اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لم يكن يسوع فيلسوفاً ولا مصلحاً اجتماعياً، بل ألقى ناراً في العالم؛ فالرواية الإنجيلية لاهتمامه بالمهمشين والتفسير النيتشوي لمفهوم الاتّباع يتحديان الحدود الفاصلة بين «يسوع من أجل الإنسان» و«الإنسان من أجل يسوع».

«من هو عيسى؟» الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر الهيّن. وكأنّ عيسى، بتحقيق وعده ذاك القائل «جئتُ لألقي نارًا على الأرض»، قد ألقى نارًا في العالم ألسنتُها تلتهم اللسان أيضًا، شأنه شأن كلّ ظاهرة أرضيّة أخرى، وتحرقه. ولعلّ هذا هو السبب في أنّ كارل ياسبرس، الفيلسوف الألماني في القرن العشرين، حين يريد الحديث عن عيسى، يفضّل أن يقول «ما لم يكنه عيسى» عوض أن يقول مباشرةً «من هو عيسى». في نظر ياسبرس، لم يكن عيسى «فيلسوفًا ذا فكرٍ نسقيّ يرتّب معتقداته وينظّمها في نسقٍ فكري. ولم يكن مصلحًا اجتماعيًا يحمل برنامج عملٍ لأهدافه، ولا رجلًا سياسيًا يريد تغيير البلاد وإعادة بنائها. لم يكن عيسى يمارس التعميد؛ كما أنّه لم يؤسّس لا منظمةً ولا أمّةً ولا كنيسة. لم يكن عبقريًا، بل يمكن القول إنّه لم يكن حتى بطلًا».
مژده ای دل که مسیحا نفسی میآید که ز انفاسِ خوشش بُوی کسی میآید (حافظ)
«من هو عيسى؟» الإجابة عن هذا السؤال ليست بالأمر الهيّن. وكأنّ عيسى، بتحقيق وعده ذاك القائل «جئتُ لألقي نارًا على الأرض»، قد ألقى نارًا في العالم ألسنتُها تلتهم اللسان أيضًا، شأنه شأن كلّ ظاهرة أرضيّة أخرى، وتحرقه. ولعلّ هذا هو السبب في أنّ كارل ياسبرس، الفيلسوف الألماني في القرن العشرين، حين يريد الحديث عن عيسى، يفضّل أن يقول «ما لم يكنه عيسى» عوض أن يقول مباشرةً «من هو عيسى». في نظر ياسبرس، لم يكن عيسى «فيلسوفًا ذا فكرٍ نسقيّ يرتّب معتقداته وينظّمها في نسقٍ فكري. ولم يكن مصلحًا اجتماعيًا يحمل برنامج عملٍ لأهدافه، ولا رجلًا سياسيًا يريد تغيير البلاد وإعادة بنائها. لم يكن عيسى يمارس التعميد؛ كما أنّه لم يؤسّس لا منظمةً ولا أمّةً ولا كنيسة. لم يكن عبقريًا، بل يمكن القول إنّه لم يكن حتى بطلًا».
لكنّ التأمّل في سؤال «إلى من كان عيسى يتوجّه بوجهه؟» قد يكون قادرًا أيضًا على تقريبنا من أفق حياته، ومنيرًا لتأمّلاتنا حول السؤال الأوّل.
بحسب رواية الأناجيل، كان عيسى يتوجّه إلى جميع الناس، وكان دائم العزم على أن يضيء نورًا في طريق من يجده تائهًا وحيران، وأن يزيد لهيب من يراه ولهانًا ومفتونًا بالحقّ والحقيقة.
