطرة إلى الالتزام بالتبرير "الفرداني"، فما بالك بالحقوق الجماعية.
ثانيًا، يمكن تبرير الحقوق الجماعية بطريقة "فردانية" أيضًا. فعلى سبيل المثال، يحق للأقوام المختلفة الحفاظ على ثقافتها الخاصة. إن حق قوم ما في الحفاظ على ثقافته الخاصة هو من جملة الحقوق الجماعية. لكن الحفاظ على ثقافة ما مهم وقيم خصوصًا بسبب الأهمية والقيمة التي تحملها تلك الثقافة لكل فرد من أفرادها. وبالتالي، يمكن تبرير حق قوم ما في الحفاظ على ثقافته بناءً على الدور المهم الذي تؤديه تلك الثقافة في الحياة الفردية لأعضاء ذلك القوم. بعبارة أخرى، لا يجعل أي من الأركان الأساسية لليبرالية التبرير الفرداني للحقوق الجماعية أمرًا مستحيلًا.
لذا، فإن الفرد الليبرالي، من حيث كونه ليبراليًا، يمكنه من حيث المبدأ، وفي الوقت نفسه الذي يقر فيه بـ"الفردانية الأخلاقية"، أن يبرر "الحقوق الفردية" بناءً على اعتبارات جمعية، أو "الحقوق الجماعية" بناءً على اعتبارات فردية. وهكذا، يمكن للفرد الليبرالي من حيث المبدأ، ودون أن ينكر وجود الحقوق الجماعية، أو يردها في نهاية المطاف إلى مجموعة من الحقوق الفردية، أن يبرر تلك الحقوق بناءً على اعتبارات فردية. إن "الفردانية الأخلاقية" المفترضة في الليبرالية منفتحة تمامًا على هذه الإمكانية.
(٤)
والخلاصة أنه إذا كانت استدلالات هذه المقالة معتبرة، فعلينا بالضرورة أن نسلم بأن الفردانية الأخلاقية المفترضة في الليبرالية متسقة مع روح "الإيثار"، ويمكنها من حيث المبدأ أن تعترف بـ"الحقوق الجماعية".
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.