طبیبِ عشق مسیحادم ست و مشفق، لیک چو درد در تو نبیند کهرا دوا کند؟ (حافظ)
كان عيسى سماءً تشرق شمسها على الأخيار والأشرار على حدّ سواء، ويهطل مطرها على الجميع، عادلين وظالمين. وبلسان مولانا، كان بحرًا يهدي البعيدين مطرًا، ويرسل إلى القريبين درر التحية. وبتعبير أوسكار وايلد الجميل، «جعل البشريّة جمعاء عروسًا له، وعلى صليب الألم والخدمة، وقّع عهد زواجه وميثاقه مع تلك العروس، وسيأخذ عروسه معه إلى الفردوس». (من مقدّمة المترجم لكتاب «ذلك الخردمند الآخر»؛ هنري فان دايك؛ ترجمة حسين إلهي قمشهاي)
كانت طريقته في المحبّة أنّه كان يعاشر من كان المجتمع يحتقِرهم كالعشّارين والبغايا، ويذهب إلى أولئك الذين كانت لهم حياة مثيرة للشفقة في المجتمع. كان يولي الفقراء والمحقّرين والخطأة قيمةً أكبر، لأنّه كان يؤمن بأنّ أرواحهم قد لانت وصار الطريق أمامهم ممهّدًا أكثر لتقبّل الإيمان الجديد. كان عيسى يقول: «الأصحّاء لا يحتاجون إلى طبيب، بل المرضى» و«ما جئتُ لأدعوَ أبرارًا بل خطأة».
نصیبِ ماست بهشت ای خداشناس برو که مستحقّ کرامت گنهکارانند (حافظ)
في المقابل، كان يبتعد عن أولئك الذين يرون أنفسهم في مأمن، والذين تعلّقوا بقدراتهم وممتلكاتهم. «ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله!». «إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله». في نظره، ذلك العشار الذي لا يجرؤ على رفع عينيه نحو السماء، بل يقرع صدره قائلاً: اللهم ارحمني أنا الخاطئ، ينال المغفرة والخلاص؛ أما ذلك الفريسي (الروحاني اليهودي) الذي يصلي إلى الله قائلاً: اللهم إني أشكرك لأني لست مثل سائر الناس الخاطفين الظالمين الزناة، ولا مثل هذا العشار، فيُحرم من النعمة والخلاص. على أية حال، لم يأخذ أحد، عدا يسوع، زانية على محمل الجد عند سجادة صلاة!
إننا نعتبر يسوع مبشراً بدين إنساني ومحب للإنسان؛ دين هو لأجل الإنسان، وليس الإنسان لأجله. دين ينبع من داخل الإنسان، لا أن يُفرض عليه ويُحقن به من الخارج، متجاهلاً قدرته على التفكير وإمكانية تفرّده ومشوهاً إياه. كان يسوع يقول إن النفس يجب أن تكون طاهرة، وعندئذ «كل شيء طاهر للطاهرين». «ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان». «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر قطعة من روحه؟» وكان يقول نقلاً عن إرميا النبي: «أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم». كان يسوع يقول للروحانيين الذين كانوا ينهونه عن العمل يوم السبت بموجب الشريعة اليهودية: «إن السبت إنما جُعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت».
لقد ترك يسوع، حتى في اللحظات الأخيرة من حياته، صورة إنسانية، بل إنسانية أكثر مما ينبغي، عن نفسه. لقد انتهت حياة يسوع المأساوية على الصليب بهذه الكلمات المزلزلة: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» (إيلي إيلي لما شبقتني!)
"وبالطبع بعد ذلك، وبإضافة هذه الجملة الملغزة 'قد أُكمل'، بدأ تاريخاً يُعرف، بنسبته إليه، بـ'المسيحية'."
ألا ينبغي أن يُقال عن يسوع نفسه أيضاً إن «يسوع هو لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل يسوع»؟ إذا كان الأمر كذلك، فعلينا أن نسأل: بالنظر إلى الإمكانيات التي يتيحها لنا النص، وتحديداً الأناجيل، وكذلك الشواهد الخارج نصية، هل مثل هذا التفسير ليسوع ممكن أساساً؟ ألا تنفي آيات مثل «من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني»، وبصراحة، إمكانية هذا التفسير؟
نحن نعلم أن الفهم العادي والتقليدي لهذه الآية وكلام يسوع، وفي الأساس الفهم التاريخي والرسمي، في تاريخ المسيحية، وعند جميع فرقها ومذاهبها، كان هو أن يسوع والخلاص من خلاله، لا يستحقه إلا من هو تابع ليسوع، وليس تابعاً لنفسه؛ أي بالضبط ذلك الشخص الذي يُدعى، بالمعنى المتداول والمتعارف عليه، «مسيحياً مؤمناً». الآن، ومع أننا لا نشك في أن التأويل الرسمي والتاريخي كان كذلك، لكن هل هذا تبرير وجيه لاعتبار هذا التأويل هو التأويل الوحيد الممكن بالضرورة؟ أو أن يُعتبر، في نهاية المطاف، أفضل وأصح تأويل ممكن يُفضّل على سائر التأويلات؟ يمكن القول إن نيتشه يطلب منا أن نرتاب في هذا التأويل الرسمي والتاريخي.
يكفي أن نتعمق قليلاً في مفهوم «الاتباع» لندرك ربما معنى أعمق من المعاني المتداولة، وعندئذ، ومن خلال ذلك، يصبح ممكناً لنا تأويل أكثر لياقة لكون المرء مسيحياً ولاتباعه يسوع (الاقتداء بالمسيح). هل المسيحي الحقيقي أو التابع الحقيقي ليسوع هو من يسلب نفسه اختياره بمحض اختياره، وينسى ذاته، ويسير وراء يسوع؛ أم على العكس، هو من يضطلع بذاته على غرار يسوع ولا يتخلى عن اختياره لأي أحد آخر؟ ألا ينبغي القول إن المسيحي الحقيقي هو من يحمل صليبه ويسير وراء ذاته؛ لا وراء أي أحد آخر، ولا حتى المسيح؟ بتعبير مونتيني: «من يتبع غيره، لا يتبع أحداً؛ إنه لا يجد شيئاً، لأنه لا يبحث عن شيء!»
يمكن القول، بحسب نيتشه، إن المسيحي الحقيقي هو من لا يكون «مسيحياً»! ذلك أنه وإن كان «يسوع لا ينتمي إلا لمن يتبعه»، لكن ما دامت ضرورة «اتباع الذات» هي الرسالة الحقيقية لحياة يسوع وحقيقة كل رسائله، فإنه ينبغي القول حينئذ: «وحده من يتبع ذاته هو من يتبع يسوع». الآن يمكن أيضاً إدراك معنى قول نيتشه في كتاب «ضد المسيح» (الدجال): «لم يمت على الصليب سوى مسيحي واحد».
من وجهة نظر نيتشه، فإن الرسالة الصادقة لحياة المسيح، بوصفه «فرداً» حطم الكثير من الأصنام والتابوهات في التقاليد والشريعة اليهودية في زمانه، تمثلت في أن على كل واحد من البشر أن يعيش مثله بكرامة وأصالة، وأن يزهر حقيقته وداخليته، ويحول نفسه إلى «فرد». ولكن وا أسفاه أن قطيع البشر، غير آبهين بهذه الرسالة، قد فروا مذعورين هاربين من مخاطر دروب التفكير والتفرد الضيقة، بتعبير منحط ونزوع إلى الراحة. والحق أن التفكير والتفرد يتطلبان جرأة وشجاعة، أما خور الإنسان وجبنه فيكفيانه ليفضل العيش الكسول الجاهل على العيش الحر الواعي، ويختار لنفسه بمحض إرادته العبودية والاغتراب عن الذات وكل ضروب الخسة، بل ويصنع من أسره وحقارته فضيلة أيضاً.
إن زرادشت نيتشه، بتجنبه لمثل هذه العواقب، هو الذي يفضل أن يُدعى «شاعراً» و«مهرجاً» و«منفياً عن كل حقيقة» لا «قديساً». وهو يحذر قائلاً: «لقد وجدتموني آنذاك ولم تكونوا قد وجدتم أنفسكم بعد... والآن آمركم أن تضيعوني وتجدوا أنفسكم؛ وحينها فقط، بعد أن تنكروني جميعاً، سأعود إليكم». إن زرادشت نيتشه، وبطريقة تناقضية، يصف إمكانية اتباع الذات هكذا: «وحده من يتبع ذاته بصدق، سوف يتبعني شيئاً فشيئاً».
لذا، فإن الأفق الفكري لشخص مثل نيتشه الذي يسمي نفسه ضد المسيح، سيساعدنا على فهم يسوع وإدراكه أكثر؛ بل أكثر بكثير من أحد حواريي يسوع! وكأن الواحد أحياناً حين يكون بهذا القدر من «البعد»، يمكنه أن يكون قريباً جداً! والآن ليس صعباً أن نفهم لماذا، عندما يتعلق الأمر بذلك المعنى الرسمي لـ«الاقتداء بالمسيح»، يضطر شخص مثل نيتشه، الذي يجد في نفسه معنى أنقى لهذا المفهوم، إلى أن يسمي نفسه ضد المسيح، وبتعبير سعدي، أن يتكلم بشيء من الخشونة لعل الآخرين يفهمونه بشيء من الصواب. يمكن القول إن مفكراً مثل نيتشه ليس لديه أي عداء مع المسيح نفسه، بل يمكنه حتى أن يمتدحه بوصفه أحد أتم وأكمل تجليات ومصاديق التفرد. من وجهة نظر نيتشه، المشكلة ليست في المسيح، بل في المسيحية وتصورها للمسيح والاقتداء به، حيث صنعت من محطم أصنام صنماً جديداً.
والآن ندرك لماذا كان المسيح، برواية نيتشه، في نظر ياسبرس «لا يزال قوة في مواجهة المسيحية التي نتجت عنه؛ مادة متفجرة كادت مراراً أن تحطم الصور الدنيوية والمتحجرة الكنسية».
هامش: يمكن القول إن «العداء» أو «الصراع المطلق» مع أي شيء، هو بذاته نوع من الاتباع الخفي لذلك الشيء. بعبارة أخرى، إن «العداء» لفكرة أو ظاهرة ما، ينتهي في النهاية إلى نقض غرضه الذاتي، وبدلاً من تجاوزها، يبتلى بالتماهي والاندماج معها! وكما يقول ليشتنبرغ: «أن تكون على النقيض التام من شيء ما هو تقليد له».
بعبارة أخرى، المشكلة تكمن في الإنسان الذي يتنصل دوماً من مسؤولية أخذ ذاته على عاتقه، المقترنة بألم التفرد الملموس والتفكير النقدي. وبهذا المعنى، يفضل الإنسان غالباً، وبدافع من الراحة، أن يقضي حياته بقبول واتباع مطلق لأقرب النماذج في بيئته، ثم في النهاية، عندما تورطه تلك النماذج ذاتها في تحديات وأسئلة جوهرية تفوق طاقته، ينخرط في عداء وصراع مطلق معها، ويستمر هذه المرة، وباستعراض مضحك للحرية، في اغترابه عن ذاته وخداعه لنفسه بشكل أعمق. لكن التحرر من أي فكرة أو ظاهرة مدمرة لا يمكن أن يتم برد فعل سلبي (عاطفي وانفعالي)، بل إن المحاولات والانتفاضات الثورية، إن لم تقترن بفعل نقدي (خلاق ومتأمل)، لن تكون سوى تخبط يائس يذهب بعرضنا ويوقعنا والجميع في العناء.
على أية حال، إن أي عزمٍ وعملٍ ثوريّ لتغيير العالم والإنسان، ما لم يسبقه تغييرٌ جذري في تأويلنا للعالم والإنسان، لن يؤدي إلا إلى تثبيت الوضع القائم وتقويته، بل وإعادة إنتاجه على مستوى أكثر استقراراً وأشد تدميراً. فالإرادات الحديدية المتدرّعة، في ظل غياب الأفكار النيّرة والمستنيرة، حتى وإن اقترنت بألف نية حسنة، لن تقود إلى قرية فحسب، بل سترصف طرقات الجحيم أيضاً.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.